موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«صعد رجلان إلى الهيكل ليصلّيا»
كلاهما جاء إلى الله، لكنّ كلاً منهما جاء بقلب مختلف. الفريسي وقف أمام الله، لكنه كان في الحقيقة واقفًا أمام نفسه. والعشّار وقف من بعيد، وكأنه لا يجد في نفسه ما يقدمه لله سوى فقره وحاجته.
يقول يسوع: «صعد رجلان إلى الهيكل ليصلّيا، أحدهما فريسي والآخر عشّار. فوقف الفريسي يصلّي في نفسه هكذا: يا الله، أشكرك لأنّي لست كسائر الناس، السراقين والظالمين والزناة، ولا مثل هذا العشّار. أصوم مرتين في الأسبوع، وأؤدي العُشر عن كل ما أقتني» (لو 18، 10-12)
كان الفريسي يصلّي، لكنه لم يكن يرى الله. كان يرى نفسه، وصلاحه، وأعماله، ثم ينظر إلى الآخرين من علٍ. لقد دخل إلى حضرة الله ومعه قائمة طويلة من استحقاقاته، لكنه لم يدخل بقلب محتاج.
أما العشّار، فكان مختلفًا: وأما العشّار فوقف عن بُعد، ولم يكن يريد أن يرفع عينيه نحو السماء، بل كان يقرع صدره ويقول: يا الله، ارحمني أنا الخاطئ» (لو 18ـ 13).
لم يكن لديه ما يتباهى به. لم يحمل أمام الله إنجازاته، ولا فضائله، ولا مقارناته بالآخرين. جاء كما هو، عاريًا من كل ادّعاء، ووقف في حضرة الرحمة.
كأن صلاته تقول:
يا رب، لا أملك أن أبرّر نفسي أمامك.
لا أملك إلا ضعفي.
ولا أملك إلا أن أضع هذا الضعف بين يدي رحمتك.
وهنا يكشف لنا يسوع سرًا عميقًا في علاقتنا بالله.
يمكن للإنسان أن يكون قريبًا من الدين، لكنه بعيد عن الله.
يمكنه أن يصلي، ويصوم، ويفعل الخير، ويعرف الوصايا، ومع ذلك يبقى قلبه أسيرًا للأنا.
فالخطر ليس فقط أن نخطئ، بل أن نصل إلى مرحلة نظن فيها أننا لسنا بحاجة إلى الغفران.
وهنا يظهر سؤال المَثَل:
هل أشعر أنني بحاجة إلى الخلاص، أم أظن أن لي استحقاقات أمام الله؟
هل أنا واعٍ بهشاشتي، أم أنني لا أرى إلا هشاشة الآخرين؟
هل إيماني يجعلني أكثر تواضعًا ورحمة، أم يجعلني أشعر أنني أفضل من غيري؟
هناك تجربة خفية يمكن أن تتسلل إلى قلب المؤمن: أن يجعل من إيمانه سببًا ليرفع نفسه فوق الآخرين.
لكن الإيمان لا يجعلنا «الأفضل» الإيمان يعيدنا إلى حقيقتنا. يجعلنا نكتشف أننا، مهما كنا صالحين، نبقى بشرًا محتاجين إلى الله؛ وأن كل ما فينا من خير هو في النهاية نعمة.
لذلك، عندما نقف أمام الله ونقول: «أشكرك لأنك أعطيتني الحياة، وأشكرك لأنك أعطيتني الإيمان، وأشكرك لأنني أحاول أن أتبع وصاياك... ولكن أشكرك خصوصًا لأنني لست مثل ذلك الشخص الجالس بجانبي». فإن شيئًا ما يكون قد انحرف في داخلنا.
لأن الفريسي لم يخطئ فقط في نظرته إلى العشّار؛ بل أخطأ في نظرته إلى الله. لقد تعامل مع الله وكأنه مدين له، وكأن أعماله تمنحه حق المطالبة بالقبول.
أما العشّار فلم يطالب بشيء. لقد طلب الرحمة.
وهنا تكمن المفارقة:
الأول جاء بما يظنه استحقاقًا،
والثاني جاء باحتياجه.
الأول كان ممتلئًا بنفسه، فلم يجد مكانًا للنعمة.
والثاني جاء فارغ اليدين، فامتلأ من الرحمة.
لذلك يقول يسوع: «أقول لكم: إن هذا نزل إلى بيته مبرَّرًا دون ذاك. لأن كل من يرفع نفسه يُوضَع، ومن يضع نفسه يُرفَع» (لو 18، 14)
فالتواضع ليس أن أحتقر نفسي، بل أن أقف أمام الله كما أنا، بلا أقنعة وبلا ادّعاء.
أن أقول له: إنا بحاجتك! أنا [امس الحاجة إليك!
ربما تكون هذه من أصدق الصلوات التي يستطيع الإنسان أن يرفعها إلى الله.
فمّن لمس ضعفه، يصير أكثر رحمة تجاه ضعف الآخرين. والذي ذاق الغفران، يصعب عليه الادانة. والذي عرف إحتياجه إلى الله، لا يستطيع أن ينظر إلى أخيه بتعالٍ.
إن تذكّر سقطاتنا لا ينبغي أن يحطمنا، بل أن يخلّصنا من الغرور. أن يذكّرنا بأننا لسنا أفضل من أحد، وأننا جميعًا نقف أمام الله على أرض واحدة: أرض الرحمة. كما يقول القديس أغسطينوس: «أيتها السقطة السعيدة»
لذلك، ربما لا يكون السؤال اليوم: كم فعلتُ من الخير؟
بل: هل ما زلت أعرف أنني محتاج إلى الله؟
فحين ينحني القلب أمام الله، لا يعود بحاجة إلى أن يقف فوق أحد. وهناك، في عمق هذا الانحناء، يبدأ التواضع، وتبدأ الحرية، وتبدأ الصلاة الحقيقية.
مناجاة
يا رب،
علّمني أن أقف أمامك كما أنا،
لا بما أظنه من استحقاقاتي، بل بفقر قلبي.
حرّرني من أن أرى خطايا الآخرين وأنسى ضعفي،
ومن أن أفتخر بما فيَّ وأنسى أن كل شيء هو نعمة.
أعطني قلب العشّار، قلبًا يعرف حاجته إليك، ويثق برحمتك،
ويستطيع أن يقول بصدق: «أَللّهُمَّ، إرحمني، أَنَا الخَاطِئ». آمين.