موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٦ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

عيد جسد المسيح ودمه

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
عيد جسد المسيح ودمه

عيد جسد المسيح ودمه

 

تحتفل الكنيسة اليوم بأحد أجمل أعيادها وأكثرها عمقًا: عيد جسد المسيح ودمه، أو ما "يُعرف بعيد القربان المقدس". إنه عيد حضور الرب يسوع الحقيقي في الخبز والخمر، كما أراده هو بنفسه في تلك الليلة المقدسة التي سبقت آلامه، حين أخذ الخبز وكسره وأعطاه لتلاميذه قائلاً: «خذوا كلوا، هذا هو جسدي»، ثم أخذ الكأس وقال: «اشربوا منها كلكم، فهذا هو دمي» (متى 26: 26-28)، وأوصاهم قائلاً: «اصنعوا هذا لذكري» (لوقا 22: 19).

 

ولذلك لا تكتفي الكنيسة بالاحتفال بهذا السرّ داخل جدران الكنائس، بل تخرج به إلى الشوارع والساحات في مواكب إيمانية مهيبة، تزيّن فيها الطرقات بالورود والأعلام. وكأنها تريد أن تعلن للعالم كله أن المسيح ليس أسير المذابح، بل هو الرب الذي يسير وسط شعبه، يبارك بيوتهم وأوجاعهم وأفراحهم، ويبقى قريبًا من الإنسان في مسيرة حياته اليومية.

 

في القرون الأولى، كانت الكنيسة تحتفل بسرّ الإفخارستيا يوم خميس الأسرار فقط، اليوم الذي أسّس فيه الرب هذا السر العظيم. لكن خميس الأسرار يقع في قلب أسبوع الآلام، حيث تتجه الأنظار سريعًا نحو الصليب والجمعة العظيمة، فلا يتسنى للمؤمنين أن يعيشوا فرح هذا العيد بما يليق بعظمته. ومن هنا نشأت الرغبة في تخصيص يوم مستقل للاحتفال بالقربان المقدس. وقد تعززت هذه الرغبة في القرن الثالث عشر، في زمن بدأت فيه بعض الشكوك تُثار حول الحضور الحقيقي للمسيح في الإفخارستيا.

 

وفي تلك المرحلة التاريخية، أوحى الرب للطوباوية جوليانا من كورنيون في بلجيكا بضرورة إقامة عيد خاص للقربان المقدس. ثم جاءت أعجوبة بولتشينا Polcina في إيطاليا، عندما شكّ أحد الكهنة أثناء القداس في حقيقة حضور المسيح في القربان، فرأى البرشانة المقدسة تنزف دمًا أمام عينيه. فكان لهذه الحادثة أثر كبير دفع البابا أوربانوس الرابع سنة 1264 إلى إعلان عيد جسد المسيح ودمه عيدًا رسميًا للكنيسة كلها.

 

لكن التاريخ، على أهميته، ليس سوى إطار خارجي لسرّ أعظم بكثير. فالإفخارستيا ليست مجرد تذكار لحدث مضى، بل هي قلب الإيمان المسيحي النابض. إنها الموضع الذي يواصل فيه الله عطاءه للبشرية حتى اليوم.

 

يقول البابا بندكتوس السادس عشر : إن أول ما يجب أن نكتشفه في الإفخارستيا ليس الخبز ولا الخمر، بل سرّ الله نفسه، أي محبته الثالوثية. فالله الذي «أحب العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية»، لا يكتفي بأن يعطينا نعمة أو تعليمًا أو وصية، بل يعطينا ذاته. ففي الإفخارستيا لا يمنحنا الرب شيئًا من عنده، بل يمنحنا نفسه كلها. يعطينا جسده المبذول ودمه المسفوك، ويكشف لنا أن أصل كل شيء هو المحبة التي لا تعرف حدودًا.

 

من هنا نفهم لماذا صُدم اليهود عندما سمعوا يسوع يقول: «إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فلا حياة لكم فيكم» (يوحنا 6: 53). لقد بدت لهم هذه الكلمات مستحيلة وصادمة للعقل. لكن المشكلة لم تكن في صعوبة الكلام فحسب، بل في أنهم توقفوا عند حدود ما لم يفهموه، ولم يتابعوا الإصغاء إلى التفسير الذي قدّمه لهم الرب نفسه.

فيسوع لا يتحدث عن طعام عادي، بل عن شركة حياة. لذلك يقول: «كما أن الآب الحي أرسلني وأنا أحيا بالآب، كذلك من يأكلني يحيا بي» (يوحنا 6: 57). يا لها من عبارة مذهلة!

 

فالمسيح لا يقول فقط إن من يأكله ينال حياة منه، بل إنه "يحيا به". أي أن حياة المسيح نفسها تبدأ بالتدفق في قلب المؤمن، كما يتدفق النسغ في أغصان الشجرة. هنا تكمن حقيقة الإفخارستيا العميقة: أن الإنسان لا يعود يعيش لنفسه، بل للمسيح.

 

مأساة الإنسان الكبرى ليست الألم ولا الفشل ولا حتى الموت الجسدي، بل أن يبقى "منغلقًا داخل ذاته". فالإنسان الذي يعيش لنفسه وحدها يبقى سجينًا لوحدته وخوفه وفراغه الداخلي. أما عندما يحبّ، فإنه يبدأ بالخروج من ذاته. وكل حبّ حقيقي يخلّص الإنسان بطريقة ما من سجنه الداخلي، لأنه يجعله يعيش لأجل شخص آخر.

 

لكن المسيح ذهب أبعد من كل أشكال الحب البشري. ففي الإفخارستيا لا يكتفي بأن يدعونا إلى المحبة، بل يعطينا القدرة على أن نحيا بها. إنه يدخل إلى أعماق وجودنا ويجعلنا شركاء في حياته نفسها. لذلك اختار فعل «الأكل» ليعبّر عن هذا السر.

 

إنه فعل حقيقي، لأننا نتناول حقًا جسد الرب ودمه تحت شكلي الخبز والخمر. لكنه أيضًا فعل يحمل معنى روحيًا عميقًا. فكما يتحول الطعام إلى جزء من كيان الإنسان، هكذا يريد المسيح أن يدخل إلى أعماقنا حتى تصبح أفكاره أفكارنا، ومشاعره مشاعرنا، وإرادته إرادتنا.

 

لهذا السبب لا يمكن فهم الإفخارستيا فهمًا كاملاً بالعقل وحده. إنها تشبه الحب. فالحب لا يُشرح أولاً، بل يُعاش. لا يفهم الإنسان معنى الحب من الكتب بقدر ما يفهمه عندما يقع في الحب. وكذلك سرّ الإفخارستيا؛ فهو لا يُدرك أولاً بالتحليل، بل باللقاء والاختبار.

 

ومن هنا نفهم أيضًا العلاقة العميقة بين الإفخارستيا وقلب يسوع الأقدس. فعندما ظهر الرب للقديسة مارغريت ماري ألاكوك كشف لها قلبه المشتعل حبًا للبشر، ذلك القلب الذي «أحب الناس الحب الأعظم حتى التفاني وبذل الذات». وما القربان المقدس إلا الامتداد الحيّ لهذا القلب النابض بالمحبة. ففي كل قداس، وفي كل قربانة مكرسة، يواصل قلب المسيح عطاءه الصامت والسخي للبشرية.

 

في عيد جسد المسيح ودمه، تدعونا الكنيسة إلى أن نقترب من مائدة الرب بقلوب بسيطة ومتواضعة. ليس المطلوب أن نفهم كل شيء، بل أن نسمح له بأن يلمس حياتنا. فالإفخارستيا ليست لغزًا نحلّه، بل حضورًا نعيشه، ولقاءً يغيّرنا، ومحبةً تتجسد أمامنا كل يوم.

 

عند المذبح، يلتقي جوع الإنسان مع محبة الله. وهناك يكتشف المؤمن أن الله لم يكتفِ بأن يقترب منا، بل اختار أن يصبح غذاءً لنا، لكي لا نحيا بعد الآن لأنفسنا، بل به، ومعه، وله، إلى الأبد، أمين.