موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٧ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

لماذا أصبحنا شجعانًا في الحديث عن الناس وجبناء أمامهم؟

بقلم :
الأب سالم لولص - الأردن
اذهب إلى الذي خاصمته. اذهب إلى الذي جرحته. اذهب إلى الذي جرحك.

اذهب إلى الذي خاصمته. اذهب إلى الذي جرحته. اذهب إلى الذي جرحك.

 

هناك ظاهرة غريبة تسلّلت إلى حياتنا بهدوء. نحن نملك شجاعةً هائلة في الحديث عن الآخرين لكننا نفقدها تمامًا عندما نقف أمامهم.

 

نقول عن فلان كل شيء، لكننا لا نقول له شيئًا. نشتكي من فلان للجميع، إلا لفلان نفسه. نحلّل تصرفاته، ونفسّر نواياه، ونصدر أحكامنا عليه، وربما نضع له ألف تهمة في غيابه… ثم عندما نلتقي به نبتسم وكأن شيئًا لم يكن.

 

متى أصبحنا هكذا؟ متى صار الكلام عن الإنسان أسهل من الكلام معه؟ ومتى أصبحنا نفضّل أن نربح جمهورًا يؤيدنا، على أن نربح إنسانًا نخسره؟

 

 

نحن لا نعيش أزمة خلاف… بل أزمة مواجهة

 

الخلاف بحد ذاته ليس المشكلة. الاختلاف طبيعي. حتى الأشخاص الذين يحبون بعضهم يختلفون. الأزواج يختلفون. الأصدقاء يختلفون. الإخوة يختلفون. وفي الكنيسة أيضًا نختلف.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما لا نعرف كيف نختلف ونحن نحب بعضنا.

 

فنحن أمام ثلاثة خيارات عندما يجرحنا أحد:

 

إما أن نصمت ونحمل الجرح في داخلنا حتى يتحول إلى مرارة.

 

أو نتحدث عنه أمام الآخرين، فنحوّل جرحًا شخصيًا إلى قضية عامة.

 

أو نمتلك الشجاعة ونذهب إليه ونقول: "ما حدث بيننا آذاني، وأنا لا أريد أن أخسرك".

 

الخيار الثالث هو الأصعب. ولذلك هو الأقرب إلى روح المسيح.

 

 

المحبة ليست أن تترك أخاك يفعل ما يشاء

 

هناك فكرة خاطئة عن المحبة انتشرت حتى بين المؤمنين: "أنا أحبه، لذلك لا أتدخل".

 

لكن أحيانًا يكون هذا الكلام مجرد طريقة جميلة للهروب من المسؤولية.

 

إذا رأيت إنسانًا تحبه يسير في طريق يؤذيه، هل تكون محبًا إذا تجاهلته؟

 

إذا رأيت صديقك يخسر عائلته بسبب قراراته، هل تقول: «هذه حياته» وتنصرف؟

 

إذا رأيت شخصًا يبتعد عن الله خطوة بعد خطوة، هل تكتفي بأن تقول: «الله يهديه»؟

 

نعم، صلِّ من أجله. لكن ربما يريد الله أيضًا أن يستخدمك أنت. ربما يريدك أن تقترب. أن تسأل. أن تسمع. أن تقول كلمة.

أن تضع يدك على كتفه وتقول: "أنا لا أريد أن أدينك، لكنني أخاف عليك".

 

هذه هي المحبة الناضجة. المحبة ليست أن أتركك تسقط حتى لا أزعجك. المحبة أن أزعج راحة صمتي كي أحميك من سقوطك.

 

 

لكن هناك فرقًا بين أن تصحح أخاك وأن تكسره

 

ليست كل مواجهة محبة. هناك من يواجه الآخر لكي ينتصر. وهناك من يواجهه لكي ينقذه. الأول يبحث عن الخطأ. والثاني يبحث عن الإنسان.

 

الأول يقول: "ألم أقل لك؟".  والثاني يقول: "ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟".

 

الأول يريد أن يثبت أنه كان على حق. والثاني يريد أن يصلح ما انكسر.

 

وهنا تظهر حقيقة مؤلمة:

 

يمكن أن تكون على حق… وتكون مخطئًا في طريقة تعبيرك عن الحق.

 

يمكن أن تكون ملاحظتك صحيحة، لكن قلبك ممتلئ بالغضب.

 

يمكن أن تكون كلمتك في محلها، لكن هدفك ليس خلاص الآخر بل إذلاله.

 

ولهذا، قبل أن نواجه أحدًا، علينا أن نسأل أنفسنا: هل أريد أن أربح هذا النقاش… أم أريد أن أربح هذا الإنسان؟

 

 

هناك أشخاص لا يحتاجون إلى محاكمة… بل إلى شخص يذهب إليهم

 

كم إنسانًا في حياتنا يعيش اليوم بعيدًا عن الله، لأن أحدًا لم يقترب منه؟

 

كم شابًا أخطأ، فبدل أن يجد يدًا تمتد إليه، وجد ألف إصبع تشير إليه؟

 

كم إنسانًا ابتعد عن الكنيسة، ليس لأنه كره المسيح، بل لأنه شعر أن الجميع يحاكمه ولا أحد يسمعه؟

 

وكم من بيتٍ كان يمكن أن يُنقذ لو أن أحد الطرفين قال: "لننتصر على المشكلة، لا على بعضنا".

 

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى محاضرة. يحتاج إلى شخص يجلس بجانبه.

 

لا يحتاج إلى من يقول له: "أنت مخطئ". بل يحتاج إلى من يقول: "تعال، لنبحث عن الطريق معًا."

 

 

أخطر مكان يمكن أن نضع فيه المسيح هو خارج علاقاتنا

 

نذهب إلى الكنيسة. نصلّي. نرفع أيدينا. نتناول جسد المسيح. ثم نخرج لنحمل في قلوبنا خصامًا مع شخص آخر.

 

المشكلة ليست أننا اختلفنا. المشكلة أننا لم نسمح للمسيح أن يدخل إلى الاختلاف نفسه. المسيح لا يريد أن يكون حاضرًا فقط في المذبح. يريد أن يكون حاضرًا في البيت. في الزواج. في الصداقة. في مكان العمل. في الرعية. في اللحظة التي نختلف فيها.

 

لأن السؤال المسيحي ليس: "من على حق؟"

 

بل: "كيف يمكن أن يبقى الحب حيًا ونحن مختلفون؟"

 

 

ربما تحتاج اليوم إلى أن تذهب إلى شخص واحد

 

ليس غدًا. اليوم. شخص تركت بينك وبينه مسافة. شخصًا قلت عنه كلامًا ولم تقله له. شخصًا جرحك. أو شخصًا أنت جرحته. شخصًا كنت تنتظر منه أن يبدأ، بينما هو ينتظر منك الشيء نفسه. ربما لا تحتاج إلى خطاب طويل. ربما تحتاج إلى رسالة قصيرة: "محتاج أحكي معك".

 

ثم اجلس. اسمع قبل أن تتكلم. ولا تدخل اللقاء وأنت تحمل لائحة اتهام. ادخل وأنت تحمل رغبة واحدة: أن لا تخسر أخاك.

 

قد لا تتفقان. قد لا تُحل المشكلة في جلسة واحدة. وقد لا يعود كل شيء كما كان. لكن شيئًا واحدًا سيتغير: لن يعود بينكما ذلك الجدار الذي بناه الكلام من وراء الظهر.

 

 

أصعب كلمة في الإنجيل قد تكون: "اذهب"

 

ليس "صلِّ". ليس "اصمت". ليس "انتظر".

 

اذهب.

 

اذهب إلى الذي خاصمته. اذهب إلى الذي جرحته. اذهب إلى الذي جرحك. اذهب إلى الذي تخاف عليه. اذهب إلى الذي ابتعد. اذهب، ولكن لا تذهب لتثبت أنك أفضل منه. اذهب لأنك تحبه. اذهب لأنك لا تريد أن يكون الخطأ أقوى من الأخوّة. اذهب لأن العلاقة أهم من الانتصار. اذهب لأن الإنسان أهم من الموقف.

 

وفي عالمٍ أصبح فيه الناس يهربون من بعضهم إلى الشاشات، ويختبئون خلف الرسائل، ويصنعون محاكمهم الخاصة من الكلمات والآراء، يبقى هناك شيء ثوري جدًا: أن تذهب إلى الإنسان نفسه. أن تنظر في عينيه. أن تسمعه. أن تقول الحقيقة بمحبة. أن تعتذر عندما تخطئ. أن تسامح عندما تُجرح. وأن تختار، رغم كل شيء، ألا تخسر أخاك.

 

لأننا قد نربح آلاف النقاشات في حياتنا لكن إذا خسرنا الإنسان، فما الذي ربحناه؟

 

ربما آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: "مَن كان على حق؟"

 

ونسأل السؤال الأهم: "مَن أستطيع أن أربح اليوم؟"

 

فقد يكون خلف بابٍ ما، وفي هاتفٍ لم نتصل به، وفي علاقةٍ تركناها تموت، إنسانٌ ينتظر فقط أن نذهب إليه.