موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
عيد الدنح، أو عيد الغطاس، هو عيد الظهور الإلهي. فأصل هذا العيد يتمحور حول معمودية يسوع المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، حيث أشرق المسيح على العالم كله كابن الله، ولذلك يُعرف أيضًا بـ عيد الاشراق أو الظهور الإلهي، أو باليونانية (Epiphany إبيفانيا).
وفي بعض الكنائس، ولا سيما الغربية، تُدرَج ضمن هذا العيد أيضًا أحداث أخرى تشهد على هذا الاستعلان الإلهي، مثل عرس قانا الجليل، حيث أظهر يسوع مجده بتحويل الماء إلى خمر، وزيارة المجوس، التي تعلن ظهور المسيح للعالم الوثني. وهكذا يكتمل معنى “الظهور”: ظهور الله للإنسان، وظهور المسيح للعالم بأسره.
ويُسمّى هذا العيد في تقليدنا الشرقي بعيد الدنح، وهي كلمة مشتقة من السريانية »ܕܹܢܚܵܐ دِنحو«، وتعني الظهور أو الإشراق. وتركّز الطقوس الشرقية، بصورة خاصة، على معمودية الرب يسوع، لأنها لحظة ظهور الثالوث الأقدس: الآب والابن والروح القدس، وبداية الانطلاقة العلنية لرسالة المسيح الخلاصية. في هذا التأمل، نركّز على ثلاث نقاط أساسية:
أولاً: الفرق بين معمودية يوحنا ومعمودية يسوع
في هذه المقطوعة التي تقدمها الكنيسة في هذا العيد يضع الإنجيلي لوقا مقاربة لاهوتية عميقة على لسان يوحنا المعمدان، إذ يقول: »قَائِلاً لَهُم أَجْمَعِين: «أَنَا أُعَمِّدُكُم بِالمَاء، ويَأْتي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، مَنْ لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ رِبَاطَ حِذَائِهِ. هُوَ يُعَمِّدُكُم بِالرُّوحِ القُدُسِ والنَّار«. (لو 3، 16).
ما الفرق بين معمودية يوحنا المعمدان ومعموديتنا المسيحية، أي معمودية الروح القدس والنار؟
كانت معمودية يوحنا رتبة غَسْل طقسي، تعبّر عن التوبة والاستعداد. ويمكن تشبيهها، من حيث المعنى، بسرّ المصالحة قبل التقدّم إلى المناولة، أو بالغسلات الطقسية في التقليد اليهودي. وقد أقبل الشعب كلّه إلى يوحنا، باستثناء الفريسيين والكتبة، لأنهم ظنّوا أنفسهم أبرارًا ولا حاجة لهم إلى معمودية التوبة.
أمّا المعمودية باسم يسوع المسيح، فهي معمودية الروح القدس والنار. ويشرح لوقا هذا البعد على لسان يوحنا بقوله: »فيَجْمَعُ القَمْحَ في أَهْرَائِهِ، وأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لا تُطْفَأ«. (لو 3، 17).
قد تبدو هذه الصورة صعبة الفهم للوهلة الأولى، لكنها تعبّر عن عمل الروح القدس والنار في حياة المؤمن. ففي المعمودية، يمنحني الله الروح القدس لينمّي كل ما هو صالح فيَّ، وكل سلوك مستقيم، ويمنحني في الوقت عينه نار التطهير لتحرق كل خطيئة وكل شرّ في داخلي. وهنا يبرز الفرق الجوهري الأول بين معمودية يوحنا ومعمودية يسوع.
ثانيا: المعمودية باسم الثالوث
الميزة الثانية التي تميّز معمودية يسوع عن معمودية يوحنا تتجلّى في وصية الرب: : »ٱذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِٱسْمِ الآبِ والٱبْنِ والرُّوحِ القُدُس«. (متى 28، 19). نحن جميعًا تعمّدنا باسم الثالوث الأقدس. وفي عيد الدنح، عيد الظهور والإشراق، يتجلّى هذا الثالوث بوضوح: صوت الآب يُسمَع، والروح القدس يظهر بهيئة حمامة، والابن يعتمد في نهر الأردن.
وفي كل معمودية مسيحية، توضع الجمرات الثلاث في الماء علامةً للثالوث المقدس. وهذه الحقيقة تغيّر حياتنا: فقد تعمّدنا باسم الثالوث، أي إننا مدعوون إلى العيش في شركة وتعدّد. نحن مختلفون عن بعضنا البعض، كما يختلف الآب عن الابن، والابن عن الروح القدس، لكن هذا الاختلاف لا يلغي الوحدة، بل يكمّلها. هكذا، تصبح الكنيسة، بمعموديتها، أيقونة للثالوث: تعدّد في الأشخاص، ووحدة في المحبة والرسالة.
ثالثاً: بنوتنا للآب
الكلمة التي نطق بها الآب عن يسوع عند المعمودية: «أَنْتَ هُوَ ٱبْنِي الحَبِيب، بِكَ رَضِيت«. (لو 3، 21). تكشف الميزة الثالثة لمعموديتنا المسيحية: أننا نصبح أبناء الله. فبمعمودية الروح والنار، وبالتعميد باسم الآب والابن والروح القدس، نعلن أن اسم الله ليس فقط “الله العليّ”، بل هو الآب الذي يدعوه يسوع “أبي”، ونحن أيضًا نجرؤ أن نقول: “أبانا الذي في السماوات”.
غير أن هذه البنوة ليست امتيازًا نظريًا، بل دعوة ومسؤولية: «فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالِحَة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات«. (متى 5، 16). بمعموديتي، أُظهِر للناس، في أفكاري وكلامي وأفعالي، أنني أعيش كابن حقيقي لله. أي إن DNA الله، الحمض النووي للثالوث "إن صحّ التعبير"، يجري في عروقي: روحه يعمل فيَّ ويحرّكني، وصوت الآب يهمس لي كل يوم: «أَنْتَ هُوَ ٱبْنِي الحَبِيب، بِكَ رَضِيت«. إن إدراكنا لهذه الحقيقة تتغير حياتنا وتصبح كل همسة منّا رسالة ومعنى وشهادة