موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أحد القيامة الـمقدّس (أ)
الـمُقدّمة
تتكّلل مسيرتنا الكتابيّة الصغيرة الّتي بدأناها بالزّمن الأربعينيّ، بداخل مسيرتنا الكتابيّة السنويّة، لتصل إلى ذروتها من خلال قيامة يسوع الّذي نعلنه في إيماننا قائليّن: تألم ومات وقُبر... بحسب الزّمن والـمنطق البشريّين. إلّا أنّ مخطط الله العذر والـمُفاجئ يتدرج ويعلن الله الآب قيامة ابنه ويتصالح مع زمننا البشريّ بزمنه الإلهيّ والأبديّ. نعم تتفاعل الأزمنة الإلهيّة مع الأزمنّة البشريّة، فيتشابكا هذيّن الزّمنيّن الخاصيّن في تاريخنا البشريّ ليعلنا قوة الرّبّ من خلال تزّامن الـزمن الإلهي الّذي نطلق عليه الــــ Kairos بالـــزمن البشري والّذي نطلق عليه Kronos. هذا التزّامن الغير مُتوقع والغير مُنتظر هو ما سيصير قلب نصيّ هذا الـمقال الّذي يكون جوهره "قيامة الرّبّ". هذا التزّامن الّذي يجمع بين فكر كاتب سفر الـمزامير (118 "117")، الّذي يشيد بزّمن الرّبّ العظيم وقدرته في يوم يصير الإبتهاج والتهليل لكلّ مَن يؤمن به. وفي ذات الوقت نتلّمس بأنّ زمننا البشريّ يناله التدخل الإلهيّ حيث أنّ علامات القيامة كالقبر الفارغ واللفائف بدون جسد ليسوع الـميت بحسب يوحنّا الإنجيلي (20: 1- 9) يصيروا علامات الزّمن الإلهي الّذي يدخل الزّمن البشريّ ويقلّبه رأسًأ على عقب مُعلنًا أنّ الـمسيح قام من بين الأموات، بل يصير لنا، حتى يومنا هذا، ولكلّ الأجيال الـمستقبليّة بالعصور الّتي لم تأتي بعد كحدث أبديّ يغير وضعنا وفكرنا ويصير دائمًا جوهر إيماننا هو شخص الـمسيح الـمصلوب الّذي قام من أجلنا.
1. يميّنُ الرّبّ (مز 118 "117")
يدعونا كاتب سفر الـمزامير ، مع الشعب اليهوديّ، في هذا الـمزمور إلى الحمد والتسبيح قائلاً: «اْحمَدوا الرَّبَّ لأنه صالِح لانَّ للأبد رَحمَتَه» (مز 118: 1). يكمن سبب هذا التهليل في قول الكاتب الّذي عبر ببعض الآلام، إلّا إنّه دعى الرّبّ قائلاً: «في الضِّيقِ دَعوتُ الرَّبَّ فاْستَجابَ الرَّبُّ لي وفي الرُّحْبِ أَقامَني» (مز 118: 5). يشهد الـمُرتل في حياته الّتي نالها عابراً هذا الضّيق بأنّ: «يَمينُ الرَّبَ بِبَأسٍ عَمِلَت يَمينُ الرَّبِّ اْرتَفَعَت يَمينُ الرَّبِّ بِبَأسٍ عَمِلَت. لا أَموتُ بل أَحْيا وبِأَعْمالِ الرَّبِّ أُحَدِّث [...] إِفتَحوا لي أَبوابَ البِرّ فأَدخُلَ وأَحمَدَ الرَّبّ. هذا بابُ الرَّبِّ فيه يَدخُلُ الأَبْرار [...] الحَجَرُ الَّذي رَذَلَه البَنَّاؤون قد صارَ رأسَ الزَّاوِيَة [...] هذا هو اليَومُ الَّذي صَنَعَه الرَّبُّ فلنبتَهِجْ ونَفرَحْ فيه» (مز 118: 16- 24). هذه الكلمات الّتي إستبق بها كاتب سفر الـمزامير معلنًا بعض أحداث من حياته الـمؤلـمة وهي الّتي إختبر فيها يد الله القدير وهناك يوم محدد قرره الرّبّ لنتهلل ونفرح. نعم ما هي، كلمات الـمُرتل، إلّا تعبيرات تجسدت في نعمة القيامة الّتي فيها حول الله الآب بيمينه حياتنا وصارت ذات مذاق فرح حيث لا تُزال قدرة الرّبّ وهي الّتي جعلت من الحجر الّذي لم يكن له قيمة أساسًا لبناء إلهيّ وبشريّ معًا. لقد تزامنا وقتيّن، إلهي وبشريّ، في الـمسيح القائم كما سنرى على ضوء النص اليوحنّاوي بالعهد الجديد.
2. إمرأة القيامة (يو 20: 1- 10)
في اليّوم الـمُخصص لـقيامة ربّ الـمجد القائم وهو بمثابة جوهر إيماننا الـمسيحيّ، يمكننا من خلال أوّل مسيرة بحث، مريم الـمجدليّة، عن جسد الرّبّ. حيث تقدم لنا الليتورجيا القيامة وهو بمثابة "عيد الأعياد" وهو عبور الرّبّ من الحياة الأرضيّة إلى الحياة الّتي لا تنتهي وهي الأبديّة بنعمة قيامته. أثناء معايشة الـمجدليّة حدث موت يسوع وبعد وداعها لصديقها الحميم الّذي مات ظُلمًا. يصف لنا الإنجيليّ يوحنّا، بالزّمن البشريّ، لحظة حميمة ورقيقة تمتزج فيها مشاعر ألم الـمجدليّة الـممزوجة بالبحث عنه لتكريم جسده الـميت وحزنها الـمتشابك بظلام الليل وهي ما سيفاجئها بها الرّبّ القائم. بينما يبدأ كلّ شيء في ظلام الليل الّذي يُعبر عن حزن الـمجدليّة، وهي تُمثلنا وتُعبر عن حالنا في كثير من أوقات عبورنا بـمحن وتحديات الحياة. فيروي كاتب الإنجيل الرابع واصفًا أفعالها: «وفي يَومِ الأَحَد جاءَت مَريمُ الـمجدَلِيَّةُ إِلى القَبْرِ عِندَ الفَجْر، والظَّلامُ لم يَزَلْ مُخَيِّماً، فرأَتِ الحَجَرَ قد أُزيلَ عنِ القَبْر» (يو 20: 1). وسط إرتباكها العام، يبدو شيء واحد مؤكدًا، توجه الـمجدليّة، نحو القبر، لتتحرر من التيّه الجسديّ والنفسيّ. حيث تستمر الـمجدليّة في السير بثبات، نحو القبر، ، بالرغم من قلبها الـمكسور نحو الـمكان الّذي يضم جسد يسوع ربّها وصديقها ويعبر بذاكرتها شريط من الذكريات الـمُمتزجة بالدموع لفقدان صديقها يسوع.
ولكن هناك مفاجأة تنتظرها فهي بمجرد أنّ رأت الجحر ليس بمكانه، وهو بمثابة العلامة الأوّلى لتشابك الزّمن الإلهيّ بالبشريّ، نجدها تغير إتجاهها وتعود لذات الطّريق الّذي آتت منه متوجهه نحو أصدقاء يسوع، هما بطرس ويوحنّا صارخة: «أَخَذوا الرَّبَّ مِنَ القَبْرِ، ولا نَعلَمُ أَينَ وَضَعوه» (يو 20: 2). ومن جديد نجد الـمجدليّة تسير نحو القبر ويرافقها كِلا التلميذيّن! وصل الصغير وهو يوحنّا قبل الكبير بالعمر وهو بطرس، ودخلا بالقبر ووجدا فقط اللفائف ولم يجدا الجسد! لكنهما وجدا فقط علامات الرّبّ القائم (الحجر، القبر الفارغ، اللفائف ... إلخ) (راج يو 20: 5- 7) وهو بمثابة العلامة الثانيّة لتشابك الزّمن الإلهيّ بالبشريّ. وهنا يتوقف الزّمن البشريّ Kronos لـمريم لأنّه سيتشابك بالزّمن الإلهيّ Kairos كيف؟ ومتى؟ هذا هو الجديد الّذي يعلنه كاتب الإنجيل الرابع كشاهد عيّان مشيراً بقوله بأنّ: «[بطرس ويوحنّا] لم يكونا قد فهِما ما وَرَدَ في الكِتاب مِن أَنَّه يَجِبُ أَن يَقومَ مِن بَينِ الأَموات» (يو 20: 9). حدث قيامة يسوع هو الحدث الّذي أتمّه الله الآب بحسب زمنه الإلهيّ مُعلنًا تصّالح الأرض مع السماء في زمننا البشريّ في صالح كلّ إنسان بسبب حبّ الله لبشريتنا الضعيفة.
3. تزّامن الــ Kairos بالـــ Kronos (مز 117؛ يو 20: 1-9)
تغيّر حال الـمجدليّة نحو الحياة، نحو العزاء الّذي ملأ وجودها بالمعنى. نحن أيضًا مع الـمجدليّة مدعويّن، يوم القائم، لتذكر اللقاءات والأشخاص الّذين غيروا حياتنا وعبروا إلى ملء الحياة. الـمُنتقليّن الّذين ساعدونا لطرد مشاعر الحزن والوحدة، وساندونا لنتمتع بالشّفقة على ذواتنا بدون ندم. بالنسبة لنا نحن الـمسيحيين، كلّ خسارةٍ هي بمثابة وعد بتجدد جذريّ، بحياة جديدة! وهكذا، بينما تستذكر مريم عاطفيًا النِعِم الّتي إختبرتها، تتلقى في اليّوم غير الـمتوقع "نداءً ثانيًا: يا مريم". هذا النداء النابع من صوت القائم ذاته يعيدها إلى الطّريق الصحيح طريق الحياة، يدعوها إلى إدراك حضوره (راج يو 20: 11- 19). في يوم الأحد، وهو أوّل أيام الأسبوع، تحلّ أجمل نعم الله من خلال قيامة يسوع الابن الإلهيّ. ترك يسوع القبر مُعلنًا تحرره الكامل من الـموت والشّرّ والألم والخطيئة. سرُّ القيامة هو يقيننا بأنّ يسوع، مُتحرر من الـموت بشكل نهائي، حاضرٌ معنا دائمًا! القيامة هي الـموضع الّذي يتجسد فيه زمن الله وهو الّذي نطلق عليه الــ Kairos متزامنًا مع زمننا البشريّ الّذي نطلق عليه الـــ Kronos، وتصبح أماكننا البشريّة مِلكًا له، ويُنظر إلى مُستقبلنا الأبدي. في تلك اللحظات الحميمة الّتي نلتقي بها مع القائم، حين نشعر وكأننا نستطيع لمسه، احتضانه، ينادي القائم كلاً منا بإسمه. يمنحنا القائم الفرصة لنكون مبشريّن ببشرى القيامة، فرصة لـمواساة وتشجيع إخوتنا وأخواتنا. وحدهم مَن يدركون هويتهم يستطيعون التوقف عن العطاء وتسليم أنفسهم. يصبح الوعي العميق بكوننا أبناء الله، إلهييّن بالهبة والطبيعة، ملموسًا في الإصغاء إلى كلمته الـمُحبة وفي الحياة الجماعيّة. كلما عشنا فرح القيامة تمتعنا بتشابك زمن الحياة الإلهية الــ Kairos مع زمن حياتنا البشريّة Kronos.
الخلاصة
ناقشنا بهذا الـمقال جوهر إحتفالنا بقيامة الرّبّ من خلال كلمات كاتب الـمزمور (118) الّذي تهلل بالحمد والتسبيح للرّبّ وصار له يومًا خاصًا للإبتهاج بالرّبّ وبأعماله العظيمة بالـماضي. وبالتوازي ناقشنا في النص اليوحنّاويّ (20: 1- 10) حيث أنّ عاونتنا خطوات الـمجدليّة نحو القبر بأنّ نكتشف العمل الإلهي العظيم الّذي تدخل الله الآب ليكشف عن زمنه الإلهي بشكل يفوق الطبيعة والـمنطق البشريّين. مما يجعلنا نكتشف سرّ حيّ الله الّذي جعل زمنه الإلهي وهو الــ Kairos يتزّامن مع زمننا البشري وهو الــ Kronos. قيامة يسوع لعامنا الحاليّ 2026 يحمل لكل منا رسالة فرح ونور حيث يشع القائم مُعلنًا أنّ بقيامته منحنا نوره وحياته الأبديّة. دُمتم في قبول الزّمن الإلهيّ بزمننا البشريّ فتشع حياتنا بنور القائم.