موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم يبقَ إلا فترة قليلة لكي نعبر الصيام الذي هو فترة مقدسة ومسيرة نحو القيامة. والدعوة توجُّه لنا لكي نسير في تقدم مستمر نحو العبور الروحي الذي يتطلب التضحيات والجهود. فالمسيح لم يفرض علينا الصوم، ولم يحدد متى نصوم وكيف نصوم وكم يوم نصوم، إنما أوصانا كيف نتصرف حينما نصوم، وهو أن نفعل ذلك بفرح دون أن ننتظر غايات بشرية ودنيوية وأنانية.
ولكن لنعلم أن الكنيسة فرضت الصيام لكي تحث أبناءها على السير في خطى الأمثلة الأولى التي سارت أمامنا في العهد القديم أمثال: موسى وإيليا ودانيال وغيرهم، والاقتداء بهم لأنهم ربما النموذج الأسمى لحياتنا.
فالصوم ليس غاية في ذاته بل هو وسيلة يتخذها الإنسان للارتقاء إلى الله، إلى السماء، والبلوغ إلى السعادة الدائمة. ولكن هذه الأيام تطور الصوم في إطاره الخارجي لكي يواكب تطور الإنسان وحياته الاجتماعية وأعماله اليومية. ولكن كل ذلك لا يدعو إلى العثرة أزاء الذي حدث في الصوم، لأن الصوم جُعل للإنسان، لا الإنسان لأجل الصوم "إِن السَّبتَ جُعِلَ لِلإِنسان، وما جُعِلَ الإِنسانُ لِلسَّبت" (مرقس 27:2) وإنما شريعة الصوم لا زالت قائمة إنما أسلوبه قد تغير وتبدّل، كما قلتُ، بتطور الإنسان وحياته الاجتماعية.
وكلنا نعلم أن الصوم في مفهومه الطبيعي هو الامتناع عن الطعام والشراب أو الامتناع عن بعض الأصناف من الأطعمة لفترة معينة. فالصوم كما نعلم لا يحقّ للإنسان أن يعذب جسده دون مبرر، لأن الجسد مستحق كل احترام وعناية واهتمام لكي يصبح قادراً على التعاون مع النفس في تكوين الإنسان بغية الوصول إلى حياته الاجتماعية. لذلك قلتُ أنه لا يجوز أن نعذب الجسد ما لم يهدف إلى غاية سامية. ومن هذه الأهداف والنتائج نتائج دنيوية، فتجد الكثير من الناس يصومون بامتناعهم عن تناول بعض الأطعمة في سبيل الحفاظ على الصحة أو الوقاية من مرضٍ ما وتجنباً لاستفحال أمراض أخرى، وهناك من يسعى إلى الصوم لتخفيف الوزن واكتساب المزيد من الرشاقة، وهناك شرائح مختلفة تصوم لظروف خاصة بهم كالرياضيين وتمارينهم، وكلها هذه أهداف ونتائج لا ترمي إلى إلحاق الأذى بالجسم بل تهدف إلى الوصول لتحقيق غايات بشرية دنيوية أرضية.
وهناك نتائج روحية. كلنا نعلم أن الإنسان خُلق للخلود، وأن يحقق في ذاته فكرة الإنسان الصحيح الذي فيه يتعاون النفس والجسد. والصوم يعطي الأولوية للروح التي لها المبادرات الحسنة.
وطقوسنا في فترة الصيام تُقرَن بفكرة الصلاة والتوبة والإماتة للبلوغ إلى صفاء الذهن والقلب الصافي والعقل المسيطر على النظام، لأن الصوم يرمي إلى اشتراك الإنسان في صليب المسيح، فيرى في صومه استمراراً لآلام المسيح والاشتراك في خلاص البشر، إذ يقول مار بولس:"أُتِمُّ في جَسَدِي ما نَقَصَ مِن شَدائِدِ المسيح في سَبيلِ جَسَدِه الَّذي هو الكَنيسة" (كولوسي 24:1).
فالصوم هو انفتاح على نعمة الفداء، ويدخلنا في سر المسيح الخلاصي، وبذلك نقترب من المسيح ونحقق معه خلاصنا. فما الفائدة؟ الصوم يكون بلا فائدة ولا يُجدي نفعاً ما لم يُنعشه الدافع الروحي. فماذا نستفيد إن امتنعنا عن تناول قطعة لحم يوم الصوم ونحن ننهش الآخرين بكلامنا وتصرفاتنا؟.
فالصوم مشاركة وانفتاح على سر المسيح، فهو الوجه المشرق الجذاب. فالصوم هو علاقة الإنسان بالله وبالإنسان. فالنبي اشعيا يلوم المتظاهرين بالتقوى والعبادة ويدعوهم إلى البرّ إذ يقول:"أغتَسِلوا وتَطَهَّروا وأَزيلوا شَرَّ أَعْمالِكم مِن أَمامِ عَينَيَّ وكُفُّوا عنِ الإِساءَة. تَعَلَّموا الإِحسانَ وآلتَمِسوا الحَقّ قَوِّموا الظَّالِمَ وأَنصِفوا اليَتيم وحاموا عنِ الأَرمَلَة" (اشعيا 16:1-17).
وفي موضع آخر يعطي النبي المعنى الحقيقي للصوم "أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ؟" (اشعيا 7:58).
لذلك نرى أن الصوم هو أن يشعر الإنسان الصائم بجوع الآخرين وباحتياجاتهم. فمسيحيتنا منفتحة على الجميع، وقد عاشت حياة مشتركة كما يقول سفر أعمال الرسل:" وكانَ جَميعُ الَّذينَ آمنوا جماعةً واحِدة، يَجعَلونَ كُلَّ شَيءٍ مُشتَرَكًا بَينَهم، يَبيعونَ أَملاكَهم وأَمْوالَهم، ويَتَقاسَمونَ الثَّمَنَ على قَدْرِ احتِياجِ كُلٍّ مِنْهُم" (أع 44:2-45).
فالصوم الأمين هو الانفتاح على الآخرين، والانتباه إلى وجودهم، والمبادرة إلى مساعدتهم بشتى الوسائل وليس استغلال فقرهم بدافع الجشع وحب السيطرة. فالمسيحية عطاء سخي وليس احتكاراً يعود بالنفع على فئة معينة، يعني أن يُتخَم الواحد ويُشقى الآخر في فقر مدقع وشقاء مهين لكرامة الإنسان الذي هو صورة الله ومثاله.
فانتبه أيها المسيحي إلى صومك، فأنت مسؤول عن حياتك ... وصوم مبارك للجميع.