موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يُعَدُّ الْمَغْطَسُ أَحَدَ أَهَمِّ مَوَاقِعِ الْحَجِّ الْمَسِيحِيِّ عَلَى الْمُسْتَوَى الْعَالَمِيِّ، إِذْ يَشْهَدُ سَنَوِيًّا إِحْيَاءَ عِيدِ الْغِطَاسِ، بِمُشَارَكَةِ زُوَّارٍ وَحُجَّاجٍ مِنْ مُخْتَلِفِ الْكَنَائِسِ وَالتَّقَالِيدِ الْمَسِيحِيَّةِ. وَيُقَامُ هٰذَا الْحَدَثُ الدِّينِيُّ فِي مُحِيطِ نَهْرِ الْأُرْدُنِّ، الْمُرْتَبِطِ تَقْلِيدِيًّا بِحَدَثِ مَعْمُودِيَّةِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ.
وَيُمَثِّلُ الْمَوْقِعُ قِيمَةً رُوحِيَّةً وَثَقَافِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً مُتَمَيِّزَةً، بِوَصْفِهِ مَكَانًا لِلتَّلَاقِي وَالْحَجِّ، وَرَمْزًا لِلتَّجَدُّدِ الرُّوحِيِّ، وَالتَّعَايُشِ، وَالسَّلَامِ، وَالْحِوَارِ بَيْنَ الشُّعُوبِ وَالْأَدْيَانِ، ضِمْنَ سِيَاقٍ تَارِيخِيٍّ وَدِينِيٍّ مُتَوَاصِلٍ مُنْذُ الْقُرُونِ الْمَسِيحِيَّةِ الْأُولَى.
أَوَّلًا: التَّسْمِيَة
يُطلَقُ اسْمُ المَغْطَس عَلَى المَوْضِعِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ عِمَادُ السَّيِّدِ المَسِيحِ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان، كَمَا يَرْوِي إِنْجِيلُ مَتَّى:"فِي ذٰلِكَ الوَقْتِ ظَهَرَ يَسُوعُ، وَقَدْ أَتَى مِنَ الجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ، قَاصِدًا يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ عَنْ يَدِهِ" (مَتَّى 3: 13). وَكَلِمَة المَغْطَس فِي الاِسْتِخْدَامِ التَّقْلِيدِيِّ تُشِيرُ إِلَى مَوْضِعِ التَّغْطِيسِ فِي مِيَاهِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ، وَلَيْسَ إِلَى نُقْطَةٍ ضَيِّقَةٍ فَقَط، بَلْ إِلَى مِنْطَقَةٍ نَهْرِيَّةٍ كَانَ يُوحَنَّا يَتَنَقَّلُ فِيهَا لِلتَّعْمِيد.
ثَانِيًا: المَوْقِعُ الإِنْجِيلِيُّ
يُحَدِّدُ العَهْدُ الجَدِيدُ مَكَانَ العِمَادِ بِوُضُوحٍ نِسْبِيٍّ:
1. إِنْجِيلُ مَتَّى يَذْكُرُ أَنَّهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ (مَتَّى 3: 13).
2. إِنْجِيلُ يُوحَنَّا يُعَيِّنُ المَوْضِعَ أَدَقَّ: "وَجَرَى ذٰلِكَ فِي بَيْتَ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ، حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّد" (يُوحَنَّا 1: 28).
3. وَيَذْكُرُ مَوْضِعًا آخَرَ لِكِرَازَةِ يُوحَنَّا: "وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنُونَ بِقُرْبِ سَالِيم، لِمَا فِيهَا مِنَ المِيَاه"(يُوحَنَّا 3: 23). وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا فِي نُقْطَةٍ وَاحِدَة، بَلْ فِي مَجْمُوعَةِ مَوَاقِعَ عَلَى ضِفَتَيِ الأُرْدُنِّ.
ثَالِثًا: المَوْقِعَانِ التَّقْلِيدِيَّانِ لِلمَغْطَس
اعْتَمَدَ التَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ، مُنْذُ القُرُونِ الأُولَى، مَوْقِعَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ لِذِكْرَى عِمَادِ الرَّبِّ:
1. الضِّفَّةُ الشَّرْقِيَّةُ لِنَهْرِ الأُرْدُنِّ (الأُرْدُنّ) وَهِيَ المَعْرُوفَةُ بِاسْم: المغطس (بيت عنيا عبر الأردن)، وَتُطَابِقُ نَصَّ يُوحَنَّا: "بَيْتَ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ".. هٰذَا المَوْقِعُ يُعْتَبَرُ اليَوْمَ الأَقْرَبَ نَصِّيًّا وَتَقْلِيدِيًّا، وَقَدْ اعْتَرَفَتْ بِهِ كَنَائِسُ كَثِيرَة، وَأُدْرِجَ ضِمْنَ قَائِمَةِ التُّرَاثِ العَالَمِيِّ.
2. الضِّفَّةُ الغَرْبِيَّةُ لِنَهْرِ الأُرْدُنِّ (فِلَسْطِين) وَهِيَ المَعْرُوفَةُ تَقْلِيدِيًّا بِاسْم: قصر اليهود (قصر اليَهود)، وَقَدْ كَانَتْ مَوْضِعَ الحَجِّ المَسِيحِيِّ خِلَالَ الفَتَرَاتِ البِيزَنْطِيَّةِ وَالصَّلِيبِيَّةِ، خُصُوصًا عِنْدَ تَعَذُّرِ الوُصُولِ إِلَى الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّة.
لَا تَنْبُعُ قُدْسِيَّةُ المَغْطَس مِنْ تَحْدِيدٍ جُغْرَافِيٍّ دَقِيقٍ فَقَط، بَلْ مِنَ الحَدَثِ الخَلَاصِيِّ نَفْسِهِ: هُنَا دَخَلَ الاِبْنُ فِي مِيَاهِ الأُرْدُنِّ، وَهُنَا انْفَتَحَتِ السَّمَاوَاتُ، وَهُنَا حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ، وَهُنَا سُمِعَ صَوْتُ الآبِ. فَالمَغْطَسُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَكَانٍ أَثَرِيٍّ، بَلْ ذَاكِرَةٌ حَيَّةٌ لِلبِدَايَةِ الجَدِيدَةِ، حَيْثُ بَدَأَ الطَّرِيقُ مِنَ المَاءِ إِلَى الصَّلِيبِ، وَمِنَ الأُرْدُنِّ إِلَى القِيَامَةِ.
رابعًا: المَعَالِم التَّارِيخيَّة
فِي ذِكْرَى عِمَادِ الرَّبِّ، يَتَوَافَدُ الحُجَّاجُ إِلَى المَغْطَس عَلَى نَهْرِ الأُرْدُنِّ، وَلَا سِيَّمَا فِي عِيدِ الغِطَاس، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلِ غَطَسَ فِي المَاءِ، إِشَارَةً إِلَى مَعْمُودِيَّةِ السَّيِّدِ المَسِيحِ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان. وَيُحْتَفَلُ بِهٰذَا العِيدِ تَقْلِيدِيًّا فِي السَّادِسِ مِنْ كَانُونِ الثَّانِي مِنْ كُلِّ عَامٍ.
وَتَسْتَنِدُ رِمْزِيَّةُ التَّغْطِيسِ فِي المَاءِ إِلَى تَعْلِيمِ الرَّسُولِ بُولُس فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَّة: "أَوَتَجْهَلُونَ أَنَّنَا، وَقَدِ اعْتَمَدْنَا جَمِيعًا فِي يَسُوعَ المَسِيح، إِنَّمَا اعْتَمَدْنَا فِي مَوْتِهِ؟ فَدُفِنَّا مَعَهُ فِي مَوْتِهِ بِالمَعْمُودِيَّةِ، لِنَحْيَا نَحْنُ أَيْضًا حَيَاةً جَدِيدَةً، كَمَا أُقِيمَ المَسِيحُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآب"(رُومِيَّة 6: 3–4).
وَفِي هٰذَا اليَوْمِ، لَا يَقْتَصِرُ الحُضُورُ عَلَى المُؤْمِنِينَ الرَّاغِبِينَ فِي نَيْلِ سِرِّ المَعْمُودِيَّةِ فَقَط، بَلْ يَشْتَرِكُ أَيْضًا جَمَاعَاتٌ غَفِيرَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَبَعُونَ الكَهَنَةَ فِي مَسِيرَةٍ صَلَاتِيَّةٍ، لِلاِغْتِسَالِ فِي مِيَاهِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ المُقَدَّسَةِ، بِرُوحِ التَّقْوَى وَالإِيمَان، وَهُمْ لَابِسُونَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ رَمْزَ الطَّهَارَةِ وَالخَلِيقَةِ الجَدِيدَة، وَيَحْتَفِظُ بَعْضُهُمْ بِهِ تَقْلِيدِيًّا لِيَوْمِ دَفْنِهِمْ، تَعْبِيرًا عَنْ رَجَاءِ القِيَامَة.
وَيُغْرَسُ صَلِيبٌ خَشَبِيٌّ فِي وَسَطِ النَّهْرِ لِتَحْدِيدِ مَوْضِعِ الذِّكْرَى، حَيْثُ تَمَّ عِمَادُ السَّيِّدِ المَسِيح، فِي الحَدَثِ الَّذِي فِيهِ
"انْفَتَحَتِ السَّمَاوَاتُ، وَهَبَطَ الرُّوحُ القُدُسُ كَأَنَّهُ حَمَامَةٌ، وَسُمِعَ صَوْتُ الآبِ يُعْلِنُ ابْنَهُ الحَبِيبَ الَّذِي عَنْهُ رَضِي"(مَتَّى 3: 16–17).
خِلَالَ العَهْدِ العُثْمَانِيِّ، كَانَتِ الوُفُودُ الحَجِّيَّةُ تَتَوَجَّهُ إِلَى نَهْرِ الأُرْدُنِّ بِمُرَافَقَةِ جُنُودٍ عُثْمَانِيِّينَ، حِفَاظًا عَلَى أَمْنِهَا مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطُّرُق. وَاسْتَمَرَّ هٰذَا الوَضْعُ فِي فَتْرَةِ الاِنْتِدَابِ البِرِيطَانِيِّ.
أَمَّا بَعْدَ حَرْبِ الأَيَّامِ السِّتَّةِ سَنَةَ 1967، فَقَدْ تَوَقَّفَ تَوَافُدُ الجُمُوعِ المُؤْمِنَةِ إِلَى نَهْرِ الأُرْدُنِّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَة، نَظَرًا لِوُقُوعِ المَكَانِ فِي مَنْطِقَةٍ حُدُودِيَّةٍ حَسَّاسَةٍ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وَإِسْرَائِيل. وَلِذٰلِكَ، أَصْبَحَ الحُجَّاجُ يَتَوَافَدُونَ إِلَى مَوْقِعٍ بَدِيلٍ لِإِحْيَاءِ ذِكْرَى عِمَادِ الرَّبِّ، وَهُوَ ياردنيت، الَّذِي يَقَعُ فِي الجَنُوبِ الغَرْبِيِّ لِبُحَيْرَةِ طَبَرِيَّة، غَرْبِيَّ كِيبُوتْس دِغَانِيَّا.
وَفِي مُنْتَصَفِ تِسْعِينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ، أُعِيدَ فَتْحُ مَوْقِعِ المغطس (بيت عنيا عبر الأردن) أَمَامَ الحُجَّاجِ المَسِيحِيِّين، فَعَادَ المُؤْمِنُونَ يَتَوَافَدُونَ إِلَى مَوْقِعَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ لِلاِحْتِفَالِ بِعِيدِ الغِطَاس وَذِكْرَى عِمَادِ الرَّبِّ: الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ لِنَهْرِ الأُرْدُنِّ فِي الأُرْدُنّ، وَالضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ فِي فِلَسْطِين، وَكِلَاهُمَا يَحْمِلُ ذَاكِرَةً حَيَّةً لِحَدَثِ البِدَايَةِ الجَدِيدَةِ فِي تَارِيخِ الخَلَاص.
خامسًا: مَوْقِعُ المَعْمُودِيَّةِ فِي فِلَسْطِينَ
يُعْرَفُ مَوْقِعُ عِمَادِ الرَّبِّ فِي فِلَسْطِينَ بِاسْمِ دَيْرِ أَوْ كَنِيسَةِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان، وَيُسَمَّى أَيْضًا المَغْطَس.
يَقَعُ المَوْقِعُ عَلَى بُعْدِ نَحْوِ 600 مِتْرٍ غَرْبَ نَهْرِ الأُرْدُنِّ، وَنَحْوِ 10 كِيلُومِتْرَات جَنُوبِيَّةٍ شَرْقِيَّةٍ مِنْ مَدِينَةِ أريحا، قُرْبَ الطَّرِيقِ القَدِيمِ الَّذِي كَانَ يَرْبِطُ شَرْقَ الأُرْدُنِّ بِمَدِينَةِ القُدْس.
مُنْذُ القَرْنِ الرَّابِعِ المِيلَادِيّ، أَحْيَا المَسِيحِيُّونَ فِي هٰذَا المَوْقِعِ ذِكْرَى عِمَادِ السَّيِّدِ المَسِيحِ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان (مَتَّى 3: 13–17).
وَفِي بِدَايَةِ القَرْنِ الخَامِسِ، أُقِيمَتْ هُنَاكَ كَنِيسَةٌ تِذْكَارِيَّةٌ لِمَعْمُودِيَّةِ يَسُوع. وَأَطْلَقَ الرُّومُ الأُرْثُوذُكْسُ عَلَيْهَا اسْمَ بْرُودْرُومُوس Prodromos، وَمَعْنَاهُ: السَّابِقُ لِلرَّبّ، فِي إِشَارَةٍ إِلَى يُوحَنَّا المَعْمَدَان الَّذِي تَقَدَّمَ المَسِيحَ لِيُعِدَّ لَهُ الطَّرِيق. وَتُعْرَفُ المِنْطَقَةُ أَيْضًا بِاسْمِ قَصْرِ اليَهُود، ارْتِبَاطًا بِذِكْرَى عُبُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَهْرَ الأُرْدُنِّ إِلَى أَرْضِ المِيعَاد (يَشُوعَ 3: 14–16).
تُشِيرُ التَّقَالِيدُ إِلَى أَنَّ مريم المصرية (تُوُفِّيَتْ حَوَالَيْ سَنَة 431م) زَارَتْ هٰذَا المَوْقِعَ فِي يَوْمِ اهْتِدَائِهَا، قَبْلَ عُبُورِهَا إِلَى الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنْ نَهْرِ الأُرْدُنِّ، حَيْثُ قَضَتْ بَقِيَّةَ حَيَاتِهَا مُتَنَسِّكَةً فِي الصَّحْرَاءِ.
تَعَرَّضَتِ الكَنِيسَةُ لِدَمَارٍ جَسِيمٍ جَرَّاءَ زِلْزَالِ سَنَة 1034م، ثُمَّ أُعِيدَ بِنَاؤُهَا فِي العَصْرِ البِيزَنْطِيِّ المُتَأَخِّر عَلَى يَدِ الإِمْبِرَاطُورِ مانويل الأول كومنينوس (1143–1180م).
وَعَلَى مَرِّ العُصُورِ، تَعَرَّضَ الدَّيْرُ لِسِلْسِلَةٍ مِنَ الهَدْمِ وَإِعَادَةِ البِنَاءِ، حَتَّى قَامَ الرُّومُ الأُرْثُوذُكْسُ سَنَة 1882م بِإِعَادَةِ بِنَاءِ الدَّيْر، مَعَ الحِفَاظِ عَلَى: مُصَلًّى مِنَ العُصُورِ الوُسْطَى عَلَى شَكْلِ مَغَارَة، بَقَايَا نُقُوشٍ مَعْمَارِيَّة، قِطَعِ فُسَيْفِسَاءَ بَيْزَنْطِيَّةٍ مِنَ القَرْنِ الخَامِس.
فِي سَنَة 1927م، تَعَرَّضَتِ الكَنِيسَةُ لِزِلْزَالٍ آخَرَ أَدَّى إِلَى اِنْهِيَارِ الطَّابِقِ العُلْوِيّ. وَبَعْدَ أَعْمَالِ تَرْمِيمٍ وَتَدْعِيمٍ، أُعِيدَ تَرْمِيمُ الدَّيْرِ وَالكَنِيسَةِ سَنَة 1955م.
تَحْتَفِلُ الكنائس المُخْتَلِفَةُ حاليًا بِذِكْرَى عِمَادِ الرَّبِّ فِي مُحِيطِ دَيْرِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان، وَيُحِيطُ بِالدَّيْرِ: أَدْيِرَةُ الأَقْبَاط، أَدْيِرَةُ السُّرْيَان، مُصَلًّى لِلرُّوسِ الأُرْثُوذُكْس مُسَدَّسُ الشَّكْل، كَنِيسَةٌ لِلآبَاءِ الفِرَنْسِيسْكَان.
باختصار، لَا يَقْتَصِرُ أَهَمِّيَّةُ مَوْقِعِ عِمَادِ الرَّبِّ فِي فِلَسْطِينَ عَلَى قِيمَتِهِ الأَثَرِيَّةِ، بَلْ فِي كَوْنِهِ ذَاكِرَةً حَيَّةً لِحَدَثٍ خَلَاصِيٍّ، حَيْثُ اِنْفَتَحَتِ السَّمَاوَاتُ، وَحَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ، وَأُعْلِنَ الاِبْنُ الحَبِيبُ، فَصَارَ المَكَانُ جِسْرًا بَيْنَ التَّارِيخِ وَسِرِّ الخَلَاص.
سادسًا: مَوْقِعُ المَعْمُودِيَّةِ فِي الأُرْدُنِّ
التَّسْمِيَة
عُرِفَ مَوْقِعُ المَعْمُودِيَّةِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ بِأَسْمَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، تَعْكِسُ غِنَاهُ التَّارِيخِيَّ وَاللِّيتُورْجِيَّ:
1. "عَيْنُون" وَهُوَ الاِسْمُ الوَارِدُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: "وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنُونَ بِقُرْبِ سَالِيم، لِمَا فِيهَا مِنَ المِيَاه" (يُوحَنَّا 3: 23)، وَيُشِيرُ إِلَى مَنْطِقَةٍ غَنِيَّةٍ بِالْيَنَابِيعِ، صَالِحَةٍ لِلتَّعْمِيدِ الجَمَاعِيِّ.
2. "بَيْتَ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ" كَمَا يَرِدُ فِي الشَّهَادَةِ الأَدَقِّ عِنْدَ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيِّ: "جَرَى ذٰلِكَ فِي بَيْتَ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ، حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّد"(يُوحَنَّا 1: 28). وَهٰذَا التَّعْبِيرُ يَعْنِي صَرَاحَةً الضِّفَّةَ الشَّرْقِيَّةَ لِنَهْرِ الأُرْدُنِّ.
3. "صَفْصَافَة" وَهُوَ الاِسْمُ الوَارِدُ فِي خَارِطَةِ مَادَبَا الفُسَيْفِسَائِيَّة (القَرْن السَّادِس)، لِلمَوْقِعِ الَّذِي كَانَ يَعِيشُ فِيهِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان، وَيُرْبَطُ بِكِرَازَتِهِ وَمَعْمُودِيَّةِ الرَّبِّ.
4. "بَيْتُ المَعْبَر" وَهُوَ اِسْمٌ تَقْلِيدِيٌّ يَرْبِطُ المَكَانَ بِمَعْنَى العُبُور، إِذْ يُفْهَمُ عَلَى أَنَّهُ مَوْضِعُ عُبُورِ النَّبِيِّ إِيلِيَّا قَبْلَ رَفْعِهِ، وَمَوْضِعُ الدُّخُولِ الرَّمْزِيِّ إِلَى أَرْضِ المِيعَاد، فَيَغْدُو المَكَانُ جِسْرًا بَيْنَ العَهْدَيْن.
وَمُنْذُ القَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ، رَبَطَتِ التَّقَالِيدُ المَسِيحِيَّةُ بَشَكْلٍ مُتَّصِلٍ مَنْطِقَةَ بَيْتَ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ بِيُوحَنَّا المَعْمَدَان وَبِمَعْمُودِيَّةِ السَّيِّدِ المَسِيح.
المَوْقِعُ الجُغْرَافِيُّ
يَقَعُ مَوْقِعُ المَعْمُودِيَّةِ فِي الأُرْدُنِّ، المُعْتَرَفُ بِهِ تَقْلِيدِيًّا وَأَثَرِيًّا، فِي مَنْطِقَةِ المغطس (بيت عنيا عبر الأردن)، عَلَى بُعْدِ نَحْوِ 9 كِيلُومِتْرَات شِمَالَ البَحْرِ المَيِّت. وَيُؤَكِّدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا أَنَّ مَوْقِعَ عِمَادِ يَسُوعَ كَانَ فِي الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ لِنَهْرِ الأُرْدُنِّ، إِذْ يَقُول: "جَرَى ذٰلِكَ فِي بَيْتَ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ، حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّد" (يُوحَنَّا 1: 28).
وَيُضِيفُ الإِنْجِيلُ شَاهِدًا آخَرَ: "عَبَرَ يَسُوعُ الأُرْدُنَّ مَرَّةً أُخْرَى، فَذَهَبَ إِلَى حَيْثُ عَمَّدَ يُوحَنَّا فِي أَوَّلِ الأَمْر، فَأَقَامَ هُنَاك" (يُوحَنَّا 10: 40).
وَتَقَعُ بَيْتُ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ عِنْدَ مَدْخَلِ وادي الخرار، عَلَى مَسَافَةِ نَحْوِ 1.5 كِيلُومِتْرٍ شَرْقَ نَهْرِ الأُرْدُنِّ، وَهِيَ مِنْطِقَةٌ تَتَوَفَّرُ فِيهَا مِيَاهٌ غَزِيرَةٌ وَيَنَابِيعُ، كَانَتْ تَكْفِي الجُمُوعَ وَمَوَاشِيهِمْ، كَمَا يَذْكُرُ الإِنْجِيلُ.
الأَهَمِّيَّةُ الطُّرُقِيَّةُ وَالتَّجَارِيَّةُ
يَكْتَسِبُ المَوْقِعُ أَهَمِّيَّتَهُ لَا فَقَطْ مِنْ بُعْدِهِ الرُّوحِيِّ، بَلْ أَيْضًا مِنْ مَوْقِعِهِ الاِسْتِرَاتِيجِيِّ، إِذْ كَانَ: نُقْطَةَ اِلْتِقَاءِ الطَّرِيقِ الرُّومَانِيَّةِ بِنَهْرِ الأُرْدُنِّ، مَعْبَرًا لِلْقَوَافِلِ الصَّاعِدَةِ إِلَى أورشليم، وَمَنْطَلَقًا لِلْقَوَافِلِ المُتَّجِهَةِ شَرْقًا إِلَى ليفياش، وَمِنْهَا إِلَى حسبان. وَهُنَاكَ كَانَتْ تَلْتَقِي الطُّرُقُ بِالطَّرِيقِ الرُّومَانِيَّةِ الرَّئِيسِيَّةِ الَّتِي شَقَّهَا الإِمْبِرَاطُورُ تراجان فِي المُقَاطَعَةِ العَرَبِيَّة، لِرَبْطِ شَبَكَاتِ التِّجَارَةِ مِنَ آيلة (العَقَبَة) عَلَى البَحْرِ الأَحْمَر، مَرُورًا بِـ البتراء، وَالكرك، وَعمّان، وَجرش، َصُولًا إِلَى بُصرى الشام عَلَى طَرِيقِ التِّجَارَةِ الدَّوْلِيَّة. وباخْتَصَار، يُظْهِرُ مَوْقِعُ المَعْمُودِيَّةِ فِي الأُرْدُنِّ تَدَاخُلًا فَرِيدًا بَيْنَ الجُغْرَافِيَا وَالتَّارِيخ وَسِرِّ الخَلَاص. فَهُنَا لَمْ يَكُنِ الأُرْدُنُّ نَهْرًا فَقَط، بَلْ مَعْبَرَ حَيَاةٍ، مِنَ المَاءِ إِلَى الرُّوح، وَمِنَ العَهْدِ القَدِيمِ إِلَى العَهْدِ الجَدِيد.
المَعالِم التَّارِيخية
أَشَارَ المُؤَرِّخُ ثيوذوسيوس نَحْوَ سَنَة 530 م إِلَى أَنَّ السَّيِّدَ المَسِيحَ تَعَمَّدَ شِمَالَ البَحْرِ المَيِّت، قُرْبَ كَنِيسَةِ القِدِّيسِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان، مُؤَكِّدًا أَنَّ العِمَادَ تَمَّ فِي الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ لِنَهْرِ الأُرْدُنِّ. وَذَكَرَ فِي وَصْفِهِ تَلَّ الخَرَّار، المَعْرُوفَ تَقْلِيدِيًّا بِاسْم "تَلِّ إِيلِيَّا"، وَهُوَ مَوْضِعٌ مُرْتَبِطٌ بِذِكْرَى صُعُودِ النَّبِيِّ إِيلِيَّا، وَبِسِيَاقِ العُبُورِ الخَلَاصِيِّ.
فِي العَصْرِ البِيزَنْطِيِّ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَوَاخِرِ القَرْنِ الخَامِس، سَعَى الإِمْبِرَاطُورُ أنسطازيوس الأول (491–518م) إِلَى تَخْلِيدِ ذِكْرَى عِمَادِ السَّيِّدِ المَسِيح، فَبُنِيَتْ نَحْوَ سَنَة 500م كَنِيسَةٌ عَلَى الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ لِنَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُشَيَّدَةٌ فَوْقَ أَقْوَاسٍ حَجَرِيَّة، لِحِمَايَتِهَا مِنْ فَيْضَانَاتِ النَّهْرِ فِي مَوَاسِمِ الشِّتَاءِ. وَأُعِدَّ دَرَجٌ حَجَرِيٌّ يَرْبِطُ بَيْنَ الكَنِيسَةِ وَمِيَاهِ النَّهْرِ، لِيَسْهُلَ وُصُولُ الحُجَّاجِ إِلَى مَوْضِعِ العِمَاد.
وَقَدْ حَظِيَتْ هٰذِهِ الكَنِيسَةُ بِعِنَايَةِ الإِمْبِرَاطُورِ جستنيان الأول (527–565م)، الَّذِي أَمَرَ بِتَرْمِيمِهَا وَتَعْزِيزِهَا. وَيَذْكُرُ الرَّاهِبُ وَالمُؤَرِّخُ يوحنا موشوس أَنَّ بَطْرِيَرْكَ القُدْس قَدْ أَقَامَ فِي هٰذِهِ المِنْطَقَةِ كَنِيسَةً وَدَيْرًا، لِخِدْمَةِ الحُجَّاجِ وَتَثْبِيتِ الحُضُورِ الكَنَسِيِّ فِيهَا.
وَأَظْهَرَتِ الحَفْرِيَّاتُ الأَثَرِيَّةُ اكْتِشَافَ أَنْظِمَةِ مِيَاهٍ وَبِرَكِ تَعْمِيدٍ مُغَطَّاةِ الأَرْضِيَّاتِ بِالفُسَيْفِسَاءِ، كَانَتْ تُسْتَخْدَمُ فِي طُقُوسِ المَعْمُودِيَّة. كَمَا كَشَفَتْ عَنْ مُجَمَّعٍ بَيْزَنْطِيٍّ مُتَأَخِّر يَعُودُ إِلَى القَرْنَيْنِ الخَامِسِ وَالسَّادِس، يَضُمُّ دَيْرًا، وَعِدَّةَ كَنَائِسَ، وَمَنْشَآتٍ لِإِيْوَاءِ الحُجَّاجِ وَتَزْوِيدِهِمْ بِالمُؤُونَة، مِمَّا يُظْهِرُ أَهَمِّيَّةَ المَوْقِعِ كَمَرْكَزِ حَجٍّ مَسِيحِيٍّ مُبَكِّر.
فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، حَظِيَ المَكَانُ بَعِدَّةِ زِيَارَاتٍ بَابَوِيَّةٍ بَارِزَة، فَقَدْ زَارَهُ البابا بولس السادس سَنَة 1964، ثُمَّ فِي 21 آذَار 2000 قَامَ البابا يوحنا بولس الثاني بِزِيَارَةٍ تَارِيخِيَّةٍ وَصَلَّى فِي مُطِلِّ مَار إِيلِيَّا. وَتَبِعَ ذٰلِكَ زِيَارَةُ البابا بندكتس السادس عشر سَنَة 2009، ثُمَّ البابا فرنسيس سَنَة 2014، إِلَى جَانِبِ زِيَارَاتٍ عَدِيدَةٍ لِرُؤَسَاءِ كَنَائِسَ مِنْ مُخْتَلِفِ أَنْحَاءِ العَالَم.
وَمُنْذُ سَنَة 2000، بَدَأَتِ الكَنَائِسُ الكَاثُولِيكِيَّةُ تُحْيِي يَوْمَ عِمَادِ الرَّبِّ فِي المغطس (بيت عنيا عبر الأردن) كَيَوْمِ حَجٍّ مَسِيحِيٍّ وَطَنِيٍّ. وَفِي 3 تَمُّوز 2015، وَافَقَتْ لَجْنَةُ التُّرَاثِ العَالَمِيِّ التَّابِعَةُ لِـ اليونسكو عَلَى إِدْرَاجِ "مَوْقِعِ المَعْمُودِيَّة – بَيْتَ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ (المَغْطَس)" عَلَى قَائِمَةِ التُّرَاثِ العَالَمِيِّ الإِنْسَانِيِّ.
وَتَحْتَفِلُ الأُرْدُنُّ فِي هٰذِهِ السَّنَةِ بِمُرُورِ خمس وعِشْرِينَ عَامًا عَلَى بَدْءِ الحَجِّ إِلَى المَغْطَس فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، وَذٰلِكَ بِإِضَاءَةِ أَلْفَيْ شَمْعَةِ صَلَاةٍ، بِمُشَارَكَةِ جَمِيعِ الكَنَائِس، تَعْبِيرًا عَنْ وَحْدَةِ الشَّهَادَةِ وَقُدْسِيَّةِ المَكَان.
يُظْهِرُ هٰذَا التَّارِيخُ المُتَّصِلُ أَنَّ مَوْقِعَ المَغْطَس لَمْ يَكُنْ مَكَانًا عَابِرًا، بَلْ مَرْكَزًا خَلَاصِيًّا وَحَجِّيًّا مُسْتَمِرًّا،
تَعَاقَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَاتُ النَّصِّيَّةُ، وَالبِنَايَاتُ الكَنَسِيَّةُ، وَالحَجَرُ الأَثَرِيُّ، لِيَبْقَى شَاهِدًا حَيًّا عَلَى بِدَايَةِ الطَّرِيقِ الَّذِي انْطَلَقَ مِنَ مِيَاهِ الأُرْدُنِّ نَحْوَ صَلِيبِ الفِدَاءِ وَفَجْرِ القِيَامَة.
يُظْهِرُ هٰذَا التَّارِيخُ المُتَّصِلُ أَنَّ مَوْقِعَ المَغْطَس لَمْ يَكُنْ مَكَانًا عَابِرًا، بَلْ مَرْكَزًا خَلَاصِيًّا وَحَجِّيًّا مُسْتَمِرًّا، تَعَاقَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَاتُ النَّصِّيَّةُ، وَالبِنَايَاتُ الكَنَسِيَّةُ، وَالحَجَرُ الأَثَرِيُّ، لِيَبْقَى شَاهِدًا حَيًّا عَلَى بِدَايَةِ الطَّرِيقِ الَّذِي انْطَلَقَ مِنَ مِيَاهِ الأُرْدُنِّ نَحْوَ صَلِيبِ الفِدَاءِ وَفَجْرِ القِيَامَة.
المَعالِمُ الأَثَرِيَّةُ
أَثْبَتَتْ نَتَائِجُ التَّنْقِيبَاتِ الأَثَرِيَّةِ الَّتِي أُجْرِيَتْ سَنَتَي 1996–1997م أَنَّ بَرِّيَّةَ اليَهُودِيَّة الَّتِي كَانَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ يُقِيمُ فِيهَا وَيُعِدُّ الطَّرِيقَ لِقُدُومِ السَّيِّدِ المَسِيح (يُوحَنَّا 3: 1)، تَتَطَابَقُ جُغْرَافِيًّا مَعَ مِنْطَقَةِ بَيْتَ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ، الوَاقِعَةِ شَرْقَ نَهْرِ الأُرْدُنِّ ضِمْنَ أَرَاضِي قرية الكفرين، وَتَشْمَلُ هٰذِهِ المِنْطَقَةُ أَحَدَ الأَوْدِيَةِ الصَّغِيرَةِ المَعْرُوفَةِ بِاسْم وادي الخرار.
وَقَدْ أَكَّدَتِ الحَفْرِيَّاتُ الأَثَرِيَّةُ فِي الأُرْدُنِّ أَنَّ بَيْتَ عَبْرَة) أَو: بِيت هَبَارَا / بَيْت بَيْتَابِلْوَا فِي بَعْضِ المَصَادِرِ القَدِيمَة) كَانَتْ قَائِمَةً فِي هٰذِهِ المِنْطَقَة، وَأَنَّهَا ضَمَّتْ: مَنْشَآتٍ مَعْمَارِيَّةً مُتَعَدِّدَة، مُجَمَّعَاتٍ رَهْبَانِيَّة، كَنَائِسَ وَكُهُوفًا نُسْكِيَّة، يَنْبُوعَ مِيَاهٍ وَنِظَامًا مَائِيًّا مُتَطَوِّرًا. كَمَا أَثْبَتَتِ التَّنْقِيبَاتُ أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ فِي المِنْطَقَةِ طَرِيقٌ مُقَدَّسٌ قَدِيمٌ لِلْحُجَّاج، يَرْبِطُ أورشليم بِنَهْرِ الأُرْدُنِّ، ثُمَّ بَيْتَ عَبْرَة، وَيَصِلُ حَتَّى جبل نيبو.
التَّقْسِيمُ الأَثَرِيُّ لِلمَوْقِع
يَتَأَلَّفُ مَوْقِعُ المَعْمُودِيَّةِ مِنْ مِنْطَقَتَيْنِ رَئِيسِيَّتَيْنِ:
1. مِنْطَقَةُ تَلِّ الخَرَّار (تَلّ إِيلِيَّا)
تُعَدُّ هٰذِهِ المِنْطَقَةُ مِنْ أَقْدَمِ أَجْزَاءِ المَوْقِعِ، وَتَضُمُّ مَوْقِعَيْنِ أَثَرِيَّيْنِ مُهِمَّيْنِ:
أ. مَوْقِعُ خَمْسِ البِرَك العُلويّة
تَتَوَفَّرُ فِي هٰذِهِ المِنْطَقَةِ عِدَّةُ يَنَابِيعَ مَائِيَّةٍ طَبِيعِيَّة تُشَكِّلُ بُرَكًا صَغِيرَةً، يَبْدَأُ مِنْهَا تَدَفُّقُ المِيَاهِ نَحْوَ وَادِي الخَرَّار، لِتَصُبَّ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ.
البِرْكَةُ الأُولَى: تَقَعُ فِي المُنْحَدَرِ الغَرْبِيِّ السُّفْلِيِّ لِلتَّلّ، وَتَعُودُ إِلَى العَصْرِ البِيزَنْطِيِّ المُبَكِّر (القَرْنَانِ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ بَعْدَ المِيلَاد).
البِرْكَتَانِ الأُخْرَيَانِ: تَقَعَانِ عَلَى قِمَّةِ الطَّرَفِ الشِّمَالِيِّ لِتَلِّ الخَرَّار. أَمَّا البِرْكَةُ الجَنُوبِيَّة فَهِيَ مُسْتَطِيلَةُ الشَّكْل، تَحْتَوِي عَلَى دَرَجٍ دَاخِلِيٍّ فِي الجِهَةِ الشَّرْقِيَّة، يَتَكَوَّنُ مِنْ أَرْبَعِ دَرَجَات تَمْتَدُّ عَلَى عَرْضِ البِرْكَة، وَكَانَ الحُجَّاجُ يَنْزِلُونَ إِلَيْهَا لِنَيْلِ سِرِّ المَعْمُودِيَّة.
بِرْكَتَانِ مُرَبَّعَتَانِ: تَعُودَانِ إِلَى الفَتْرَةِ الرُّومَانِيَّة–البِيزَنْطِيَّة، وَقَدْ أُضِيفَتْ فِي فَتَرَاتٍ لَاحِقَةٍ أَحْجَارٌ مَرْبُوعَةٌ مَنْحُوتَةٌ فِي الزَّاوِيَةِ الجَنُوبِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ لِلبِرْكَةِ الشِّمَالِيَّةِ الغَرْبِيَّة، رُبَّمَا اسْتُخْدِمَتْ كَدَرَجٍ لِلنُّزُولِ إِلَى المَاءِ.
وَتَصِلُ المِيَاهُ إِلَى هٰذِهِ البِرَكِ عَبْرَ أَقْنِيَةٍ مَائِيَّةٍ مُغَطَّاةٍ بِقَنَاطِرَ حَجَرِيَّة، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى نِظَامٍ هَيْدْرَوْلُوجِيٍّ مُتَقَدِّمٍ.
وَتُشِيرُ الدِّرَاسَاتُ إِلَى أَنَّ هٰذِهِ البِرَكِ كَانَتْ تُسْتَخْدَمُ: لِـ الحِمَامِ الطُّقْسِيِّ اليَهُودِيِّ (الميكفه)، وَلِـ التَّعْمِيدِ المَسِيحِيِّ فِي العَصْرَيْنِ الرُّومَانِيِّ وَالبِيزَنْطِيِّ، مِمَّا يُظْهِرُ التَّحَوُّلَ الطُّقْسِيَّ مِنَ الطَّهَارَةِ الشَّرِيعِيَّةِ إِلَى سِرِّ المَعْمُودِيَّةِ كَبِدَايَةِ خَلِيقَةٍ جَدِيدَة.
باختصار، تُبَيِّنُ هٰذِهِ المَعَالِمُ الأَثَرِيَّةُ أَنَّ مَوْقِعَ المَغْطَس لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا رَمْزِيًّا فَقَط، بَلْ مَرْكَزًا حَيًّا لِلحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ وَالحَجِّ وَالتَّعْمِيد، حَيْثُ اِلْتَقَتِ المِيَاهُ، وَالطَّرِيقُ، وَالصَّحْرَاء، لِتُعْلِنَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللهِ يَبْدَأُ مِنَ النُّزُولِ إِلَى المَاءِ… وَيَرْتَفِعُ نَحْوَ الحَيَاةِ.
ب) تَلُّ مَارِ إِيلِيَّا (تَلُّ الخَرَّار)
عُرِفَتْ مَنْطِقَةُ تَلِّ الخَرَّار أَيْضًا بِاسْم "تَلِّ مَارِ إِيلِيَّا"، إِذْ يَرْبِطُهَا التَّقْلِيدُ الكِتَابِيُّ وَالكَنَسِيُّ بِالمَوْضِعِ الَّذِي مِنْهُ صَعِدَ النَّبِيُّ إِيلِيَّا إِلَى السَّمَاءِ. وَيَقَعُ التَّلُّ عَلَى بُعْدِ نَحْوِ كِيلُومِتْرٍ وَاحِدٍ مِنْ مَوْقِعِ المَعْمُودِيَّةِ الرَّئِيسِيِّ. وَيَسْتَنِدُ هٰذَا التَّقْلِيدُ إِلَى النَّصِّ الكِتَابِيِّ: "وَإِذَا مَرْكَبَةٌ نَارِيَّةٌ وَخَيْلٌ نَارِيَّةٌ قَدْ فَصَلَتْ بَيْنَ إِيلِيَّا وَأَلِيشَعَ، وَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي العَاصِفَةِ نَحْوَ السَّمَاءِ"(سِفْرُ المُلُوكِ الثَّانِي 2: 11).
وَمِنْ هُنَا، غَدَا التَّلُّ مَوْضِعًا ذَاتَ دَلَالَةٍ خَلَاصِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، يَرْبِطُ بَيْنَ: صُعُودِ إِيلِيَّا النَّبِيِّ وَعُبُورِ العَهْدِ القَدِيمِ وَظُهُورِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان كَـ "إِيلِيَّا الجَدِيد" الَّذِي يُهَيِّئُ الطَّرِيقَ لِمَجِيءِ المَسِيح.
2) مَنْطِقَةُ الكَنَائِس (مِنْطَقَةُ الزُّور)
تَقَعُ مِنْطِقَةُ الكَنَائِس، وَتُعْرَفُ أَيْضًا بِاسْم مِنْطَقَة الزُّور، عَلَى بُعْدِ نَحْوِ كِيلُومِتْرَيْنِ شَرْقَ نَهْرِ الأُرْدُنِّ، عِنْدَ بِدَايَة وادي الخرار. وَهِيَ مَنْطِقَةٌ كَانَتْ تَشْكِّلُ القَلْبَ اللِّيتُورْجِيَّ وَالحَجِّيَّ لِمَوْقِعِ المَعْمُودِيَّةِ.
أَظْهَرَتِ التَّنْقِيبَاتُ الأَثَرِيَّةُ وُجُودَ خَمْسِ كَنَائِسَ، مِنْهَا ثَلَاثُ كَنَائِسَ تَعُودُ إِلَى فَتْرَاتٍ اِسْلَامِيَّةٍ مُبَكِّرَة، عَلَى بُعْدِ نَحْوِ 100 مِتْرٍ مِنْ نَهْرِ الأُرْدُنِّ.
وَتُعْتَبَرُ أَقْدَمُ كَنِيسَةٍ فِي المَوْقِعِ هِيَ كَنِيسَةُ القِدِّيسِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان، بَنَاهَا الإِمْبِرَاطُورُ أنسطازيوس الأول خِلَالَ العَصْرِ البِيزَنْطِيِّ (491–518م)
وَفِي سَنَة 614م، أَدَّتْ الهَجَمَاتُ الفَارِسِيَّة وَالفَيْضَانَات وَالزَّلَازِل إِلَى تَدْمِيرِ الكَنِيسَة، الَّتِي أُعِيدَ بِنَاؤُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى مَرِّ القُرُونِ.
لَا تَزَالُ بَعْضُ الجُدْرَانِ البِيزَنْطِيَّةِ قَائِمَةً، وَمَحْفُورٌ عَلَيْهَا صُلْبَانٌ وَنُقُوشٌ نَحَتَهَا الحُجَّاجُ الأَوَائِل، الَّذِينَ تَوَقَّفُوا فِي هٰذَا المَوْضِعِ أَثْنَاءَ سَيْرِهِمْ عَلَى الطَّرِيقِ المُقَدَّسِ الرَّابِطِ بَيْنَ أورشليم وَجبل نيبو.
فِي القَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ، بُنِيَ دَيْرٌ أُرْثُوذُكْسِيّ فِي المِنْطَقَة، إِلَّا أَنَّ أَعْدَادَ الحُجَّاجِ بَدَأَتْ بِالاِنْخِفَاض. فِي سَنَة 1484، وَصَفَتِ المَصَادِرُ المَكَانَ بِأَنَّهُ فِي حَالَةِ خَرَابٍ تَامّ.
خِلَالَ القَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، اتُّخِذَ قَرَارٌ بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ صَغِيرَة، إِلَّا أَنَّهَا دُمِّرَتْ جُزْئِيًّا جَرَّاءَ زِلْزَالِ سَنَة 1927.
فِي التِّسْعِينَاتِ مِنَ القَرْنِ العِشْرِينَ، شَهِدَ المَوْقِعُ أَعْمَالَ صِيَانَةٍ وَتَرْمِيمٍ شَامِلَة، وَسُمِحَ بِإِحْيَاءِ الاِحْتِفَالَاتِ اللِّيتُورْجِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ مُنْذُ سَنَة 1985.
وَكَمَا كُشِفَ أَيْضًا عَنْ: مَزَارٍ تَذْكَارِيٍّ لِلقِدِّيسَةِ مريم المصرية، مَعَابِدَ صَغِيرَةٍ وَكُهُوفٍ نُسْكِيَّة كَانَتْ مَسْكَنًا لِلنُّسَّاك.
2) مَوْقِعُ المَعْمُودِيَّةِ الطُّقْسِيّ
كَانَ هٰذَا المَكَانُ، عَلَى مَرِّ القُرُونِ، مَوْقِعَ المَعْمُودِيَّةِ الرَّئِيسِيّ، حَيْثُ كَانَ المُعْتَمِدُونَ يَنْزِلُونَ إِلَى المَاءِ عَبْرَ الدَّرَجَاتِ الرُّخَامِيَّة المُؤَدِّيَةِ إِلَى النَّبْعِ، قُرْبَ كَنِيسَةِ القِدِّيسِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان. وَقَدْ أَكَّدَتْ هٰذِهِ التَّقَالِيدَ شَهَادَاتُ: الرُّهْبَان، الحُجَّاج، وَالقِدِّيسِينَ الَّذِينَ رَأَوْا فِي هٰذَا المَوْضِعِ ذَاكِرَةً حَيَّةً لِبِدَايَةِ الطَّرِيقِ: مِنَ المَاءِ… إِلَى الرُّوح… إِلَى الحَيَاةِ.
يُشَكِّلُ تَلُّ مَارِ إِيلِيَّا وَمِنْطِقَةُ الكَنَائِس (الزُّور) مَعًا قَلْبَ المَوْقِعِ الأَثَرِيِّ وَالرُّوحِيِّ لِمَوْقِعِ المَعْمُودِيَّةِ فِي الأُرْدُنِّ،
حَيْثُ يَلْتَقِي النَّبِيُّ إِيلِيَّا وَيُوحَنَّا المَعْمَدَان وَيَسُوعُ المَسِيح فِي جُغْرَافِيَا وَاحِدَة، تَشْهَدُ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى السَّمَاءِ يَبْدَأُ دَائِمًا مِنْ نُزُولِ التَّوَاضُعِ… وَيَنْتَهِي بِمَجْدِ القِيَامَة.
3) مَسَارُ الحَجِّ فِي مَوْقِعِ الغَطَّاس فِي الأُرْدُنّ
يَنْقَسِمُ مَسَارُ الحَجِّ فِي مَوْقِعِ الغَطَّاس (وَادِي الخَرّار/بَيْتُ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنّ) إِلَى مَنْطِقَتَيْنِ رَئِيسَتَيْنِ:
أَوَّلًا: تَلُّ مَار إِيلِيَا (المِنْطَقَةُ العُلْيَا)، ثُمَّ ثَانِيًا: مَنْطَقَةُ الزُّور/مَنْطَقَةُ الكَنَائِس (المِنْطَقَةُ السُّفْلَى).
أَوَّلًا: تَلُّ مَار إِيلِيَا (المِنْطَقَةُ العُلْيَا)
(1) قِمَّةُ تَلِّ مَار إِيلِيَا مُرْتَبِطَةٌ بِتَقْلِيدِ صُعُودِ النَّبِيِّ إِيلِيَّا إِلَى السَّمَاءِ، كَمَا وَرَدَ فِي: "إِذَا مَرْكَبَةٌ نَارِيَّةٌ وَخَيْلٌ نَارِيَّةٌ… وَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي العَاصِفَةِ نَحْوَ السَّمَاءِ" (2 مُلوك 2: 11).
(2) مَزَارُ مَار إِيلِيَا: وَهُوَ بَقَايَا كَنِيسَةٍ بَيْزَنْطِيَّةٍ صَغِيرَةٍ (مَوْضِعُ تَذْكَارِيّ) ، ذَكَرَهَا الحُجَّاجُ فِي القَرْنَيْنِ الخَامِسِ وَالسَّادِسِ. تَتَمَيَّزُ الْكَنِيسَةُ بِأَرْضِيَّتِهَا الْفُسَيْفِسَائِيَّةِ الْهَنْدَسِيَّةِ، الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ زَخَارِفَ دَائِرِيَّةٍ، وَضَفَائِرَ مُتَشَابِكَةٍ، وَأَشْكَالٍ نَبَاتِيَّةٍ رَمْزِيَّةٍ، تُعَبِّرُ عَنْ مَعَانٍ لَاهُوتِيَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالْمَعْمُودِيَّةِ، وَالْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ، وَالْأَبَدِيَّةِ، دُونَ تَصْوِيرٍ بَشَرِيٍّ، انْسِجَامًا مَعَ الطَّابِعِ الطَّقْسِيِّ وَالنُّسْكِيِّ لِلْمَكَانِ.
(3) الكُهُوفُ النْسَكِيَّة: كُهُوفٌ مَنْحُوتَةٌ طَبِيعِيًّا، ثُمَّ وُسِّعَتْ يَدَوِيًّا، اسْتَخْدَمَهَا نُسَّاكٌ وَرُهْبَانٌ مُنْذُ العَصْرِ البَيْزَنْطِيّ، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِتَقْلِيدِ النَّبِيِّ إِيلِيَّا وَالتَّنَسُّكِ الصَّحْرَاوِيّ.
(4) نِظَامُ القَنَوَاتِ المَائِيَّةِ العُلْوِيَّة: قَنَوَاتٌ حَجَرِيَّةٌ مُغَطَّاةٌ، تَنْقُلُ المِيَاهَ مِنْ يَنَابِيعِ التَّلِّ إِلَى البِرَك، وَتَعُودُ إِلَى الفَتْرَتَيْنِ الرُّومَانِيَّةِ–البَيْزَنْطِيَّة.
(5) البِرَكُ العُلْوِيَّة (خَمْسُ بِرَك): بِرَكٌ طَقْسِيَّةٌ مُتَعَدِّدَةُ الأَشْكَال (مُسْتَطِيلَةٌ وَمُرَبَّعَةٌ) ، تَحْوِي دَرَجًا دَاخِلِيًّا لِلنُّزُول (طَقْسُ تَعْمِيد/اِغْتِسَال). وَلَهَا اِسْتِخْدَامٌ مُزْدَوَجٌ: اِسْتِخْدَامٌ يَهُودِيٌّ طَقْسِيّ وَتَوَظِيفٌ مَسِيحِيٌّ تَعْمِيدِيّ
ثَانِيًا: مَنْطَقَةُ الزُّور/مَنْطَقَةُ الكَنَائِس (المِنْطَقَةُ السُّفْلَى)
هِيَ المِنْطَقَةُ المُنْخَفِضَةُ القَرِيبَةُ مِنَ النَّهْر، ذَاتُ الطَّابِعِ اللِّيتُورْجِيّ–الحَجِّيّ.
(6) طَرِيقُ الحَجِّ القَدِيم طَرِيقٌ مُقَدَّسٌ يَرْبِطُ: القُدْس ← أَرِيحَا ← وَادِي الخَرّار ← نَهْرُ الأُرْدُنّ ← جَبَلُ نِيبُو،
وَقَدِ اسْتَخْدَمَهُ الحُجَّاجُ مُنْذُ القَرْنِ الرَّابِع.
(7) كَنِيسَةُ يُوحَنَّا المَعْمَدَان الأُولَى: بَنَاهَا الإِمْبَرَاطُورُ أَنْسْطَاسِيُوس الأَوَّل (491–518م)، وَهِيَ مُشَيَّدَةٌ فَوْقَ أَقْوَاسٍ لِحِمَايَتِهَا مِنْ فَيْضَانَاتِ النَّهْر، وَفِيهَا دَرَجٌ حَجَرِيٌّ يَصِلُ مُبَاشَرَةً إِلَى المَاءِ.
(8) مُجَمَّعُ الكَنَائِس البَيْزَنْطِيّ (خَمْسُ كَنَائِس): يَضُمُّ ثَلَاثَ كَنَائِس بَيْزَنْطِيَّة وَكَنِيسَتَيْنِ تَعُودَانِ إِلَى العَهْدِ الإِسْلَامِيّ المُبَكِّر. وَتَحْمِلُ بَعْضُ جُدْرَانِهِ صُلْبَانَ الحُجَّاج مَحْفُورَةً عَلَيْهَا كَشَاهِدٍ عَلَى العُبُورِ وَالذِّكْرَى.
(9) بِرَكُ التَّعْمِيد السُّفْلِيَّة: بِرَكٌ مَكْسُوَّةٌ بِالفُسَيْفِسَاءِ، مُرْتَبِطَةٌ مُبَاشَرَةً بِطَقْسِ المَعْمُودِيَّةِ المَسِيحِيَّة، وَتَأْتِي مِيَاهُهَا مِنْ وَادِي الخَرّار.
(10) دَرَجُ المَعْمُودِيَّة إِلَى النَّهْر: دَرَجٌ رُخَامِيّ/حَجَرِيّ، وَهُوَ المَوْقِعُ التَّقْلِيدِيّ لِلنُّزُول إِلَى مِيَاهِ الأُرْدُنّ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَصَادِرِ الحَجِّ القَدِيمَةِ، مِثْل: ثِيُوذُوسِيُوس وَجُون مُوش.
(11) مَزَارُ القِدِّيسَة مَرْيَم المِصْرِيَّة: بَقَايَا مَزَارٍ تَكْرِيمِيٍّ مُرْتَبِطٍ بِتَقْلِيدِ تَوْبَتِهَا وَعُبُورِهَا إِلَى الشَّرْق، وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَى البُعْدِ النسكي النِّسَائِيّ فِي المَوْقِع.
(12) مُنْشَآتُ الحُجَّاج: مَرَاكِزُ ضِيَافَةٍ وَمَأْوًى لِلحُجَّاج، تَشْمَلُ غُرَفَ إِقَامَةٍ، مَخَازِنَ، أَفْرَانًا، تَعُودُ إِلَى القَرْنَيْنِ الخَامِسِ وَالسَّادِسِ، وَتُؤَكِّدُ كَثَافَةَ الحَجِّ المُنَظَّم.
(13) نُقْطَةُ نَهْرِ الأُرْدُنِّ الطَّقْسِيَّة: مَوْضِعُ غَطْسِ الصَّلِيب فِي عِيدِ الغَطَّاس، وَهِيَ الحَدُّ اللِّيتُورْجِيّ بَيْنَ "البَرِّيَّة" والماء"، وَتُمَثِّلُ ذُرْوَةَ المَسَارِ الحَجِّيّ.
2) الحَجُّ السَّنَوِيُّ إِلَى مَوْقِعِ الغَطَّاس في الأردن
يَعودُ الحَجُّ إِلَى مَوْقِعِ الغَطَّاس إِلَى سَنَة 1641م، إِذْ كَانَ الحُجَّاجُ المَسِيحِيُّونَ يَقْصِدُونَ نَهْرَ الأُرْدُنِّ لِلاِحْتِفَالِ بِعِيدِ عِمَادِ الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ، فِي المَوْضِعِ الَّذِي تَسَلَّمَ فِيهِ المَسِيحُ عِمَادَهُ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا المَعْمَدَان. إِلَّا أَنَّ الحَجَّ إِلَى مَوْقِعِ الغَطَّاس فِي الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ تَوَقَّفَ فِعْلِيًّا بَعْدَ عَام 1968م، عَلَى أَثَرِ حَرْبِ الأَيَّامِ السِّتَّة، إِذْ أُعْلِنَتِ المِنْطَقَةُ مَنْطِقَةً عَسْكَرِيَّةً مَغْلَقَة.
فِي سَنَة 2000، أُعِيدَ فَتْحُ المَوْقِعِ بِشَكْلٍ مُؤَقَّت عَقِبَ زِيَارَةِ يوحنا بولس الثاني إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَة.
غَيْرَ أَنَّ زِيَارَةَ المَوْقِعِ لَمْ تُصْبِحْ مُمْكِنَةً أَمَامَ الجُمْهُورِ إِلَّا بَعْدَ عَام 2011م، فِي نِطَاقٍ مَحْدُود، بَعْدَ أَنْ قَامَ الجَيْشُ الإِسْرَائِيلِيُّ بِتَنْظِيفِ أَجْزَاءٍ مِنَ الأَرْضِ مِنَ الأَلْغَام.
وَلَمْ يُفْتَحِ المَوْقِعُ كَامِلًا إِلَّا فِي عَام 2018، بَعْدَ عَمَلِيَّاتٍ مُكَثَّفَةٍ لِنَزْعِ الأَلْغَام، نَفَّذَتْهَا السُّلْطَةُ الوَطَنِيَّةُ لِنَزْعِ الأَلْغَام فِي إِسْرَائِيل، بِالتَّعَاوُنِ مَعَ المُنَظَّمَةِ الإِنْسَانِيَّة. وَهُنَا يَحْمِلُ نَزْعُ الأَلْغَامِ مَعْنًى رَمْزِيًّا عَمِيقًا: أَرْضُ الأَلْغَامِ هِيَ أَرْضُ الحَرْب، وَإِذَا نُقِّيَتْ مِنَ الأَلْغَامِ تُصْبِحُ أَرْضَ السَّلَام.
فِي الأُرْدُنّ، يُحْتَفَلُ سَنَوِيًّا فِي شَهْر كَانُونِ الثَّانِي بِعِيدِ عِمَادِ الرَّبِّ مِنْ خِلَالِ حَجٍّ سَنَوِيٍّ إِلَى مَوْقِعِ الغَطَّاس، بِمُشَارَكَةٍ وَاسِعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَرُؤَسَاءِ وَمُمَثِّلِي الكَنَائِس. وَيَشْمَلُ الاِحْتِفَالُ مُبَارَكَةَ مِيَاهِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ المُقَدَّس، رَشَّ المِيَاهِ عَلَى جُمُوعِ المُؤْمِنِينَ، الاِحْتِفَالَ بِالقُدَّاسِ الإِلَهِيّ، رَفْعَ الصَّلَوَاتِ وَالتَّرَانِيمِ بِمُشَارَكَةِ جُوقَاتٍ مُتَعَدِّدَة. وَتُشَارِكُ فِي هٰذَا الحَجِّ الكَنَائِسُ الكَاثُولِيكِيَّةُ بِفُرُوعِهَا: اللَّاتِين، الرُّوم الكَاثُولِيك، المَوَارِنَة، الكِلْدَان، السُّرْيَان الكَاثُولِيك، الأَرَمِنَ الكَاثُولِيك، إِلَى جَانِبِ الكَنَائِسِ الأُرْثُوذُكْسِيَّةِ وَالأَشْقَاءِ فِي الإِيمَان.
يَبْقَى الحَجُّ السَّنَوِيُّ إِلَى الغَطَّاس شَهَادَةً حَيَّةً عَلَى قُوَّةِ الذَّاكِرَةِ المَكَانِيَّة فِي الإِيمَانِ وَوَحْدَةِ الكَنَائِسِ حَوْلَ نَهْرِ الخَلَاص وَأَنَّ الأَرْضَ الَّتِي نُقِّيَتْ مِنَ أَدَوَاتِ الحَرْبِ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُصْبِحَ مَوْضِعَ صَلَاةٍ وَسَلَام. مِنَ المَاءِ… إِلَى الرُّوح… وَمِنَ الذِّكْرَى إِلَى الشَّهَادَة.