موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إن الكنيسة بيت الصلاة، لأنها مسكن الله. ورسالتها تحمل المحبة والإيمان بالمسيح يسوع. فحينما نخرج من الكنيسة - بعد أن نكون قد شكرنا الله على نعمه في هذه الحياة ورفعنا طلباتنا إلى رب السماء - نحمل معنا سلاماً وأمناً، نعطيهما للناس الذين نلتقيهم ولكل من نصادفه في طريقنا.
فالكنيسة ليست مسكني أنا فقط لأعمل بها ما أشاء، بل هي مسكن الله، والحديث عنها طويلاً. فإننا حينما ندخل الكنيسة نقول:"إلى بيتك يا ربّ دخلتُ. وأمام قدسكَ سجدتُ أيها الملك السماوي. فاغفر لي كل خطاياي"، وهذا يعني أنني أدخل إلى الكنيسة لأصلّي وأرفع قلبي إلى الله، لأن الصلاة هي لقاء مع الله كما أنها مفتاح باب السماء (كما أردّد ذلك كثيراً). ويوحنا الدلياتي يقول:"إن الصلاة هي لقاء مع الله، ورفع القلب إلى الله. وأنا لا شيء أمام الله".
لذا، سواء كنّا مسيحيين أو غير مسيحيين، لا يجوز أن يكون دخولنا إلى المعبد لغرض شخصي وكما نشاء، فليس بالأمور الشخصية وحدها يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. فمن الواجب علينا أن نهتم بكنائسنا ودور عبادتنا، ولكن الأهم هو الاهتمام بمؤمني كنائسنا وقيادتهم في طريق الإيمان ليُدركوا حب المسيح للبشر أجمعين. فطريق المسيح يقود الإنسان المؤمن حيث الرب، ليصلّي، وليس فقط لتمشية وقت أو لمراقبة الناس أو لأمور شخصية ذاتية.
فالكنيسة ليست معرضاً لتضييع الوقت ومراقبة الآخرين في صلاتهم أو لتصوير أطفالنا كما نشاء، لنعرضها بعد ذلك على الفيسبوك ليشاهدها المشتركون وجميع الناس ويكتبون تعليقاتهم كما يشاؤون وهكذا نكون قد "أَخَذنا أَجْرَنا" (متى5:6) ونلنا ما شئنا ونسينا أن الحياة هي من نِعَم السماء، فالبابا فرنسيس قالها مرة:"نتسابق لكي نعرض أول ناس على الفيسبوك والجميع مهتمين بهذا الشأن".
أقولها وبكل صراحة ووضوح: إنني معجب ببعض الكنائس اللبنانية المبنية من حجر، إنها تقود إلى فقر الناس وبساطتهم، بعكس الكنائس في بلدنا فهي "زرق ورق"، حيث نرى الكبار - وخاصة في هذا الزمان - يعملون ويهتمون بهذه الأشياء الفارهة والملونة وينسون أن البيت الذي يبنونه ويزخرفونه ليس مُلْكهم بل هو مُلْك الله. إذ أنهم يعملون ذلك من أجل الشهادة لمصالحهم والتباهي بأعمالهم من خلال المناظر، وكأن صورهم هي الحديث الوحيد والحقيقي لمجمل احتفالاتهم، ولكن أقول: ربما أنهم مغشوشون، فالمنظر ليس حقيقية وإنما مأخوذ بواسطة الكاميرا أو مرسوم، لذا لا يظهر المنظر حسب إرادتنا وما نرغب، وعلى الرب واجب أن يدفع الثمن فيكافئنا على أننا قمنا بتزيين بيته بأمور غريبة وبالنتيجة فإننا نخدم البشرية بهذه الأمور وخاصة حينما نقوم بنشرها على صفحات الفيسبوك، وحينها ستكون حدث اليوم وحديث الساعة... ومع الأسف!
لنسأل أنفسنا: هل نحن نعبد المناظر أم نعبد الله؟ هل نعبد الجدران أم نعبد الله؟ فعبادة الله تختلف عن عبادة المناظر واللوحات والجدران، فعبادة الله هي رحمة للأجيال، أما عبادة االمناظر والجدران والأشخاص فستزول يوماً لأنهم من الدنيا والتراب وسيزولون يوماً ما. فهل حوّلنا الكنيسة إلى متحف نسير فيه كما نشاء وفي فمنا كرزات؟ هل عملنا بما قال المسيح:"هذا الشَّعْبُ يُكرِمُني بِشَفَتَيْه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي" (متى8:15)؟ ألا يكفي رياء وكذب في عبادتنا؟ هل نحن في صالة أحد الفنادق الفخمة؟ لنعلم أين نحن، هل أننا نشيّد ملكوت الله فترتفع القلوب إلى السماء؟ فالمسيح حينما دخل الهيكل لم يجد مكاناً للصلاة، لأن التجّار قد استخدموه لتجارتهم ومصالحهم، وباعوا فيه كل شيء (متى12:21-13). واليوم، الكثير من الناس هم باعة في الهيكل وأصحاب البسطات، وقد حوّلوا بيت الله إلى مخازن وبسطات للجميع، والمسيح قد أعطانا أفواهاً لنمجّده كما يقول مار يعقوب:"وأَمَّا اللِّسانُ فَبِه نبُارِكُ الرَّبَّ الآب" وليس لشيء آخر. فالويل لنا إن حوّلنا بيت الله إلى ما يشاء الإنسان. فالرب يريدنا أن نمجده وليس حديثنا، وبسمتنا وليس شيئاً آخر (ربما في وقت آخر).
وما أراه اليوم أن كنائسنا لم تعد منازل لله ولا للصلاة، ولكن مكاناً للحديث والحديث عن الناس، وكبار الزمن لا يبالون بذلك، ويمكن هم السبب الأكبر. فنحن نعيش في زمن الزيف، نعم في زمن السطحية والتزييف، فهل يبقى الإنسان صوتاً صارخاً أم صوتاً تافهاً؟ أم أن كبار الزمن هم الصوت الصارخ؟ وهكذا استبدلنا مكاننا في بيت الرب، من مكان نجد فيه صلاتنا إلى مكان نجد فيه راحتنا وسلوانا ومصلحتنا ومشاريعنا. فمن المؤكد أن كنائسنا لم تعد بيت صلاةٍ إلا بعضاً منها، بل معظمها تحولت إلى ديكورات من أجل تمجيد البشر، وننسى أن الله وحده يجب أن يُمجَّد كما فعل موسى "لنخلع نَعْلَينا وندخل" (خر5:3).
لذا، عند دخولنا إلى الكنيسة علينا أن نخلع كبريائنا وندخل بكل احترام، وإلا أصبحت صلاتنا حدثاً عابراً من أجل غاية زائلة. وعندما نجلس في الكنيسة، هل نصلّي أم نبحث عمّا يوجد في الموبايل؟. فلننتبه إلى حضورنا للكنيسة، ونترك الموبايل والتقاط المناظر جانباً، خاصة وأن التقاط المناظر والصور لبعض الأشخاص دون موافقتهم قد تخلق لنا مشاكل نحن في غِنى عنها. ولنتعلم التزام الصمت والهدوء إلى أن نخرج من الكنيسة حيث الكلام الجميل والشيّق مع الآخرين في حوش الكنيسة أو في المراحل الأخيرة عند الخروج. فلننتبه، إنها الكنيسة بيت الله ... بيت الصلاة.