موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٨ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

"البدء من الصفر!" بين كاتبي سفر الـمزامير والإنجيل الثالث

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (مز 15 "16"؛ لو 24: 13- 35)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (مز 15 "16"؛ لو 24: 13- 35)

 

الأحد الثالث من زّمن القيامة (أ)

 

الـمُقدّمة

 

نقرأ في هذا الـمقال ونحن في الزّمن الفصحي لقيامة الرّبّ، حيث تدوم القيامة لخمسين يومًا. سنتعمق في قرأتنا من خلال الـمزمور الــ 15 بالعهد القديم حيث يترك حوار كاتب سفر الـمزامير وطلبته صدى في حياتنا ويعلمنا كيف نضع ثقتنا في الرّبّ في حوارتنا اليوميّة معه. ويستمر هذا الحوار الّذي يُبادر فيه القائم مع تلميذيه الـمُصابين بالعمى الباطني والقلب البطيء عن الفهم من خلال مقطع بحسب لوقا (24: 13- 35). ومن خلال هذيّن النصيّين، نكتشف حب الرّبّ لكلاً منا حيث يأتي برفقتنا ويبدأ من جديد بالرغم من ضعفنا وجهلنا به وإصابتنا بالعمى عن معرفته وتحجر قلوبنا. فيأتي سائراً على الأقدام وهو الـمُمجد والقائم ليرفعنا ويدفعنا بخطوات تجعلنا نشعر بدفء العلاقة معه وهو ما يكون السبب في تغير إتجاهنا ليس فقط الجغرافي بل الباطني. نهدف من هذا الـمقال إستعادة نور القائم ودفئه الّذين يساعدونا على لقاء القائم بأعماقنا وبحياتنا.

 

 

1. الحوار مع الرّبّ (مز 15"16)

 

يبدأ الـمُرنم في الحوار مع الرّبّ بطلب شخصي قائلاً: «أَللَّهُمَّ اْحفَظْني فإِنِّي بِكَ اْعتَصَمتُ» (مز 15: 1). هذا الإعتصام ما هو إلّا حماية الرّبّ وهنا يلجأ الـمُصليّ الّذي يجد في الرّبّ ملجأ له وحصن ليحتمي به. ويتضح قربه من الرّبّ بتعبيره: «قُلتُ لِلرَّبِّ: "أَنتَ سَيِّدي ولا خَيرَ لي سِواكَ". [...] الرَّبُّ كَأسي وحِصَّةُ ميراثي أَنتَ الضَّامِنُ لِنَصيبي [...] جَعَلتُ الرَّبَّ كُلَّ حين أَمامي إِنَّه عن يميني فلَن أَتَزَعزَع. لِذلك فَرِحَ قَلْبي واْبتَهَجَت نَفْسي حتَّى جَسَدي اْستَقر في أمان لأَنَّكَ لن تَترُكَ في مَثْوى الأَمْواتِ نَفْسي ولَن تَدَعَ صَفِيَّكَ يَرى الهوة.

 

ستُبَيَنُ لي سَبيلَ الحَياة. أَمامَ وَجهِكَ فرَحٌ تامّ وعن يَمينكَ نَعيمٌ على الدَّوام» (مز 15: 2-11). بهذا الحوار القلبيّ الّذي نسمع فيه نبضات قلب الإنسان الـمُصليّ للرّبّ وهو لا يطلب فقط منه بل يجدد ثقته ويجد في الرّبّ مصدر لحياته وأنّه لن يتركه وهنا تأتي خبرة الحياة الروحيّة الّـتي تنمو وترتكز على الرّبّ في كلّ شيء فهو الخير الأعظم للـمُرنم ولكلّ إنسان. من خلال هذه الكلمات تجديد إيمان الـمُصلي في الرّبّ يبدأ كلّ يوم من الصفر حيث تنمو فيه ثقة الرّبّ فيه بشكل تجعله يتجلى ويجد خيره السّأمي في الرّبّ فقط. وهذا ما سنراه بعكس التلميذيّن الّذين يفقدان سواء مشاعر القلب أم أفكار العقل فيما يتجه من إعلان جديد لقيامة الرّبّ ومن الصفر يبدأ القائم معهم ليرافقهم في أزمتهم مرافقًا خطواتهم البشريّة بشكل يفاجئنا به الإنجيليّ وما هو إلّا إعلان لحبّ فائق الطبيعة يسير بجوارنا كل يوم

 

 

2. الخبر الجميل (لو 24: 1-13)

 

نُفضل أنّ نقرأ النص في مضمونه الشامل (لو 24: 1- 35)، لوقا كباقي الإنجليّين يقدم يوم القيامة منطلقًا من النساء الـمُبشرات بهذا الحدث العظيم. لوقا يشدد على أنّ النساء إلتقيّن برجليّن (شاهدين) وبشراهم بحقيقة القبر الفارغ ودلائل أخرى حقيقية وملموسة عن قيامة الرّبّ. وبسرعة أخبرن النساء الإحدى عشر تلميذ وبعد إتهامهن بالهذيان يذهب بطرس للتحقق فيؤكد ما قالاه بل ويذكر لوقا: قام الرب وظهر أيضًا لسمعان. هناك تلميذين من عمواس إختبرا هذا القائم بالحوار معه فرجعا يبشران باقي التّلاميذ. وأثناء مشاركة النساء هذا الخبر الجميل قائلات: "خرستوس آنيستي- الـمسيح قام"، يجدوا يسوع جالسًا بينهم. لا يذكر لوقا إنّه ظهر للتلاميذ بل سائراً وحاضراً بين جماعة التّلاميذ. حالة التّلاميذ بعيون لامعة وبمعايشتهم خبرة حضور المسيح المعلم والممجد في شخصه القائم. بوعي يدركون أنّه حي وهو معهم. خبرة "القائم بيننا". هي خبرة كلّ ذبيحة إلهية في يوم الرّبّ. فالقائم ليس منفصل بل حاضر بيننا. بعين الإيمان يمكننا أنّ نرى ونلمس القائم في الخبز الحي "الإفخارستيا".

 

يُفتتح النص من خلال هذا التعبير اللُوقاويّ بوصف خاص:  »وعِندَ فَجرِ يَومِ الأَحَد [...] في ذلكَ اليَوم نفسِه» (لو 24: 1. 13). يُشير هذا اليّوم إلى يوم قيامة يسوع، ويوم زيارة النساء وبطرس للقبر، ويوم لقاء الـمسيح القائم من بين الأموات مع الأحد عشر. هذا يعني أننا نجد أنفسنا دائمًا في يوم القيامة، كما في اليوم الأول، في الخليقة الجديدة حتى اليوم في حياتنا، حياة يجب تفسيرها وفهمها على ضوء آلام وموت يسوع المسيح وقيامته.

 

 

3. بُطء القلب! (لو 24: 13-24)

 

أحيانًا نتباطأ كبشر بدافع العادة أو الكسل، وأحيانًا لصعوبة أو لعدم فهمنا لحدث ما، وأحيانًا للتعبنا الجسديّ أو الفكريّ. كان تلميذي عمواس، وهما يمثلاننا، بطيئين في الفهم، عاجزين عن إدراك الرّبّ الّذي يسير معهم، لأنّهم أسرى رؤيتهم، مُحاصرين في أنماطهم وتصوراتهم الخاصة عن شخص الـمسيح. كانوا بطيئين لأنّ قلوبهم مثقلة بالألم، خائبة الرجاء لعدم تحقق الأحلام والتوقعات الّتي إنتظروها من الـمسيح. لكن هذه هي أحلامهم تحديدًا، وطريقتهم في رؤية الأمور. خطواتهم تعبر عن الحزن وبطء السير على الطّريق يشير لصعوبة إدراكهم فهم "موت يسوع"، ولن يتخلصوا من خيباتهم وينطلقوا لإعلان الحياة إلّا عندما يفتحون أعينهم على سرّ الـمسيح، الّذي أُعطي لهم في الخبز والخمر.

 

لذلك بطء قلوبنا لن يُزال إلّأ عندما نسمح لسرّ القائم أنّ يُحيينا من صعوباتنا وموتنا، ونفتح أنفسنا للحياة، نستطيع أنّ نعيش كأنُاس مُقامين، نستطيع أنّ نتباطأ، لا بدافع الكسل أو الحيرة أو الخوف، بل لأنّنا نرغب في التوقف مع الرّبّ لنتذوق حضوره وكلمته. مدعوين أنّ نتعلم كيف نطلب من الرّبّ أنّ يسمح لنا بأخذ موعد لنسير معه على طريق حياتنا، وأنّ نتعلم كيف نُبطئ وتيرة حياتنا، وأنّ تشتعل قلوبنا بحضوره. إنّ نعمة لقاء يسوع القائم من بين الأموات مع تلميذين على طريق عمواس يُمثل مسيرتنا البشريّة، كمسيرة لكلّ إنسان، بما في ذلك مسيرة حياتنا، تلك الـمرحلة الّتي عشناها حتى الآن. مدعوين لنتأمل معًا بإيجاز بعض السمات الـمميزة لهذه الـمسيرة التي يُقدمها لنا الإنجيليّ لوقا، لكي نفهم جميعًا حضور الرّبّ وعمله في حياتنا فهمًا أعمق. ولا نتوقف على بطء قلبنا بل لنتحرر من إنغلاقنا وإعتقاداتنا لنقبل الجديد من سرّ الـمسيح بيومنا هذا.

 

يُظهر حوار لوقا الحماسيّ بين التلميذيّن، وهما يحاولان فهم ما حدث لهما دون جدوى، حال جماعة التلاميذ، وعجزهم عن استيعاب فداحة الصليب وسرّ القيامة. يبتعد التلميذان عن أورشليم، مهد قيامة يسوع، ومهد خلاص العالم، ومعنى التاريخ؛ ويتجهان تحديدًا نحو عمواس وهي الّتي تُمثل مملكة إسرائيل. من الواضح أنّ التلميذين، في طريقهما إلى عمواس، ينظران إلى الماضي، ولذلك لا يستطيعان إدراك حضور يسوع، الّذي يريد أنّ يفتح لهما آفاقًا أوسع، إلى ملكوت الله لا إلى ملكوت إسرائيل بحسب توقعاتهم: »كُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفتَدي إِسرائيل ومعَ ذلكَ كُلِّه فهذا هوَ اليَومُ الثَّالِثُ مُذ جَرَت تِلكَ الأُمور» (لو 24: 21). وها نحن نسير مع هذيّن التلميذين، في هذا الوقت بالتحديد، وقت الضياع والفقدان؛ وقت الإنحراف والبُعد، ... وقت تحديد إتخاذ إتجاه آخر يختلف عما يتوجب علينا عمله، يفاجئنا الإنجيلي بقُرب القائم قائلاً: »بَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يسوعُ نَفْسُه قد دَنا مِنهُما وأَخذَ يَسيرُ معَهما» (لو 24: 15). القائم لم ولن يتركنا فريسة لحواراتنا وأفكارنا مع أنفسنا؛ يصبح القائم من بين الأموات رفيق حياتنا، مُقتربًا بنفسه ليسير على ذات الطّريق الّذي نسلكه، بل والجميل إنّه يأتي بذاته ويضيف علي طريقنا منعطفًا غير متوقع. مع إقتراب يسوع، يتحول طريق إنحرافنا عنه إلى طريق لقاءنا. لا يتحقق هذا لأنّنا مع كِلّا التلميّذين نسير نحو القائم، بل لأنّ القائم يدخل في مسيرتنا البشريّة ويفتح لنا آفاق لنفهم معنى حياتنا وتاريخنا. في الوقت الّذي يدنو منهم القائم سائراً معهم ليبدأ من الصفر مع هذين التلميذيّن نجد أنّ الإنجيليّ يؤكد على: «على أَنَّ أَعيُنَهُما حُجِبَت عن مَعرِفَتِه «(لو 24: 16). هذا وصف للمسّار المطلوب لإدراك حضور القائم في تاريخنا البشري. مسيرة التلميذيّن هي صورة لـمسيرتنا الباطنيّة، مسيرة من الضياع إلى الأمل الـمُستعاد، من الحزن إلى الفرح، من الصّليب كصدمة إلى الصليب كسبب للإيمان.

 

 

4. القائم والبدء من الصفر! (لو 24: 25- 35)

 

بعد أنّ أصغى القائم إليهم وبدأ بالتدريج يُعيد إلى ذاكرتهم ما تناسوه يبدأ في كشفه كـمعلم عن ذاته وما كُتب عنه بالكتب الـمقدسة يروي الإنجيليّ أنّ القائم بذاته: «يا قَليلَيِ الفَهمِ وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلـم بِه الأَنبِياء. 26أَما كانَ يَجِبُ على الـمسيح أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟ بَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه «(لو 24: 25- 27). من الـمُصطلح اليوناني الـمُترجم إلى شرح يأتي من الكلمة اللّاتينيّة ermeneutics، والّتي تعني تفسير وترجمة حياة يسوع وتاريخه كمُفتاح لتفسير الكتب الـمُقدسة. لا يتجلى معنى ما نقرأه في الكتب الـمُقدسة بشكل حقيقي وعميق إلا عند قراءته من منظور الرّوح، أي من منظور حبّ الله غير الـمشروط لبشريتنا، ومن منظور تضحية يسوع بحياته "إلى النهاية" من أجلنا. بهذا التفسير يرغب لوقا أيضًا أنّ يخبرنا بأنّ حضور القائم في تاريخنا لا يمكن إدراكه إلا من خلال الكلمة الـمُقدسة، الّتي أضاءها حدث موت وقيامة يسوع.

 

»ولـما جَلَسَ معَهُما لِلطَّعام أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كسَرَهُ وناوَلَهما. فانفَتَحَت أَعيُنُهما وعرَفاه فغابَ عنهُما. فقالَ أَحَدُهما لِلآخَر: "أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِداً في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق ويَشرَحُ لنا الكُتُب؟"  وقاما في تِلكَ السَّاعَةِ نَفْسِها ورَجَعا إِلى أُورَشَليم، فوَجَدا الأَحَدَ عشَرَ والَّذينَ مَعَهم مُجتَمِعين، وكانوا يَقولون إِنَّ الرَّبَّ قامَ حَقاً وتَراءَى لِسِمْعان. فرَوَيا ما حَدَثَ في الطَّريق، وكَيفَ عَرَفاه عِندَ كَسْرِ الخُبْز» (لو 24: 31- 35). تشير هذه الكلمات إلى كلمات تأسيس سرّ القربان المقدس. هذه اللفتة من يسوع هي الّتي مكّنت التلميذين من التعرف عليه بشكل قاطع. يدل ذلك على فهمنا لمسيرتنا الروحية كمعيار أساسي يخبرنا الرب يسوع أنّ حضوره الحقيقي في الصّلاة يفتح لنا أبواب الأخوة، ويفتح لنا أبواب الـمشاركة في بذله حياته من أجلنا، في مشاركة الحياة. هكذا نستطيع نحن أيضًا أن ندرك الكلمة التي أتت منه.

 

 

الخلّاصة

 

في نقاشنا بين الـمزمور الـ15 وبين النص اللُوقاويّ (24: 13-35)؛ إذ إكتشفنا عمق كلمة الله من خلال حوار كاتب سفر الـمزامير مع الرّبّ الّذي بناء على ثقة الرّبّ فيه يقوم بتجديد ثقته في الرّبّ بشكل بنوي. ومن خلال ثقة القائم في التّلاميذ والّتي من خلالها تجعله يبدأ من الصفر مسيرته مع مَن يعاني أزمة إيمانيّة وكان يعتقد بأن الرّبّ له من القدرة أنّ يفعل الكثير إلّا إنهما من خلال الحوار مع الشخص الّذي وصفوه بـ"الغريب" ما كان إلّا إنّه وصف يعبر عما بداخلهم عن هويّة يسوع الحقيقيّة الّتي يجهلونها. لذلك تنازل القائم من جديد وبدأ بإعداد وتكوين تلاميذه من الصفر سائراً ، متحاوراً، مُفسراً وشارحًا ما قاله وما كُتب عنه بالعهد القديم. حين أخذ الخبز وبارك، زالت غشاوة القلب والعين عنهما، فاشتعل القلب حرارة وبريقًا لتعرفهم حقيقة على الرّبّ. بعد أنّ جاءت دعوتهم على سبيل الكرم الـمادي والإستقبال للغريب قائلين بتلقائية: "أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ الـمساءُ ومالَ النَّهار. فدَخَلَ لِيَمكُثَ معَهما" (لو 24: 29). ها هو القائم في مجده يدخل البيت البشري ويقيم مع مَن يجهلونه ويبدأ من جديد الـمكوث معهم وبركتهم وإشعال نار ونور قيامته بداخلهم ثمّ يختفي عن عيونهم. إستنارتهم بحضور القائم هي السبب في تغيير إتجاههم القلبي ليس فقط الجغرافي بعودتهم إلى أورشليم. فلنترك ذواتنا ليبدأ القائم معنا من الصفر ويزيل جهلنا عن حقيقته ويشعل قلوبنا وعيوننا بنور قيامته الدائمة. دُمتم في معرفة حقيقيّة وسير مستمر مع القائم.