موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٧ مارس / آذار ٢٠٢٦

القديس يوسف: الحارس الصامت، المتكلم بالأفعال

بقلم :
بسام دعيبس - الأردن
القديس يوسف: الحارس الصامت، المتكلم بالأفعال

القديس يوسف: الحارس الصامت، المتكلم بالأفعال

 

يعتبر القديس يوسف البار، خطيب مريم العذراء، شخصية فريدة في التاريخ الروحي، فهو "الرجل الصامت" الذي لم يسجل له الإنجيل كلمة واحدة، لكن أفعاله كانت تتحدث بصوت أعلى من أي وعظ.

 

فمن هو هذا القديس العظيم ! انه يوسف النجار، اسمه بالعبرية يعني "يزيد" والنجار لقبه لانه كان يعمل في مهنة النجارة التي كانت مهنة الفقراء في ذلك الوقت ، وهو من بيت داؤد الملك، مما جعله وارثا شرعيا لعرش يهوذا لو استمر الملك لاسرائيل.

 

كما يعتبر القديس يوسف حارس السر الالهي وعمود الطاعة، وقد وصفه الكتاب المقدس بأنه بار، والبر هنا يعني النبل الاخلاقي، المتمثل بموقفه مع مريم العذراء، عندما وجدها حبلى، فقد كان بإمكانه أن يعرضها للموت حسب الشريعة، لكنه اختار "تخليتها سرا" رحمة بها، وهو بذلك يعلمنا أن الرحمة هي جوهر القداسة، وأن القلب المتصل بالله يتجاوز حرفية الشريعة ليحقق روح المحبة.

 

لقد عُرف عنه لغة الصمت والعمل في عالم يقدس الكلام والشهرة، عاش يوسف حياة النجار البسيط، وصمته ليس ضعفاً، بل هو قمة التركيز والإنصات لصوت الله.

 

هذا وقد حول مهنة النجارة من مجرد كسب للعيش إلى صلاة يومية، فصار شفيعاً للكنيسة، والعائلات، ولجميع العمال والمكافحين.

 

لقد مر القديس يوسف بمراحل قلق انسانية كبرى ابتداء من الشك عند بشارة العذراء، والغربة عند الهروب الى مصر خوفا من الطاغية هيروس، ومسؤوليته عن العائلة المقدسة في ظروف قاسية، لكن في كل مرة، كان "الملاك" يظهر له في الحلم ويقول: "لا تخف"، وكان يوسف يستيقظ "ليفعل ما أمره به الرب"، وبذاك استطاع ان يهزم الخوف والقلق، ليكون لنا قدوة عصرية وبعلمنا ان الأبوة ليست بشرية عابرة فقط، بل هي رعاية وتضحية وحماية، والقيام بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا بصمت ودون تذمر، وان الثقة بأن الله يدبر الأمور حتى في أحلك الظروف كما حصل معه اثناء الهروب الى مصر

 

القديس يوسف هو "رجل الصمت"، لم يسجل له الإنجيل أي كلمة نطق بها، لكن حياته كُتبت من خلال أفعاله واستجابته لرسائل الله.

 

إليكم الآيات الرئيسية التي ذكرته في الأناجيل (متى ولوقا):

 

1. وصفه بالرجل "البار" (العدل والرحمة)

"فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارّاً، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرّاً." (متى 1: 19).

 

2.  الاستجابة الفورية (الإيمان والطاعة)

عندما أمره الملاك بقبول مريم:"فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاكُ الرَّبِّ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ." (متى 1: 24). عند الهروب إلى مصر: "فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ." (متى 2: 14).

 

3. حارس العائلة (الأبوة والرعاية)

عندما وجدا يسوع في الهيكل، قالت له العذراء مريم:يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!" (لوقا 2: 48).

 

4. التواضع والعمل (مهنة النجارة)

كان الناس يعرفون يسوع من خلال مهنة يوسف المتواضعة:"أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ؟" (متى 13: 55).

 

5. الالتزام بالشريعة والتقوى : "وَلَمَّا أَتَمُّوا كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ نَامُوسِ الرَّبِّ، رَجَعُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى مَدِينَتِهِمِ النَّاصِرَةِ." (لوقا 2: 39).

 

لو تأملنا في هذه الايات لوجدناها تبدأ بكلمات مثل "قام"، "فعل"، "أخذ"، "رجع".

 

يوسف النجار هو قديس "الأفعال"؛ فهو لم يتكلم عن الله، بل جعل الله يتكلم عنه من خلال حياته.

 

تعتبر أحلام يوسف الأربعة هي "لغة التواصل" التي اختارها الله ليخاطب بها هذا الرجل الصامت، وفي كل حلم منها كان يوسف يكسر قيداً من الخوف أو الحيرة، ليخطو خطوة نحو حرية الطاعة المطلقة.

 

إليكم تفاصيل هذه المحطات المفصلية التي غيرت مسار التاريخ الروحي:

 

الحلم الأول: تبديد الشك (متى 1: 20): كان يوسف في صراع مرير بين حبه لمريم وبين صدمة حبلها "قبل أن يجتمعا". كان يعيش في سجن الحيرة، الى ان جاءته رسالة الملاك: "يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس". حيث استيقظ يوسف وحطم قيود الشك، وقبل سر التجسد بإيمان عظيم، فصار حارساً للبتولية وللمخلص.

 

الحلم الثاني: الهروب من الموت الى مصر (متى 2: 13): بعد زيارة المجوس، ظهر خطر هيرودس الذي أراد قتل الطفل. هنا دخل يوسف في سجن القلق على عائلته، الى ان جاءته رسالة الملاك: "قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك"، حيث قام منتصف الليل، وبطاعة فورية، ترك يوسف وطنه وبيته ليصبح لاجئاً في أرض غريبة، مؤمناً بأن حماية الله أقوى من سيف هيرودس.

 

الحلم الثالث: العودة إلى الديار (متى 2: 19): بعد سنوات في الغربة بمصر، جاء وقت العودة، لكن يوسف كان ينتظر إشارة إلهية، فلم يتحرك من تلقاء نفسه، الى ان جاءته رسالة الملاك: "قم خذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل، لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي"، وبذلك انتهى زمن المنفى، وعاد يوسف ليواصل رسالته في صمت وهدوء، متمماً مشيئة الله في الرجوع لموطنه.

 

الحلم الرابع: اختيار الناصرة (متى 2: 22): عندما علم القديس يوسف أن "أرخيلاوس" يملك مكان أبيه هيرودس، خاف من العودة لليهودية. كان يوسف يتمتع بـحكمة إنسانية لا تتعارض مع الإيمان.• الى ان جاءته رسالة الملاك: أوحي إليه في حلم أن ينصرف إلى نواحي الجليل.• فكانت النتيجة ان سكن في مدينة "الناصرة"، لكي يتم ما قيل بالأنبياء "إنه يُدعى ناصرياً". وبذلك رسم يوسف جغرافيا الخلاص بتوجيه إلهي.

 

 

يبقى السؤال لماذا اختار الله "الأحلام" ليوسف؟

 

الأحلام تأتي في وقت السكون، ويوسف كان رجلاً قليل الكلام كثير التأمل، فكان قلبه مرآة تعكس الصفاء الروحي ومشيئة الله، وان يوسف لم يجادل الملاك ولم يطلب أدلة ملموسة، بل كان إيمانه أسرع من منطقه الإنساني ومستسلما استسلاما تاما للمشيئة الإلهية. إن يوسف جعل من "نومه" مكاناً للقاء الرب، ومن "يقظته" مكاناً لتنفيذ وصاياه.

 

 

لنصلي للقديس يوسف (حارس العائلة)

 

يا قديس يوسف، يا من عرفت كيف تنصت لصوت الله في سكون الليل، حرر قلوبنا من سجون القلق والخوف. علمنا أن نثق في تدبير الخالق حتى حينما تغلق الأبواب في وجوهنا. أعطنا طاعتك الفورية، وشجاعتك في حماية أحبائنا، وتواضعك في قبول مشيئة الله بصمت وفرح. كُن معنا افردا وعائلات في رحلة غربتنا، وأرشد خطواتنا لنبني في بيوتنا ناصرة جديدة يملؤها الحب والسلام. آمين.