موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
2- الأُسس الكتابية
1.2- تاريخ ما قبل ظهور الثالوث في العهد القديم:
1.1.2- مؤشرات منهجية:
المعالجات ”الكلاسيكية“ أو القديمة لعقيدة الثالوث استخدمت مرجعية العهد القديم على النحو التالي: استشهدت بشواهد قديمة تقليدية يتحدث فيها الله عن ذاته بصيغة الجمع (تك 1: 26؛ 3: 32؛ 11: 7؛ أش 6: 8) أو شواهد يبدو ظهوره فيها بصورة ثلاثة أشخاص (تك 18)، ثُم تفسرها كمؤشرات مُستَتِرة لسرّ الثالوث الإلهي. هذا النهج تمثَّلَ في ”التفسير الشكلي“ في بدايات المسيحية (أنظر3.1.3.)، التي فسرت بعض الأشكال الحوارية، المستخدمة على سبيل المثال في المزامير (2؛ 110: 1)، كأحداث حوارية بين ثالوث. إن التفسير الكتابي الذي لا يزال معتمداً حتى اليوم يطرح بطريقة أكثر جذرية مسألة الحدود التي يشير العهد القديم ضمنها إلى ظهور ثالوث العهد الجديد: أي أنه يناقش كيف أنّ مفهوم الظهور في العهد القديم يعترف ويغرس فكرة التمييز الذاتي لإله إسرائيل الواحد الأزلي.
2.1.2- التوحيد في العهد القديم:
إن تكوين وصياغة التوحيد في العهد القديم يتوافق مع خبرة سيادة يهوه وتساميه على العالم. يهوه ليس جزءاً من واقع العالم المتعدد الأجزاء، فهو متسامي عنه تسامياً لا نهائياً، بل هو الأساس الأصلي الوحيد للعالم الذي يجمع وينظم معاً من أعمق الأعماق. بَيدَ أنّ إله إسرائيل المتسامي فوق العالم وبعيد تماماً عن متناول ذهن الإنسان هو في نفس الوقت إله قادر على تكوين علاقات ومتحمس لفعلها. إنّه أيضاً دائماً بقُرب شعبه المختار ويدعمه ويبلغه بإرادته. فضلاً عن أنّه مع سموه، يسعي باستمرار لأنّ يكون حاضراً في التاريخ حضوراً يجلب الخير لشعبه وفي نفس الوقت حضوراً مُتَطَلِّبَاً، حضوراً يجعل شعبه يختبر كونه إله فاعل في التاريخ بسيادة وسلطان إرادته المقدسة. «إن الأقوال المتضاربة عن الله، الإله الذي يهيمن على عالم الإنسان دون أن يستطيع الإنسان أن يختبر حضوره، في حين أنّه يمكن أن يكون في تواصل مع العالم بل هو بالفعل في تواصل معه»، (ش. تالمون، الأساسيات =Sh. Talmon, Grundzüge, 28 )، هذه الأقوال تثير التساؤل حول الوسائل الملموسة لحضوره التاريخي.
3.1.2- كلمة، وحكمة الله وروحه:
إله إسرائيل قريبٌ من شعبه بكلمته، وبحكمته، وبروحه.
الكلمة والحكمة والروح هي «وسائط التجلّي» التي يظهر بها الله لشعبه ويجعل شعبه يختبر حضوره؛ مع ذلك يجب ملاحظة أن «وسائط التجلّي» هذه يُمكن اعتبارها أيضاً حقائق مستقلة، حتى على الرغم من أنه من الواضح أنها غير منفصلة أبداً عن الله. إن تجسيد الكلمة - «المُرسل» من يهوه (أش 9: 7؛ مز 107: 20؛ 147: 18)، الذي يشفي (حك 16: 12) ويندفع كمحارب في وسط الأرض المقصود إهلاكها (حك 18: 15) - لا يزال محدوداً جداً، على الرغم من أنه لا يجب علينا هنا أن نتجاهل أن الواقع المستقل للكلمة، الذي ذكرناه للتو، يتناقض مع خبره الله، «البعيد عن هنا تماماً»، أو ببساطة ”المتعالي“. بَيدَ أنّ تمثيل الحكمة أوضح بكثير في أسفار الحكمة (مثلاً، أم 1: 20-33؛ 8؛ 9: 1-16؛ سير 24؛ حك 6: 12-25؛ 7: 22- 8: 1). إنّها حكمة الله؛ لكن يُشاد بها أيضاً كأولى مخلوقاته التي تُريد أن تعيش بين البشر وتُعلِّمَهم الطريق الصحيح للخلاص. حتى لو كان ينبغي النظر إلى هذا التجسيد في المقام الأول كوسيلة أسلوبية شعرية، فيجب ألا ننسى تأثيره في التاريخ، المرتبط قبل كل شيء بفكرة «وسائط الخلق» (أم 8: 22-32 أو سير 24: 3 والإضافة الواردة في نسخة الڤولجاتا: « بكراً قبل كل خليقة»). ويبدو أيضاً أن الأمر الأكثر أهمية هو الحقيقة «المستقلة» التي شهد بها العهد القديم بطرق عديدة، ألا وهي حقيقة روح الله. الحقيقة التي يمكن النظر إليها بأسلوب عتيق للعيق، على أنها نسمة يهوه التي يغرسها في كل حياة؛ كقوة إلهية غير منظورة تُحيي كل شيء، وهي قريبة جداً من الإنسان ويمكن اختبارها بشكل مباشر. روح الله يدفع الأنبياء أيضاً للنطق بأحكامهم وكلمات التشجيع؛ فهو «يحِلُّ» على المُختار (أش 61: 1) وعلى مسيح الله (المسيّا)؛ كما أنّ الله يجعله يحلّ على عبده لكي «يُبْدي الحَقَّ لِلأُمَم» (أش 42: 1؛ راجع 11: 1-5). وهناك وعد في نهاية الأزمنة بإفاضة روح الله على جميع البشر (يوء 3: 1-5؛ أش 4: 4-6؛ 32: 15-20؛ 44: 3-5). فالروح سوف يخلقهم من جديد ويجعلهم يشاركون بشكل مباشر في الشركة مع الله دون الحاجة إلى أي وساطة خارجية (حز 11: 19،، ؛ 3: 36،،). روح الله سيحلّ في الناس وبين الناس ويقودهم من الأعماق (من ” داخل القلب“) صوب الله وكلمته. روح الله «مُرسَل» (حك 9: 17)؛ ويُقيم فيما بين الشعب (حج 2: 5)؛ وهو يحزن فيُقاتل الذين يُحزنونه (أش 63: 10). إن الميل نحو التجسيد هنا يعكس خبرة عطية من الله، حيث يوصِلَ الله ذاته – حضوره الديناميكي – فيُحرِّك البشر في إتجاهه.