موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٣ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

عظة الجمعة العظيمة - آلام الرب

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
عظة الجمعة العظيمة - آلام الرب

عظة الجمعة العظيمة - آلام الرب

 

أتذكر أنه عندما كان يُقرأ نص الآلام في القبر المقدس، وتحديدًا في الجلجلة، كان البطريرك آنذاك، المرحوم طيب الذكر يوسف بيلتريتي، يبكي. ليتنا نحن أيضًا نذرف دموع الرأفة والحزن على ما عاناه ربنا من أجل أن يمنحنا الغفران والخلاص والسلام!

 

بالطبع، كانت أمّ يسوع واقفة بجانب صليبه ، تشاركه آلامه التي لا توصف، فتحققت نبوءة التي قالها لمريم أمه: "وأنتِ ً سينفذ سيف في نفسك" (لوقا 2،35أ). وتمثل اللوحة الفسيفسائية الموجودة في الجلجلة العذراء واقفة، تتألم بكرامة وقوة نفس:

"قامت مريم بنت داود إزاء العود

تنتدب ابنها المصلوب بأيدي الجنود

رمح الحزن غائص في نفسها

ومن آلامه غابت عن حسها".

 

ليس هناك ألم أشد وأكثر مأساوية من ألم أم تفقد ابنها. وكم هنّ كثيرات في أيامنا هذه بسبب الحروب والصراعات، سواء كانت معروفة أو منسية!

 

أمّا يوحنا، ابن زبدى وأخو يعقوب، فبالإضافة إلى كونه التلميذ الذي كان يسوع يحبه، كان الوحيد الذي لم يهرب ويترك يسوع وحيدا، بل بقي معه تحت الصليب حتى أسلم الروح. وبالإضافة إلى كونه التلميذ الأمين، فهو أيضاً شاهد على الأحداث المأساوية والمجيدة لآلام الرب: "والذي رأى شهد، وشهادته صحيحة، وذاك يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم أيضاً" (يوحنا 35،19).

 

نحن أيضاً اليوم، نقف روحياً تحت الصليب: "سينظرون إلى من طعنوا" (يوحنا 37،19). نحن بحاجة إلى صمت خارجي وداخلي للتأمل، ولنتناغم مع مشاعر يسوع، ولنضع أصابعنا روحياً في مكان المسامير ويدنا في جنبه المفتوح؛ بل ليتنا نستطيع أن ندخل في جراح الرب لنتألم معه، ونطلب المغفرة عن خطايانا وخياناتنا، ونتعهد بالتوبة وعيش حياة تعزي المخلص!

 

كم هو مؤلم أن نلاحظ ما يمكن أن نسميه "الحرب على الصليب" في الغرب، بإزالته من الفصول الدراسية، والمكاتب، وحتى من قمم الجبال! وتُطرح حجج مثل "علمانية الدولة"، أو مراعاة مشاعر أتباع الأديان الأخرى أو غير المؤمنين! هناك بالطبع فرق بين العلمانية السليمة واللائيكية المتطرفة. وهناك أيضاً فرق بين الاحترام الواجب لمشاعر المؤمنين الآخرين أو غير المؤمنين، وبين التسامح الخاطئ. لا ينبغي لأحد أن يشعر بأنه مجبر على التخلي عن هويته وجذوره من أجل احترام خاطئ، وغالباً غير مطلوب، لمشاعر الآخرين. إن الأمر يتعلق غالباً بانتحار للهوية والثقافة، وهو ما يمثل انحدار الحضارة.

 

وفي هذا الصدد، أستحضر دائماً التقليد الذي يقول إن قسطنطين رأى رؤيا قبل معركته ضد مكسنتيوس، تشير إلى أنه سينتصر بفضل الصليب: "بهذه العلامة تنتصر". وبغض النظر عن مدى صحة هذه الرؤيا، فمن المؤكد أنّ صليب يسوع بالنسبة للمسيحي، بما يتضمنه من تضحية وفداء ، هو ضمان للنصر النهائي: فمن يخسر مع الله يربح، ومن يربح بدونه فهو خاسر حتماً.

 

وفي هذا السياق أيضاً، يُعتبر مثال القديس بولس وتعليمه درساً عظيماً: "أما أنا فمعاذ الله أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح! وفيه أصبح العالم مصلوبا عندي، وأصبحت أنا مصلوبا عند العالم" (غلاطية 6، 14).

 

أما بالنسبة لآباء الكنيسة، هؤلاء اللاهوتيين والمعلمين العظام في القرون المسيحية الأولى، فقد كرسوا صفحات رائعة للصليب، محولين إياه من أداة للتعذيب إلى "شجرة الحياة" و "سلّم إلى الفردوس".

 

في عظاته، يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم (القرن الرابع) أن الصليب ليس مدعاة للحداد، بل هو عيد روحي: "اليوم ربنا يسوع المسيح على الصليب ونحن نحتفل بعيد، لكي تفهم أن الصليب هو عيد واحتفال روحي. سابقاً كان الصليب يعني الازدراء، أما اليوم فهو أمر جليل؛ سابقاً كان رمزاً للدينونة، واليوم هو رجاء الخلاص. لقد أصبح ينبوعاً لخيرات لا تحصى: حررنا من الضلال، وبدد الظلمات، وصالحنا مع الله".

 

ويتأمل القديس أغسطينوس (القرن الرابع-الخامس) غالباً في مفارقة القوة النابعة من الضعف: "موت المسيح كان قتلاً للموت. الصليب كان فخاً للشيطان: فالطُعم الذي جذبه كان موت الرب. على الصليب بسط الرب يديه ليعانق أطراف العالم".

 

وكم يسعدني أن أختم بهذا النص من الليتورجيا الشرقية الذي يُستخدم أيضاً كاستعداد للمناولة المقدسة: "اجعلني اليوم شريكاً في عشائك السري يا ابن الله،؛ فإني لا أقول سرّك لأعدائك، ولا أعطيك قبلة غاشة نظير يهوذا، بل كاللص أعترف لك: أذكرني يا رب في ملكوتك".