موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٨ أغسطس / آب ٢٠٢٦

الأيقونة كقراءة بصرية للنص الكتابي

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
أيقونة «المسيح ضابط الكل»

أيقونة «المسيح ضابط الكل»

 

تحتل الأيقونة موقعًا خاصًا في التقليد المسيحي الشرقي؛ فهي ليست مجرد عمل فني، بل هي ممارسة لاهوتية، وطقسية، وتأملية لدى طيف واسع من الطوائف المسيحية. ومن هنا تنشأ صلة عميقة بينها وبين الدراسات الكتابية؛ فالأيقونة لا تنقل النص الكتابي إلى صورة بطريقة توضيحية مباشرة، وإنما تعيد بناء معناه داخل لغة بصرية قادرة على مخاطبة العين والذاكرة والخيال والصلاة معًا. وتنبثق من هنا إشكالية هذه الدراسة؛ فالفن الأيقوني لا يمثل مجرد توضيح فوتوغرافي أو زينة جمالية للنص، بل يشكل قراءة تفسيرية مستقلة وعميقة تعيد صياغة المضمون الكتابي بلغة اللون والخط.

 

تهدف هذه الدراسة الموجزة إلى استكشاف الأفق التفسيري المتبادل بين الدراسات الكتابية وفن الأيقونات، متخذةً من أيقونة «المسيح ضابط الكل» (البانتوكراتور) القسطنطينية، المحفوظة في كنيسة «آيا صوفيا» في إسطنبول، نموذجًا تطبيقيًا يكشف تداخل الكلمة بالصورة.

 

 

الأيقونة كتفسير متجسّد

 

حين نتأمل النص الإنجيلي، نجد أن التجسّد الإلهي هو المحور الذي ترتكز عليه العقيدة المسيحية؛ فالكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا (يوحنا 14:1). هذا المبدأ اللاهوتي الجذري يمنح المادة مشروعيتها، ويؤسس لفعل التصوير بذاته. فالأيقونة لا ترسم لاهوتًا مجردًا، بل تترجم اللاهوت إلى واقع مرئي يمكن اختباره بالعين والقلب. ومن هنا، تبدأ العلاقة بين الأيقونة والكتاب المقدس من مبدأ أساسي: النص الكتابي لا يعيش في فراغ أدبي، وإنما يدخل في شبكة من التلاوة والليتورجيا والصلاة والذاكرة الكنسية. وعندما تتخذ الكنيسة حدثًا كتابيًا أو شخصية كتابية موضوعًا للأيقونة، فإنها لا تقوم بمجرد «رسم» لما يقرأه المؤمن، بل تمارس نوعًا من التفسير البصري؛ فالتفسير يختار ما يراه مهمًا في النص، ويحدّد كيفية تقديمه، ويضع عناصره داخل بنية تحمل دلالات لاهوتية.

 

وهذا واضح في أيقونة المسيح «ضابط الكل»؛ فالنصوص التي تتحدث عن المسيح بوصفه كلمة الله وصورة الله غير المنظور تجد في الأيقونة صياغة بصرية مركزة. يقول يوحنا: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلْآبَ» (يوحنا 9:14)، بينما يصف بولس المسيح بأنه «ٱلَّذِي هُوَ صُورَةُ ٱللهِ غَيْرِ ٱلْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ» (كولوسي 15:1). ويؤكد كاتب الرسالة إلى العبرانيين أن الابن هو «بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ» (عبرانيين 3:1). هذه النصوص لا تقدم نظرية فنية بالمعنى المباشر، لكنها تضع أساسًا لاهوتيًا مهمًا: الذي لا يُرى قد أعلن ذاته في شخص المسيح المتجسّد.

 

لذلك، تصبح صورة المسيح ممكنة لاهوتيًا بسبب التجسّد؛ فالأيقونة لا تدّعي أنها تصوّر اللاهوت في ذاته، وإنما تشهد لشخص المسيح الذي صار إنسانًا ودخل مجال الرؤية التاريخية. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الأيقونة باعتبارها تفسيرًا متجسّدًا للنص: إنها تحوّل العبارة اللاهوتية إلى حضور بصري، وتسمح للمؤمن أن يتأمل ما تقوله الأسفار عن المسيح من خلال وجهه، وهيئته، وإيماءته، وكتابه.

 

 

الكلمة والصورة: من النص إلى الرؤية

 

هنا تظهر مسألة أكثر عمقًا: ما العلاقة بين «الكلمة» و«الصورة»؟ المسيحية الكتابية تقوم على إعلان الله بالكلمة، لكنها تعلن أيضًا أن «ٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا» (يوحنا 14:1). ولذلك لا يمكن فصل الكلمة عن التجسّد الذي يجعلها مرئية ومسموعة وملموسة. إن الصورة المسيحية، في أفضل حالاتها اللاهوتية، لا تنافس الكتاب المقدس ولا تحل محله؛ إنها تدخل معه في حوار.

 

الإنجيل يقول عن المسيح: «ٱللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلِٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلْآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا 18:1). إن كلمة «خَبَّرَ» هنا ذات أهمية لاهوتية؛ فالمسيح هو الذي يجعل الآب معروفًا. والأيقونة، حين تمثل المسيح، تتحرك داخل هذا الإطار نفسه: إنها لا تقدم «الله» بوصفه موضوعًا قابلًا للاختزال البصري، وإنما تقدم المسيح الذي صار مرئيًا في التاريخ.

 

ومن هنا تكتسب صورة الكتاب في يد المسيح أهمية خاصة؛ فالكتاب ليس عنصرًا زخرفيًا، بل هو علامة على أن المسيح هو نفسه مركز الإعلان الكتابي. في بعض تقاليد «البانتوكراتور» تُكتب على الكتاب عبارات من الإنجيل، فتغدو الكلمة المكتوبة جزءًا من تكوين الصورة؛ وهكذا يتداخل مستويان من الإعلان: نصٌ يُقرأ وصورة تُرى. وتوضح الدراسات الفنية أن صورة المسيح في آيا صوفيا تحمل مخطوطًا يشبه كتاب الإنجيل المعاصر لتلك الفترة، الأمر الذي يعزز ارتباط المسيح بالكلمة المتجسّدة.

 

 

سيميائية الأيقونة

 

حين نتأمل بنية الأيقونة، نكتشف نظامًا سيميائيًا دقيقًا ومحكمًا؛ فكل عنصر بصري، من زاوية انحناء الرأس إلى توزيع طيّات الثياب، ومن درجات الألوان إلى قواعد المنظور المعكوس، يحمل حمولة لاهوتية صارمة. الألوان في الأيقونات ليست خيارات جمالية عشوائية؛ فالأحمر القاني يعبر عن الملوكية والدم والشهادة، والأزرق يعبر عن الطبيعة الإلهية والسماء، بينما يشير الذهبي إلى النور الإلهي غير المخلوق.

 

هذا النظام الرمزي يعتمد على «المنظور المعكوس»؛ حيث لا تتقارب الخطوط نحو نقطة تلاشٍ في عمق اللوحة كما في الفن الغربي الحديث، بل تنفتح نحو المشاهد وتقترب منه. هذه التقنية البصرية تحمل دعوة لاهوتية عميقة: الأيقونة لا تنتظر أن يراها المشاهد فحسب، بل هي التي تنظر إليه وتجذبه نحو فضاء الأبديّة. الخطوط والرموز هنا ليست إشارات جامدة، بل هي لغة حية تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمقدس، وتدعو الناظر للدخول في حوار صامت لكنه شديد الكثافة الروحيّة.

 

 

آفاق متجددة

 

إن تقاطع فن الأيقونات والدراسات الكتابية يفتح أمام الباحثين واللاهوتيين آفاقًا واسعة لدراسة التراث المسيحي بعيدًا عن القوالب الجامدة؛ فالأيقونة تظل دائمًا نصًا مقدسًا مرسومًا، والكتاب المقدس يظل أيقونة مكتوبة تنطق بالروح والحرية. ومن خلال هذا الحوار المستمر بين الكلمة والصورة، يظل اللاهوت المسيحي قادرًا على مخاطبة الإنسان المعاصر بكل جوارحه، جامعًا بين عمق الفكر ودفء التجربة الروحية الحيّة.

 

 

ملحوظة حول الأيقونة:

تُعد أيقونة «المسيح ضابط الكل» في «آيا صوفيا» عملًا فنيًا جداريًا من الفسيفساء. وعلى الرغم من أن تنفيذ أجزاء منها واللوحات المرتبطة بها يعود إلى فترات بيزنطية متفاوتة (بين القرنين التاسع أو العاشر، وصولًا إلى القرن الثالث عشر حوالي عام 1261م)، إلا أنه لم يُحفظ اسم فنان محدد لها، إذ نُفذت عبر ورش عمل إمبراطورية بيزنطية جماعية.