موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٥ أغسطس / آب ٢٠٢٦

عظة الأحد العشرين من الزمن العادي – السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
الأحد العشرين من الزمن العادي – السنة (أ)

الأحد العشرين من الزمن العادي – السنة (أ)

 

تثير لدينا بعض المقاطع الإنجيلية صعوبات عند تفسيرنا لها. فنحن اعتدنا على صورة يسوع كمستجيب سريع لصرخة المتألمين، ولهذا يبدو مقطع هذا الأحد الخاص بالمرأة الكنعانية (متى 15، 21-28) إشكاليًا؛ إذ إن تصرف يسوع -من صمته الأولي، وكلمة الرفض، إلى التلميح القاسي ظاهريًا- يربكنا بعض الشيء ويثير تساؤلاتنا.

 

يخرج يسوع من حدود إسرائيل ويتجه نحو نواحي صور وصيدا، في أرض وثنية. حتى المرأة نفسها، "بطلة" إنجيل اليوم، كنعانية وتنتمي إلى شعب يُعتبر بعيدًا عن العهد، ورامزًا للوثنية والنجاسة. ومع ذلك، فهي بالذات من تعترف بيسوع ابنا لداود. إن صرختها هي في المقام الأول صرخة أم: لا تطلب شيئًا لنفسها، بل تتوسل من أجل شفاء ابنتها.

 

إن رد فعل يسوع يتركنا مذهولين بعض الشيء، فهو لا يوجه إليها ولو كلمة واحدة. هذا الصمت ثقيل، وموقف التلاميذ يدعونا كذلك للدهشة، إذ يمكن فهم طلبهم كأمر جاف بـ "صرفها". حينها يلفظ يسوع جملة من شأنها أن تصدمنا: "لم أُرسَل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل".

 

إذا أُخذت هذه العبارة بمعزل عن سياقها، فقد تبدو وكأنها انغلاق نهائي. لكنها في الواقع تعبّر عن حقيقة تاريخية مرحلية: فخلال حياته على الأرض، يمارس يسوع رسالته بالدرجة الأولى داخل إسرائيل؛ وفقط بعد القيامة، سيمتد التكليف التبشيري ليشمل جميع الأمم.

 

ولكن متى يريد أن يقول شيئًا أكثر عمقًا: يسوع يكشف الرؤية الضيقة لزمنه التي تقسم الإنسانية بين "نحن" و"الآخرين"، بين من يعتبرون أنفسهم مقربين من الله ومن يُعدّون مستبعدين.

 

المرأة، من جانبها، لا تدع الإحباط يتسلل إليها، ولا تفسر صمت يسوع على أنه رفض نهائي. بل تستمر في اتباع يسوع، وتسجد أمامه وتلفظ صلاة قصيرة جدًا: "أغثني يا رب!". إنها واحدة من أكثر التضرعات جوهرية في الإنجيل، ويتمركز فيها كل إيمان مَن لا ملاذ له ولا سند سوى الرب.

 

يستمر يسوع في "التصعيد" بقوله: "لا يحسُن أن يُؤخذ خبز البنين فيُلقى إلى صغار الكلاب". وتشير كلمة "الكلاب" إلى الطريقة التي كان يستخدمها كثير من اليهود للإشارة إلى الوثنيين. إنها تسلط الضوء على تحامل وسوء ظن شائع.

 

وهنا بالذات تفاجئ المرأة الجميع، إذ لا تشعر بالإهانة، بل بتواضع فريد تتقبل الصورة التي طرحها يسوع وتحولها إلى إعلان إيمان: "نعم، يا رب!، فصغار الكلاب نفسها تأكل من الفتات الذي يتساقط من موائد أصحابها". إن جوابها هذا جواب استثنائي، فهي لا تطلب خبز البنين، بل يكفيها الفتات. ولكن هذه الصورة بالذات تكشف عن بصيرتها الحاسمة: إن رحمة الله جليلة وكرمه فائض على الجميع ولو بتفاوت يسمو أحيانا على الفهم.

 

عند هذه النقطة، "يستسلم" يسوع: لم يعُد المعلم الذي "يستفز" ليختبر ويربّي، بل الرب الذي يدع الإيمان الأصيل يلمس قلبه ويحركه: "ما أعظم إيمانك أيتها المرأة! فليكن لك ما تريدين". وفي تلك اللحظة بالذات، شُفيت ابنتها.

 

ليس جوهر الرواية الإنجيلية في المعجزة بحد ذاتها، بل في الإقرار بإيمان مذهل. ففي حين يجد الكثيرون ممن ينتمون إلى الشعب المختار صعوبة في فهم يسوع، تصبح امرأة وثنية نموذجًا للثقة، والمواظبة، والتواضع. وبذلك يستبق متى الانفتاح الشامل للإنجيل: ملكوت الله لا يعرف حدودًا عرقية أو دينية أو ثقافية، لأن الانتماء الحقيقي إليه ينبع من الإيمان.