موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في داخل كل واحد منا رغبة صامتة في أن يرى يسوع، لا أن يعرف عنه فقط، بل أن يلتقيه. غير أن هذه الرغبة كثيرًا ما تضيع وسط زحام الحياة. أحيانًا تمنعنا خطايانا، وأحيانًا جراحنا، وأحيانًا ضجيج العالم، بل وربما الذين من حولنا. ومع مرور السنوات، تتراكم فوق هذا الشوق طبقات من الانشغالات والنجاحات والإخفاقات، حتى نظن أنه مات. لكنه في الحقيقة لا يموت أبدًا، لأنه أعمق من كل رغباتنا الأخرى. إنه، كما يقول القديس أغسطينوس: «قلبنا مضطرب ولن يستريح إلا فيك يالله«.
كثيرًا ما نظن أننا نبحث عن أشياء كثيرة، بينما نحن في العمق نبحث عن شيء واحد. نبدّل المدن، والوظائف، والعلاقات، والأدوار... ونظن أنّ المشكلة كانت في المكان أو في الأشخاص، ثم نكتشف أن الفراغ ما زال يسكننا. وكأن الإنسان يحمل في داخله ذاكرة خفية عن بيتٍ لم يعد يتذكر طريقه إليه، لكنه لا يتوقف عن الحنين إليه.
هذا الشوق هو ما يسمّيه بعض اللاهوتيين «الحس الديني«؛ ذلك الانفتاح العميق في القلب الذي يدفع الإنسان إلى أن يسأل عن المعنى، وأن يتجاوز ظاهر الأشياء، وأن يشعر بأن الحياة لا يمكن أن تختزل بما تراه العين أو تلمسه اليد. لكنه ليس الإيمان بعد. إنّه التربة التي يمكن أن تنبت فيها بذرة الإيمان، أما الإيمان نفسه فهو عطية لا يصنعها الإنسان لنفسه.
وهنا يكمن جمال الإنجيل. فزكّا كان يظن أنه هو الذي يبحث عن يسوع، لكنه اكتشف أن يسوع كان يبحث عنه منذ البداية. وما إن وصل إلى الموضع حتى رفع يسوع عينيه إليه وقال: «يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وٱنْزِلْ، فَعَلَيَّ أَنْ أُقِيمَ اليَومَ في بَيْتِكَ».
ما أعمق هذه اللحظة! فالإنسان يظن دائمًا أنه هو الذي يصعد ليرى الله، ثم يكتشف أن الله هو الذي رفع نظره إليه أولًا. ويظن أنه هو الذي بدأ رحلة البحث، ثم يفهم أن الله كان ينتظره منذ زمن طويل. إن سر الإيمان لا يبدأ عندما نجد الله، بل عندما نسمح لأنفسنا أن نُوجَد من قِبله.
قد نقضي سنوات طويلة نداوم على التعليم المسيحي، ونحفظ الصلوات، ونحضر القداديس، ونقدم خدمات في الكنيسة، لكن يبقى سؤال لا يستطيع أحد أن يجيب عنه بدلًا منا: هل ألتقيتُ بيسوع شخصيًا؟ هل صار بالنسبة إليّ شخصًا حيًا يعرف اسمي، أم ما زال مجرد فكرة جميلة، أو عادة دينية، أو دين أتبعه بالوراثة؟
هناك فرق كبير بين أن تعرف الطريق إلى البيت، وبين أن تدخل البيت نفسه. وهناك فرق أكبر بين أن تعرف عن المسيح، وبين أن تختبر نظرته التي تخترق أعماق القلب وتناديك باسمك.
هذا اللقاء لا يمكن أن يُصنع بالإرادة وحدها، ولا يُكتسب بالاستحقاق، ولا يُورَّث كما تُورَّث التقاليد. إنه نعمة، لأن الحب الحقيقي يبقى دائمًا مبادرة من الله. أما دورنا، فهو أن نزيل ما تراكم فوق شوقنا الأول، وأن نحرس ذلك الجوع المقدس الذي لم ينطفئ بعد.
ربما لهذا السبب سمح الله أن يبقى في داخل الإنسان شيء من عدم الاكتفاء. ليس ليعذبه، بل ليمنعه من أن يستقر بعيدًا عنه. فالفراغ الذي نشعر به أحيانًا ليس علامة غياب الله، بل علامة حضوره الخفي، لأنه يوقظ فينا الحنين إلى ما هو أبعد من هذا العالم.
فهل يكون هذا اليوم هو اليوم الذي نعي فيه نظرة المسيح نحونا كما رفعها نحو زكّا؟ وهل نجرؤ نحن أيضًا أن ننزل من أشجار كبريائنا، وانشغالاتنا، وصورنا التي رسمناها عن أنفسنا، لنستقبله في بيت القلب؟
وإن لم تحن تلك الساعة بعد، فلنحافظ على الشوق حيًا. فالذين يواصلون البحث بصدق، لا يخيّبهم الله. فالله لا يمر بجانب القلب الذي يشتاق إليه دون أن يتوقف، ولا يترك النفس التي تنتظره دون أن يناديها باسمها ويتوق لأن يسكن فيها ويملأها من حضوره.