موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ١٢ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

"نعمة الـPistes بالقائم" بين كاتبي سفر الـمزامير والإنجيل الرابع

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (مز 118؛ يو 20: 19- 31)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (مز 118؛ يو 20: 19- 31)

 

الأحد الثاني من زمن القيامة (أ)

 

الـمُقدّمة

 

تُطلق الكنيسة على الأحد التالي للقيامة الرّبّ مباشرة بــ "أحد الرحمة"، حيث تلاقت رحمة الله بفقر الإنسان بعد قيامة يسوع من الأموات. مما يعني أنّ يسوع بدأ مسيرته من جديد مع تلاميذه، ونحن معهم، من الصفر مُرافقًا إيانّا في أوقات أزماتنا الإيمانيّة بعد عبور سرّه الفصحيّ. نرتكز في قرأتنا فيما بين العهدين بمقالنا هذا على سرّ حياة القائم من بين الأموات، الحاضر في حياتنا اليوميّة ككنيسة، والّذي أصبح بعد تمجيده بالقيامة من قبل الآب ملموسًا. في هذا الـمقال، الّذي أعطيناه عنانًا باِسم "نعمة الـــــ Pistes"أي نعمة الإيمان فهي بمثابة نعمة الرحمة الّتي يمنحها بمجانيّة القائم ليّ ولك. من خلال قرائتنا للنص الشهير لكاتب الإنجيل الرابع، حيث نتواجد مع التلاميذ بالعُليّة، قارئين حدث فريد بحسب الروايّة اليوحنّاويّة (20: 19- 31) في إحدى ظهورات القائم، بعد ثمانية أيام من قيامته (اليّوم الثامن)، يبدو إنّنا ككنيسة سنكتشف من الآن وصاعداً في هذا الزّمن الفصحيّ معنى جديد عن القائم الّذي يرافقنا كاشفًا سِرّه الإلهيّ. ولكننا بفضل قراءتنا الأوّلى بالعهد القديم والّتي سنكتشف فيها كلمات كاتب سفر الـمزامير (118)، والّذي يكشف جمال السِرّ الإلهي بشكل إستباقي حيث يدعونا للبهجة والتهليل.

 

 

1. رحمة الرّبّ (مز 118)

 

يدعونا كاتب سفر الـمزامير  أنّ نحمد الرّبّ وبعطينا مباشرة السبب وهو: «اْحمَدوا الرَّبَّ لأنه صالِح لانَّ للأبد رَحمَتَه» (مز 118: 1). وليس فقط بل يستمر داعيًا بشكل مباشر لكلّ فئة مثل بيت إسرائيل، وبيت هارون   حتى يصل تدريجيًا إلى الـمُتّقون للرّبّ مكرراً: «للأبدِ رَحمَتَه [الرّبّ]» (مز 118: 2-4). يمنحنا الـمُرنم خبرته الشخصيّة  «الرَّبُّ قوتي ونَشيدي لقد كانَ لي خَلاصا» (مز 118: 14). هنا يؤكد بأنّ الحياة الّتي تُعاش مع الرّبّ وتُؤسس على «يَمينُ الرَّبَ بِبَأسٍ عَمِلَت يَمينُ الرَّبِّ اْرتَفَعَت يَمينُ الرَّبِّ بِبَأسٍ عَمِلَت. لا أَموتُ بل أَحْيا وبِأَعْمالِ الرَّبِّ أُحَدِّث» (مز 118: 15- 17). وهنا يأتي قرار الـمُرنم مُعلنًا بأنّه لن يموت بل أنّ كل حياته ستصير شهادة عن أعمال الرّبّ وهي الّتي ستكون محور حواراته وأحاديثهمع الآخرين. ربّ الحياة هو الـمركز ويمينه الّتي عضدت الـمُرنم بشكل إستباقي هو الّذي يكمل التعضيد معنا حتى يومنا هذا. وكما إنفتح كاتب الـمزمور على عمل الله في حياته وأدرك خلاصه بقوله: «إِفتَحوا لي أَبوابَ البِرّ فأَدخُلَ وأَحمَدَ الرَّبّ. هذا بابُ الرَّبِّ فيه يَدخُلُ الأَبْرار» (مز 118: 19- 20). ومن هذا الباب، باب الحمد، نجد أنّه سيصير لنا باب الحمد والتسبيح الدائم للرّبّ والسبب هو أنّ هناك أبواب لا تنفتح ولكن هناك دخول القائم لييُقظ إيمان التّلاميذ الـمُتأزميّين أمام تحديات الحياة، مثلنا.

 

 

2. ترائي القائم (يو 20: 19-23)

 

في هذا الترائي الجديد للقائم، نستعين بكلمات كاتب سفر الـمزامير بالتسبيح، حيث إنّه في اليّوم الثامن من قيامته يتقدم ويبادر بالخطوة الأوّلى وهي الحضور من خلال الوقوف في الوسط ليبدأ في مساندة التّلاميذ، الّذين يمثلوا كلّاً منا، فقد تشتتوا ولازالوا في حالة الفزع والخوف بتوضيح وصف الإنجيليّ القائل: «في مَساءِ ذلك اليَومِ، يومِ الأحد، كانَ التَّلاميذُ في دارٍ أُغْلِقَتْ أَبوابُها خَوفاً مِنَ اليَهود، فجاءَ يسوعُ ووَقَفَ بَينَهم» (يو 20: 19). هذا الإنغلاق ليس لأبواب الدار بل لأبواب قلوب وعيون رفقاء يسوع. وفي لحظة ضعف بعض من التّلاميذ هذه، يأتي يسوع القائم والـمُمجد واقفًا في الوسط، فيصير من جديد دعوته لهم بعدم التركيز على إنغلاق قلوبهم وحالتهم بل على سرّ القائم الّذي سيستمر في كشفه لهم ومعاونتهم للخروج من هذا الإنغلاق للإنتقال إلى قبول نعمة الإيمان بيسوع القائم الّذي يأتي عمليًا حتى اليّوم ليقيمنا مع تلاميذه بهذا التجلّي الّذي يمنحهنا حياة جديدة.  لقد ترائي يسوع على الشاطئ بحيرة طبريّة قبلاً (راج يو 6: 16- 20) إلّا إنّه لم يكن قد عَبَرَ سِرّه الفصحي، أي عبوره لآلامه ولـموته وبقيامته.

 

ثمّ تأتينا الخطوة الثانيّة وهي كلمات القائم والّتي تشير للـملء قائلاً: «السَّلامُ علَيكم! قالَ ذلك، وأَراهم يَدَيهِ وجَنبَه ففَرِحَ التَّلاميذُ لِمُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ. فقالَ لَهم ثانِيَةً: "السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً". قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: "خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم!"» (يو 20: 21- 23). هذه الأقوال هي بمثابة الـميراث الّذي يتركه الـمعلم-القائم للتّلاميذ، الـمُتمثليّن فينا اليّوم، وهم مَن يحملون رسالته في الـمستقبل. أقوال يسوع مرافقة بعلامات آلامه وجراحاته الّتي تحملها حبًا بنا. ولكن يسوع لم يصرخ أو يتألم فهو قد إنتصر على الـموت ولم يعد للألم أي تأثير على يسوع والسبب هو قيامته وإنتصاره على كلّ شرّ.

 

 

3. القائم وتوما (يو 20: 24-25)

 

أمام هذا الحضور والأقوال الـمباشرة من القائم للتّلاميذ نجد أنّ هناك بحسب الروايّ’ الّت تقتصر فقط عتلى يوحنا بأنّ هناك تلميذ يشبه كلاً منا إذ يعبر بأزمة إيمانيّة ولم يتمكن بعد من تصديّق التلاميذ حيث أنّ: «توما أَحَدَ الاثَنْي عَشَر، ويُقالُ له التَّوأَم، لم يَكُنْ مَعَهم حِينَ جاءَ يسوع. فقالَ لَه سائِرُ التَّلاميذ: "رأَينا الرَّبّ"» (يو 20: 25). كم من الـمرات يأتي يسوع ونحن غير متنبهين لهذا الحضور السرّي؟ وكم من الـمرات غير حاضرين أمام حضوره الحيّ والـمميز؟ اليّوم مدعوين للنتسأل كم من أعياد القيامة مضت بنا ولم نكون حاضرين حقًا. هذا العام يأتي ويأخذ مكانه في مركز حياتنا ليعيدنا إليه بقوة قيامته!

 

وهنا يجيب توما علانيّة مشيراً بهشاشة إيمانه حينما أعلن رفقاءه بأنهم رأوا الرّبّ قائلاً: «إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ الـمسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ الـمسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن» (يو 20: 25). إذن اللمس لمكان آلام يسوع، والنظر بعمق لآثار الـمسامير ... هما أسباب إيمان توما وإيماننا. علامات الألم يصيروا مصدر لإيماننا، وكلّ وقوف ليسوع في وسط حياتنا هو مجئ بالرغم من إنغلاقنا، ليعاوننا لـمُواجه أزمات حياتنا. إذ يأتي عارضًا عليه أنّ يفعل ما يحتاجه توما وكلاً منا.

 

 

4. "نعمة الـــــ Pistes" (يو 20: 26-31)

 

نعمة "الـــــ Pistesالإيمان" من خلال الحدث الـمُعاش مع توما الّذي له من الجرأة في أنّ يكشف ضعف إيمانه علانيّة، كما أوضحنا بأعلى، يظهر القائم ليعاونه للخروج من هذه أزمته وإنغلاقه، داعيًا إيّاه وإيّانا لنستفيق من هذه أزماتنا بل نواجهها من خلال إيمانه هو بنا وبضعفنا الّذي سيواجهه معنا بعد ثماني أيام يأتي وأبواب قلوبنا مغلقة عن الإيمان به قائلاً: «"السَّلامُ علَيكم!" ثُمَّ قالَ لِتوما: "هَاتِ إِصبَعَكَ إِلى هُنا فَانظُرْ يَدَيَّ، وهاتِ يَدَكَ فضَعْها في جَنْبي، ولا تكُنْ غَيرَ مُؤمِنٍ بل كُنْ مُؤمِناً"» (يو 20: 26-28). هذا هو سرّ القائم الّذي يأتي ليثبتنا في إيماننا، وهنا تأتي الـمفاجأة حيث يروي الإنجيليّ إعتراف توما الشخصيّ بقوله: «رَبِّي وإِلهي!» (يو 20: 28). وهنا نشعر بأنّ إيمان القائم أقوى بكثير من إيماننا فهو يأتي بالرغم من حالة الإنغلاق الّتي تسدو بسبب عدم إيماننا به ويقول لي ولك اليّوم: «أَلِأَنَّكَ رَأَيتَني آمَنتَ؟ طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا» (يو 20: 28). نعمة الإيمان هي الّتي تجعلنا علامات حبّ القائم لنا، فالإيمان بحسب يوحنّا يرتبط بالرؤيّة والآن مدعويّن بأنّ نؤمن خاصة وقت الأزمات إذ عين الإيمان هي الّتي تعاوننا أنّ ننظر على القائم الّذي ينتشلنا من أزماتنا بفضل نعمة إيمانه بنا بالرغم من إنغلاقنا ومقاومتنا الداخليّة لكن تأتي نعمة رحمة الرّبّ لتعاوننا لإستعادة حياتنا وإيماننا بالرّبّ.

 

 

الخلّاصة

 

محور مقالنا هو  "نعمة الإيمان- Pistes" سواء من قبل مرنم الـمزمور (118) الّذي ردد كثيراً "لأن رحمته للأبد"، فقد تذوق الكاتب بالعهد القديم التسبيح بسبب إيمانه بالرّبّ وإختباره بيمين الرّبّ العامل في حياته. على هذا الـمنوال يدعونا يوحنّا الإنجيليّ (يو 20: 19- 31) من خلال لقاء يسوع القائم بالتّلاميذ بدون ومع توما إذ دعاهم كما يدعونا نحن اليّوم بأنّ نستفيق ونستعيد نعمة الإيمان الّتي منحنا إياها بإيمانه بنا وفينا وبكشفه علامات آلامه لنرى ونؤمن لنحيا حقيقة الحياة الّتي يرغب القائم وهي أنّ نؤمن به وهو يؤمن بنا بناء على علاقة حبّ تجمع زمن الرّبّ بزمننا البشري بفضل قيامة الابن الإلهيّ. دُمتم في التمتع بالرحمة بالرّبّ من خلال قبول نعمة الإيمان بشكل يوميّ.