موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٧ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

الحضور العلماني في الكنيسة المعاصرة

بقلم :
طارق صالح خليل حجازين - الأردن
 طارق صالح حجازين

طارق صالح حجازين

 

يشهد حضور العلماني داخل الكنيسة تحولاً نوعياً في السنوات الأخيرة إذ لم يعد دوره محصوراً في المشاركة الشكلية أو الالتزام الطقسي فقط،  بل بات عنصراً أساسياً في بناء الرسالة المسيحية ونقلها إلى المجتمع ، هذا التطور لم يأتِ من فراغ بل من إدراك متزايد بأن الكنيسة لا تُكمل رسالتها من دون مساهمة حقيقية من أبنائها وبناتها في الحياة اليومية بما يملكونه من خبرات مهنية وقدرات عملية وتجارب إنسانية واسعة.

 

و يبدأ الدور الحديث للعلماني من فهم جديد للرسالة بأن الإيمان ليس انعزالاً داخل جدران الكنيسة، بل خروج إلى الحياة العامة، فالعلماني اليوم يواجه واقعاً اجتماعياً متغيراً بسرعة ويقف على تماس مباشر مع قضايا الناس وتحدياتهم مما يمنحه قدرة فريدة، على ترجمة تعاليم الكنيسة إلى مبادرات ملموسة، من هنا يصبح العلماني صلة وصل بين الروحانية والواقع، وبين النصوص والتطبيق.

 

ومع ذلك فإن هذا الدور المتقدم يواجه عدة تحديات: أولها غياب وضوح في التوقعات، فالكثير من العلمانيين لا يعرفون أين يبدأ دورهم وأين ينتهي، وفي المقابل قد تتردد بعض المؤسسات الكنسية في إشراكهم فعلياً في صنع القرار ، وثاني التحديات هو ضعف التأهيل إذ يحتاج العلماني إلى تدريب لاهوتي وإنساني يساعده على خدمة الناس بعمق ومسؤولية، أما التحدي الثالث فهو التوازن بين الحياة العامة والرسالة حيث يجد العديد منهم صعوبة في المواءمة بين التزامات العمل والأسرة ومسؤوليات الخدمة.

 

ورغم هذه التحديات تُفتح أمام العلماني فرص واسعة، أبرزها إمكانية إبتكار مبادرات غير تقليدية في التعليم والعمل الإجتماعي وخدمة الفقراء والدعم النفسي ومرافقة الشباب، كما يمتلك العلماني ميزة إضافية هي الحضور الطبيعي داخل المجتمع، مما يسمح له بأن يكون شاهداً للإيمان بطريقة عملية وغير مباشرة، كذلك تتيح التقنيات الحديثة أدواراً جديدة تماماً لم تكن موجودة من قبل، مثل قيادة منصات التوعية الرقمية أو إنتاج المحتوى الإيماني الموجه للأجيال الشابة.

 

ويجب أن أنوه بإن دور العلماني اليوم ليس بديلاً عن دور الإكليروس، بل شراكة تكاملية تُعيد للكنيسة توازنها الطبيعي (جسد واحد يخدم برسالة واحدة ولكن بقدرات متعددة)، فعندما يدرك العلماني قيمته وتمنحه الكنيسة المساحة الكافية تُصبح الرسالة المسيحية أكثر حضوراً وفاعلية في حياة الناس.