موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النص الانجيلي: (يوحنا 1: 1-18)
1 في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله. 2كانَ في البَدءِ لَدى الله. 3بِه كانَ كُلُّ شَيء وبِدونِه ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان. 4فيهِ كانَتِ الحَياة والحَياةُ نورُ النَّاس 5والنُّورُ يَشرِقُ في الظُّلُمات ولَم تُدرِكْه الظُّلُمات. 6ظَهَرَ رَجُلٌ مُرسَلٌ مِن لَدُنِ الله اِسْمُه يوحَنَّا 7جاءَ شاهِداً لِيَشهَدَ لِلنَّور فَيُؤمِنَ عن شَهادتِه جَميعُ النَّاس. 8لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور. 9كان النُّورُ الحَقّ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم 10كانَ في العالَم وبِه كانَ العالَم والعالَمُ لَم يَعرِفْهُ. 11جاءَ إِلى بَيتِه. فما قَبِلَه أَهْلُ بَيتِه. 12أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله: 13فهُمُ الَّذينَ لا مِن دَمٍ ولا مِن رَغبَةِ لَحْمٍ ولا مِن رَغبَةِ رَجُل بل مِنَ اللهِ وُلِدوا. 14والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ. 15شَهِدَ له يوحَنَّا فهَتف: ((هذا الَّذي قُلتُ فيه: إِنَّ الآتيَ بَعْدي قد تَقَدَّمَني لأَنَّه كانَ مِن قَبْلي)). 16فمِن مِلْئِه نِلْنا بِأَجمَعِنا وقَد نِلْنا نِعمَةً على نِعمَة. 17لأَنَّ الشَّريعَةَ أُعطِيَت عن يَدِ موسى وأَمَّا النِّعمَةُ والحَقّ فقَد أَتَيا عن يَدِ يسوعَ المسيح. 18إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه.
مُقَدِّمَةٌ
يَسْتَهِلُّ يُوحَنَّا الحَبِيبُ إِنْجِيلَهُ بِنَشِيدٍ لاهُوتِيٍّ مَهِيبٍ لِكَلِمَةِ اللهِ المُتَجَسِّدِ (يُوحَنَّا 1: 1–18)، نَشِيدٍ تَرَى فِيهِ الجَمَاعَةُ المَسِيحِيَّةُ الأُولَى خُلَاصَةَ إِيمَانِهَا وَسِرَّ رَجَائِهَا، فَكَانَتْ تَتَرَنَّمُ بِهِ احْتِفَاءً بِالمَسِيحِ، ابْنِ اللهِ، ذَاكَ الَّذِي "فِيهِ خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ" (قُولُسِّي 1: 15)، وَالَّذِي "أُظْهِرَ فِي الجَسَدِ" (1 تِيمُوثَاوُس 3: 16).
يَرَى أُورِيجَانُسُ أَنَّ هَذَا النَّشِيدَ لَا يُقَدِّمُ مُجَرَّدَ افْتِتَاحٍ إِنْجِيلِيٍّ، بَلْ يُدْخِلُ القَارِئَ إِلَى سِرِّ الكَلِمَةِ الأَزَلِيِّ، حَيْثُ يُعْلِنُ يُوحَنَّا أَنَّ المَسِيحَ لَيْسَ كَلِمَةً مَنْطُوقَةً فَقَطْ، بَلْ «العَقْلَ الإِلَهِيَّ الحَيَّ» الَّذِي بِهِ يَفْهَمُ الإِنْسَانُ اللهَ وَذَاتَهُ مَعًا. فَالتَّجَسُّدُ، بِحَسَبِ أُورِيجَانُسَ، هُوَ نُزُولُ النُّورِ إِلَى ظُلُمَاتِ الفَهْمِ البَشَرِيِّ، لِكَيْ يُعَادَ خَلْقُ الإِنْسَانِ مِنَ الدَّاخِلِ. فهذا النشيدُ هو أيضًا الأساسُ والبدايةُ لحياتِنا الإيمانيّة، ومنه تنطلقُ علاقتُنا الحيّةُ بالربّ.
وَيُشَدِّدُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الإِنْجِيلِ: «الكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا» لَا يَعْنِي تَغَيُّرَ طَبِيعَةِ الكَلِمَةِ، بَلِ اقْتِرَابَهُ مِنْ ضَعْفِ الإِنْسَانِ مَحَبَّةً بِهِ، إِذْ يَقُولُ: «صَارَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، لِكَيْ نَصِيرَ نَحْنُ مَا هُوَ عَلَيْهِ». فَالتَّجَسُّدُ عِنْدَ أُوغُسْطِينُوسَ هُوَ فِعْلُ مَحَبَّةٍ خَلَاصِيٍّ، فِيهِ يَرْفَعُ اللهُ الإِنْسَانَ مِنْ فَقْرِهِ الوُجُودِيِّ إِلَى شَرِكَةِ الحَيَاةِ الإِلَهِيَّةِ، لَا بِاسْتِحْقَاقٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ بِنِعْمَةٍ مَجَّانِيَّةٍ.
أَمَّا يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، فَيُبْرِزُ البُعْدَ الرَّعَوِيَّ وَالوُجُودِيَّ لِهَذَا النَّشِيدِ، مُلَاحِظًا أَنَّ يُوحَنَّا لَا يَبْدَأُ إِنْجِيلَهُ مِنَ المِذْوَدِ أَوْ مِنَ المُعْجِزَاتِ، بَلْ مِنَ الأَزَلِ، لِيُعَلِّمَ المُؤْمِنَ أَنَّ الَّذِي وُلِدَ فِي الزَّمَانِ هُوَ نَفْسُهُ الإِلَهُ الأَزَلِيُّ. وَيُضِيفُ أَنَّ قَوْلَ الإِنْجِيلِيِّ: «وَسَكَنَ بَيْنَنَا» يَدُلُّ عَلَى قُرْبٍ حَقِيقِيٍّ لَا رَمْزِيٍّ، إِذْ نَصَبَ الكَلِمَةُ خَيْمَتَهُ فِي وَسَطِ البَشَرِ، لِيُحَوِّلَ التَّارِيخَ الإِنْسَانِيَّ إِلَى مَوْضِعِ حُضُورِ اللهِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَجِيءَ الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ لِيُقِيمَ وَسْطَ البَشَرِ لَيْسَ حَدَثًا عَابِرًا فِي المَاضِي، بَلْ إِعْلَانًا دَائِمًا عَنْ قِيمَةِ الإِنْسَانِ لَدَى اللهِ، وَدَعْوَةً مَفْتُوحَةً لِلإِيمَانِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، كَمَا يُؤَكِّدُ الإِنْجِيلِيُّ فِي خَاتِمَةِ إِنْجِيلِهِ: «وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا… فَتَكُونَ لَكُمُ الحَيَاةُ بِاسْمِهِ» (يُوحَنَّا 20: 31). لِذَلِكَ، تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي هَذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ لَا كَدِرَاسَةٍ تَارِيخِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ كَتَأَمُّلٍ لَاهُوتِيٍّ وَرُوحِيٍّ فِي سِرِّ التَّجَسُّدِ، الَّذِي يُشَكِّلُ قَلْبَ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ وَأَسَاسَ حَيَاةِ المُؤْمِنِينَ.
وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (يُوحَنَّا 1: 1–18)
1 "فِي البَدْءِ كَانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كَانَ لَدَى اللهِ، وَالكَلِمَةُ هُوَ اللهُ" (يُوحَنَّا 1: 1)
"فِي البَدْءِ" إِلَى الزَّمَنِ المُطْلَقِ، لَا إِلَى زَمَنِ العَالَمِ أَوْ زَمَنِ الخَلْقِ، إِذْ إِنَّ "الكَلِمَةَ" وُجِدَ قَبْلَ كُلِّ خَلِيقَةٍ، وَهُوَ كَائِنٌ أَزَلِيٌّ، لَا بَدَايَةَ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ. فَهُوَ "كَانَ" وَلَا يَزَالُ الكَائِنَ الأَزَلِيَّ. يَرَى أوريجانوس أَنَّ عِبَارَةَ "فِي البَدْءِ"لَا تُشِيرُ إِلَى لَحْظَةٍ زَمَنِيَّةٍ، بَلْ إِلَى "مَبْدَإٍ أَزَلِيٍّ" هُوَ اللهُ نَفْسُهُ. فَالبَدْءُ، بِحَسَبِ تَفْسِيرِهِ، لَيْسَ نُقْطَةً عَلَى خَطِّ الزَّمَنِ، بَلْ حَالَةُ وُجُودٍ إِلَهِيٍّ أَزَلِيٍّ، فِيهَا يَكُونُ الكَلِمَةُ حَاضِرًا دَائِمًا مَعَ الآبِ. وَيَقُولُ: "إِذَا كَانَ اللهُ أَزَلِيًّا، فَكَلِمَتُهُ أَزَلِيَّةٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللهُ فِي زَمَانٍ بِدُونِ كَلِمَتِهِ".
وَ"الكَلِمَةُ" هُوَ حِكْمَةُ اللهِ المُتَحَدِّثَةُ إِلَيْنَا، الَّذِي يُقَدِّمُ ذَاتَهُ كَلِمَةَ اللهِ لِنَقْتَنِيَ سِرَّ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَتَنْبَعُ فِكْرَةُ "الكَلِمَةِ" مِنِ امْتِدَادِ الفِكْرِ اليَهُودِيِّ حَوْلَ "الحِكْمَةِ"، الَّتِي هِيَ وَاقِعٌ سَابِقٌ لِلْخَلْقِ، وَالَّتِي يَصِفُهَا الكِتَابُ كَشَخْصٍ حَيٍّ، لَا كَفِكْرَةٍ مُجَرَّدَةٍ، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ الأَمْثَالِ (أَمْثَال 8: 2–31)، حَيْثُ تُقَدَّمُ الحِكْمَةُ كَقُوَّةِ اللهِ الأَبَدِيَّةِ، الخَالِقَةِ، وَالمُنِيرَةِ. وَمِنْ هُنَا، نَظَرَ التَّقْلِيدُ الكِتَابِيُّ إِلَى "الكَلِمَةِ" وَ"الحِكْمَةِ" عَلَى أَنَّهُمَا مُتَمَاثِلَانِ فِي الجَوْهَرِ وَالدَّوْرِ. وَيُؤَكِّدُ أوريجانوس أَنَّ الكَلِمَةَ هُوَ "العَقْلُ الإِلَهِيُّ الحَيُّ"، الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ الآبُ، وَبِهِ يُنَارُ العَقْلُ البَشَرِيُّ. فَلَوْ كَانَ الكَلِمَةُ مَخْلُوقًا، لَمَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُعْلِنَ اللهَ إِعْلَانًا كَامِلًا، وَلَمَا أَمْكَنَ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَبْلُغَ مَعْرِفَةَ الحَقِّ".
أَمَّا عِبَارَةُ "كَانَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἦν، وَهِيَ فِعْلُ كَيْنُونَةٍ دُونَ خَبَرٍ، فَتَدُلُّ عَلَى وُجُودٍ ثَابِتٍ مُسْتَقِرٍّ، لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ بِزَمَنٍ مُحَدَّدٍ. وَهَكَذَا يَأْتِي تَأَمُّلُ يُوحَنَّا فِي "الكَلِمَةِ" كَامْتِدَادٍ لِلْحِكْمَةِ فِي الفِكْرِ اليَهُودِيِّ: كَائِنٍ أَزَلِيٍّ، وُجِدَ مُنْذُ الأَزَلِ وَيَدُومُ إِلَى الأَبَدِ (أَمْثَال 8: 22–26؛ سِيرَاخ 24: 9). يُشَدِّدُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى أَنَّ صِيغَةَ "كَانَ" تُغْلِقُ البَابَ أَمَامَ أَيِّ تَفْسِيرٍ يَرَى فِي الكَلِمَةِ كَائِنًا حَدَثَ فِي زَمَانٍ مَا. وَيَقُولُ فِي عِظَاتِهِ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: "لَمْ يَقُلِ الإِنْجِيلِيُّ: صَارَ، بَلْ قَالَ: كَانَ، لِكَيْ تَفْهَمَ أَنَّهُ كَائِنٌ أَزَلِيٌّ، غَيْرُ مَحْدُودٍ بِزَمَانٍ".
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "وَالكَلِمَةُ كَانَ لَدَى اللهِ" إِلَى أَنَّ الِابْنَ هُوَ أُقْنُومٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ أُقْنُومِ الآبِ، مَعَ وُجُودِ اتِّحَادٍ كَامِلٍ بَيْنَهُمَا، وَاتِّفَاقٍ تَامٍّ فِي كُلِّ قَضَاءٍ وَعَمَلٍ، وَاشْتِرَاكٍ فِي المَجْدِ وَالعَظَمَةِ وَالكَرَامَةِ، كَمَا يُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ يَسُوعُ فِي صَلَاتِهِ الكَهَنُوتِيَّةِ: "مَجِّدْنِي الآنَ عِنْدَكَ، يَا أَبَتِ، بِالمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ العَالَمُ" (يُوحَنَّا 17: 5).
وَ"الكَلِمَةُ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ λόγος تُشِيرُ إِلَى المَسِيحِ بَوَصْفِهِ الِابْنَ الأَزَلِيَّ، وَالتَّعْبِيرَ التَّامَّ عَنِ الآبِ، كَمَا يَعْلِنُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "هُوَ صُورَةُ اللهِ الَّذِي لَا يُرَى" (قُولُسِّي 1: 15)، وَ"شُعَاعُ مَجْدِهِ وَصُورَةُ جَوْهَرِهِ" (عِبْرَانِيِّين 1: 3). وَبِالتَّجَسُّدِ، يُصْبِحُ الكَلِمَةُ أَسْمَى تَجَلٍّ لِلهِ فِي قَلْبِ البَشَرِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ يُوحَنَّا الرَّسُولُ: "لأَنَّ الحَيَاةَ ظَهَرَتْ، فَرَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُبَشِّرُكُمْ بِتِلْكَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ لَدَى الآبِ فَتَجَلَّتْ لَنَا" (1 يُوحَنَّا 1: 2). وَيُلاحَظُ أَنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَسْتَخْدِمْ تَعْبِيرَ "الكَلِمَةِ" لِلإِشَارَةِ إِلَى المَسِيحِ إِلَّا فِي مُقَدِّمَةِ إِنْجِيلِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ ذُو دَلَالَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ، إِذْ إِنَّ تَعْبِيرَ "كَلِمَةِ اللهِ" كَانَ مُتَدَاوَلًا فِي التُّرَاثِ اليَهُودِيِّ، حَيْثُ تُوصَفُ كَلِمَةُ اللهِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ بِأَنَّهَا فَعَّالَةٌ، خَالِقَةٌ، وَدِينَامِيَّةٌ، كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ المَزَامِيرِ: "يُرْسِلُ إِلَى الأَرْضِ كَلِمَتَهُ، فَيُسْرِعُ قَوْلُهُ فِي عَدْوِهِ"(مَزْمُور 147: 15).
أَمَّا حَرْفُ "لَدَى" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ πρὸς، فَلَا يَدُلُّ عَلَى المُجَرَّدِ التَّعَايُشِ، بَلْ عَلَى عَلاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ حَيَّةٍ، مُتَّجِهَةٍ وَمُتَبَادَلَةٍ، تَفْتَرِضُ تَمْيِيزًا وَاشْتِرَاكًا فِي آنٍ مَعًا. وَبِذَلِكَ يُؤَكِّدُ النَّصُّ أَنَّ "الكَلِمَةَ" هُوَ أُقْنُومٌ مُتَمَيِّزٌ عَنِ الآبِ، وَمُتَّحِدٌ بِهِ اتِّحَادًا كَامِلًا، وَأَزَلِيَّ الوُجُودِ مَعَهُ. وَأَمَّا عِبَارَةُ «لَدَى اللهِ» فَيَفْسِرُهَا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى أَنَّهَا تُعْلِنُ فِي آنٍ وَاحِدٍ التَّمْيِيزَ وَالشَّرِكَةَ: تَمْيِيزَ الأُقْنُومِ، وَوَحْدَةَ الجَوْهَرِ. فَالكَلِمَةُ لَيْسَ مُنْفَصِلًا عَنِ الآبِ، وَلَا مُنْدَمِجًا فِيهِ، بَلْ "مَعَهُ" فِي شَرِكَةٍ أَزَلِيَّةٍ. وَيُضِيفُ:"إِنْ قُلْتَ إِنَّهُ كَانَ لَدَى اللهِ، فَقَدْ أَقْرَرْتَ بِالأُقْنُومِ؛ وَإِنْ قُلْتَ إِنَّهُ اللهُ، فَقَدْ أَقْرَرْتَ بِالطَّبِيعَةِ الوَاحِدَةِ".
أَمَّا عِبَارَةُ "وَالكَلِمَةُ هُوَ اللهُ"، فَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ بِكَلِمَةِ θεὸς مِنْ دُونِ أَدَاةِ تَعْرِيفٍ، وَقَدْ وُضِعَتْ فِي صَدْرِ الجُمْلَةِ لِلتَّأْكِيدِ، مِمَّا يُعْلِنُ أَنَّ "الكَلِمَةَ" مُسَاوٍ لِلآبِ فِي الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَمُشْتَرِكٌ مَعَهُ فِي الجَوْهَرِ. وَيُشَدِّدُ أَثَنَاسِيُوسُ عَلَى أَنَّ وُرُودَ كَلِمَةِ θεὸς مِنْ دُونِ أَدَاةِ تَعْرِيفٍ لَا يَنْقُصُ مِنْ لَاهُوتِ الكَلِمَةِ، بَلْ يُؤَكِّدُهُ، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الطَّبِيعَةِ، لَا عَلَى الشَّخْصِ. فَالكَلِمَةُ هُوَ إِلَهٌ بِالطَّبِيعَةِ، كَمَا أَنَّ الآبَ هُوَ إِلَهٌ بِالطَّبِيعَةِ، وَالاثْنَانِ وَاحِدٌ فِي الجَوْهَرِ، مُمَيَّزَانِ فِي الأُقْنُومِ. وَبِمَا أَنَّ المَسِيحَ هُوَ "كَلِمَةُ اللهِ"، فَهُوَ اللهُ حَقًّا، لأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَفْكَارَ اللهِ وَيُعْلِنُهَا إِلَّا اللهُ نَفْسُهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ: "فَمَنْ ذَا الَّذِي عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟"(رُومِيَة 11: 34)، "وَلَا يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الِابْنُ" (مَتَّى 11: 27). وَهَكَذَا تُثْبِتُ هَذِهِ الآيَةُ جَوْهَرَ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ، بِإِظْهَارِهَا ثَلَاثَ حَقَائِقَ أَسَاسِيَّةٍ: أَزَلِيَّةَ الكَلِمَةِ، أُقْنُومِيَّتَهُ وَاتِّحَادَهُ بِالآبِ، وَلَاهُوتَهُ، أَيْ كَوْنَهُ وَالآبَ وَاحِدًا فِي الجَوْهَرِ، مَعَ التَّمْيِيزِ فِي الأَقَانِيمِ، وَهُوَ مَا يُؤَسِّسُ لِعَقِيدَةِ الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ. يَعْتَبِرُ أثناسيوس الرسولي أَنَّ هَذِهِ العِبَارَةَ هِيَ الحَجَرُ الأَسَاسُ فِي الرَّدِّ عَلَى التَّفْسِيرَاتِ الَّتِي تُنْكِرُ لَاهُوتَ الابْنِ. فَالكَلِمَةُ، بِحَسَبِ تَعْلِيمِهِ، لَيْسَ كَائِنًا أَدْنَى مِنَ الآبِ، بَلْ مُسَاوٍ لَهُ فِي الجَوْهَرِ. وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ ضِدَّ الأَرْيُوسِيِّينَ:"إِذَا كَانَ الكَلِمَةُ لَيْسَ إِلَهًا حَقًّا، فَكَيْفَ يُؤَلِّهُ الإِنْسَانَ؟ وَإِذَا كَانَ مَخْلُوقًا، فَكَيْفَ يَخْلُقُ؟". يُعْلِنُ يُوحَنَّا في هذه الآية أَزَلِيَّةَ الكَلِمَةِ (ضِدَّ كُلِّ فِكْرٍ زَمَنِيٍّ أَوْ خَلْقِيٍّ)، وأُقْنُومِيَّتَهُ وَتَمَيُّزَهُ عَنِ الآبِ مَعَ وَحْدَةِ الجَوْهَرِ، ولَاهُوتَهُ الكَامِلَةَ كَإِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ. وَهَكَذَا يَكُونُ نَشِيدُ يُوحَنَّا لَا مُجَرَّدَ مُقَدِّمَةٍ إِنْجِيلِيَّةٍ، بَلْ إِعْلَانًا عَقَائِدِيًّا مَحُورِيًّا، وَأَسَاسًا لِكُلِّ لَاهُوتِ التَّجَسُّدِ وَسِرِّ الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ.
2 كانَ في البَدءِ لَدى الله
تُشِيرُ عِبَارَةُ "كَانَ فِي البَدْءِ لَدَى اللهِ" إِلَى تأكيد مَا أُعْلِنَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، وَتُعِيدُهُ بِصِيغَةٍ تَقْرِيرِيَّةٍ قَاطِعَةٍ. إذ "الكَلِمَةِ" الَّذِي كَانَ وَلَا يَزَالُ إِلَهًا، وَهُوَ شَرِيكُ الآبِ فِي الأَزَلِيَّةِ، غَيْرُ مَرْتَبِطٍ بِزَمَنٍ وَلَا خَاضِعٍ لِبِدَايَةٍ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَجْمَعُ فِي عِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ مُكَثَّفَةٍ مَا وَرَدَ فِي الآيَةِ الأُولَى (يُوحَنَّا 1: 1)، فَتُوَحِّدُ بَيْنَ الأَزَلِيَّةِ “فِي البَدْءِ"، وَالأُقْنُومِيَّةِ وَالشَّرِكَةِ "لَدَى اللهِ"، وَالكَيْنُونَةِ الثَّابِتَةِ " كَانَ"، فِي إِعْلَانٍ وَاحِدٍ عَنِ سِرِّ الكَلِمَةِ. وَيُذَكِّرُ هَذَا التَّأْكِيدُ بِمَا وَرَدَ فِي سِفْرِ الأَمْثَالِ حَوْلَ الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ: "الرَّبُّ خَلَقَنِي أُولَى طُرُقِهِ، قَبْلَ أَعْمَالِهِ مُنْذُ البَدْءِ. مُنْذُ الأَزَلِ أُقِمْتُ، مِنَ الأَوَّلِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ كَانَتِ الأَرْضُ" (أَمْثَال 8: 22–23)، وَهِيَ نُصُوصٌ فَهِمَهَا التَّقْلِيدُ الكِتَابِيُّ وَالآبَائِيُّ فِي ضَوْءِ الإِعْلَانِ المَسِيحَانِيِّ، لَا كَخَلْقٍ زَمَنِيٍّ، بَلْ كَتَعْبِيرٍ رَمْزِيٍّ عَنِ أَزَلِيَّةِ الحِكْمَةِ وَوُجُودِهَا الدَّائِمِ مَعَ اللهِ.
وَالفِعْلُ "كَانَ"، كَمَا فِي الآيَةِ الأُولَى، يَدُلُّ عَلَى الكَيْنُونَةِ لَا عَلَى الصَّيْرُورَةِ؛ أَيْ عَلَى وُجُودٍ ثَابِتٍ، دَائِمٍ، غَيْرِ مَحْدُودٍ بِالزَّمَنِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ وُجُودَ "الكَلِمَةِ" لَيْسَ حَدَثًا وَقَعَ فِي لَحْظَةٍ مَا، وَلَا نَتِيجَةَ خَلْقٍ، بَلْ هُوَ وُجُودٌ أَزَلِيٌّ، مُشَارِكٌ لِلآبِ فِي الجَوْهَرِ وَالحَيَاةِ. يُعَلِّقُ أوريجانوس عَلَى تَكْرَارِ الإِنْجِيلِيِّ لِعِبَارَةِ "كَانَ فِي البَدْءِ" قَائِلًا إِنَّهُ تَكْرَارٌ لَيْسَ لِلزِّيَادَةِ اللَّفْظِيَّةِ، بَلْ لِلتَّأْكِيدِ اللَّاهُوتِيِّ، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أَنَّ الكَلِمَةَ دَخَلَ فِي الوُجُودِ بَعْدَ البَدْءِ. فَالكَلِمَةُ، فِي رَأْيِهِ، "دَائِمُ الوُجُودِ مَعَ الآبِ، كَمَا أَنَّ النُّورَ لَا يُفَارِقُ الشَّمْسَ". وَيُشَدِّدُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُغْلِقُ كُلَّ بَابٍ أَمَامَ تَفْسِيرٍ يَجْعَلُ الكَلِمَةَ مَخْلُوقًا، إِذْ يَقُولُ: "لَمْ يَقُلْ: صَارَ عِنْدَ اللهِ، بَلْ: كَانَ عِنْدَ اللهِ، لِكَيْ يُعْلِنَ أَنَّهُ غَيْرُ خَاضِعٍ لِلزَّمَنِ، وَأَنَّ وُجُودَهُ أَزَلِيٌّ". وَيَرَى أَنَّ تَكْرَارَ العِبَارَةِ هُنَا يَهْدِفُ إِلَى تَثْبِيتِ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، لِئَلَّا يُفْهَمَ "لَدَى اللهِ" عَلَى أَنَّهَا قُرْبٌ مَكَانِيٌّ فَقَطْ، بَلْ شَرِكَةٌ أَزَلِيَّةٌ فِي الحَيَاةِ وَالمَجْدِ. وَيُؤَكِّدُ أثناسيوس الرسولي َأنَّ "َلدَى اللهِ" تَعْنِي أَنَّ الابْنَ يَشْتَرِكُ فِي نَفْسِ الجَوْهَرِ، لَا كَغَرِيبٍ، بَلْ كَالِابْنِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِدُونِ الآبِ. يَسْتَخْدِمُ هَذِهِ الآيَةَ كَنَصٍّ حَاسِمٍ فِي الرَّدِّ عَلَى كُلِّ فِكْرٍ يَزْعُمُ أَنَّ الابْنَ دُونَ الآبِ فِي الأَزَلِيَّةِ، وَيَقُولُ: "إِذَا كَانَ الابْنُ دَائِمًا لَدَى الآبِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانٍ مَا. فَوُجُودُهُ لَدَى الآبِ هُوَ نَفْسُهُ وُجُودٌ أَزَلِيٌّ". تُثَبِّتُ هَذِهِ الآيَةُ أَنَّ "الكَلِمَةَ" أَزَلِيُّ الوُجُودِ، شَرِيكٌ لِلآبِ فِي الجَوْهَرِ وَالحَيَاةِ، وُجُودُهُ كَيْنُونَةٌ لَا صَيْرُورَةَ، أَيْ لَيْسَ نَاتِجًا عَنْ خَلْقٍ أَوْ زَمَنٍ. وَبِهَذَا تَكُونُ الآيَةُ جِسْرًا لَاهُوتِيًّا بَيْنَ إِعْلَانِ لَاهُوتِ الكَلِمَةِ (الآيَة 1) وَدَوْرِهِ فِي الخَلْقِ وَالخَلَاصِ (الآيَات 3 وَمَا يَلِيهَا).
تشير عبارة " كانَ في البَدءِ لَدى الله " الى "الكلمة" الذي كان ولا يزال هو اللَّه. وهو شريك مع الآب في الأزلية. وهذه الآية تُذكرنا فيما ورد في سفر الامثال " الرَّبُّ خَلَقَني أُولى طرقِه قَبلَ أَعمالِه مُنذُ البَدْء مِنَ الأَزَلِ أُقمتُ مِنَ الأوَلِ مِن قَبلِ أَن كانَتِ الأَرْض" (أمثال 8: 22-23) وتجمع هذه الآية العبارات الثلاث في الآية الأولى (يوحنا 1: 1) في معنى كامل واحد. والفعل "كان" يدلُّ على الكينونة، وليس الصيرورة. ولذلك فإن وجود "الكلمة" غير مرتبط بالزمن وغير مخلوق.
3 "بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، وَبِدُونِهِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يُوحَنَّا 1: 3)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "بِهِ كَانَ" ِإلَى أَنَّ الكَلِمَةَ خَلَقَ العَالَمَ مَعَ الآبِ وَكَمَا الآبُ، فَيَتَبَيَّنُ مِنْ أَعْمَالِهِ أَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ، لأَنَّ الخَلْقَ يَخْتَصُّ بِاللهِ وَحْدَهُ، كَمَا يُؤَكِّدُ الكِتَابُ: "فِي البَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (التَّكْوِين 1: 1). وَهَكَذَا يُظْهِرُ الابْنُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ الخَالِقَةُ، خَالِقُ المَسْكُونَةِ كُلِّهَا، الَّذِي خَلَقَ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ مِنَ العَدَمِ، كَمَا تُشِيرُ صَلَاةُ يَسُوعَ عَنِ المَجْدِ الأَزَلِيِّ قَبْلَ تَأْسِيسِ العَالَمِ (يُوحَنَّا 17: 24). وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ هَذَا التَّعْلِيمَ قَائِلًا: "فَفِيهِ خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ مِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمِمَّا فِي الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى… كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ بِهِ وَلَهُ" (قُولُسِّي 1: 16). وَيَتَوَافَقُ هَذَا الإِعْلَانُ مَعَ شَهَادَةِ العَهْدِ القَدِيمِ الَّذِي رَبَطَ الخَلْقَ بِـ كَلِمَةِ اللهِ: "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ" (مَزْمُور 33: 6)، أَوْ بِـ حِكْمَتِهِ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ فِي بَدْءِ الخَلْقِ (أَمْثَال 8: 27–30). فَاللهُ خَلَقَ الكَوْنَ كُلَّهُ بِكَلِمَتِهِ، أَيْ بِالابْنِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "كُلُّ شَيْءٍ" فَتُشِيرُ إِلَى شُمُولِيَّةِ الخَلْقِ: العَالَمِ بِمَادَّتِهِ وَأَرْوَاحِهِ وَحَيَوَانَاتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ، وَهُوَ بِحَسَبِ الإِعْلَانِ الكِتَابِيِّ عَمَلُ اللهِ الصَّالِحُ. وَبِهَذَا يَتَنَافَى هَذَا التَّعْلِيمُ مَعَ الثُّنَائِيَّةِ الغُنُوصِيَّةِ الَّتِي تَفْتَرِضُ إِلَهَ خَيْرٍ وَإِلَهَ شَرٍّ، إِذْ يُعْلِنُ الإِنْجِيلُ أَنَّ مَصْدَرَ الخَلْقِ وَاحِدٌ وَصَالِحٌ. يُؤَكِّدُ أوريجانوس أَنَّ قَوْلَ الإِنْجِيلِيِّ "بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ" يَعْنِي أَنَّ الكَلِمَةَ هُوَ "العَقْلُ الإِلَهِيُّ" الَّذِي فِيهِ تَتَلَقَّى المَخْلُوقَاتُ مَبْدَأَ وُجُودِهَا وَنِظَامِهَا. وَلَوْ كَانَ الكَلِمَةُ مَخْلُوقًا، لَمَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ كُلِّ مَا هُوَ مَخْلُوقٌ. فَالخَالِقُ، فِي رَأْيِهِ، لَا يَكُونُ ضِمْنَ دَائِرَةِ الخَلْقِ. أَمَّا أثناسيوس الرسولي، فَيَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ أَسَاسًا فِي دِفَاعِهِ عَنْ لَاهُوتِ الابْنِ ضِدَّ الأَرْيُوسِيِّينَ، قَائِلًا: "إِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ خُلِقَ بِالابْنِ، فَكَيْفَ يُعَدُّ هُوَ نَفْسُهُ مِنَ المَخْلُوقَاتِ؟" وَيُضِيفُ أَنَّ الخَلْقَ بِالابْنِ يَعْنِي أَنَّهُ مُشَارِكٌ لِلآبِ فِي نَفْسِ القُدْرَةِ وَالجَوْهَرِ، لَا كَصَانِعٍ ثَانَوِيٍّ، بَلْ كَإِلَهٍ حَقٍّ خَالِقٍ.
وَتَأْتِي عِبَارَةُ "وَبِدُونِهِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" َتَأْكِيدٍ قَاطِعٍ لِمَا سَبَقَ، لِتَبْدِيدِ أَيِّ شَكٍّ فِي أَنَّ كُلَّ الخَلْقِ هُوَ عَمَلُ الكَلِمَةِ. فَالمَسِيحُ لَمْ يَعْمَلْ كَأَدَاةٍ صَامِتَةٍ بِيَدِ اللهِ، بَلْ كَفَاعِلٍ إِلَهِيٍّ مُشَارِكٍ لِلآبِ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ:
"أَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ فَلَيْسَ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الآبُ، مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ… وَرَبٌّ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَسُوعُ المَسِيحُ، بِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَبِهِ نَحْنُ أَيْضًا" (1 قُورِنْتُس 8: 6). وَيَرَى يوحنا الذهبي الفم أَنَّ التَّعْبِيرَ النَّفْيِ "وَبِدُونِهِ مَا كَانَ شَيْءٌ" قُصِدَ بِهِ إِغْلَاقُ كُلِّ مَجَالٍ لِلتَّشْكِيكِ أَوِ التَّقْسِيمِ فِي عَمَلِ الخَلْقِ، وَيَقُولُ: "لَمْ يَدَعِ الإِنْجِيلِيُّ شَيْئًا يُسْتَثْنَى، لِكَيْ لَا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّ شَيْئًا وُجِدَ خَارِجَ سُلْطَانِ الكَلِمَةِ". فَهُوَ خَالِقٌ لِلْكُلِّ، وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ لَاهُوتُهُ. وَبِذَلِكَ تَنْفِي هَذِهِ الآيَةُ كُلًّا مِنْ قَوْلِ أَفْلَاطُونَ بِأَزَلِيَّةِ المَادَّةِ، وَمِنْ تَعْلِيمِ الغُنُوصِيِّينَ الَّذِينَ نَسَبُوا خَلْقَ المَادَّةِ إِلَى رُوحٍ شِرِّيرٍ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُ صَادِرٌ عَنْ اللهِ وَحَسَنٌ فِي أَصْلِهِ. تُعْلِنُ هَذِهِ الآيَةُ بِوُضُوحٍ أَنَّ "الكَلِمَةَ" هُوَ أَدَاةُ الخَلْقِ الإِلَهِيِّ وَفَاعِلُهُ. تُعْلِنُ هذه الآيَةُ أَنَّ الكَلِمَةَ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، والخَلْقَ عَمَلٌ إِلَهِيٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الآبِ وَالابْنِ، المَادَّةَ لَيْسَتْ أَزَلِيَّةً وَلَا شَرِّيرَةً، بَلْ خَلِيقَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ. وَبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِفْتَاحًا لِفَهْمِ دَوْرِ الكَلِمَةِ لَا فِي الخَلْقِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا فِي إِعَادَةِ خَلْقِ الإِنْسَانِ بِالخَلَاصِ.
4 " فِيهِ كَانَتِ الحَيَاةُ، وَالحَيَاةُ نُورُ النَّاسِ» (يُوحَنَّا 1: 4)
تُشِيرُ عبارة " فِيهِ كَانَتِ الحَيَاةُ " إِلَى أَنَّ الحَيَاةَ تَنْبُعُ مِنْهُ كَينُونَةً وَجَوْهَرًا، لأَنَّهُ الِابْنُ الأَزَلِيُّ الَّذِي لَهُ الحَيَاةُ كَمَا لِلآبِ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ: "إِنَّ اللهَ وَهَبَ لَنَا الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ، وَأَنَّ هَذِهِ الحَيَاةَ هِيَ فِي ابْنِهِ"(1 يُوحَنَّا 5: 11). فالمَسِيحَ هُوَ الحَيَاةُ فِي ذَاتِهِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ وَاسِطَةٍ لِلْحَيَاةِ. يعلق أوريجانوس على قَوْلَ الإِنْجِيلِيِّ "فِيهِ كَانَتِ الحَيَاةُ" عَلَى أَنَّهُ إِعْلَانٌ أَنَّ الكَلِمَةَ هُوَ مَصْدَرُ الحَيَاةِ العَقْلِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، فَكَمَا تَسْتَمِدُّ الأَعْيُنُ النُّورَ لِلرُّؤْيَةِ، يَسْتَمِدُّ العَقْلُ وَالقَلْبُ الحَيَاةَ مِنَ الكَلِمَةِ. وَمَنْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ، يَسْقُطْ فِي مَوْتِ الجَهْلِ".
وَتَحْمِلُ لَفْظَةُ "الحَيَاةِ" فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا مَعَانِيَ مُتَعَدِّدَةً وَمُتَرَابِطَةً: فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي مُقَابِلِ المَوْتِ (تَكْوِين 7: 2؛ أَعْمَال 25: 17)، وَعَلَى حَيَاةِ الإِنْسَانِ عَلَى الأَرْضِ (تَكْوِين 7: 23؛ لُوقَا 25: 16)، وَعَلَى الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَنْبَعُ مِنَ الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ، وَأَخِيرًا عَلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. ويعلق أثناسيوس الرَّسُولِيّ " إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ وَهُوَ حَيٌّ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُعِيدُ إِلَيْهِ الحَيَاةَ بَعْدَ سُقُوطِهِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الكَلِمَةُ هُوَ الحَيَاةَ بِذَاتِهِ، لَمَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَهَبَ الحَيَاةَ لِمَنْ فَسَدَ بِالمَوْتِ". وَتَكَشِفُ هَذِهِ الشُّمُولِيَّةُ أَنَّ المَسِيحَ لَيْسَ مَانِحَ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الحَيَاةِ، بَلْ مَصْدَرَ كُلِّ حَيَاةٍ. وَهَذَا التَّعْلِيمُ يُعَدُّ دَلِيلًا لَاهُوتِيًّا آخَرَ عَلَى لَاهُوتِ المَسِيحِ، لأَنَّ إِعْطَاءَ الحَيَاةِ يَخْتَصُّ بِاللهِ وَحْدَهُ، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ الإِنْسَانَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ، فَصَارَ الإِنْسَانُ نَفْسًا حَيَّةً" (تَكْوِين 2: 7). وَهِيَ فِي نَفْسِ الوَقْتِ حَيَاةُ اللهِ فِي المُؤْمِنِ، الَّذِي يُولَدُ وِلَادَةً جَدِيدَةً مِنَ الرُّوحِ (يُوحَنَّا 3: 3، 5). وَلِذَلِكَ، يَكْثُرُ اسْتِخْدَامُ لَفْظَةِ "الحَيَاةِ" فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا (نَحْوَ 36 مَرَّةً)، وَفِي كِتَابَاتِ العَهْدِ الجَدِيدِ عُمُومًا، مِمَّا يُظْهِرُ أَنَّهَا مِحْوَرُ الإِعْلَانِ الإِنْجِيلِيِّ. فَـ "الكَلِمَةُ" هُوَ مَصْدَرُ الحَيَاةِ المَادِّيَّةِ وَالبَشَرِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ: بِهِ أُعْطِيَتِ الحَيَاةُ لِلْخَلِيقَةِ، وَبِهِ أُعْطِيَتْ لَنَا الحَيَاةُ الإِلَهِيَّةُ، كَمَا أَعْلَنَ يَسُوعُ: "أَنَا قَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ الحَيَاةُ لِلنَّاسِ، وَتَكُونَ لَهُمْ بِفَيْضٍ" (يُوحَنَّا 10: 10)، وَ"أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ"(يُوحَنَّا 14: 6).
تُضِيفُ الآيَةُ أَنَّ "الحَيَاةَ نُورُ النَّاسِ"، أَيْ إِنَّ الحَيَاةَ الَّتِي فِي المَسِيحِ لَا تُعْطَى كَقُوَّةِ وُجُودٍ فَقَطْ، بَلْ كَنُورٍ يُنِيرُ الطَّرِيقَ وَيَهْدِي الإِنْسَانَ فِي مَسِيرَتِهِ. فَيَسُوعُ هُوَ نُورُ العَالَمِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الحَقِّ وَالسَّلَامِ، وَيَحْمِي مِنَ الضَّلَالِ وَالإِثْمِ، لأَنَّ "اللهَ نُورٌ" (1 يُوحَنَّا 1: 5). وَلِذَلِكَ أَعْلَنَ يَسُوعُ صَرَاحَةً: "أَنَا نُورُ العَالَمِ، مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحَيَاةِ" (يُوحَنَّا 8: 12). وَكَانَ المَسِيحُ نُورَ النَّاسِ قَبْلَ تَجَسُّدِهِ فِي إِعْلَانِ اللهِ وَوُعُودِهِ، وَكَانَ نُورَهُمْ فِي خِدْمَتِهِ الأَرْضِيَّةِ، وَيَبْقَى نُورَهُمْ بَعْدَ صُعُودِهِ بِالرُّوحِ القُدُسِ (يُوحَنَّا 14: 16). فَهُوَ نُورُ حَيَاتِنَا، أَيْ حَقِيقَتُنَا المُطْلَقَةُ، وَلَا يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَجِدَ مَعْنًى لِحَيَاتِهِ إِلَّا بِانْدِمَاجِ حَيَاتِهِ فِي حَيَاةِ المَسِيحِ. وَتَرْبِطُ الكِتَابَاتُ المُقَدَّسَةُ بَيْنَ النُّورِ وَالحَيَاةِ، كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ المَزَامِيرِ: "لِأَنَّ يَنْبُوعَ الحَيَاةِ عِنْدَكَ، وَبِنُورِكَ نُعَايِنُ النُّورَ" (مَزْمُور 36: 10). وَيَرَى يوحنا الذهبي الفم " أَنَّ يُوحَنَّا رَبَطَ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالنُّورِ لِيُظْهِرَ أَنَّ العَطَاءَ الإِلَهِيَّ لَيْسَ مَجَرَّدَ بَقَاءٍ فِي الوُجُودِ، بَلْ دُخُولٌ فِي مَعْرِفَةِ الحَقِّ. فَالحَيَاةُ الَّتِي لَا تُنِيرُ العَقْلَ تَبْقَى نَاقِصَةً، أَمَّا الحَيَاةُ الَّتِي فِي المَسِيحِ فَهِيَ حَيَاةٌ تُحَوِّلُ الإِنْسَانَ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّور". فَالاسْتِنَارَةُ الرُّوحِيَّةُ تَنْبَعُ مِنَ "الكَلِمَةِ"، كَلِمَةِ اللهِ، كَلِمَةِ الحَيَاةِ. وَبِذَلِكَ يَنْسُبُ الإِنْجِيلُ إِلَى يَسُوعَ ثَلَاثَةَ أَعْمَالٍ إِلَهِيَّةٍ جَوْهَرِيَّةٍ: الخَلْقَ، وَالإِحْيَاءَ، وَالإِنَارَةَ. تُعْلِنُ هذه لآيَةُ أَنَّ "المَسِيحَ هُوَ الحَيَاةُ بِذَاتِهِ وَمَصْدَرُ كُلِّ حَيَاةٍ، والحَيَاةَ الَّتِي فِيهِ هِيَ نُورٌ يُنِيرُ العَقْلَ وَالقَلْبَ.
5 "وَالنُّورُ يُشْرِقُ فِي الظُّلُمَاتِ، وَلَمْ تُدْرِكْهُ الظُّلُمَاتُ" (يُوحَنَّا 1: 5)
تشير عِبَارَةُ "يُشْرِقُ " إلى فِعْلٍ مُسْتَمِرٍّ وَدَائِمٍ، لَا عَلَى لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ. فَنُورُ المَسِيحِ لَمْ يَبْدَأْ مَعَ تَجَسُّدِهِ فَقَطْ، بَلْ أَشْرَقَ قَبْلَ التَّجَسُّدِ فِي أَعْمَالِ الخَلْقِ وَالعِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "فَإِنَّ صِفَاتِهِ غَيْرَ المَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ العَالَمِ مُدْرَكَةً بِالمَخْلُوقَاتِ" (رُومِيَة 1: 20). وَأَشْرَقَ أَيْضًا فِي ضَمَائِرِ النَّاسِ، وَفِي النُّبُوءَاتِ وَالكِرَازَةِ، وَفِي شَهَادَةِ الأَنْبِيَاءِ وَالحُكَمَاءِ. وَبَعْدَ التَّجَسُّدِ، أَشْرَقَ يَسُوعُ بِنُورِ تَعْلِيمِهِ وَأَعْمَالِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، لِيَكْشِفَ لِلإِنسَانِ وَجْهَ اللهِ الحَقِيقِيَّ، وَلِيُخْرِجَ البَشَرِيَّةَ مِنْ عِبُودِيَّةِ الظُّلْمَةِ إِلَى حُرِّيَّةِ النُّورِ.
لَا تُشِيرُ لَفْظَةُ "الظُّلُمَاتِ" إِلَى ظُلْمَةٍ مَادِّيَّةٍ حِسِّيَّةٍ فَحَسْب، بَلْ إِلَى ظُلْمَةٍ أَدَبِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ وَوُجُودِيَّةٍ، أَيْ إِلَى ظُلْمَةِ الجَهْلِ وَالخَطِيئَةِ وَالعِصْيَانِ وَالظُّلْمِ، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا مِنْ آثَارٍ مُدَمِّرَةٍ فِي التَّارِيخِ الإِنْسَانِيّ، كَآلَامِ الحُرُوبِ، وَمَعَانَاةِ الضَّحَايَا، وَالقَمْعِ العَنِيفِ، وَالمَرَضِ، وَمَوْتِ الأَبْرِيَاءِ. إِنَّهَا ظُلْمَةُ العَالَمِ الَّذِي وَقَعَ تَحْتَ ثِقَلِ سُقُوطِ الإِنْسَانِ الأَوَّلِ، فَتَشَوَّهَتْ فِيهِ الصُّورَةُ وَاضْطَرَبَتِ العَلَاقَةُ مَعَ اللهِ وَالذَّاتِ وَالآخَرِ. وَيُفَسِّرُ أوريجانوس "الظُّلُمَاتِ" عَلَى أَنَّهَا حَالَةٌ دَاخِلِيَّةٌ تَسْكُنُ النَّفْسَ، نَاتِجَةٌ عَنِ الجَهْلِ وَرَفْضِ الحَقِّ. فَالنُّورُ، بِحَسَبِهِ، يُشْرِقُ دَائِمًا وَيَبْقَى مُتَاحًا، لَكِنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يُغْلِقُ عَيْنَيْ قَلْبِهِ، وَيَرْفُضُ الإِنْفِتَاحَ عَلَى الحَقِّ، يَعْجِزُ عَنِ الرُّؤْيَةِ وَالاسْتِنَارَةِ. فَالعَائِقُ لَا يَكْمُنُ فِي النُّورِ ذَاتِهِ، بَلْ فِي اسْتِعْدَادِ المُتَلَقِّي وَحُرِّيَّةِ قَلْبِهِ لِقُبُولِهِ". إن الظُّلُمَاتِ تَنْشَأُ عِنْدَمَا يَنْفَصِلُ الإِنْسَانُ عَنِ الكَلِمَةِ. َيَكْتُبُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ: :حَيْثُ يَغِيبُ المَسِيحُ، يَحُلُّ الظَّلَامُ؛ لَا لِأَنَّ النُّورَ انْسَحَبَ، بَلْ لِأَنَّ الإِنْسَانَ أَغْلَقَ نَفْسَهُ دُونَهُ".
أَمَّا عِبَارَةُ "وَلَمْ تُدْرِكْهُ الظُّلُمَاتُ"، فَتَحْمِلُ مَعْنَيَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ: أَوَّلًا، عَدَمُ الفَهْمِ وَالإِدْرَاكِ، إِذْ إِنَّ العَالَمَ، الغَارِقَ فِي الجَهْلِ وَالكِبْرِيَاءِ، لَمْ يَفْهَمْ ظُهُورَ الكَلِمَةِ فِي الخَلْقِ وَفِي التَّجَسُّدِ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "فَلَمَّا كَانَ العَالَمُ بِحِكْمَتِهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ فِي حِكْمَةِ اللهِ"(1 قُورِنْتُس 1: 21). وَثَانِيًا، عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَى إِخْمَادِ النُّورِ أَوِ التَّغَلُّبِ عَلَيْهِ، فَالظُّلْمَةُ، عَلَى شِدَّتِهَا، تَبْقَى عَاجِزَةً أَمَامَ قُوَّةِ النُّورِ الإِلَهِيِّ. وَيُجَسِّدُ يَسُوعُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ فِي تَعْلِيمِهِ عَنِ قَسَاوَةِ القُلُوبِ، قَائِلًا:"فَقَدْ غَلُظَ قَلْبُ هَذَا الشَّعْبِ، وَأَصَمُّوا آذَانَهُمْ، وَأَغْمَضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلَّا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ"(مَتَّى 13: 15). وَيَرَى يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم " أَنَّ قَوْلَ الإِنْجِيلِيِّ "وَلَمْ تُدْرِكْهُ الظُّلُمَاتُ" يَحْمِلُ بُشْرَى رَجَاءٍ، إِذْ يُؤَكِّدُ أَنَّ الشَّرَّ، مَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّتُهُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْهَرَ النُّورَ. فَالنُّورُ يَبْقَى قَائِمًا، وَالظُّلْمَةُ تَبْقَى عَاجِزَةً أَمَامَهُ، وَهَذَا هُوَ أَسَاسُ الرَّجَاءِ المَسِيحِيِّ. تُعْلِنُ الآيَةُ أَنَّ النُّورَ الإِلَهِيَّ حَاضِرٌ وَفَعَّالٌ دَائِمًا، والظُّلْمَةَ تَعْجِزُ عَنْ فَهْمِ النُّورِ أَوْ قَهْرِهِ، الصِّرَاعَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ هُوَ صِرَاعٌ خَلَاصِيٌّ، يُحْسَمُ لِصَالِحِ النُّورِ. وَبِهَذَا يَخْتِمُ يُوحَنَّا هَذَا المَقْطَعَ بِإِعْلَانِ رَجَاءٍ: النُّورُ قَدْ أَشْرَقَ، وَلَنْ تُطْفِئَهُ الظُّلُمَاتُ.
6. ظَهَرَ رَجُلٌ مُرْسَلٌ مِنْ لَدُنِ اللهِ، اسْمُهُ يُوحَنَّا" (يُوحَنَّا 1: 6)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "ظَهَرَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἐγένετο إِلَى حُدُوثٍ فِي الزَّمَنِ، أَيْ إِلَى ظُهُورٍ تَارِيخِيٍّ مَحْدُودٍ، فِي تَبَايُنٍ مَقْصُودٍ مَعَ مَا قِيلَ عَنِ "الكَلِمَةِ" الَّذِي "كَانَ" (ἦν). وَبِذَلِكَ يُرِيدُ الإِنْجِيلِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ فَرْقًا جَوْهَرِيًّا بَيْنَ أَزَلِيَّةِ الكَلِمَةِ وَتَارِيخِيَّةِ الشَّاهِدِ: فَالكَلِمَةُ أَزَلِيٌّ، أَمَّا يُوحَنَّا فَهُوَ إِنْسَانٌ ظَهَرَ فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ.
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "مُرْسَلٌ مِنْ لَدُنِ اللهِ" إِلَى أَنَّ يُوحَنَّا المَعْمَدَانَ لَمْ يَكُنْ يَعْمَلُ بِمُبَادَرَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ بِإِرْسَالِيَّةٍ إِلَهِيَّةٍ صَرِيحَةٍ. فَهُوَ لَيْسَ المَسِيحَ، بَلْ الرَّسُولُ المُهَيِّئُ لَهُ، الَّذِي تَحَقَّقَتْ فِيهِ نُبُوءَةُ مَلَاخِي: "هَا أَنَا أُرْسِلُ مَلَاكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي"(مَلَاخِي 3: 1).
أَمَّا اسْمُهُ "يُوحَنَّا"، في الأصل اليوناني Ἰωάννης فَهُوَ تَعْرِيبُ الِاسْمِ العِبْرِيِّ יוֹחָנָן (يُوحَانَان)، وَمَعْنَاهُ: "اللهُ حَنَّانٌ / اللهُ رَحِيمٌ"، وَهُوَ اسْمٌ يَحْمِلُ فِي ذَاتِهِ بُشْرَى الرَّحْمَةِ الَّتِي تَسْبِقُ الدَّيَّانَ. وَيُشِيرُ الإِنْجِيلُ إِلَيْهِ بَوَصْفِهِ الشَّاهِدَ الَّذِي يُعْلِنُ مَا "رَأَى وَسَمِعَ" (يُوحَنَّا 3: 32). وَيُوحَنَّا هُوَ ابْنُ زَكَرِيَّا الكَاهِنِ وَأَلِيصَابَاتَ، وَكِلَاهُمَا مِنْ نَسْلِ هَارُونَ وَمِنْ عَشِيرَةٍ كَهَنُوتِيَّةٍ (لُوقَا 1: 5–25). وَقَدْ كَانَ عَظِيمًا أَمَامَ اللهِ، لَا فَقَطْ فِي نَظَرِ النَّاسِ، وَمَصْدَرُ عَظَمَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ هُوَ امْتِلَاؤُهُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ مُنْذُ بَطْنِ أُمِّهِ، أَمَّا عَظَمَتُهُ الوَظِيفِيَّةُ فَتَكْمُنُ فِي أَنَّهُ المُهَيِّئُ لِطَرِيقِ الرَّبِّ وَالمُبَشِّرُ بِقُرْبِ مَجِيءِ المَسِيحِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ يُوحَنَّا فِي رُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، مُتَمِّمًا النُّبُوءَةَ الَّتِي كَانَ كُلُّ يَهُودِيٍّ يَنْتَظِرُهَا: "هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ الرَّبِّ" (مَلَاخِي 4: 5؛ مَتَّى 11: 14). وَقَدْ عَاشَ نُسُكًا زَاهِدًا عَلَى خُطَى إِيلِيَّا: لَابِسًا وَبَرَ الإِبِلِ، شَادًّا مَنْطِقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ، مُتَغَذِّيًا بِجَرَادٍ وَعَسَلٍ بَرِّيٍّ، وَكَانَ يُوَبِّخُ الشَّعْبَ عَلَى خَطَايَاهُ، دَاعِيًا إِيَّاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ، لأَنَّ المَسِيحَ قَادِمٌ. وَبَدَأَ يُوحَنَّا كِرَازَتَهُ نَحْوَ سَنَةِ 26 م، وَشَهِدَ فِيهَا بِوُضُوحٍ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ المَسِيحُ: "هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ" (يُوحَنَّا 1: 15)، وَ"هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَمِ" (يُوحَنَّا 1: 29). وَكَانَ يُعَمِّدُ التَّائِبِينَ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ بَعْدَ اعْتِرَافِهِمْ بِخَطَايَاهُمْ (لُوقَا 3: 2–14). وَقَدْ طَلَبَ يَسُوعُ نَفْسُهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدَيْ يُوحَنَّا، لَا لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى التَّوْبَةِ، بَلْ لِيُعْلِنَ تَضَامُنَهُ الكَامِلَ مَعَ البَشَرِيَّةِ، وَلِيَتَّحِدَ بِالجِنْسِ البَشَرِيِّ صَائِرًا أَخًا لِلْجَمِيعِ. وَفِي نِهَايَةِ سَنَةِ 27 م، أَمَرَ هيرودس أنتيباس بِسَجْنِهِ لِأَنَّهُ وَبَّخَهُ عَلَى فُجُورِهِ (لُوقَا 3: 19–20)، ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِ رَأْسِهِ بِتَحْرِيضٍ مِنْ هِيرُودِيَا. وَلَمْ يُتْرَكْ جُثْمَانُهُ دُونَ كَرَامَةٍ، إِذْ جَاءَ تَلَامِيذُهُ وَأَخَذُوهُ وَدَفَنُوهُ. وَقَدْ شَهِدَ المَسِيحُ نَفْسُهُ لِيُوحَنَّا أَعْظَمَ شَهَادَةٍ، قَائِلًا: "لَمْ يَقُمْ فِي مَوْلُودِي النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ "(مَتَّى 11: 11). يَضَعُ الإِنْجِيلُ فَرْقًا وَاضِحًا بَيْنَ يُوحَنَّا وَيَسُوعَ: يُوحَنَّا إِنْسَانٌ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ الكَلِمَةُ. يُوحَنَّا مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ اللهُ الآتِي إِلَيْنَا. يُوحَنَّا شَاهِدٌ لِلنُّورِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ النُّورُ ذَاتُهُ. وَبِهَذَا يُدْخِلُ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ شَخْصِيَّةَ المَعْمَدَانِ فِي مَقْدِمَةِ الإِنْجِيلِ، لَا كَمُتَنَافِسٍ لِلْمَسِيحِ، بَلْ كَـ صَوْتٍ يَشْهَدُ لِلْكَلِمَةِ.
7 "جَاءَ شَاهِدًا لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، فَيُؤْمِنَ عَنْ شَهَادَتِهِ جَمِيعُ النَّاسِ" (يُوحَنَّا 1: 7)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "شَاهِدًا" μαρτυρήσῃفي الأصل اليوناني إِلَى دَوْرٍ خَلَاصِيٍّ مُحَدَّدٍ، لَيْسَ مَجَرَّدَ إِخْبَارٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ شَهَادَةٍ تَعْمَلُ فِيهَا نِعْمَةُ اللهِ. فَالشَّهَادَةُ، فِي مَنْطِقِ الإِنْجِيلِ، هِيَ عَمَلُ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي يَشْهَدُ مَعَ أَرْوَاحِنَا، مُنِيرًا الأَذْهَانَ، وَدَافِعًا الإِنْسَانَ إِلَى عَمَلِ مَشِيئَةِ اللهِ (رُومِيَة 8: 16). فَيُوحَنَّا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ رَأْيٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ صَوْتًا يَحْمِلُ شَهَادَةَ اللهِ. وَوَظِيفَةُ يوحنا المعمدان الأَسَاسِيَّةُ هِيَ أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ المَسِيحُ (يُوحَنَّا 1: 31). لِذَلِكَ نَادَى بَيْنَ النَّاسِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ مَجِيءِ المَسِيحِ، لِيُعِدَّ القُلُوبَ لِقَبُولِهِ، ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ، مُحَوِّلًا الأَنْظَارَ مِنْ ذَاتِهِ إِلَى الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ. وَيُلاحَظُ أَنَّ فِعْلَ "شَهِدَ" وَمُشْتَقَّاتِهِ يَتَكَرَّرُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا نَحْوَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الشَّهَادَةِ فِي البِنْيَةِ اللاهُوتِيَّةِ لِلإِنْجِيلِ الرَّابِعِ. فَالإِيمَانُ لَا يَنْشَأُ فِي الفَرَاغِ، بَلْ يَنْبَنِي عَلَى شَهَادَةٍ صَادِقَةٍ تُقَدَّمُ لِلإِنْسَانِ. وَيُؤَكِّدُ الإِنْجِيلُ أَنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَدْعُ التَّلَامِيذَ إِلَى ذَاتِهِ، بَلْ إِلَى المَسِيحِ وَالإِيمَانِ بِهِ. فَهُوَ شَاهِدٌ أَمِينٌ لَا يَسْتَأْثِرُ بِالأَتْبَاعِ، بَلْ يُفْرِغُ نَفْسَهُ كُلِّيًّا لِيَظْهَرَ النُّورُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ"، فَتُحَدِّدُ مَحْتَوَى الشَّهَادَةِ: أَيْ الشَّهَادَةَ لِلْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ نُورُ العَالَمِ. وَقَدْ دَعَا يَسُوعُ النَّاسَ صَرَاحَةً إِلَى الإِيمَانِ بِهَذَا النُّورِ قَائِلًا: "آمِنُوا بِالنُّورِ مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ، لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ" (يُوحَنَّا 12: 36). فَالشَّهَادَةُ لِلنُّورِ هِيَ دَعْوَةٌ لِلخُرُوجِ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى حَيَاةِ الحَقِّ. ويُعلق أوريجانوس "أَنَّ الشَّهَادَةَ لِلنُّورِ لَا تَعْنِي أَنْ يُنْتِجَ الإِنْسَانُ النُّورَ، بَلْ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ. فَيُوحَنَّا كَانَ كَالسِّرَاجِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الشَّمْسِ، لَا لِيُسْتَبْدَلَ بِهَا".
وَتُبَيِّنُ عِبَارَةُ "فَيُؤْمِنَ عَنْ شَهَادَتِهِ جَمِيعُ النَّاسِ" أَنَّ هَدَفَ شَهَادَةِ يُوحَنَّا هُوَ فَتْحُ أَبْوَابِ الإِيمَانِ لِلْجَمِيعِ، دُونَ تَمْيِيزٍ أَوِ احْتِكَارٍ. فَهُوَ يَشْهَدُ لِكَيْ يُؤْمِنَ النَّاسُ، لَا بِشَخْصِهِ، بَلْ بِالْمَسِيحِ، ويُشَدِّدُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم عَلَى أَنَّ يُوحَنَّا يَشْهَدُ لِكَيْ يَتَّجِهَ الإِيمَانُ نَحْوَ المَسِيحِ وَحْدَهُ، وَيُعَلِّمُ أَنَّ كُلَّ خَادِمٍ حَقِيقِيٍّ هُوَ الَّذِي يَقُودُ النَّاسَ إِلَى النُّورِ، لَا إِلَى ذَاتِهِ. فَالإِيمَانُ هُوَ الثَّمَرَةُ، وَالشَّهَادَةُ هِيَ الوَسِيلَةُ. يَرْبِطُ أثناسيوس الرَّسُولِيّ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالإِيمَانِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الإِيمَانَ لَا يُفْرَضُ قَسْرًا، بَلْ يُوْلَدُ مِنْ لِقَاءِ الحَقِّ مَعَ قَلْبٍ مُنْفَتِحٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ يُوحَنَّا كَانَتْ جِسْرًا خَلَاصِيًّا بَيْنَ النُّورِ وَالبَشَرِ. تُعْلِنُ هذه الآيَةُ أَنَّ يُوحَنَّا شَاهِدٌ لِلنُّورِ لَا مَصْدَرُهُ، والشَّهَادَةَ هِيَ وَسِيلَةُ اللهِ لِقِيَادَةِ الإِيمَانِ، وهَدَفَ الشَّهَادَةِ هُوَ أَنْ يُؤْمِنَ الجَمِيعُ بِالْمَسِيحِ. وَبِهَذَا يَتَضِحُ أَنَّ دَوْرَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ يَبْقَى مِثَالًا لِكُلِّ شَاهِدٍ فِي الكَنِيسَةِ: أَنْ يُشِيرَ إِلَى النُّورِ، لا أَنْ يَحْجُبَهُ.
8 "لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ جَاءَ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ" (يُوحَنَّا 1: 8)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ" إِلَى تَحْدِيدٍ لَاهُوتِيٍّ دَقِيقٍ لِهُوِيَّةِ يوحنا المعمدان وَدَوْرِهِ. فَيُوحَنَّا، عَلَى عَظَمَةِ شَهَادَتِهِ وَنَقَاوَةِ رِسَالَتِهِ، لَيْسَ مَصْدَرَ النُّورِ، بَلْ شَاهِدًا لَهُ. وَيُسَمِّيهِ يَسُوعُ نَفْسُهُ "السِّرَاجَ المُوقَدَ المُنِيرَ" (يُوحَنَّا 5: 35)، أَيْ نُورًا مُشْتَقًّا، مُسْتَمَدًّا مِنَ النُّورِ الأَصْلِيِّ، الَّذِي هُوَ المَسِيحُ، شَمْسُ البِرِّ. وَبِهَذَا يُصَحِّحُ الإِنْجِيلُ أَيَّ فَهْمٍ خَاطِئٍ كَانَ يَتَدَاوَلُهُ بَعْضُ أَتْبَاعِ يُوحَنَّا، الَّذِينَ كَادُوا يَرْفَعُونَهُ إِلَى مَقَامٍ لَا يَخُصُّهُ. فَالآيَةُ تُشَدِّدُ عَلَى التَّبَايُنِ الجَوْهَرِيِّ بَيْنَ يُوحَنَّا وَيَسُوعَ: يُوحَنَّا شَاهِدٌ لِلنُّورِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ النُّورُ ذَاتُهُ. وَيُعَبِّرُ يُوحَنَّا عَنْ هَذِهِ الحَقِيقَةِ بِأَبْلَغِ صُوَرِهَا، حِينَ يُعَرِّفُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ "صَدِيقُ العَرِيسِ"، لَا العَرِيسَ نَفْسَهُ (يُوحَنَّا 3: 29). فَدَوْرُهُ هُوَ الفَرَحُ بِحُضُورِ العَرِيسِ وَالإِشَارَةُ إِلَيْهِ، لَا الاسْتِحْوَاذُ عَلَى الأَنْظَارِ أَوِ الإِيمَانِ. يُشَدِّدُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم "عَلَى أَنَّ الإِنْجِيلَ يَتَعَمَّدُ نَفْيَ كَوْنِ يُوحَنَّا نُورًا، لِئَلَّا يُخْطِئَ أَحَدٌ فَيَجْعَلَ الشَّاهِدَ مَكَانَ المَشْهُودِ لَهُ. فَالشَّاهِدُ عَظِيمٌ بِقَدْرِ أَمَانَتِهِ، لَا بِقَدْرِ مَجْدِهِ الشَّخْصِيِّ".
تَأْتِي عِبَارَةُ "بَلْ جَاءَ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ" لِتُعِيدَ تَأْكِيدَ رِسَالَتِهِ الوَحِيدَةِ: الشَّهَادَةَ لِلْمَسِيحِ. فَيُوحَنَّا يَحْضُرُ فِي الإِنْجِيلِ لَا كَمَرْكَزٍ، بَلْ كَإِشَارَةٍ؛ لَا كَغَايَةٍ، بَلْ كَطَرِيقٍ يُؤَدِّي إِلَى النُّورِ. يَرَى أوريجانوس "أَنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَكُنْ نُورًا بِذَاتِهِ، بَلْ كَانَ مِثْلَ مِرْآةٍ تَعْكِسُ النُّورَ. فَلَوْ تَوَقَّفَ الإِنسَانُ عِنْدَ المِرْآةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى النُّورِ، لَفَقَدَ المَقْصُودَ مِنَ الشَّهَادَةِ". تُثَبِّتُ هذه الآيَةُ ثَلَاثَ حَقَائِقَ أَسَاسِيَّةٍ: يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ لَيْسَ النُّورَ، بَلْ هُوَ شَاهِدٌ أَمِينٌ لِلنُّورِ، وَالمَسِيحُ وَحْدَهُ هُوَ النُّورُ بِالذَّاتِ. وَبِهَذَا تُصَحِّحُ الآيَةُ أَيَّ مَيْلٍ بَشَرِيٍّ لِتَأْلِيهِ الأَدَوَاتِ، وَتُوَجِّهُ الإِيمَانَ نَحْوَ مَصْدَرِ النُّورِ الحَقِيقِيِّ.
9 "كَانَ النُّورُ الحَقَّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ، آتِيًا إِلَى العَالَمِ" (يُوحَنَّا 1: 9)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "النُّورُ الحَقُّ" إِلَى يسوع المسيح، كَلِمَةِ اللهِ المُتَجَسِّدِ، الَّذِي هُوَ النُّورُ الأَصْلِيُّ وَالكَامِلُ، تَمْيِيزًا لَهُ عَنِ كُلِّ أَنْوَارٍ أُخْرَى زَائِفَةٍ أَوْ نَاقِصَةٍ. فَيَسُوعُ هُوَ، كَمَا أَعْلَنَ عَنْ ذَاتِهِ: "أَنَا نُورُ العَالَمِ؛ مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحَيَاةِ" (يُوحَنَّا 8: 12). يَرَى أوريجانس أَنَّ "النُّورَ الحَقَّ" هُوَ الَّذِي يُنِيرُ العَقْلَ وَالضَّمِيرَ مَعًا، وَأَنَّ كُلَّ اسْتِنَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، حَتَّى لِدَى الأُمَمِ، تَجِدُ أَصْلَهَا فِي هَذَا النُّورِ، وَلَوْ لَمْ يُدْرِكِ الإِنْسَانُ مَصْدَرَهُ صَرَاحَةً".
وَيَحْمِلُ وَصْفُ "الحَقِّ" بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا، إِذْ يُفِيدُ أَنَّ نُورَ المَسِيحِ هُوَ النُّورُ الَّذِي لَا يَخْدَعُ وَلَا يَزُولُ، بَلْ يَكْشِفُ الحَقِيقَةَ كَمَا هِيَ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُسَمَّى يَسُوعُ أَيْضًا: "الكَرْمَةَ الحَقَّ" (يُوحَنَّا 15: 1)، وَ"القُدْسَ الحَقِيقِيَّ" (عِبْرَانِيِّين 9: 24)، فَهُوَ الحَقُّ فِي ذَاتِهِ، وَمَصْدَرُ كُلِّ حَقِيقَةٍ. يُشَدِّدُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم عَلَى" أَنَّ وَصْفَ النُّورِ بِـ«الحَقِّ» يَعْنِي أَنَّهُ النُّورُ الَّذِي لَا يَخْدَعُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَأَنَّ كُلَّ نُورٍ آخَرَ هُوَ نُورٌ مُشَارِكٌ فِيهِ، لَا مُسْتَقِلٌّ عَنْهُ".
أَمَّا عِبَارَةُ "يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ"، فَتُعْلِنُ شُمُولِيَّةَ النُّورِ وَدَعْوَتِهِ. َنُورُ المَسِيحِ لَا يُحْصَرُ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ شَعْبٍ دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ يَتَوَجَّهُ إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ، مُتِيحًا لِكُلِّ وَاحِدٍ إِمْكَانِيَّةَ الاسْتِنَارَةِ وَبُلُوغِ مَعْنَى الحَيَاةِ، حَتَّى لِمَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنِ الوَحْيِ المُعْلَنِ. فَهُنَا يُلَمِّحُ الإِنْجِيلُ إِلَى أُفُقِ الخَلَاصِ العَالَمِيِّ، الَّذِي سَيَتَجَلَّى كَامِلًا فِي مَسِيرَةِ الإِنْجِيلِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ "آتِيًا إِلَى العَالَمِ"، فَتَحْمِلُ أَهَمِّيَّةً لُغَوِيَّةً وَلاهُوتِيَّةً دَقِيقَةً. فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ تَرِدُ كَلِمَةُ ἐρχόμενον، وَهِيَ صِفَةٌ تُفَسَّرُ نَحْوِيًّا عَلَى أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى "«النُّورِ" لَا عَلَى "الإِنْسَانِ"، َيْ إِنَّ المَقْصُودَ هُوَ النُّورُ الآتِي، أَيْ المَسِيحُ الَّذِي يَدْخُلُ التَّارِيخَ، لَا الإِنْسَانُ الَّذِي يُولَدُ فِي العَالَمِ. وَهَذَا يَنْسَجِمُ مَعَ اللُّغَةِ المَسِيحَانِيَّةِ فِي الإنْجِيلِ، حَيْثُ يُوصَفُ يَسُوعُ مِرَارًا بِأَنَّهُ "الآتِي" أَوْ "الَّذِي يَأْتِي" او "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَيَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ"(مَتَّى 16: 27)، "اسْهَرُوا… لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ"(مَتَّى 24: 42، 44). فَالنُّورُ، فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، لَيْسَ مَبْدَأً مُجَرَّدًا، بَلْ شَخْصٌ يَأْتِي، يَقْتَحِمُ ظُلْمَةَ العَالَمِ لِيُنِيرَهُ. يؤَكِّد أثناسيوس الرَّسُولِيّ" أَنَّ النُّورَ لَمْ يُرْسَلْ كَتَعْلِيمٍ فَقَطْ، بَلْ أَتَى شَخْصِيًّا، لِيُعِيدَ إِنَارَةَ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي أَظْلَمَهَا الخَطَأُ". تُعْلِنُ هذه الآيَةُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ النُّورُ الحَقُّ بِالذَّاتِ، ونُورُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، وَأَنَّ هَذَا النُّورَ آتٍ إِلَى العَالَمِ فِي حَدَثِ التَّجَسُّدِ. وَبِهَذَا تَكُونُ الآيَةُ جِسْرًا لَاهُوتِيًّا بَيْنَ نَشِيدِ الأَزَلِيَّةِ وَدُخُولِ النُّورِ إِلَى تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ.
10 "كَانَ فِي العَالَمِ، وَبِهِ كَانَ العَالَمُ، وَالعَالَمُ لَمْ يَعْرِفْهُ" (يُوحَنَّا 1: 10)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "كَانَ فِي العَالَمِ، وَبِهِ كَانَ العَالَمُ، وَالعَالَمُ لَمْ يَعْرِفْهُ" إِلَى الإِلَهِ الَّذِي يُعْلِنُ عَنْ ذَاتِهِ فِي وَسَطِ العَالَمِ، وَيَكْشِفُ فِي الوَقْتِ عَيْنِهِ مَأْسَاةَ الإِنْسَانِ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَةِ خَالِقِهِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "كَانَ فِي العَالَمِ" إِلَى حُضُورِ يَسُوعَ قَبْلَ تَجَسُّدِهِ. فَهُوَ كَانَ فِي العَالَمِ مُنْذُ البَدْءِ، لَا تَرَاهُ العُيُونُ البَشَرِيَّةُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا بِالرُّوحِ وَالقُوَّةِ، خَالِقًا وَمُنِيرًا وَمُدَبِّرًا. فَهُوَ الكَلِمَةُ الَّذِي خَلَقَ العَالَمَ وَأَضَاءَ ظُلْمَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَجَسَّدَ. وَيَشْهَدُ العَهْدُ الجَدِيدُ لِهَذَا الحُضُورِ الخَلَاصِيِّ السَّابِقِ، حِينَ يُشِيرُ الرَّسُولُ بطرس الرسول إِلَى أَنَّ المَسِيحَ، بِالرُّوحِ، "ذَهَبَ فَبَشَّرَ الأَرْوَاحَ الَّتِي فِي السِّجْنِ" (1 بطرس 3: 19)، فَيُفْهَمُ ذَلِكَ كَإِشَارَةٍ إِلَى عَمَلِ الكَلِمَةِ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ حَتَّى قَبْلَ التَّجَسُّدِ. وَكَذَلِكَ يَرْبِطُ إسطفانس، فِي خُطْبَتِهِ، بَيْنَ الكَلِمَةِ وَمَسِيرَةِ إِسْرَائِيلَ فِي البَرِّيَّةِ، قَائِلًا:
"هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الجَمَاعَةِ فِي البَرِّيَّةِ وَسِيطًا بَيْنَ المَلَاكِ الَّذِي كَلَّمَهُ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ وَبَيْنَ آبَائِنَا، فَتَلَقَّى كَلِمَاتِ الحَيَاةِ" (أَعْمَال 7: 38). وَهُنَا يُفْهَمُ أَنَّ الكَلِمَةَ كَانَ حَاضِرًا فِي تَدْبِيرِ اللهِ الخَلَاصِيِّ مُنْذُ القِدَمِ.
تَرِدُ لَفْظَةُ "العَالَمِ" فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا بِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ: فَتُشِيرُ أَحْيَانًا إِلَى الكَوْنِ المَخْلُوقِ، وَأَحْيَانًا إِلَى البَشَرِيَّةِ مَوْضِعِ حُبِّ اللهِ (يُوحَنَّا 3: 16)، وَأَحْيَانًا إِلَى العَالَمِ الرَّافِضِ لِلكَلِمَةِ المُتَجَسِّدَةِ وَلِمَخَطَّطِ اللهِ (يُوحَنَّا 12: 31). وَقَدْ وَرَدَتْ كَلِمَةُ "العَالَمِ" نَحْوَ 68 مَرَّةً فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَرْكَزِيَّتِهَا فِي لُغَتِهِ اللاهُوتِيَّةِ.
تُعِيدُ عِبَارَةُ "وَبِهِ كَانَ العَالَمُ" التَّأْكِيدَ عَلَى مَا قَالَهُ الإِنْجِيلُ سَابِقًا "بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، وَبِدُونِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يُوحَنَّا 1: 3). فَالمَسِيحُ لَمْ يَدْخُلِ العَالَمَ كَغَرِيبٍ عَنْهُ، بَلْ كَخَالِقٍ وَمُعْتَنٍ بِهِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ رَفْضَ العَالَمِ لَهُ لَيْسَ نَتِيجَةَ غُرْبَتِهِ، بَلْ نَتِيجَةَ عَمَاهُ الرُّوحِيِّ.
أَمَّا قَوْلُهُ "لَمْ يَعْرِفْهُ" فَيُشِيرُ إِلَى جَهْلٍ إِرَادِيٍّ، نَابِعٍ مِنَ الرَّفْضِ، لَا مِنْ غِيَابِ الإِعْلَانِ. فَالبَشَرُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ اللهَ أَعْلَنَ ذَاتَهُ فِي الخَلِيقَةِ وَفِي العِنَايَةِ وَفِي النُّورِ الدَّاخِلِيِّ، لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، بَلْ انْحَرَفَ كَثِيرُونَ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ. يُجَسِّدُ كَلَامُ بولس الرسول فِي خُطْبَتِهِ فِي وَسَطِ الأَرْيُوبَاغُسِ، هَذِهِ الحَقِيقَةَ "العَالَمُ لَمْ يَعْرِفْهُ" حِينَ قَالَ: "فَإِنِّي وَأَنَا سَائِرٌ أَنْظُرُ إِلَى أَنْصَابِكُمْ، وَجَدْتُ مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: إِلَى الإِلَهِ المَجْهُولِ. فَالَّذِي تَعْبُدُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هَذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 17: 23). يُشَدِّدُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم عَلَى "أَنَّ المَأْسَاةَ لَيْسَتْ فِي أَنَّ العَالَمَ لَمْ يَسْتَقْبِلِ المَسِيحَ، بَلْ فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ خَالِقَهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ دَائِمًا". تَكْشِفُ هَذِهِ الآيَةُ مَفَارَقَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً: الإِلَهُ الَّذِي أَوْجَدَ العَالَمَ وَحَضَرَ فِيهِ، لَمْ يُعْرَفْ مِنَ العَالَمِ الَّذِي خَلَقَهُ. فَهُنَا يَلْمَسُ الإِنْجِيلُ جُذُورَ مَأْسَاةِ الإِنْسَانِ: عَمًى رُوحِيٌّ أَمَامَ حُضُورِ اللهِ. يَرَى أوريجانوس أَنَّ "عَدَمَ مَعْرِفَةِ العَالَمِ لِلْكَلِمَةِ" لَا تَنْبَعُ مِنْ خَفَاءِ النُّورِ، بَلْ مِنْ إِغْلَاقِ العُيُونِ الدَّاخِلِيَّةِ. فَالنُّورُ حَاضِرٌ، وَلَكِنَّ القَلْبَ المُظْلِمَ يَعْجِزُ عَنِ الرُّؤْيَةِ".
11 "جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ، فَمَا قَبِلَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ» (يُوحَنَّا 1: 11)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "جَاءَ" إِلَى ظُهُورِ يَسُوعَ العَلَنِيِّ فِي التَّارِيخِ، أَيْ إِلَى دُخُولِهِ الوَاقِعِيِّ فِي مَسِيرَةِ شَعْبِهِ، تَحْقِيقًا لِمَا أَعْلَنَهُ النَّبِيُّ مَلَاخِي: "وَيَأْتِي فَجْأَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَلْتَمِسُونَهُ، وَمَلَاكُ العَهْدِ الَّذِي تَرْتَضُونَ بِهِ. هَا إِنَّهُ آتٍ، قَالَ رَبُّ القُوَّاتِ" (مَلَاخِي 3: 1). فَمَجِيءُ يَسُوعَ لَيْسَ حَدَثًا عَارِضًا، بَلْ إِتْمَامٌ لِوَعْدٍ نَبَوِيٍّ طَالَ انْتِظَارُهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "إِلَى بَيْتِهِ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ τὰ ἴδια، (مَعْنَاهَا: «خَاصَّتَهُ»، أَيْ الشَّعْبَ الَّذِي يَخُصُّهُ) فَتُشِيرُ هُنَا بِوُضُوحٍ إِلَى الأُمَّةِ اليَهُودِيَّةِ، الَّتِي اخْتَارَهَا اللهُ شَعْبًا لَهُ وَعَهِدَ إِلَيْهَا بِوُعُودِهِ. وَقَدْ عَبَّرَ مُوسَى عَنْ هَذَا الاِخْتِيَارِ قَائِلًا: "لِأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ، وَإِيَّاكَ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلَهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبَ خَاصَّتِهِ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّتِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ"(تَثْنِيَةُ الاِشْتِرَاعِ 7: 6). فَقَدِ اخْتَارَ اللهُ أَبْنَاءَ إِبْرَاهِيمَ، وَفَدَاهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَأَعْطَاهُمُ الأَرْضَ وَالشَّرِيعَةَ وَالعُهُودَ وَالأَنْبِيَاءَ، كَمَا يُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بولس الرسول: "أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالمَجْدُ وَالعُهُودُ وَالتَّشْرِيعُ وَالعِبَادَةُ وَالمَوَاعِيدُ وَالآبَاءُ"(رُومِيَة 9: 4). وَبِهَذَا المَعْنَى، فَإِنَّ إِسْرَائِيلَ يَرْمُزُ إِلَى البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، الَّتِي هِيَ مِلْكُ الخَالِقِ وَمَدْعُوَّةٌ لِقُبُولِهِ. يَرَى أوريجانوس أَنَّ "بَيْتَهُ" هُوَ كُلُّ مَنْ أُعْطِيَ لَهُ إِعْلَانُ اللهِ، فَإِذَا رَفَضَ الإِنسَانُ الكَلِمَةَ، فَإِنَّهُ يَغْلِقُ بَيْتَهُ فِي وَجْهِ صَاحِبِهِ الحَقِيقِيِّ".
أَمَّا عِبَارَةُ "فَمَا قَبِلَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ"، فَتُعَبِّرُ عَنْ مَأْسَاةِ الرَّفْضِ، الَّتِي لَا تَقْتَصِرُ عَلَى "الظُّلُمَاتِ الَّتِي لَمْ تُدْرِكِ النُّورَ" (يُوحَنَّا 1: 5)، بَلْ تَبْلُغُ ذُرْوَتَهَا فِي رَفْضِ الخَاصَّةِ نَفْسِهَا. فَالَّذِينَ أُعِدُّوا لِقُبُولِ المَسِيحِ بِالرُّمُوزِ وَالنُّبُوءَاتِ وَالوُعُودِ، لَمْ يَقْبَلُوهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ. وَلَمْ يَكُنْ رَفْضُهُمْ نَاتِجًا عَنْ نَقْصِ إِعْلَانٍ، بَلْ عَنْ عَمًى رُوحِيٍّ سَبَبُهُ الخَطِيئَةُ وَتَشَبُّثُهُمْ بِصُوَرَةٍ مِسْيَانِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ زَمَنِيَّةٍ. فَلَمْ يَقْبَلُوا المَسِيحَ مُخَلِّصًا وَمَلِكًا رُوحِيًّا، بَلْ رَفَضُوهُ وَأَسْلَمُوهُ إِلَى الصَّلْبِ، كَمَا يَشْهَدُ الإِنْجِيلُ (مَتَّى 23: 37). يُؤَكِّدُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم "أَنَّ المَأْسَاةَ لَيْسَتْ فِي أَنَّ الغُرَبَاءَ رَفَضُوا المَسِيحَ، بَلْ فِي أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ وَيَقْرَأُونَ عَنْهُ يَوْمِيًّا فِي الكُتُبِ لَمْ يَعْرِفُوهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ". يَرْبِطُ أثناسيوس الرَّسُولِيّ رَفْضَ «أَهْلِ بَيْتِهِ» بِسِرِّ الحُرِّيَّةِ البَشَرِيَّةِ، " فَاللهُ يَأْتِي مُتَوَاضِعًا، وَلَا يَفْرِضُ ذَاتَهُ، فَيَكْشِفُ الرَّفْضُ حَالَةَ القَلْبِ أَكْثَرَ مِمَّا يَكْشِفُ عَنْ قُوَّةِ النُّور" تُظْهِرُ هذه الآيَةُ أَنَّ المَسِيحَ جَاءَ إِلَى خَاصَّتِهِ وَفْقَ وَعْدِ اللهِ، لَكِنَّ خَاصَّتَهُ لَمْ تَقْبَلْهُ، وَبِذَلِكَ يَنْكَشِفُ صِرَاعُ النُّورِ مَعَ قُلُوبٍ أُغْلِقَتْ بِسَبَبِ الخَطِيئَةِ. وَهَذِهِ الآيَةُ تُهَيِّئُ الاِنْتِقَالَ الدَّرَامِيَّ إِلَى بُشْرَى النِّعْمَةِ فِي الآيَةِ التَّالِيَة: قَبُولُ مَنْ قَبِلُوا الكَلِمَةَ وَصَارُوا أَبْنَاءَ اللهِ.
12 "أَمَّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ، فَقَدْ مَكَّنَهُمْ أَنْ يَصِيرُوا أَبْنَاءَ اللهِ"(يُوحَنَّا 1: 12)
تُشَكِّلُ هَذِهِ الآيَةُ نُقْطَةَ التَّحَوُّلِ الحَاسِمَةَ فِي مُقَدِّمَةِ الإِنْجِيلِ، إِذْ تَنْتَقِلُ مِنْ دَرَامَا الرَّفْضِ (الآيَة 11) إِلَى بُشْرَى القُبُولِ وَالبُنُوَّةِ. فَبَعْدَ أَنْ رَفَضَ العَالَمُ وَ "أَهْلُ بَيْتِهِ" الكَلِمَةَ، يُعْلِنُ الإِنْجِيلُ أَنَّ أَبْوَابَ النِّعْمَةِ لَمْ تُغْلَقْ، بَلْ فُتِحَتْ لِكُلِّ مَنْ يَقْبَلُهُ بِالإِيمَانِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَمَّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ" إِلَى كُلِّ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِـ يسوع المسيح مِنْ كُلِّ شَعْبٍ وَأُمَّةٍ، عَلَى أَنَّهُ الكَلِمَةُ وَالنُّورُ وَالحَيَاةُ. وَالقُبُولُ هُنَا لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ الاِسْتِقْبَالِ الظَّاهِرِيِّ، بَلْ يَعْنِي الاِنْفِتَاحَ الدَّاخِلِيَّ وَالتَّسْلِيمَ الكُلِّيَّ لِلْمَسِيحِ. فَمَجْدُهُ كَانَ مُسْتَتِرًا، وَلَاهُوتُهُ مَحْجُوبًا بِالجَسَدِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ قُبُولَهُ يَقْتَضِي الإِيمَانَ، لَا العَيْنَ المُجَرَّدَةَ.
أمَّا عِبَارَةُ "يُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" فتشير فِي الذِّهْنِيَّةِ الكِتَابِيَّةِ، إلى الاِسْمُ شَخْصَ الإِنْسَانِ وَدَوْرَهُ وَرِسَالَتَهُ. فَالِاسْمُ لَيْسَ لَقَبًا عَابِرًا، بَلْ إِعْلَانُ هُوِيَّةٍ وَمِصِيرٍ (تَكْوِين 27: 36). وَمِنْ هُنَا، فَالإِيمَانُ "بِاسْمِهِ" يَعْنِي الاِعْتِرَافَ بِمَنْ هُوَ يَسُوعُ وَمَا يَفْعَلُهُ خَلَاصِيًّا. وَيَشْمَلُ هَذَا "الاِسْمُ" مَجْمُوعَةَ الأَلْقَابِ الَّتِي أُعْلِنَتْ عَنْهُ: "الكَلِمَةُ" (يُوحَنَّا 1: 1)، "يَسُوعُ"، “لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مَتَّى 1: 21)، "عِمَّانُوئِيلُ"، أَيْ: " اللهُ مَعَنَا" (مَتَّى 1: 23). فَالإِيمَانُ بِاسْمِهِ هُوَ الاِعْتِرَافُ بِهِ رَبًّا وَمُخَلِّصًا، وَالدُّخُولُ فِي عَلاَقَةِ اِنْتِمَاءٍ وَثِقَةٍ مَعَهُ.
أمَّا عِبَارَةُ "فَقَدْ مَكَّنَهُمْ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ تَرِدُ العِبَارَةُ ἔδωκεν αὐτοῖς ἐξουσίαν، فمَعْنَاهَا أَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا، أَيْ حَقًّا وَنِعْمَةً مَوْهُوبَةً مِنَ اللهِ، لَا مُسْتَحَقَّةً بِالطَّبِيعَةِ. فَالبُنُوَّةُ لَيْسَتْ ثَمَرَةَ جُهْدٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ عَطِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ مَجَّانِيَّةٌ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَنْ يَصِيرُوا أَبْنَاءَ اللهِ" إِلَى تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ فِي الهُوِيَّةِ. فَالَّذِينَ كَانُوا "أَبْنَاءَ هَذِهِ الدُّنْيَا" (لُوقَا 16: 8)، و"أَبْنَاءَ المَعْصِيَةِ" (أَفَسُس 2: 2)، و"أَبْنَاءَ الغَضَبِ" (أَفَسُس 2: 3)، صَارُوا بِالإِيمَانِ أَبْنَاءَ اللهِ، أَعْضَاءَ فِي أُسْرَتِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ. وَيُؤَكِّدُ بولس الرسول هَذِهِ الحَقِيقَةَ قَائِلًا: "هَذَا الرُّوحُ نَفْسُهُ يَشْهَدُ مَعَ أَرْوَاحِنَا بِأَنَّنَا أَبْنَاءُ اللهِ" (رُومِيَة 8: 16). وَهَذِهِ البُنُوَّةُ تَتَجَلَّى فِي الوِلَادَةِ الجَدِيدَةِ، وَفِي مَحَبَّةِ الآبِ، وَفِي عِنَايَتِهِ وَحِمَايَتِهِ، وَفِي السَّيْرِ نَحْوَ النُّضْجِ الرُّوحِيِّ: "لِنَبْلُغَ وَحْدَةَ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةَ ابْنِ اللهِ، وَنَصِيرَ الإِنْسَانَ الرَّاشِدَ، وَنَبْلُغَ القَامَةَ الَّتِي تُوَافِقُ مِلْءَ المَسِيحِ" (أفَسُس 4: 13). وَهِيَ بُنُوَّةٌ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا مِيرَاثًا سَمَاوِيًّا:"وَإِذَا كُنْتَ ابْنًا، فَأَنْتَ وَارِثٌ بِفَضْلِ اللهِ" (غَلاطِيَة 4: 7). وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مِلْءَ هَذِهِ البُنُوَّةِ لَا يُدْرَكُ كَامِلًا إِلَّا فِي المَجْدِ، كَمَا يَقُولُ يوحنا الرسول: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، نَحْنُ الآنَ أَبْنَاءُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1 يُوحَنَّا 3: 2). أَرَادَنَا اللهُ عَلَى مِثَالِ ابْنِهِ، أَيْ عَلَى صُورَةِ يَسُوعَ، لَكِنَّهُ لَا يَفْرِضُ نَفْسَهُ بِالقُوَّةِ، بَلْ يَتْرُكُ الإِنْسَانَ حُرًّا فِي خِيَارِهِ. وَمِنْ هُنَا تَنْبَعُ الدَّعْوَةُ الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي يَطْرَحُهَا الإِنْجِيلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: هَلْ نَرْفُضُ الكَلِمَةَ كَمَا فَعَلَ العَالَمُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، أَمْ نَقْبَلُهُ فَنَصِيرَ أَبْنَاءَ اللهِ؟
13 "فَهُمُ الَّذِينَ لَا مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ رَغْبَةِ لَحْمٍ، وَلَا مِنْ رَغْبَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللهِ وُلِدُوا" (يُوحَنَّا 1: 13)
تُكَمِّلُ هَذِهِ الآيَةُ مَا أَعْلَنَتْهُ الآيَةُ السَّابِقَةُ عَنِ بُنُوَّةِ اللهِ، فَتُوَضِّحُ أَسَاسَهَا وَتُنَقِّيهَا مِنْ كُلِّ سُوءِ فَهْمٍ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ هَذِهِ البُنُوَّةَ لَيْسَتْ وِلَادَةً طَبِيعِيَّةً بَشَرِيَّةً، بَلْ وِلَادَةً إِلَهِيَّةً رُوحِيَّةً. يَقُولُ أوغسطينوس إِنَّ الإِنْسَانَ "وُلِدَ مِنَ الجَسَدِ لِيَمُوتَ، وَيُولَدُ مِنَ اللهِ لِيَحْيَا"، فَالوِلَادَةُ الجَدِيدَةُ هِيَ عُبُورٌ مِنَ المَوْتِ إِلَى الحَيَاةِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَا مِنْ دَمٍ" إِلَى رَفْضِ أَيِّ فِكْرٍ يَرْبِطُ بُنُوَّةَ اللهِ بِالنَّسَبِ أَوِ السِّلْسِلَةِ العِرْقِيَّةِ. فَاليَهُودُ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ أَنَّ بُنُوَّتَهُمْ للهِ تَنْبُعُ مِنْ كَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةَ إِبْرَاهِيمَ. لَكِنَّ الإِنْجِيلَ يَنْفِي هَذَا الوَهْمَ. وَيَأْتِي ذِكْرُ "الدَّمِ" هُنَا بِوَصْفِهِ مَرْكَزَ الحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الشَّرِيعَةِ: "لِأَنَّ نَفْسَ الجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ" (الأَحْبَار 17: 11). فَلَا الدَّمُ، وَلَا الأُصُولُ، وَلَا الاِنْتِمَاءُ الجِسْدِيُّ، يُنْشِئُ الإِنْسَانَ ابْنًا لِلهِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَلَا مِنْ رَغْبَةِ لَحْمٍ" إِلَى عَجْزِ الإِنْسَانِ الذَّاتِيِّ عَنْ أَنْ يُحَقِّقَ بُنُوَّتَهُ للهِ بِإِرَادَتِهِ أَوْ جُهْدِهِ أَوْ تَقَوِّيهِ الشَّخْصِيِّ. فَلَا الرَّغْبَةُ، وَلَا الاِنْفِعَالُ، وَلَا الطَّاقَةُ البَشَرِيَّةُ، تَقْدِرُ أَنْ تَرْفَعَ الإِنْسَانَ إِلَى مَرْتَبَةِ البُنُوَّةِ الإِلَهِيَّةِ. فَالبُنُوَّةُ لَا تُنْتَزَعُ، بَلْ تُوهَبُ.
تَنْفِي عِبَارَةُ "وَلَا مِنْ رَغْبَةِ رَجُلٍ" الاِتِّكَالَ عَلَى وَسَاطَةٍ بَشَرِيَّةٍ أَوْ سُلْطَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ لِنَيْلِ بُنُوَّةِ اللهِ. فَلَا يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ، مَهْمَا كَانَ مَقَامُهُ أَوْ قُدْسِيَّتُهُ، أَنْ يَمْنَحَ هَذِهِ البُنُوَّةَ. إِنَّهَا لَا تَقُومُ عَلَى تَوَافُقٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ عَلَى مَبَادَرَةِ نِعْمَةٍ إِلَهِيَّةٍ. وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ العِبَارَاتِ الثَّلَاثَ: "لَا مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ رَغْبَةِ لَحْمٍ، وَلَا مِنْ رَغْبَةِ رَجُلٍ" تُشَكِّلُ تَدَرُّجًا يَصِفُ الوِلَادَةَ الطَّبِيعِيَّةَ مِنْ أَدْنَى مَرَاحِلِهَا إِلَى أَعْلَاهَا، لِيُؤَكِّدَ أَنَّهَا كُلَّهَا مُسْتَبْعَدَةٌ فِي مَسْأَلَةِ البُنُوَّةِ الإِلَهِيَّةِ.
"بَلْ مِنَ اللهِ وُلِدُوا" هُنَا يَبْلُغُ النَّصُّ ذُرْوَتَهُ اللاهُوتِيَّةَ. فَالبُنُوَّةُ هِيَ وِلَادَةٌ مِنَ اللهِ، أَيْ فِعْلُ نِعْمَةٍ إِلَهِيَّةٍ حُرَّةٍ، يَخْلُقُ فِيهَا اللهُ الإِنْسَانَ خَلْقًا جَدِيدًا. وَهِيَ مَا يُسَمِّيهِ الكِتَابُ الوِلَادَةَ الثَّانِيَةَ. وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ الرَّسُولُ بطرس الرسول قَائِلًا: "فَإِنَّكُمْ وُلِدْتُمْ وِلَادَةً ثَانِيَةً، لَا مِنْ زَرْعٍ فَاسِدٍ، بَلْ مِنْ زَرْعٍ غَيْرِ فَاسِدٍ، بِكَلِمَةِ اللهِ الحَيَّةِ البَاقِيَةِ" (1 بُطْرُسَ 1: 23). يَرَى أثناسيوس الرسولي أَنَّ الوِلَادَةَ مِنَ اللهِ هِيَ اِشْتِرَاكٌ فِي حَيَاةِ الابْنِ الوَحِيدِ، فَنَصِيرُ أَبْنَاءَ بِالنِّعْمَةِ مَا هُوَ هُوَ بِالطَّبِيعَةِ. وَيُضِيفُ يوحنا الرسول: "نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ لِلهِ لَا يُخْطِئُ، بَلِ المَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُهُ، فَلَا يَمَسُّهُ الشِّرِّيرُ"(1 يُوحَنَّا 5: 18). فَالوِلَادَةُ الرُّوحِيَّةُ هِيَ عَمَلُ اللهِ فِي الإِنْسَانِ، بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَتَتَضَمَّنُ الدَّعْوَةَ، وَالتَّجْدِيدَ، وَالتَّقْدِيسَ، وَالدُّخُولَ فِي حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ. يُشَدِّدُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى أَنَّ الإِنْجِيلَ "قَطَعَ الطَّرِيقَ أَمَامَ كُلِّ تَفَاخُرٍ بَشَرِيٍّ"، فَلَا نَسَبٌ، وَلَا جُهْدٌ، وَلَا سُلْطَةٌ، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ وَحْدَهَا هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الأَبْنَاءَ". تُعْلِنُ هذه الآيَةُ أَنَّ بُنُوَّةَ اللهِ لَا تُكْتَسَبُ بِالطَّبِيعَةِ، وَلَا تُفْرَضُ بِالإِرَادَةِ البَشَرِيَّةِ، بَلْ تُوهَبُ بِالنِّعْمَةِ وَالوِلَادَةِ مِنَ اللهِ. وَبِذَلِكَ يُخْتَتَمُ هذا المَقْطَعُ كَإِعْلَانٍ مَجِيدٍ عَنِ هُوِيَّةِ المُؤْمِنِينَ الجَدِيدَةِ، الَّتِي تَتَجَذَّرُ فِي اللهِ نَفْسِهِ.
14 "وَالكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا، فَسَكَنَ بَيْنَنَا، فَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا مِنْ لَدُنِ الآبِ لِابْنٍ وَحِيدٍ، مِلْؤُهُ النِّعْمَةُ وَالحَقُّ"
تُشِيرُ العِبَارَةُ "وَالكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا" إِلَى سِرِّ التَّجَسُّدِ، أَيْ إِلَى المَوْلِدِ العَجِيبِ وَالعُبُورِ التَّارِيخِيِّ الَّذِي فِيهِ صَارَ الكَلِمَةُ الأَزَلِيُّ إِنْسَانًا حَقِيقِيًّا. فَالَّذِي كَانَ خَالِقًا بِالرُّوحِ (يُوحَنَّا 1: 3)، وَحَيَاةً وَنُورًا (1: 4–5)، سَلَكَ طَرِيقًا جَدِيدَةً فِي إِعْلَانِ اللهِ، بِأَنْ أَضَافَ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ إِلَى طَبِيعَتِهِ الإِلَهِيَّةِ، دُونَ اخْتِلَاطٍ أَوْ انْفِصَالٍ. وَفِي ذَلِكَ يَكْمُنُ سِرُّ الخَلَاصِ: صَارَ ابْنُ اللهِ إِنْسَانًا لِيَصِيرَ الإِنْسَانُ ابْنًا للهِ. وَيَلْفِتُ الإِنْجِيلُ إِلَى أَنَّ يُوحَنَّا لا يَرْوِي تَفَاصِيلَ زَمَانِيَّةً أَوْ مَكَانِيَّةً لِلْمِيلَادِ، بَلْ يُعْلِنُ حَقِيقَتَهُ اللاهُوتِيَّةَ مُبَاشَرَةً، دَلَالَةً عَلَى وِلَادَتَيْنِ: وِلَادَتِهِ الأَزَلِيَّةِ مِنَ الآبِ قَبْلَ الزَّمَنِ بِلا أُمٍّ، وَوِلَادَتِهِ الزَّمَنِيَّةِ مِنَ مَرْيَمَ البَتُولِ بِلا أَبٍ.
أَمَّا لَفْظَةُ "بَشَرًا" (σάρξ) فَتُشِيرُ إِلَى الإِنْسَانِ الكَامِلِ، المَكْوَّنِ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، المَوْسُومِ بِالضُّعْفِ وَالمَوْتِ. فَالكَلِمَةُ لَمْ يَتَّخِذْ جَسَدًا وَهْمِيًّا، بَلْ جَسَدًا حَقِيقِيًّا، وَنَفْسًا بَشَرِيَّةً حَقِيقِيَّةً. وَبِذَلِكَ يَرْفُضُ الإِنْجِيلُ تَعْلِيمَ الظَّاهِرِيَّةِ الَّذِي جَعَلَ التَّجَسُّدَ مَجَرَّدَ مَظْهَرٍ، كَمَا يَرْفُضُ تَعْلِيمَ أَبُولِينارِيُوسَ الَّذِي أَنْكَرَ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ لِلْمَسِيحِ. وَقَدْ أَتَى ذَلِكَ كَيْ يَكُونَ "مُشَابِهًا لإِخْوَتِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (عِبْرَانِيِّينَ 2: 17): يَتَأَلَّمُ، يُجَرَّبُ، يَنْمو، يُصَلِّي، وَيَمُوتُ، وَيُسَمِّي نَفْسَهُ "ابْنَ الإِنْسَانِ". وَبِهَذَا، يَصِيرُ التَّجَسُّدُ السَّاعَةَ الحَاسِمَةَ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ. يَقُولُ أثناسيوس الرسولي: "صَارَ الكَلِمَةُ إِنْسَانًا لِكَيْ نَصِيرَ نَحْنُ أَبْنَاءَ اللهِ".
أمَّا عِبارة "فَسَكَنَ بَيْنَنَا" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἐσκήνωσεν،(َمَعْنَاهَا: نَصَبَ خَيْمَتَهُ) تُلمِّح هُنَا وَاضِحًا إِلَى خَيْمَةِ الاِجْتِمَاعِ وَإِلَى الهَيْكَلِ، مَكَانِ حُضُورِ اللهِ وَتَجَلِّي مَجْدِهِ (خُرُوج 40: 34–35). فَكَمَا سَكَنَ مَجْدُ اللهِ وَسَطَ إِسْرَائِيلَ فِي البَرِّيَّةِ، هَكَذَا سَكَنَ الكَلِمَةُ وَسَطَ البَشَرِ فِي شَخْصِ يَسُوعَ. يُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: "لَمْ يَقُلْ: حَلَّ بَيْنَنَا، بَلْ: سَكَنَ، لِيُظْهِرَ دَوَامَ الحُضُورِ، لَا زِيَارَةً عَابِرَةً". "صَارَ اللهُ مَنْظُورًا بِعُيُونِ الجَسَدِ، لأَنَّهُ أَتَى وَسَكَنَ فِي وَسَطِنَا؛
إذ لم يَبْقَ الإِلٰهُ غَيْرَ المُدْرَكِ وَغَيْرَ المَرْئِيِّ فِي سَمَائِهِ، بَلْ اقْتَرَبَ مِنَ الإِنْسَانِ اقْتِرَابًا جَذْرِيًّا فِي سِرِّ التَّجَسُّد. وَعَلَى هٰذَا يَقُولُ القدّيس إيريناوس: "إذ صار الكلمة جسدًا، أُتيح للإنسان أن يرى الله ويشاركه الحياة".
وَعِبَارَةُ "بَيْنَنَا" تَشْمَلُ البَشَرَ جَمِيعًا، وَالتَّلَامِيذَ خَاصَّةً، كَمَا يَشْهَدُ يُوحَنَّا: "ذَاكَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ، وَرَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا مِنْ كَلِمَةِ الحَيَاةِ" (1 يُوحَنَّا 1: 1).
وَقَوْلُهُ "فَرَأَيْنَا مَجْدَهُ" يُشِيرُ إِلَى الشُّهُودِ الأَصْلِيِّينَ الَّذِينَ عَايَنُوا مَجْدَ اللهِ فِي شَخْصِ المَسِيحِ، فَكَمَا أَظْهَرَ اللهُ مَجْدَهُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ بِسَحَابَةِ النُّورِ فِي خَيْمَةِ الاِجْتِمَاعِ وَفِي الهَيْكَلِ، وَبِالرُّؤَى النَّبَوِيَّةِ (أَشَعْيَا 6: 1)، كَذَلِكَ أَظْهَرَ المَسِيحُ مَجْدَهُ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ بِأَعْمَالِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ وَفِي قُدْسِ سِيرَتِهِ، وَصَلَاحِ تَعْلِيمِهِ، ِوفي تَجَلِّيهِ أَمَامَ الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ: بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ، وَاحْتِمَالِهِ الآلَامَ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ البَشَرِ وَفِي صَلبهِ، وَفِي قِيَامَتِهِ، وَفِي صُعُودِهِ أَمَامَ جَمِيعِ الرُّسُلِ. يَقُولُ أوريجانوس: "مَنْ يَنْظُرُ إِلَى جَسَدِ يَسُوعَ بِإِيمَانٍ، يُعَايِنُ فِيهِ مَجْدَ اللهِ المَخْفِيَّ".
وَقَوْلُهُ "مَجْدَهُ" فِي العَهْدِ القَدِيمِ، يَدُلُّ المَجْدُ عَلَى حُضُورِ اللهِ المُنِيرِ أَوْ عَلَى أَعْمَالٍ تُظْهِرُ قُدْرَتَهُ. أَمَّا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، فَإِنَّ أَعْمَالَ يَسُوعَ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَخَاصَّةً سِرَّ فِصْحِهِ، تَكْشِفُ مَجْدَهُ (يُوحَنَّا 2: 11؛ 13: 31). يَقُولُ يوحنا الذهبي الفم: "لَمْ يَكُنْ مَجْدُهُ بَهَاءً خَارِجِيًّا فَقَطْ، بَلْ ظَهَرَ فِي أَعْمَالِهِ وَفِي صَبْرِهِ وَفِي صَلِيبِهِ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لاِبْنٍ وَحِيدٍ" إِلَى لَقَبٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّابِعِ الفَرِيدِ لِبُنُوَّةِ المَسِيحِ. فَهُوَ ابْنُ اللهِ بِالطَّبِيعَةِ، لَهُ الشَّبَهُ التَّامُّ بِالآبِ، وَهُوَ مُسَاوٍ لَهُ فِي المَجْدِ وَالإِكْرَامِ وَالجَوْهَرِ. وَبِهَذِهِ البُنُوَّةِ الفَرِيدَةِ يُعْلِنُ المَسِيحُ مَحَبَّةَ اللهِ، وَيُظْهِرُ عَلاَقَتَهُ الأَزَلِيَّةَ بِالآبِ. وَهُوَ ابْنٌ وَحِيدٌ تَمْيِيزًا عَنْ أَبْنَاءِ اللهِ الَّذِينَ نَالُوا بُنُوَّتَهُمْ بِالنِّعْمَةِ، مِنْ خِلَالِ إِيمَانِهِمْ بِالمَسِيحِ (يُوحَنَّا 1: 12–13). وَهَذِهِ البُنُوَّةُ الفَرِيدَةُ هِيَ الَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنَ الاِشْتِرَاكِ الكَامِلِ فِي "النِّعْمَةِ وَالحَقِّ". يُعَلِّقُ أثناسيوس الرسولي: "الابْنُ وَحِيدٌ بِالطَّبِيعَةِ، أَمَّا نَحْنُ فَأَبْنَاءُ بِالنِّعْمَةِ؛ وَمِنْ فَيْضِهِ نِلْنَا مَا صِرْنَاهُ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "النِّعْمَةُ وَالحَقُّ" إِلَى الصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا اللهُ، كَمَا شَهِدَ النَّبِيُّ موسى النبي: "الرَّبُّ، الرَّبُّ، إِلَهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الأَنَاةِ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَالوَفَاءِ" (خُرُوج 34: 6). فَبِاعْتِبَارِ المَسِيحِ كَلِمَةَ اللهِ المُتَجَسِّدَةَ، أَعْلَنَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِلْبَشَرِ: النِّعْمَةُ: وَهِيَ فَيْضُ مَحَبَّةِ اللهِ وَكَرَمِهِ، الَّذِي يُخَلِّصُ الخُطَاةَ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ (1 طِيمُوتَاوُس 1: 2). وَلِذَلِكَ يُدْعَى الإِنْجِيلُ "بِشَارَةَ نِعْمَةِ اللهِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 20: 24). الحَقُّ: وَهُوَ إِعْلَانُ اللهِ الكَامِلُ وَالنِّهَائِيُّ، فَـي يسوع المسيح هُوَ الحَقُّ نَفْسُهُ (يُوحَنَّا 14: 6)، وَبِالحَقِّ يَعْمَلُ رُوحُ اللهِ فِي الوِلَادَةِ الجَدِيدَةِ. وَلَفْظَةُ "الحَقِّ" تَتَكَرَّرُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا نَحْوَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مَرَّةً، دَلَالَةً عَلَى مَرْكَزِيَّتِهَا فِي لُغَةِ الإِنْجِيلِ وَفِي فَهْمِ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ. وَهَكَذَا، لَمْ يُعْلِنِ المَسِيحُ مَجْدَ اللهِ فِي الجَلَالِ وَالقُوَّةِ فَقَطْ، كَمَا فِي تَصَوُّرَاتِ العَهْدِ القَدِيمِ، بَلْ أَيْضًا فِي النِّعْمَةِ وَالحَقِّ، أَيْ فِي المَحَبَّةِ الخَلَاصِيَّةِ وَالإِعْلَانِ الرُّوحِيِّ الكَامِلِ، غَيْرِ المَحْجُوبِ بِالرُّمُوزِ وَالظِّلَالِ.
15 "شَهِدَ لَهُ يُوحَنَّا فَهَتَفَ: هٰذَا الَّذِي قُلْتُ فِيهِ: إِنَّ الآتِيَ بَعْدِي قَدْ تَقَدَّمَنِي، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ قَبْلِي" (يُوحَنَّا 1: 15)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "شَهِدَ لَهُ يُوحَنَّا" إِلَى شَهَادَةِ يوحنا المعمدان الَّتِي تَأْتِي تَأْكِيدًا وَتَثْبِيتًا لِمَا أُعْلِنَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ:
"وَالكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا… فَرَأَيْنَا مَجْدَه" (يُوحَنَّا 1: 14). فَيُوحَنَّا المَعْمَدَانُ هُوَ أَحَدُ الشُّهُودِ الَّذِينَ عَايَنُوا هَذَا المَجْدَ، وَأُوكِلَ إِلَيْهِ أَنْ يُشِيرَ إِلَى النُّورِ، لَا إِلَى نَفْسِهِ.
يَدُلُّ فِعْلُ "هَتَفَ" في الأصل اليوناني κέκραγεν عَلَى شَهَادَةٍ جِهَارِيَّةٍ نَبَوِيَّةٍ، لَيْسَتْ هَمْسًا خَاصًّا، بَلْ إِعْلَانًا عَامًّا أَمَامَ الشَّعْبِ. فَشَهَادَةُ يُوحَنَّا لَا تَنْبُعُ مِنْ تَأَمُّلٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ مِنْ إِرْسَالٍ إِلَهِيٍّ. يَقُولُ يوحنا الذهبي الفم:
"لَمْ يَقُلْ: تَكَلَّمَ، بَلْ: هَتَفَ، لِيُظْهِرَ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَمْ تَكُنْ خَجُولَةً، بَلْ مُمْتَلِئَةً جُرْأَةً وَحَقًّا".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "هٰذَا الَّذِي قُلْتُ فِيهِ" إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ يُوحَنَّا لِلْمَسِيحِ سَبَقَتْ رُؤْيَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ لَهُ. فَقَدْ شَهِدَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهُ وَيُعَايِنَهُ، بِوَحْيٍ إِلَهِيٍّ، كَمَا يَقُولُ هُوَ نَفْسُهُ: "وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، وَلَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي أُعَمِّدُ بِالمَاءِ هُوَ قَالَ لِي" (يُوحَنَّا 1: 33). وَكَانَ يُوحَنَّا يَوْمَئِذٍ يَكْرِزُ فِي البَرِّيَّةِ مُهَيِّئًا الطَّرِيقَ لِلرَّبِّ (مَتَّى 3: 11–13).
تُشِيرُ عِبَارَةُ "إِنَّ الآتِيَ بَعْدِي" إِلَى أَنَّ يُوحَنَّا المَعْمَدَانَ سَبَقَ يَسُوعَ زَمَنِيًّا فِي أَمْرَيْنِ: فِي الوِلَادَةِ، وَفِي بَدْءِ الخِدْمَةِ العَلَنِيَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَهَذَا التَّقَدُّمُ الزَّمَنِيُّ لَا يَعْنِي أَيَّ تَفَوُّقٍ لَاهُوتِيٍّ.
تُعَبِّرُ عِبَارَةُ "قَدْ تَقَدَّمَنِي" عَنْ مُفَارَقَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: فَالَّذِي جَاءَ بَعْدَ يُوحَنَّا فِي التَّارِيخِ، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ فِي: أَزَلِيَّتِهِ، وَحُضُورِهِ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ قَبْلَ التَّجَسُّدِ، وَفِي عَظَمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ المَلَكِيِّ. فَقَدْ كَانَ المَسِيحُ فِي العَالَمِ بِرُوحِهِ فِي زَمَانِ العَهْدِ القَدِيمِ، كَمَا يَشْهَدُ الإِنْجِيلُ: "قَالَ أَشَعْيَا هٰذَا لِأَنَّهُ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ" (يُوحَنَّا 12: 41). يُعَلِّقُ أوريجانوس: "جَاءَ بَعْدَهُ فِي التَّارِيخِ، لَكِنَّهُ سَابِقٌ لَهُ فِي الأَزَلِ؛ فَالزَّمَنُ لَا يَحْكُمُ عَلَى مَنْ خَلَقَ الزَّمَنَ".
عِبَارة "لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ قَبْلِي" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ تَرِدُ لَفْظَةُ πρῶτος، تَدُلُّ عَلَى الأَوَّلِيَّةِ فِي الزَّمَنِ وَالمَقَامِ وَالكَرَامَةِ. فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ يَسُوعَ ظَهَرَ بَعْدَ يُوحَنَّا فِي المَسَارِ التَّارِيخِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ أَوَّلُهُ فِي الوُجُودِ، لِأَنَّهُ الكَلِمَةُ الأَزَلِيُّ، المَوْلُودُ مِنَ الآبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ. يَقُولُ أثناسيوس الرسولي: "الابْنُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ يُوحَنَّا فَقَطْ، بَلْ قَبْلَ كُلِّ خَلِيقَةٍ، لِأَنَّهُ هُوَ الأَصْلُ الَّذِي مِنْهُ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ". تُعْلِنُ شَهَادَةُ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ فِي (يُوحَنَّا 1: 15) أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الآتِي بَعْدَهُ زَمَنِيًّا، وَهُوَ فِي نَفْسِ الوَقْتِ سَابِقٌ لَهُ أَزَلِيًّا، وَأَنَّ شَهَادَةَ يُوحَنَّا تَجْعَلُ مِنَ المَعْمَدَانِ جِسْرًا بَيْنَ العَهْدَيْنِ، يُشِيرُ إِلَى الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ، لَا كَنَبِيٍّ فَقَطْ، بَلْ كَابْنِ اللهِ الأَزَلِيِّ.
16 "فَمِنْ مِلْئِهِ نِلْنَا بِأَجْمَعِنَا، وَقَدْ نِلْنَا نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ" (يُوحَنَّا 1: 16)
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَمِنْ مِلْئِهِ نِلْنَا بِأَجْمَعِنَا" إِلَى كَلَامِ يوحنا الرسول نَفْسِهِ، إِذْ يَتَابِعُ تَأَمُّلَهُ فِي سِرِّ التَّجَسُّدِ الَّذِي أَعْلَنَهُ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: «وَالكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا… مِلْؤُهُ النِّعْمَةُ وَالحَقُّ" (يُوحَنَّا 1: 14). فَـ«المِلْءُ» هُنَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَطِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ أَوْ مَحْدُودَةٍ، بَلْ عَلَى فَيْضٍ إِلَهِيٍّ لَا يَنْضُبُ، نَابِعٍ مِنْ شَخْصِ المَسِيحِ نَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ "نِلْنَا" يَشْمَلُ الرَّسُولَ نَفْسَهُ وَسَائِرَ المُؤْمِنِينَ، فَالْمَسِيحُ لَمْ يَأْتِ لِيُعْطِي نِعْمَةً لِفِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ لِيَفِيضَ بِحَيَاتِهِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ يَقْبَلُونَهُ بِالإِيمَانِ. يَقُولُ يوحنا الذهبي الفم: "لَمْ يَقُلْ: أَعْطَانَا، بَلْ: نِلْنَا، لِيُظْهِرَ أَنَّ النِّعْمَةَ تُوهَبُ لِمَنْ يَقْبَلُهَا وَيَنْفَتِحُ عَلَيْهَا".
تُعَدُّ هَذِهِ العِبَارَةُ "نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ" مِنْ أَغْنَى تَعَابِيرِ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا لَاهُوتِيًّا. فَهِيَ لَا تَعْنِي نِعْمَةً وَاحِدَةً مُنْفَصِلَةً، بَلْ تَتَالِي النِّعَمِ وَتَرَاكُمَهَا، أَيْ فَيْضًا مُسْتَمِرًّا يَتَجَدَّدُ دُونَ انْقِطَاعٍ. فَكُلُّ نِعْمَةٍ نَنَالُهَا تَصِيرُ أَرْضِيَّةً لِنِعْمَةٍ أَعْظَمَ. وَيُمْكِنُ فَهْمُ هَذَا التَّعْبِيرِ فِي ضَوْءِ تَعْلِيمِ الرَّبِّ:"مَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ يُعْطَى فَيَفِيضُ" (مَتَّى 13: 12). فَالنِّعْمَةُ تَنْمو فِي الإِنْسَانِ بَقَدْرِ انْفِتَاحِهِ وَأَمَانَتِهِ لِمَا نَالَهُ. وَيُقَارِنُ النَّصُّ ضِمْنِيًّا بَيْنَ نِعْمَةِ المَسِيحِ وَمَا اخْتَبَرَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي البَرِّيَّةِ، إِذْ كَانُوا يَجْمَعُونَ المَنَّ يَوْمًا بِيَوْمٍ حَسَبَ حَاجَتِهِمْ (خُرُوج 16). وَهَكَذَا، فَإِنَّ المُؤْمِنِينَ يَتَغَذَّوْنَ مِنْ نِعْمَةِ المَسِيحِ يَوْمًا بِيَوْمٍ، لَا بِالتَّخْزِينِ، بَلْ بِالثِّقَةِ الدَّائِمَةِ. يَقُولُ أوغسطينوس: "نِلْنَا نِعْمَةً تُقِيمُنَا، ثُمَّ نِعْمَةً تُقَوِّينَا، ثُمَّ نِعْمَةً تُكَمِّلُنَا؛ فَالطَّرِيقُ كُلُّهُ نِعْمَةٌ". إنَّ حَيَاةَ المُؤْمِنِ لَيْسَتْ حَدَثًا نِعْمَوِيًّا وَاحِدًا فِي المَاضِي، بَلْ مَسِيرَةَ نِعْمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ. فَيَفْتَحُ المُؤْمِنُ قَلْبَهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ لِعَطِيَّةِ اللهِ الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا. وَكُلُّ بَرَكَةٍ هِيَ دَعْوَةٌ إِلَى بَرَكَةٍ أَعْظَمَ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ نَنَالُهَا بِالإِيمَانِ تَجْذِبُ نِعْمَةً أَغْنَى. تُؤَكِّدُ هذه الآيَةُ أَنَّ المَسِيحَ هُوَ مَصْدَرُ المِلْءِ الإِلَهِيِّ، وَأَنَّ حَيَاةَ الإِيمَانِ هِيَ تَقَبُّلٌ مُسْتَمِرٌّ لِلنِّعْمَةِ، وَأَنَّ النِّعْمَةَ فِي المَسِيحِ لَا تُسْتَهْلَكُ، بَلْ تَفِيضُ دَائِمًا.
17 "لأَنَّ الشَّرِيعَةَ أُعْطِيَتْ عَنْ يَدِ مُوسَى، وَأَمَّا النِّعْمَةُ وَالحَقُّ فَقَدْ أَتَيَا عَنْ يَدِ يَسُوعَ المَسِيحِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "الشَّرِيعَةَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّνόμος (وَفِي العِبْرِيَّة תּוֹרָה – تَوْرَاة) إِلَى شَرِيعَةِ مُوسَى بِمُجْمَلِهَا، بِقِسْمَيْهَا: الأَدَبِيِّ خَاصَّةً الوَصَايَا العَشْرَ (خُرُوج 20: 2–17)، وَالطُّقُوسِيِّ وَالتَّشْرِيعِيِّ (شَرِيعَةُ العَهْدِ، شَرِيعَةُ القَدَاسَةِ، وَالأَحْكَامُ الكَهَنُوتِيَّة).
وَقَوْلُ الإِنْجِيلِ "أُعْطِيَتْ عَنْ يَدِ مُوسَى" يُؤَكِّدُ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَكُنْ مَصْدَرَ الشَّرِيعَةِ، بَلْ وَسِيطَهَا وَخَادِمَهَا الأَمِين، كَمَا يَقُولُ كِتَابُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "كَانَ مُوسَى أَمِينًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَاهِدًا لِمَا سَيُقَالُ بَعْدُ" (عِبْرَانِيِّينَ 3: 5). فَالشَّرِيعَةُ كَانَتْ إِعْلَانًا إِلَهِيًّا حَقًّا، يُظْهِرُ مَشِيئَةَ اللهِ وَعَدْلَهُ وَقَدَاسَتَهُ، وَيَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى الطَّاعَةِ، لَكِنَّهَا لَا تَمْنَحُ القُوَّةَ لِلْحَيَاةِ الجَدِيدَةِ، وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخَلِّصَ الإِنْسَانَ مِنْ دَاخِلِهِ. يَقُولُ يوحنا الذهبي الفم: "الشَّرِيعَةُ أَظْهَرَتِ الجُرْحَ، أَمَّا النِّعْمَةُ فَقَدْ شَفَتْهُ".
يُشِيرُ اسْمُ موسى إِلَى شَخْصِيَّةٍ مِفْصَلِيَّةٍ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ. فَهُوَ قَائِدُ إِسْرَائِيلَ وَنَبِيُّهَا، وُلِدَ فِي زَمَنِ الاِضْطِهَادِ، وَتَرَبَّى فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قَادَهُ اللهُ إِلَى البَرِّيَّةِ لِيُهَيِّئَهُ لِلرِّسَالَةِ. وَقَدِ اخْتَبَرَ مُوسَى حُضُورَ اللهِ فِي العُلَّيْقَةِ المُشْتَعِلَةِ (خُرُوج 3)، وَنَالَ الشَّرِيعَةَ عَلَى سِينَاءَ، وَعَايَنَ شِبْهَ الرَّبِّ (عَدَد 12: 8)، حَتَّى دُعِيَ "كَلِيمَ اللهِ". وَمَعَ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذَا كَانَ تَمْهِيدًا لِمَا هُوَ أَعْظَمُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ سِفْرُ التَّثْنِيَةِ: "وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى…" (تَثْنِيَةُ الاِشْتِرَاعِ 34: 10)، وَمَعَ ذَلِكَ، فَهُوَ نَفْسُهُ يَشْهَدُ لِمَجِيءِ نَبِيٍّ أَعْظَمَ (تَثْنِيَةُ الاِشْتِرَاعِ 18: 15).
"وَأَمَّا النِّعْمَةُ وَالحَقُّ فَقَدْ أَتَيَا عَنْ يَدِ يَسُوعَ المَسِيحِ" فِي المُقَابِلِ، يَقُولُ الإِنْجِيلُ إِنَّ النِّعْمَةَ وَالحَقَّ" أَتَيَا لَا "أُعْطِيَا" عَنْ يَدِ يسوع المسيح. وَهُنَا يَبْرُزُ الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ: مُوسَى نَقَلَ شَرِيعَةً مِنْ عِنْدِ اللهِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ مَصْدَرُ النِّعْمَةِ وَالحَقِّ نَفْسُهُمَا. فَالنِّعْمَةُ لَيْسَتْ تَعْلِيمًا فَقَطْ، بَلْ حَيَاةٌ مَوْهُوبَةٌ، وَالحَقُّ لَيْسَ نَصًّا، بَلْ شَخْصٌ مُتَجَسِّدٌ، كَمَا قَالَ هُوَ نَفْسُهُ: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ" (يُوحَنَّا 14: 6). يَقُولُ أوغسطينوس: "أُعْطِيَ النَّامُوسُ لِيَطْلُبَ، وَأُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ لِتُعِين، وَأُعْلِنَ الحَقُّ لِيُكْمِل". وَبِمَجِيءِ يَسُوعَ، لَمْ يَعُدِ الإِعْلَانُ مَحْجُوبًا بِرُمُوزٍ وَظِلَالٍ، بَلْ صَارَ وَجْهًا لِوَجْهٍ فِي شَخْصِ الابْنِ. يَقُولُ أوريجانوس: "فِي مُوسَى تَلَقَّيْنَا وَصِيَّةً، وَفِي المَسِيحِ نِلْنَا قُوَّةَ تَتْمِيمِهَا". تُؤَكِّدُ الآيَةُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ كَانَتْ مُرَبِّيًا وَمُهَيِّئًا، وَأَنَّ النِّعْمَةَ وَالحَقَّ هُمَا مِلْءُ الإِعْلَانِ وَالخَلَاصِ، وَأَنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ لَا يُلْغِي مُوسَى، بَلْ يُكَمِّلُهُ وَيَتَجَاوَزُهُ. فَالشَّرِيعَةُ تُعَلِّمُ مَا هُوَ صَالِحٌ، أَمَّا النِّعْمَةُ فَتُعْطِي القُدْرَةَ عَلَى عَيْشِهِ، وَالحَقُّ يَكْشِفُ وَجْهَ اللهِ كَامِلًا فِي الابْنِ. تُقِيمُ هَذِهِ الآيَةُ مُقَابَلَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً بَيْنَ تَدْبِيرَيْنِ خَلَاصِيَّيْنِ: تَدْبِيرِ الشَّرِيعَةِ، وَتَدْبِيرِ النِّعْمَةِ وَالحَقِّ، مِنْ دُونِ أَنْ تَضَعَهُمَا فِي تَعَارُضٍ، بَلْ فِي تَتَابُعٍ وَاكْتِمَالٍ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يَسُوعَ المَسِيحِ" فَتَجْمَعُ بَيْنَ لَقَبَيْنِ خَلَاصِيَّيْنِ: يَسُوع، أَيِ المُخَلِّص، وَالمَسِيح، أَيِ المَمْسُوحُ مِنَ اللهِ لِإِتْمَامِ عَمَلِ الفِدَاءِ. وَهَكَذَا تُوَضِّحُ الآيَةُ الفَرْقَ الجَوْهَرِيَّ بَيْنَ شَرِيعَةِ مُوسَى وَنِعْمَةِ يَسُوعَ. كَانَ مُوسَى رَمْزًا لِلْمَسِيحِ: فَكَمَا أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، رَافِضًا مَجْدَ العَالَمِ، كَذَلِكَ أَبَى المَسِيحُ أَنْ يَقْبَلَ مَمَالِكَ العَالَمِ رَافِضًا شُرُوطَ الشَّيْطَانِ. وَكَمَا كَانَ مُوسَى مُحَرِّرًا لِشَعْبِهِ مِنْ عُبُودِيَّةِ مِصْرَ، هَكَذَا يُحَرِّرُ المَسِيحُ تَابِعِيهِ مِنْ عُبُودِيَّةِ الخَطِيئَةِ. وَإِذْ أَنْشَأَ مُوسَى نَامُوسَ الوَصَايَا الجَسَدِيَّةِ، فَقَدْ وَهَبَ يَسُوعُ نَامُوسَ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ مُوسَى نَبِيًّا، فَالمَسِيحُ نَبِيٌّ أَعْظَمُ مِنْهُ؛ وَإِنْ كَانَ مُوسَى وَسِيطًا بَيْنَ اللهِ وَشَعْبِ إِسْرَائِيلَ، فَالمَسِيحُ هُوَ الوَسِيطُ الوَاحِدُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ. وَلِذَلِكَ، فَالَّذِينَ يَغْلِبُونَ يُرَنِّمُونَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى وَالحَمَلِ مَعًا (رُؤْيَا 15: 3)، لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ وَالإِنْجِيلَ تَلْتَقِيَانِ فِي خِطَّةِ الخَلَاصِ. غَايَةُ الشَّرِيعَةِ أَنْ تُبَيِّنَ لِلإِنْسَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ، أَمَّا غَايَةُ النِّعْمَةِ وَالحَقِّ فَهِيَ أَنْ تُعْلِنَ لَنَا مَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ أَجْلِنَا.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحَدٌ قَطّ" إِلَى عَجْزِ الإِنْسَانِ، بِقُدْرَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، عَنْ الوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ مُبَاشَرَةً. فَاللهُ يَتَجَاوَزُ إِدْرَاكَ العُقُولِ وَمَجَالَ الحِسِّ، وَلا يَقْدِرُ الإِنْسَانُ أَنْ يَرَاهُ مَهْمَا بَلَغَ مِنْ حِكْمَةٍ أَوْ جُهْدٍ. وَهَذَا مَا أَكَّدَهُ مُوسَى لِلشَّعْبِ قَائِلًا: "كَلَّمَكُمُ الرَّبُّ مِنْ وَسَطِ النَّارِ، فَكُنْتُمْ تَسْمَعُونَ صَوْتَ الكَلَامِ، وَلَمْ تَرَوْا صُورَةً، بَلْ كَانَ هُنَاكَ صَوْتٌ فَقَط"(تَثْنِيَةُ الاِشْتِرَاعِ 4: 12). فَالإِنْسَانُ لا يَرَى اللهَ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، بَلْ يَطْمَحُ إِلَى ذَلِكَ فَقَطْ، كَمَا يَظْهَرُ فِي طَلَبِ فِيلِبُّسَ مِنْ يَسُوعَ: "يَا رَبُّ، أَرِنَا الآبَ وَحَسْبُنَا" (يُوحَنَّا 14: 8). وَلَا أَحَدَ مِنَ البَشَرِ وَلَا مِنَ المَلَائِكَةِ عَرَفَ اللهَ حَقَّ المَعْرِفَةِ، لِأَنَّ رُؤْيَةَ اللهِ ضَرُورِيَّةٌ لِكَمَالِ المَعْرِفَةِ. فَمُوسَى لَمْ يَرَ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ (خُرُوج 33: 20)، وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَالأَنْبِيَاءُ، لِذَلِكَ لَمْ يُعْلِنُوا إِلَّا مَا أُعْلِنَ لَهُمْ بِالوَحْيِ وَالرُّؤْيَا، كَمَا يَقُولُ كِتَابُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "إِنَّ اللهَ، بَعْدَمَا كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيمًا بِالأَنْبِيَاءِ، مَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَبِوُجُوهٍ كَثِيرَة" (عِبْرَانِيِّينَ 1: 1).
أَمَّا عِبَارَةُ "الاِبْنُ الوَحِيدُ الَّذِي فِي حِضْنِ الآبِ" فَتُشِيرُ إِلَى يسوع المسيح، الاِبْنِ الوَحِيدِ، الَّذِي وَحْدَهُ قَادِرٌ أَنْ يُعْلِنَ اللهَ، لِأَنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ، وَكَانَ عِنْدَ اللهِ مُنْذُ الأَزَلِ، وَيَعْرِفُ أَفْكَارَ الآبِ وَمَقَاصِدَهُ مَعْرِفَةً جَوْهَرِيَّةً. وَهَذَا مَا يُؤَهِّلُهُ لِلإِعْلَانِ الحَقِيقِيِّ، كَمَا صَرَّحَ لِنِيقُودِيمُسَ قَائِلًا: "الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِمَا نَعْلَمُ، وَنَشْهَدُ بِمَا رَأَيْنَا" (يُوحَنَّا 3: 11). فَالْمَسِيحُ يُشَارِكُ الآبَ الطَّبِيعَةَ الإِلَهِيَّةَ، وَهُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ أَنْ يَقُودَ البَشَرَ إِلَى مَعْرِفَةِ الآبِ وَالاِتِّحَادِ بِهِ. وَلَقَدْ أَوْحَى يَسُوعُ بِالآبِ، لَا بِكَلَامٍ فَقَطْ، بَلْ بِحَيَاتِهِ، وَأَعْمَالِهِ، وَتَعْلِيمِهِ، وَمَسِيرَتِهِ كُلِّهَا.
وَتُعَبِّرُ عِبَارَةُ "فِي حِضْنِ الآبِ" عَنْ أَعْمَقِ عِلَاقَةِ مَحَبَّةٍ وَشَرِكَةٍ وَوَحْدَةٍ بَيْنَ الآبِ وَالاِبْنِ؛ فَهِيَ عِلَاقَةُ قُرْبٍ وَمُشَارَكَةٍ فِي العَوَاطِفِ وَالأَفْكَارِ وَالمَجْدِ وَالسَّعَادَةِ الإِلَهِيَّةِ. فَالمَسِيحُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِنَاسُوتِهِ عَلَى الأَرْضِ، كَانَ بِلَاهُوتِهِ فِي حِضْنِ الآبِ، كَمَا هُوَ مُنْذُ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ" إِلَى أَنَّ يَسُوعَ هُوَ المُفَسِّرُ الأَوْحَدُ لِسِرِّ اللهِ، وَالمُعْلِنُ الحَقِيقِيُّ لِوَجْهِ الآبِ. فَلِأَنَّهُ وَحْدَهُ رَأَى اللهَ، وَحْدَهُ يَقْدِرُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْهُ. وَلِأَنَّهُ الرَّبُّ (يُوحَنَّا 1: 18)، وَسَكَنَ بَيْنَنَا (يُوحَنَّا 1: 14)، وَاتَّخَذَ جَسَدَنَا، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ حَيَاةُ اللهِ وَحَيَاةُ البَشَرِ فِي حَيَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَهَكَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ المَسِيحَ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ بِأَزَلِيَّتِهِ وَسُلْطَانِ إِعْلَانِهِ، وَأَعْظَمُ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ نَاقِلَ وَحْيٍ فَقَطْ، بَلْ هُوَ الوَحْيُ نَفْسُهُ. لِذَلِكَ، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَّخِذَهُ مُعَلِّمًا وَنَبِيًّا وَرَبًّا، وَأَنْ نَتَأَمَّلَ فِي كَلَامِهِ، وَنَسْأَلَهُ الإِرْشَادَ، لِأَنَّهُ كَمَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ أَشَعْيَاءُ: "عَجِيبًا مُشِيرًا، إِلَهًا جَبَّارًا، أَبَا الأَبَدِ، رَئِيسَ السَّلَامِ" (أَشَعْيَاءُ 9: 5). وَيُمْكِنُ أَنْ نَخْتَصِرَ نَشِيدَ مُقَدِّمَةِ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا فِي ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ وَمُتَكَامِلَةٍ:
أَوَّلًا: مُسْتَوَى الْوَحْيِ: فِي هَذَا الْمُسْتَوَى يَكْشِفُ اللهُ عَنْ ذَاتِهِ لِلْإِنْسَانِ. فَالْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ تُعْلِنُ الْآبَ، وَالنُّورُ يُبَدِّدُ الظُّلْمَةَ، وَالشَّهَادَةُ تَقُودُ إِلَى الْحَقِّ، وَالْحَقُّ يُدْخِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَيَبْلُغُ هَذَا الْوَحْيُ ذِرْوَتَهُ فِي الْإِعْلَانِ الْخِتَامِيِّ: "إِنَّ اللهَ مَا رَآهُ أَحَدٌ قَطُّ، الاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي فِي حِضْنِ الْآبِ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ" (يُوحَنَّا 1: 18). فَالْمَسِيحُ هُوَ الْكَاشِفُ النِّهَائِيُّ لِلْآبِ، لَا بِوَحْيٍ جُزْئِيٍّ، بَلْ بِمَعْرِفَةٍ شَخْصِيَّةٍ وَحَمِيمِيَّةٍ.
ثَانِيًا: مُسْتَوَى الْخَلَاصِ: هُنَا يَنْتَقِلُ النَّشِيدُ مِنْ إِعْلَانِ اللهِ إِلَى فِعْلِ عَطَائِهِ. فَفِي الْكَلِمَةِ الْمُتَجَسِّدِ نَجِدُ الْحَيَاةَ، وَالنِّعْمَةَ، وَالْكَمَالَ، وَالْقُوَّةَ، وَالتَّبَنِّيَ الْبَنَوِيَّ. إِنَّهُ فَيْضٌ إِلَهِيٌّ لَا يَنْضَبُ، يَهَبُ الْإِنْسَانَ مُشَارَكَةً فِي مِلْءِ اللهِ نَفْسِهِ، كَمَا تَشْهَدُ الْآيَةُ: "فَمِنْ مِلْئِهِ نِلْنَا بِأَجْمَعِنَا، وَقَدْ نِلْنَا نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ" (يُوحَنَّا 1: 16). فَالْخَلَاصُ لَيْسَ مُجَرَّدَ غُفْرَانٍ، بَلْ دُخُولٌ فِي مِلْءِ الْحَيَاةِ الْإِلَهِيَّةِ.
ثَالِثًا: مُسْتَوَى الْإِيمَانِ: وَأَخِيرًا، يَبْلُغُ النَّشِيدُ بُعْدَهُ الْوُجُودِيَّ فِي جَوَابِ الْإِنْسَانِ الْحُرِّ. فَالْوَحْيُ يَدْعُو، وَالْخَلَاصُ يُعْطَى، أَمَّا الْإِيمَانُ فَهُوَ الْقَبُولُ الشَّخْصِيُّ الَّذِي يُحَوِّلُ الْإِنْسَانَ إِلَى ابْنٍ لِلَّهِ. وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ بِوُضُوحٍ فِي الْإِعْلَانِ: "أَمَّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ، فَقَدْ مَكَّنَهُمْ أَنْ يَصِيرُوا أَبْنَاءَ اللهِ" (يُوحَنَّا 1: 12). وَهَكَذَا تَتَكَامَلُ هَذِهِ الْمُسْتَوَيَاتُ الثَّلَاثَةُ فِي نَشِيدٍ وَاحِدٍ: وَحْيٌ يُعْلِنُ الْآبَ، وَخَلَاصٌ يُفِيضُ الْحَيَاةَ، وَإِيمَانٌ يُحَوِّلُ الْإِنْسَانَ إِلَى ابْنٍ فِي الِابْنِ.
ثانيًا: تطبيقات النَّصّ الإنجيلي (يوحنا 1: 1–18)
بعد دراسةٍ موجزةٍ لوقائع النَّصّ الإنجيلي وتحليله (يوحنا 1: 1–18)، نستنتج أنّ هذا النشيد اللاهوتي يتمحور حول حقيقةٍ إيمانيّةٍ أساسيّة، وهي أنّ المسيح هو “كلمة” الله: الكائن الأزلي، غير المخلوق، الذي صار بشرًا، ليُدخل البشر في بنوّةٍ جديدةٍ لله. إنّه الكلمة الذي يعمل في الخليقة كما في التاريخ، ويكشف أنّ الخلق والتجسّد ليسا حدثين منفصلين، بل مرحلتين في تدبيرٍ خلاصيٍّ واحد. ومن هنا، تنفتح أمامنا ثلاثة محاور مترابطة: علاقة الكلمة بالوجود، وبالخليقة، وبالتاريخ والتجسّد.
أَوَّلًا: الكَلِمَةُ وَالوُجُودُ (يوحنّا 1: 1–2)
في افتتاحِ سِفرِ التَّكوين، نقفُ أَمامَ فِعلِ اللهِ الخلّاق: "فِي البَدءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض" (التكوين 1: 1).
أمّا في مُقَدِّمَةِ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، فلا نُواجِهُ بَدَايَةَ الخَلْق، بل سِرَّ ما قَبْلَ كُلِّ بَدَايَة: "فِي البَدءِ كَانَ الكَلِمَة"(يوحنّا 1: 1).
يرى القديس أوغسطينوس أنّ عبارةَ "فِي البَدءِ كَانَ الكَلِمَة» لا تُشيرُ إلى بَدَايَةٍ زَمَنِيَّة، بل إلى بَدَايَةٍ سَرْمَدِيَّة، حيثُ لا يُقاسُ الوُجُودُ بالزَّمَن، بل بالثَّبَاتِ في الله. فيقول: "إِنَّ البَدْءَ لَيْسَ زَمَنًا، بَلْ هُوَ الكَلِمَةُ نَفْسُهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ كُلِّ زَمَان، وَبِهِ صُنِعَ الزَّمَان"(العِظات على إِنْجِيلِ يُوحَنَّا). ويُضيفُ موضِّحًا العَلاقةَ بين الكَلِمَةِ والوُجُود: "إِنْ سَأَلْتَ: مَتَى بَدَأَ الكَلِمَةُ؟ فَأَجِبْ: لَمْ يَبْدَأ، لأَنَّهُ البَدْءُ الَّذِي بِهِ بَدَأَ كُلُّ شَيْء". فالكَلِمَةُ، بحسب هذا الفهم، ليسَ واحِدًا مِنَ الموجودات، بل هو الَّذي به وُجِدَتْ كُلُّ الموجودات، وهو الضَّامِنُ لاسْتِمْرَارِيَّةِ الوُجُودِ ذَاتِهِ.
ويُعلِّقُ أثناسيوس الرسولي قائلاً:"إِذَا كَانَ الكَلِمَةُ مَخْلُوقًا، فَكَيْفَ يَخْلُقُ؟ وَإِذَا كَانَ زَمَنِيًّا، فَكَيْفَ يَهَبُ الحَيَاةَ؟" فالإنجيلي لا يتحدّثُ عن الكَلِمَةِ ككائنٍ نَشَأَ مَعَ الخَلْق، بل كوجودٍ سابِقٍ له، حاضِرٍ مُنذُ الأَزَل. وهذا ما يَتَّسِقُ مع التَّقليدِ الحِكْمِيّ في العَهْدِ القَدِيم، حيثُ تقولُ الحِكْمَة: "مُنذُ الأَزَلِ أُقِمْتُ، مِنَ الأَوَّلِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ كَانَتِ الأَرْض" (الأمثال 8: 23).
يُشيرُ هذا التوازي الكتابي إلى أنّ الكَلِمَةَ هو كائِنٌ غَيْرُ مَخْلُوق، أَزَلِيُّ الوُجُود، لا يَخْضَعُ لِلزَّمَن ولا تَحُدُّهُ بَدَايَات. فوجودُه ليس ناتجًا عن فِعلِ الخَلْق، بل هو شَرْطُ إِمْكَانِيَّتِهِ. ولذلك يقولُ يُوحَنَّا: "وكانَ الكَلِمَةُ لَدَى الله"، أي في عَلاقةٍ حَيَّة، وشَرِكَةٍ أَزَلِيَّةٍ مع الله الآب. ويُعلِّقُ كيرلس الإسكندري قائلاً: "لَمْ يَقُلِ الإِنْجِيلُ إِنَّ الكَلِمَةَ كَانَ فِي اللهِ فَقَط، بَلْ كَانَ لَدَى الله، أَيْ فِي شَرِكَةٍ حَيَّةٍ، وَعَلَاقَةٍ شَخْصِيَّة". ويُضيف: "الكَلِمَةُ لَيْسَ غَرِيبًا عَنِ الآب، بَلْ هُوَ مِنْ جَوْهَرِهِ، يَسْكُنُ فِيهِ سُكْنَى أَزَلِيَّة". وبذلك يُؤكِّدُ كيرلس أنّ الوُجُود، في جَذْرِهِ الأَعْمَق، هو وُجُودٌ قائِمٌ على الشَّرِكَة، وأنّ الله ليس وَحْدَةً مُنْغَلِقَة، بل حَيَاةً مُتَبَادِلَةً تُفِيضُ الوُجُودَ على الخَلِيقَة. وهكذا، لا يُقَدِّمُ يُوحَنَّا مُجَرَّدَ تَأَمُّلٍ فَلْسَفِيٍّ في "المَبْدَإِ الأَوَّل"، بل إِعْلَانًا إِيمَانِيًّا جَرِيئًا: إِنَّ الوُجُودَ نَفْسَهُ قائِمٌ على عَلاقَة، وَإِنَّ أَصْلَ الكَيْنُونَةِ لَيْسَ الصَّمْتَ بَلِ الكَلِمَة، وَلَيْسَ العُزْلَةَ بَلِ الشَّرِكَة.
ثانِيًا: الكَلِمَةُ وَالخَلْقُ (يوحنّا 1: 3–5)
المَصْدَرُ الأَسَاسِيُّ لِلْخَلْقِ هُوَ الآبُ، فَهُوَ المَبْدَأُ الأَوَّلُ الَّذِي يَنْبَعُ مِنْهُ كُلُّ وُجُود، وَالخَلْقُ هُوَ أَوَّلُ عَمَلٍ إِلَهِيٍّ وَأَوَّلُ تَعْبِيرٍ لِلَّهِ خَارِجَ ذَاتِهِ، فَيْضٌ حُرٌّ لِلْكَيْنُونَةِ وَالْحَيَاة. وَإِذْ يَحْرِصُ الإِيمَانُ الْمَسِيحِيُّ عَلَى تَأْكِيدِ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ فِي الْخَلْق، فَإِنَّهُ يُقِرُّ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّ الْخَلْقَ تَمَّ بِالِابْنِ، أَيْ بِـ"الْكَلِمَة"، لَا كَعَامِلٍ وَسِيطٍ مُسْتَقِلٍّ، بَلْ كَتَعْبِيرٍ أَزَلِيٍّ عَنْ فِعْلِ الآبِ. لِذَلِكَ يُعْلِنُ يُوحَنَّا بِحَزْمٍ لَاهُوتِيٍّ: "بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْء، وَبِدُونِهِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِمَّا كَان" (يوحنّا 1: 3). فَالْكَلِمَةُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنَ الْمَوْجُودَات، بَلْ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ الْخَلِيقَةَ فِي وُجُودِهَا. وَهُنَا يُوَضِّح أثناسيوس الرسولي أَنَّ الْكَلِمَةَ لَا يَخْلُقُ مِنْ خَارِجٍ، بَلْ يُقِيمُ الْخَلِيقَةَ فِي الْوُجُودِ، فَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِلْحَيَاة، وَلَعَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى الْعَدَمِ بِغِيَابِهِ. وَيَتَّسِقُ هَذَا الإِعْلَانُ مَعَ الشَّهَادَةِ الرَّسُولِيَّةِ، إِذْ يَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ: "وَبِهِ أَنْشَأَ الْعَالَمِينَ" (عبرانيين 1: 2)، وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ الْخَلْقَ بِأَسْرِهِ، الْمَرْئِيَّ وَغَيْرَ الْمَرْئِيِّ، قَدْ تَحَقَّقَ فِي الْمَسِيحِ وَبِهِ:"فَفِيهِ خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، مِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمِمَّا فِي الأَرْض" (قولسي 1: 16).
أَمَّا قَوْلُ الإِنْجِيلِ: "وَبِدُونِهِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِمَّا كَان"، فَلَا يَحْمِلُ مَعْنًى كَوْنِيًّا فَحَسْب، بَلْ يَكْشِفُ حَقِيقَةً وُجُودِيَّة: لَا حَيَاةَ، وَلَا مَعْنًى، وَلَا اكْتِمَالَ لِلإِنْسَانِ خَارِجَ الْكَلِمَةِ. فَالْكَلِمَةُ هُوَ مَصْدَرُ الْوُجُودِ، وَمِنْ ثَمَّ هُوَ نَبْعُ الْحَيَاة. وَلِذَلِكَ يُتَابِعُ يُوحَنَّا قَائِلًا: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاة، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاس" (يوحنّا 1: 4).
فَحَيَاةُ الْمَسِيحِ لَا تَمْنَحُ الْوُجُودَ فَقَط، بَلْ تَكْشِفُهُ وَتُنِيرُهُ. وَيُبَيِّنُ القديس أوغسطينوس أَنَّ نُورَ الْمَسِيحِ لَا يُنِيرُ الطَّرِيقَ وَحْدَهُ، بَلْ يَكْشِفُ الْقَلْبَ، فَفِي هَذَا النُّورِ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ حَقِيقَتَهُ، وَيَكْتَشِفُ خَطِيئَتَهُ، وَيُدْرِكُ حَاجَتَهُ إِلَى الْمُخَلِّص. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا النُّورَ يَدْخُلُ فِي تَوَتُّرٍ مَعَ الظُّلْمَةِ الرُّوحِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْ عِصْيَانِ الإِنْسَانِ وَجَهْلِهِ، كَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَة، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يوحنّا 1: 5). وَيُفَسِّرُ كيرلس الإسكندري هَذِهِ الْعِبَارَةَ بِأَنَّ الظُّلْمَةَ لَا تَمْلِكُ قُوَّةً تُنَافِسُ النُّور، بَلْ هِيَ حَالَةُ عَمًى رُوحِيٍّ وَرَفْضٍ دَاخِلِيٍّ لِلْحَقّ، أَمَّا النُّورُ فَيَبْقَى سَاطِعًا وَفَاعِلًا، وَإِنْ لَمْ يُقْبَل". لِذَلِكَ، يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ إِلَى أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُنَا، وَأَنَّهُ بِدُونِهِ، وَبَعِيدًا عَنْ نُورِ كَلِمَتِهِ، لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُتَمِّمَ الْمُخَطَّطَ الَّذِي وَضَعَهُ لِحَيَاتِنَا. فَالْخَلِيقَةُ لَا تَحْيَا إِلَّا إِذَا ثَبَتَتْ فِي مَصْدَرِهَا، وَالإِنْسَانُ لَا يَبْلُغُ مِلْءَ دَعْوَتِهِ إِلَّا إِذَا سَكَنَ فِي نُورِ الْكَلِمَةِ.
ثالِثًا: الكَلِمَةُ وَالتَّارِيخُ (يوحنّا 1: 6–13)
بَعْدَ أَنْ وَصَفَ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ "الكَلِمَة" كَائِنًا أَزَلِيًّا، وَبِهِ خُلِقَ العَالَم، يَنْتَقِلُ الآن إِلَى إِظْهَارِ عَلاَقَتِهِ بِالتَّارِيخِ البَشَرِيّ، لَا كَمَسَارٍ عَرَضِيّ، بَلْ كَمَسْرَحٍ لِتَدَخُّلِ اللهِ وَإِعْلَانِهِ الخَلَاصِيّ. فَالَّذِي هُوَ فَوْقَ الزَّمَن، دَخَلَ الزَّمَنَ، وَالَّذِي هُوَ أَزَلِيٌّ، قَبِلَ أَنْ يُعْرَفَ فِي مَسِيرَةِ التَّارِيخ.
وَلِذَلِكَ يُقَدِّمُ الإِنْجِيلُ شَخْصِيَّةَ يُوحَنَّا المَعْمَدَان بُوصْفِهِ أَوَّلَ شَاهِدٍ تَارِيخِيٍّ لِلنُّور: "كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ الله، اسْمُهُ يُوحَنَّا… جَاءَ لِلشَّهَادَة، لِيَشْهَدَ لِلنُّور" (يوحنّا 1: 6–7). فَيُوحَنَّا المَعْمَدَان لَا يَشْغَلُ مَرْكَزَ التَّارِيخ، بَلْ يُحِيلُ إِلَى مَرْكَزِهِ؛ وَلَا يَجْذِبُ النَّاسَ إِلَى ذَاتِهِ، بَلْ يَقُودُهُمْ إِلَى الإِيمَانِ بِالشَّخْصِ الآتِي إِلَى العَالَم.
وَهُنَا يُوَضِّحُ القديس أوغسطينوس أَنَّ يُوحَنَّا هُوَ "الصَّوْت"، لَا "الكَلِمَة"، لِأَنَّ الصَّوْتَ يَظْهَرُ فِي الزَّمَن وَيَزُول، أَمَّا الكَلِمَةُ فَبَاقِيَة؛ وَالصَّوْتُ يُهَيِّئُ، أَمَّا الكَلِمَةُ فَتُخَلِّص. فَهُوَ شَاهِدٌ لِلنُّور، لَا النُّورُ ذَاتُهُ، وَبِهَذِهِ الشَّهَادَةِ يَخْضَعُ التَّارِيخُ لِأَوْلَوِيَّةِ الكَلِمَةِ، لَا لِعَظَمَةِ الشُّهُود.
ثُمَّ يُعْلِنُ الإِنْجِيلُ أَنَّ "النُّورَ الحَقِيقِيّ" قَدْ دَخَلَ العَالَمَ الَّذِي خُلِقَ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ "العَالَمُ لَمْ يَعْرِفْهُ" (يوحنّا 1: 10). فَالمَفَارَقَةُ التَّارِيخِيَّةُ الصَّادِمَةُ تَكْمُنُ فِي أَنَّ الخَالِقَ وَجَدَ نَفْسَهُ مَرْفُوضًا مِنَ المَخْلُوقِين، وَأَنَّ مَنْ أَعْطَى النُّورَ وُوجِهَ بِالعَمَى. وَيَتَعَمَّقُ هَذَا الرَّفْضُ أَكْثَرَ عِنْدَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلُ:"إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يوحنّا 1: 11). فَإِسْرَائِيل، شَعْبُ العَهْدِ وَالمَوَاعِيد، الَّذِي هَيَّأَهُ اللهُ بِالشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ، لَمْ يَتَعَرَّفْ إِلَى تَحَقُّقِ الوَعْدِ. وَهُنَا تَظْهَرُ مَأْسَاةُ التَّارِيخ: أَنْ يَمُرَّ اللهُ فِي وَسَطِ شَعْبِهِ وَلَا يُدْرَك، وَأَنْ يَتَكَلَّمَ الكَلِمَةُ وَلَا يُصْغَى إِلَيْهَا. وَيُعَلِّقُ كيرلس الإسكندري " "أَنَّ هَذَا الرَّفْضَ لَا يُبْطِلُ قُوَّةَ النُّور، بَلْ يَكْشِفُ حُرِّيَّةَ الإِنْسَان؛ فَاللهُ يَدْخُلُ التَّارِيخَ مُتَوَاضِعًا، لَا قَاهِرًا، وَيَعْرِضُ الخَلَاصَ دُونَ أَنْ يَفْرِضَهُ".
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّفْضَ لَيْسَ الكَلِمَةَ الأَخِيرَ فِي التَّارِيخ. فَيُوحَنَّا يُعْلِنُ بِفَرَحٍ: "أَمَّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَبْنَاءَ الله"(يوحنّا 1: 12). فَقُبُولُ الكَلِمَةِ يَفْتَحُ بَدَايَةً جَدِيدَةً لِلإِنْسَان، لَا عَلَى أَسَاسِ الوِلَادَةِ الجَسَدِيَّةِ، "«لَا مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل"، بَلْ مِنْ وِلَادَةٍ جَدِيدَةٍ "مِنَ الله" (يوحنّا 1: 13).
وَيُوَضِّحُ القديس أثناسيوس الرسولي أَنَّ هَذِهِ البُنُوَّةَ لَيْسَتْ لَقَبًا أَخْلَاقِيًّا أَوْ مَكَانَةً رَمْزِيَّة، بَلْ اشْتِرَاكٌ حَقِيقِيٌّ فِي حَيَاةِ الله، فَالِابْنُ صَارَ ابْنَ إِنْسَانٍ لِكَيْ يَصِيرَ الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ بِالنِّعْمَة. إِنَّ هَذِهِ البَدَايَةَ الجَدِيدَةَ فِي التَّارِيخِ مُتَاحَةٌ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِالمَسِيح، لِأَنَّهُ جَاءَ إِلَى العَالَم لِيَهَبَ البَشَرِيَّةَ رَجَاءَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ وَنُورَهَا؛ حَيَاةً لَا تُبَاعُ وَلَا تُشْتَرَى، بَلْ تُعْطَى كَهِبَةٍ لِمَنْ يَقْبَلُ أَنْ يَحْيَا كَابْنٍ لِله، وَيَسِيرَ فِي نُورِ مَلَكُوتِهِ. وَكَأَبْنَاءِ الله، يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ أَنْ نَتَخِذَ مَوْقِفَ يُوحَنَّا المَعْمَدَان نَفْسَهُ: أَنْ نَكُونَ شُهُودًا لِلنُّور دُونَ أَنْ نَدَّعِي أَنَّنَا النُّور، أَنْ نَعْكِسَ نُورَ المَسِيحِ فِي العَالَم، وَأَنْ نُوَجِّهَ النَّاسَ دَائِمًا إِلَى النُّورِ الحَقِيقِيّ الَّذِي دَخَلَ التَّارِيخَ لِيُجَدِّدَهُ مِنَ الدَّاخِل.
رابِعًا: الكَلِمَةُ وَالتَّجَسُّدُ (يوحنّا 1: 14–18)
فَهُنَا لَا يَكْتَفِي الكَلِمَةُ بِأَنْ يُعْلِنَ اللهَ بواسِطَةِ نَبِيٍّ، بَلْ يَدْخُلُ هُوَ نَفْسُهُ فِي مَجْرَى التَّارِيخِ، وَيَسْكُنُ بَيْنَ البَشَرِ سُكْنَى حَقِيقِيَّة. وَفِي هٰذَا يَقُولُ القدّيس إيريناؤس: "لم يأتِ الكلمة ليُخاطِب الإنسان من بعيد، بل ليصير قريبًا منه، لأنّ ما لم يتّخذه لم يُشفَ"، مُؤكِّدًا أنّ التجسّد هو ذروة تدبير الخلاص، حيث يشفي الله الإنسان من الداخل باتّحاده به.
إِنَّهُ سِرُّ التَّجَسُّدِ، حَيْثُ يَقْتَرِبُ اللهُ مِنَ الإِنْسَانِ اقْتِرَابًا جِذْرِيًّا، لَا رَمْزِيًّا وَلَا خَيَالِيًّا، بَلْ وُجُودِيًّا وَتَارِيخِيًّا، إِلَى حَدٍّ يُمْكِنُ فِيهِ رُؤْيَتُهُ وَلَمْسُهُ وَاخْتِبَارُهُ فِي وَاقِعِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّة. وَعَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ يَقُولُ القدّيس كيرلس الإسكندري: "الكلمة لم يسكن في إنسانٍ كما في نبيّ، بل صار هو نفسه إنسانًا، لكي يكون اتحادُنا بالله اتحادًا حقيقيًا لا مجرّد مشاركة خارجيّة". لِذٰلِكَ يَشْهَدُ الرَّسُولُ يُوحَنَّا قَائِلًا: "الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي تَأَمَّلْنَاهُ وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا…" (1 يُوحَنَّا 1: 1)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الإِيمَانَ المَسِيحِيَّ لَا يَقُومُ عَلَى فِكْرَةٍ أَوْ فَلْسَفَةٍ، بَلْ عَلَى لِقَاءٍ مَعَ شَخْصٍ مَحْسُوسٍ دَخَلَ التَّارِيخَ.
فَبَعْدَ أَنْ كَانَ الكَلِمَةُ فِي الأَزَلِ، وَبِهِ خُلِقَ العَالَمُ، وَظَهَرَ فِي التَّارِيخِ شَاهِدًا لَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الأَنْبِيَاءِ، يَدْخُلُ الآنَ الزَّمَنَ دُخُولًا حَاسِمًا، لَا بِظُهُورٍ عَابِرٍ أَوْ تَجَلٍّ رَمْزِيٍّ، بَلْ بِأَنْ يَصِيرَ إِنْسَانًا حَقِيقِيًّا. وَفِي هٰذَا يُعَلِّقُ القدّيس أثناسيوس قَائِلًا: "صار الكلمة إنسانًا، لا لكي ينقص ما هو إلهيّ، بل لكي يرفع ما هو بشريّ"، مُبيِّنًا أنّ التجسّد هو فعل محبّة خلاصيّة لا تنازل لاهوتي. وَيَخْتِمُ القدّيس أوغسطينوس هٰذَا السِّرَّ بِقَوْلِهِ: "سكن بيننا، لا ليُغَيِّرَ ما هو عليه، بل ليُغَيِّرَ ما نحن عليه"، فَيُظْهِرُ أَنَّ سُكْنَى اللهِ بَيْنَ البَشَرِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حُضُورٍ، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى تَجَدُّدِ الإِنْسَانِ وَرَفْعِهِ إِلَى شَرِكَةِ الحَيَاةِ الإلهية.
فَالأَنْبِيَاءُ حَمَلُوا كَلِمَاتِ الله، أَمَّا هُنَا فَإِنَّ الكَلِمَةَ نَفْسَهُ يَتَجَسَّد. لَيْسَ الأَمْرُ تَأَلُّهَ إِنْسَانٍ، بَلْ تَأَنُّسَ الإِلَهِ؛ فَالْمَسِيحُ لَمْ يَصِرْ إِلَهًا بَعْدَ أَنْ كَانَ إِنْسَانًا، بَلْ كَانَ إِلَهًا فَصَارَ إِنْسَانًا. وَهُنَا يُؤَكِّدُ الإِيمَانُ المَسِيحِيُّ أَنَّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّجَسُّدِ ابْنَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ الأَزَلِيَّة، صَارَ بَعْدَ التَّجَسُّدِ ابْنَ الإِنْسَانِ، ابْنَ مَرْيَمَ، دُونَ أَنْ يَفْقِدَ بُنُوَّتَهُ الإِلَهِيَّة. فَهُوَ بَعْدَ التَّجَسُّدِ ابْنُ اللهِ وَابْنُ الإِنْسَانِ مَعًا.
وَبِهَذَا، يُقِرُّ الإِنْجِيلُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ إِلَهٌ كَامِلٌ وَإِنْسَانٌ كَامِلٌ، ذُو طَبِيعَتَيْنِ، إِلَهِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ، مُتَّحِدَتَيْنِ فِي أُقْنُومٍ وَاحِدٍ، دُونَ اخْتِلَاطٍ وَلَا انْفِصَال. وَيُوَضِّحُ كيرلس الإسكندري: "أَنَّ اتِّحَادَ الطَّبِيعَتَيْنِ فِي الْمَسِيحِ لَمْ يَنْزِعِ اللاَّهُوتَ، بَلْ أَخْفَى مَجْدَهُ ظَاهِرِيًّا، إِلَّا فِي لَحَظَاتِ التَّجَلِّي وَالمُعْجِزَات، لِيُثْبِتَ الرِّسَالَةَ، وَلِيَجْعَلَ الطَّاعَةَ وَالأَلَمَ حَقِيقِيَّيْنِ. وَبِفَضْلِ هَذَا الاتِّحَادِ، صَارَتْ آلاَمُ الْمَسِيحِ ذَاتَ قِيمَةٍ خَلَاصِيَّةٍ لَا حَدَّ لَهَا، لأَنَّ الَّذِي تَأَلَّمَ هُوَ الرَّبُّ نَفْسُهُ فِي نَاسُوتِهِ".
وَتَحَقَّقَ هَذَا التَّجَسُّدُ عَبْرَ وِلَادَةِ الْمَسِيحِ مِنْ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ، الَّتِي حَبِلَتْ بِهِ لَيْسَ بِطَرِيقَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. وَمَعَ أَنَّهُ صَارَ مِثْلَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بِلَا خَطِيئَة، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ: "ذَاكَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفِ الخَطِيئَة" (2 قورنتس 5: 21)، وَ "لَقَدِ امْتُحِنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَنَا مَا عَدَا الخَطِيئَة"(عبرانيين 4: 15).
وَيُشَدِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَلَى كَمَالِ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ قَائِلًا: "فِيهِ يَحِلُّ جَمِيعُ كَمَالِ الأُلُوهِيَّةِ حُلُولًا جَسَدِيًّا" (قُولُسِّي 2: 9). فَالْمَسِيحُ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا إِلٰهًا وَجُزْءًا إِنْسَانًا، وَلَمْ يَبْدَأْ وُجُودُهُ عِنْدَ مِيلَادِهِ، بَلْ هُوَ أَزَلِيُّ الوُجُودِ، كَائِنٌ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُور. وَبِمِيلَادِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَا هُوَ عَلَيْهِ، بَلْ أَعْلَنَ مَا هُوَ عَلَيْهِ: ظُهُورَ اللهِ السَّامِي فِي قَلْبِ البَشَرِيَّةِ. وَفِي هٰذَا يَقُولُ القدّيس أثناسيوس: "لم يَصِرِ الكلمةُ إلهًا عندما وُلد، بل وُلد لأنّه إله، فجاء إلينا كما هو، لكي نُرفَع نحن إليه". لِذٰلِكَ، لَا يَسْعَى يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ إِلَى شَرْحِ "سَبَب" التَّجَسُّدِ بِمَنْطِقٍ فِلْسَفِيٍّ، بَلْ يَدْعُونَا إِلَى الدُّخُولِ فِي سِرِّهِ: أَنْ نَجْمَعَ بَيْنَ تَارِيخِنَا، كَمَا هُوَ بِضَعْفِهِ وَجِرَاحِهِ، وَبَيْنَ تَارِيخِ الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ، لِيُصْبِحَ تَارِيخُنَا نَفْسُهُ جُزْءًا مِنْ حَيَاةِ اللهِ. وَعَلَى هٰذَا يَقُولُ القدّيس أغسطينوس: "دَخَلَ اللهُ زَمَنَنَا، لِكَيْ يَدْخُلَ زَمَنُنَا فِي أَبَدِيَّتِهِ".
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُقَدِّمُ القديس أوغسطينوس تَأَمُّلًا عَمِيقًا يُقَرِّبُ سِرَّ التَّجَسُّدِ إِلَى الإِيمَانِ، فَيُبَيِّنُ "أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُدْرِكَ الابْنَ المَوْلُودَ مِنَ الآبِ قَبْلَ الدُّهُور، لِذَلِكَ يَدْعُوهُ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي الابْنِ المَوْلُودِ مِنَ البَتُولِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْل، فَإِذْ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرَى مَنْ اسْمُهُ دَائِمٌ قَبْلَ الشَّمْس، نَنْظُرُ إِلَى خَيْمَتِهِ الَّتِي نَصَبَهَا تَحْتَ الشَّمْس، وَإِذْ لَا نَقْدِرُ أَنْ نَرَى الابْنَ الوَحِيدَ المُقِيمَ فِي حِضْنِ الآبِ، نُشَاهِدُهُ مُضْطَجِعًا فِي مِذْوَدِ بَيْتِ لَحْم".
وَقَبْلَ التَّجَسُّدِ، كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ اللهَ مَعْرِفَةً جُزْئِيَّةً، عَبْرَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّمُوز. أَمَّا فِي الْمَسِيحِ، فَقَدْ كَشَفَ اللهُ عَنْ ذَاتِهِ كَشْفًا كَامِلًا، إِذْ صَارَ مَرْئِيًّا وَمَلْمُوسًا، وَعَاشَ فِي وَسَطِ البَشَر. فَالْمَسِيحُ هُوَ التَّعْبِيرُ النِّهَائِيُّ وَالكَامِلُ عَنِ اللهِ فِي صُورَةٍ بَشَرِيَّة، وَفِيهِ أَصْبَحَ اللهُ مَعْرُوفًا لَا كَفِكْرَةٍ مُجَرَّدَة، بَلْ كَحَيَاةٍ تُعَاش، وَوَجْهٍ يُرَى، وَحُبٍّ يَخْلُص.
"الكَلِمَة" الَّذِي كَانَ لَدَى اللهِ حَلَّ بَيْنَ البَشَر، لا لِيُقِيمَ بَيْنَهُمْ فَحَسْب، بَلْ لِيُعَلِّمَهُمْ كَيْفَ يُفَكِّرُ اللهُ، وَبِالتَّالِي كَيْفَ يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يُفَكِّرَ. فِي شَخْصِهِ نَكْتَشِفُ عَقْلَ اللهِ، وَفِي حَيَاتِهِ نَتَعَلَّمُ مَا يَعْنِي أَنْ نَكُونَ إِنْسَانًا حَقًّا. لِذَلِكَ جَاءَ بَيْنَنَا لِيَكُونَ قُدْوَةً لِمَا يَنْبَغِي أَنْ نَصِيرَ إِلَيْهِ، فَهُوَ لَا يُرِينَا كَيْفَ نَحْيَا فَحَسْب، بَلْ يَهَبُنَا أَيْضًا القُوَّةَ لِنَحْيَا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَة، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُطْرُس: "تَرَكَ لَكُمْ مِثَالًا لِتَقْتَفُوا آثَارَه" (1 بطرس 2: 21).
وَهَذَا البُعْدُ الإِنْسَانِيُّ العَمِيقُ لِلتَّجَسُّدِ أَكَّدَهُ المجمع الفاتيكاني الثاني، حِينَ شَدَّدَ عَلَى أَنَّ ابْنَ اللهِ، بِتَجَسُّدِهِ، اتَّحَدَ نَوْعًا مَا بِكُلِّ إِنْسَان، فَاشْتَغَلَ بِيَدِ إِنْسَان، وَفَكَّرَ بِعَقْلِ إِنْسَان، وَعَمِلَ بِإِرَادَةِ إِنْسَان، وَأَحَبَّ بِقَلْبِ إِنْسَان. وَإِذْ وُلِدَ مِنَ العَذْرَاءِ مَرْيَمَ، صَارَ حَقًّا وَاحِدًا مِنَّا، شَبِيهًا بِنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الخَطِيئَة، مُظْهِرًا أَنَّ التَّجَسُّدَ لَيْسَ حَدَثًا عَقَائِدِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ مَسَارُ خَلَاصٍ يَمَسُّ كُلَّ إِنْسَان (دستور راعوي حول الكنيسة، بند 22).
وَأَخِيرًا، جَاءَ الكَلِمَةُ بَيْنَنَا لِيُقَدِّمَ ذَاتَهُ ذَبِيحَةً عَنْ خَطَايَا العَالَم، فَحَقَّقَ السَّلَامَ بِلَا دَمِ القُوَّةِ، بَلْ بِدَمِ الصَّلِيب، كَمَا يُعْلِنُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّهُ "حَقَّقَ السَّلَامَ بِدَمِ صَلِيبِهِ لِيَجْعَلَنَا فِي حَضْرَتِهِ قِدِّيسِينَ، لَا يَنَالُنَا عَيْبٌ وَلَا لَوْم" (قولسي 1: 20). فَإِذَا كَانَ مُوسَى قَدْ رَكَّزَ عَلَى شَرِيعَةِ اللهِ وَعَدْلِهِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ يُرَكِّزُ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَغُفْرَانِهِ. وَمِنْ هَذَا المَنْطَلَقِ يَقُولُ يُوحَنَّا: "فَمِنْ مِلْئِهِ نِلْنَا بِأَجْمَعِنَا، وَنِلْنَا نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَة" (يوحنّا 1: 16). فَالمَسِيحُ لَا يَنْتَمِي إِلَى المَاضِي فَقَط، بَلْ لَا يَزَالُ يُرَافِقُ الإِنْسَانَ عَبْرَ الأَجْيَال، وَيَتَوَاجَدُ فِي كُلِّ مَرَافِقِ الحَيَاةِ، كَكَلِمَةٍ حَيَّةٍ تَعْمَلُ فِي التَّارِيخ.
وَإِذَا كَانَ الكَلِمَةُ قَدِ اتَّخَذَ جَسَدًا بَشَرِيًّا حَقِيقِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَسَدًا ظَاهِرِيًّا أَوْ وَهْمِيًّا، كَمَا ادَّعَتِ البِدْعَةُ الظَّاهِرِيَّةُ (الدُّوسِيتِيَّة)، الَّتِي أَنْكَرَتْ وَاقِعَ التَّجَسُّد. بَلْ إِنَّهُ سَكَنَ وَسْطَ البَشَرِ حَقًّا، وَأَخْفَى جَلَالَهُ الإِلَهِيَّ وَقُوَّتَهُ تَحْتَ سِتْرِ الجَسَد، لِيَكُونَ قُرْبُهُ خَلَاصًا لَا رُعْبًا. وَقَدْ شَهِدَ يوحنا المعمدان، شَهَادَةَ شَاهِدِ عَيَان، لِمَجْدِ هَذَا الكَلِمَةِ المُتَجَسِّد، فَأَصْبَحَ اللهُ، الَّذِي كَانَ فِي السَّابِقِ يُعْرَفُ جُزْئِيًّا، مَعْرُوفًا الآنَ فِي وَجْهٍ بَشَرِيّ، فِي ابْنِهِ الَّذِي هُوَ نُورُ العَالَم.
وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ يُوحَنَّا إِنْجِيلَهُ وَيَخْتِمُهُ بِالإِعْلَانِ نَفْسِهِ: فِي البَدَايَةِ يُقِرُّ أَنَّ "الكَلِمَةَ هُوَ الله" (يوحنّا 1: 1)، وَفِي الخِتَامِ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ تُومَا الرَّسُولِ قَائِلًا: "رَبِّي وَإِلَهِي!"(يوحنّا 20: 28). وَهَكَذَا تُلَخِّصُ هَاتَانِ العِبَارَتَانِ إِنْجِيلَ يُوحَنَّا كُلَّهُ: فَيَسُوعُ، بِصِفَتِهِ الاِبْنَ الأَزَلِيَّ، هُوَ التَّعْبِيرُ التَّامُّ عَنِ الآب، "هُوَ صُورَةُ اللهِ الَّذِي لَا يُرَى" (قولسي 1: 15)، "وَهُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وَصُورَةُ جَوْهَرِهِ" (عبرانيين 1: 3). وَلِأَنَّهُ ابْنُ اللهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ابْنَ الإِنْسَان، فَهُوَ الحَيَاة لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَتْبَعُهُ، وَهُوَ النُّور لِكُلِّ مَنْ يَسْلُكُ طَرِيقَهُ وَيَهْتَدِي بِهِ. وَعِنْدَئِذٍ فَقَط، يَصِيرُ الإِنْسَانُ مَوْلُودًا مِنَ اللهِ حَقًّا. وَهُنَا يَنْفَتِحُ السُّؤَالُ الرُّوحِيُّ: كَيْفَ نَتَعَاوَنُ نَحْنُ فِي هَذِهِ الوِلَادَةِ الجَدِيدَة؟ كَيْفَ نَسْمَحُ لِلْكَلِمَةِ أَنْ يُنِيرَ فِكْرَنَا، وَيُشَكِّلَ قَلْبَنَا، وَيُجَدِّدَ حَيَاتَنَا، حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِينَا مَا أُعْطِيَ لَنَا بِالنِّعْمَة؟
الخُلاصَة
يَبْدَأُ يُوحَنَّا إِنْجِيلَهُ بِمُقَدِّمَةٍ فَرِيدَةٍ، تَتَمَيَّزُ فِي أُسْلُوبِهَا وَلُغَتِهَا وعمقِهَا اللاهوتيّ عن سَائِرِ أَسْفَارِ العَهْدِ الجَدِيد، إِذْ يَكْشِفُ فِيهَا عَنْ شَخْصِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ قَبْلَ التَّجَسُّد، بُوصْفِهِ الكَلِمَةَ الأَزَلِيَّ. وَبِهَذَا الإِعْلَانِ يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ أَنْ نَتَخَطَّى حُدُودَ الزَّمَن، وَنَنْطَلِقَ إِلَى حِضْنِ الآبِ الأَزَلِيّ، لِنَتَعَرَّفَ عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ نَحْوَنَا، وَخُطَّتِهِ لِخَلَاصِنَا وَمَجْدِنَا الأَبَدِيّ. فَيُوحَنَّا لَا يُقَدِّمُ مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً، بَلْ يَقُودُ الإِنْسَانَ إِلَى شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ ذَاكَ الَّذِي نُشَارِكُهُ مَجْدَهُ وَنَحْيَا مَعَهُ إِلَى الأَبَد. وَلِذَلِكَ، لَمْ يَسْتَغْرِبْ القديس أوغسطينوس أَنْ يَنْقُلَ عَنْ فَيْلَسُوفٍ أَفْلَاطُونِيٍّ قَوْلَهُ إِنَّ العِبَارَاتِ الَّتِي تَفْتَتِحُ بِهَا مُقَدِّمَةُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُكْتَبَ بِحُرُوفٍ مِنْ ذَهَبٍ، لِأَنَّهَا تَضَعُ القَارِئَ مُبَاشَرَةً أَمَامَ سِرِّ اللهِ نَفْسِهِ.
وَيُبَيِّنُ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيّ، وَهُوَ أَحَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ رَسُولًا وَشَاهِدُ عَيَانٍ، لِلمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ مَكَان، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ إِنْسَانٌ كَامِلٌ وَإِلَهٌ كَامِلٌ. فَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ اتَّخَذَ النَّاسُوتَ كَامِلًا وَعَاشَ حَيَاةَ الإِنْسَانِ فِي كُلِّ تَفَاصِيلِهَا، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُفَّ قَطُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ اللهَ الأَزَلِيَّ، الْكَائِنَ عَلَى الدَّوَام، خَالِقَ الكَوْنِ وَمَصْدَرَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّة.
إِنَّ مِيلَادَ يَسُوعَ هُوَ سِرُّ الإِيمَانِ بِلِقَاءٍ فَرِيدٍ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَان، بَيْنَ الأَزَلِ وَالزَّمَن، بَيْنَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ وَالحَيَاةِ الفَانِيَة. وَمَا لَمْ يَكُنْ يُتَوَقَّعُ، وَمَا كَانَ يُعَدُّ مُسْتَحِيلًا، صَارَ وَاقِعً: الأَرْضُ أَصْبَحَتْ مَسْكَنَ اللهِ. فَاللهُ جَاءَ لِيُخَلِّصَ الإِنْسَانَ، وَسُلْطَانُهُ الوَحِيدُ هُوَ سُلْطَانُ الحُبِّ، وَحُبُّهُ كَافٍ لِيَهَبَ الإِنْسَانَ وِلَادَةً جَدِيدَة. وَفِي هَذَا الإِطَارِ الرُّوحِيِّ العَمِيقِ، يُعَلِّقُ جان تولير أَنَّ وِلَادَةً قَدِيرَةً كَهَذِهِ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي قَلْبٍ يَتَّسِمُ بِنَقَاوَةٍ دَاخِلِيَّةٍ عَمِيقَة، وَيَحْيَا اتِّحَادًا رَاسِخًا مَعَ اللهِ، فَاللهُ يَخْتَارُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْكَنَهُ فِي القَلْبِ الَّذِي يَحْفَظُ وَحْدَتَهُ مَعَهُ فِي عُمْقِ النَّفْس، وَيَثْبُتُ فِي التَّأَمُّلِ دُونَ أَنْ يَتَشَتَّتَ فِي الظَّوَاهِرِ الخَارِجِيَّة.
وَلِأَنَّ "الكَلِمَةَ هُوَ الله"، فَهُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ أَنْ يُعْرِّفَنَا بِاللهِ بِوُضُوحٍ وَحَقّ. وَلِذَلِكَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَثِقَ ثِقَةً كَامِلَةً بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ، وَبِالثِّقَةِ فِيهِ نَنَالُ مَعْرِفَةً تُنِيرُ رِسَالَةَ اللهِ فِي حَيَاتِنَا، وَتُمَكِّنُنَا مِنْ إِتْمَامِ مُخَطَّطِهِ فِينَا. وَعِنْدَئِذٍ، يَتَمَجَّدُ المَسِيحُ الإِلَهُ بِالإِنْسَان، لأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ حَيٍّ مَدْعُوٌّ أَنْ يُحَقِّقَ ذَاتَهُ بِكُلِّ أَبْعَادِهَا: الرُّوحِيَّةِ وَالمَادِّيَّة، الثَّقَافِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّة، الاِقْتِصَادِيَّةِ وَالوَطَنِيَّة، فَيَصِيرَ مَجْدَ اللهِ.
فَإِنْ لَمْ نُؤْمِنْ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ الأَسَاسِيَّة، لَنْ تَكُونَ لَدَيْنَا الجُرْأَةُ أَنْ نُسَلِّمَ حَيَاتَنَا وَأَبَدِيَّتَنَا لِلْمَسِيح. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَا دَفَعَ يُوحَنَّا إِلَى كِتَابَةِ إِنْجِيلِهِ: نَشْرُ الإِيمَانِ وَالثِّقَةِ بِيَسُوعَ الْمَسِيح، لِكَيْ نُؤْمِنَ أَنَّهُ هُوَ حَقًّا اللهُ فِي الجَسَد، كَمَا يَقُولُ فِي خِتَامِ إِنْجِيلِهِ: "وَإِنَّمَا كُتِبَتْ هَذِهِ لِتُؤْمِنُوا بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله، وَلِتَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ الحَيَاةُ بِاسْمِهِ" (يوحنّا 20: 31). لِذَلِكَ، فَإِنَّنَا مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نَضَعَ الأَسَاسَ لِحَيَاتِنَا عَلَى مَنْ هُوَ كَائِنٌ مُنْذُ البَدْء، وَأَنْ نَبْنِيَ حَاضِرَنَا وَمُسْتَقْبَلَنَا فِي الدُّنْيَا وَالأَبَدِيَّةِ عَلَى الكَلِمَةِ المُتَجَسِّد، الَّذِي فِيهِ وَحْدَهُ تَصِيرُ الحَيَاةُ مَعْنًى، وَالإِيمَانُ نُورًا، وَالإِنْسَانُ مَجْدَ اللهِ الحَيّ.
دُعَاء
أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيّ،
نَسْبَحُكَ لأَنَّ كَلِمَتَكَ الأَزَلِيَّ الَّذِي كَانَ لَدَيْكَ وَكَانَ هُوَ اللهُ،
قَدْ صَارَ بَشَرًا وَسَكَنَ بَيْنَنَا،
فَأَضَاءَ ظُلْمَتَنَا بِنُورِهِ،
وَمَنَحَنَا الحَيَاةَ الَّتِي فِيهَا الخَلَاص.
نَسْأَلُكَ أَنْ تَهَبَنَا رُوحَ الحِكْمَةِ وَالإِدْرَاك،
لِنَعْرِفَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الكَلِمَةَ الحَيَّ،
وَنَقْبَلَهُ بِإِيمَانٍ حَيٍّ،
فَنَصِيرَ أَبْنَاءَكَ بِالنِّعْمَة،
لَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، بَلْ مِنْكَ أَنْتَ.
افْتَحْ أَعْيُنَ قُلُوبِنَا،
لِنُدْرِكَ إِلَى أَيِّ رَجَاءٍ دَعَوْتَنَا،
وَأَيَّ مَجْدٍ أَعْدَدْتَهُ لَنَا
فِي ابْنِكَ الَّذِي مِنْ مِلْئِهِ نِلْنَا نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَة.
اجْعَلْنَا نَسْلُكُ فِي نُورِهِ،
وَنَكُونُ شُهُودًا لِلنُّورِ فِي العَالَم،
لِتَتَمَجَّدَ فِينَا وَبِنَا،
الآنَ وَإِلَى دُهُورِ الدُّهُور. آمِينَ.