موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٥ يوليو / تموز ٢٠٢٦

عظة الأحد السابع عشر من الزمن العادي – السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
المونسنيور خالد عكشة

المونسنيور خالد عكشة

 

ما الذي نطلبه من الله في صلاتنا؟ من المؤكد أننا نطلب الصحة وسلام القلب والتوفيق لنا ولأولادنا وغير هذا، بحسب احتياج كل منا. ولكن، هل حدث أن نطلب الحكمة، كما فعل سليمان في بداية ملكه، مُدركا أنها ضرورية لشاب دعاه الله إلى المهمة الملكية الصعبة، وأنها مفتاح نجاح وتوفيق؟ الكلام بالطبع هو عن "الحكمة الآتية من عل"، التي لا تناقض الحكمة البشرية السليمة، بل تحويها وتسمو عليها.

 

ملكوت الله، الموضوع الرئيس للقراءة الأولى والإنجيل، هو أيضا محور الكرازة في العهد الجديد؛ فيوحنا المعمدان ويسوع يبدآن كرازتهما ببشرى: "قد اقترب ملكوت الله". إن البشارة السارة التي أعلنها يسوع هي، في النهاية، مجيء الملكوت. فماذا يريد يسوع أن يقول لنا؟

 

باستخدام تعبير يوحي بالكثير بالنسبة للشعب المختار -العهد القديم يحتوي بالفعل على الخطوط العريضة لعقيدة الملكوت- يريد السيد المسيح أن يعلن أن الانتظار الطويل قد اكتمل الآن؛ والوعود التي كانت تشكّل جوهر رجاء شعب الله وأساسه أصبحت الآن حقيقة. ولكن في الوقت نفسه، يريد يسوع تصحيح عقلية كاملة ترسبت لقرون في ضمير شعب العهد القديم: ملكوت الله لا يستوي في إحياء مملكة داود، ولا في انتقام قومي من خلال التحرر من الاحتلال الروماني.

 

يسير يسوع على خطى الأنبياء، عندما يقارن الملكوت الذي يعلنه بالكنز أو اللؤلؤة الثمينة، التي يصير كل شيء آخر أمامها بلا قيمة، وعندما يؤكد أن البشارة السارة تُعلَن للمساكين، ولا يدخل أحد هذا الملكوت إلا بتلبية متطلبات دقيقة للغاية تتلخص في التوبة والندامة.

 

وبمقارنة الملكوت بالبذرة، بحبة الخردل، وبالخميرة، يريد يسوع أن يقول لنا إن هذا الملكوت حاضر بالفعل، ولكنه ما زال بعيدًا عن تحققه النهائي. سيُبنى الملكوت تدريجيًا بفضل أمانة تلاميذ كل العصور، ونحن منهم، للوصية الجديدة: المحبة بلا حدود. إنه ملكوت ليس من هذا العالم، حتى لو بدأ بناؤه هنا على الأرض. إنه ملكوت عالمي مفتوح للجميع، لأنه ملكوت الآب المشترَك بين جميع البشر.

 

من ناحية أخرى، يبدو موضوعا ملكوت الله والكنيسة مرتبطين وثيقًا، لكنهما لا يشيران إلى نفس الواقع.

 

في منظور تحققه النهائي، تتطابق الكنيسة حقًا مع الملكوت؛ ولكن في واقعها التاريخي والاجتماعي على الأرض، فإن الكنيسة ليست سوى أرض حصرية ينمو فيها الملكوت ببطء بسبب الخطيئة، ولا يدع هذا الملكوت نفسه يُحصر في أي واقع اجتماعي، ولا حتى ذي طابع ديني، بل يتجاوز دائمًا كل تحقيق عملي يتجلى فيه.

 

إن ملكوت الله حاضر بالفعل، كبذرة، ولكن من الضروري أن ينمو؛ فالملكوت الذي أسسه يسوع هو بالتأكيد إتمام للرجاء القديم، ولكنه أيضًا واقع جديد يجب أن يُبنى تدريجيًا على وجه الأرض كلها.

 

إن مهمتنا كمسيحيين هي أن نكون صانعي هذا البناء تحت إلهام الروح. ونحن، ككنيسة، في خدمة الملكوت أولاً وقبل كل شيء. بعد الأزمنة الأولى، فهمت الكنيسة أن الملكوت ليس موضوع انتظار سلبي بل، لكي يصبح الواقع النهائي الذي نملك عربونه، فإنه يتطلب التزامًا مستمرًا وفاعلًا من الجميع. ملكوت الله بلغ كماله من خلال عمل يسوع الخلاصي وفيه، ولكن، في الوقت ذاته، كل شيء لا يزال ينبغي أن يتم، ويكتمل كل يوم بالتدخل المشترك، في المسيح يسوع، لله والبشر.

 

كان أحد الأخطار بالنسبة لمسيحيي الأمس هو مطابقة ملكوت الله بالمؤسسة-الكنيسة؛ واليوم يبدو أن الخطر المعاكس يحدث: نسيان أن الكنيسة، التي لا تتطابق مع الملكوت، تشكّل مع ذلك بذرة هذا الملكوت وبدايته على الأرض.

 

إنّ بعض القيم الإنسانية تجتهد للاندماج بشكل أعمق في الحياة والوضع والثقافة الإنسانية؛ ولكنها بعض المنادين بها يميلون إلى تأجيل الحث على التوبة، والكرازة، والدعوة إلى الانضمام الكامل إلى الكنيسة إلى مستقبل ليس من السهل التنبؤ به، احترامًا لأوقات النضج والإيقاع البطيء للتوبة. الخطر يكمن في مفهوم خاطئ لمهمة الكنيسة، في محاولة لا شعورية لتقليص المسيحية. فالتعليم المسيحي مثلاً، كما يمارسه البعض، لم يعُد دوما أمينًا لله، بسبب فهم خاطيء للأمانة للإنسان، وبذلك يخون الأمانة الجوهرية للإنسان الذي تتطابق دعوته مع مشروع الله.

 

والصلاة الأكثر مُناسَبة هذا الأحد هي أن يأتي ملكوت الله، التي نضيف إليها الصلاة التالية من ليتورجية هذا الأحد: "اللهم أبانا، ينبوع الحكمة، يا من كشفت لنا في المسيح عن الكنز الخفي واللؤلؤة الثمينة، هب لنا التمييز الآتي من روحك القدوس، لنعرف كيف نثمّن بين أمور هذا العالم، القيمة التي لا تُقدّر لملكوتك، مستعدين لكل تخلٍّ في سبيل اقتناء عطيتك التي لا تُقدَّر بثمن".