موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نقرأ في إنجيل يوحنا (12: 12-13) أن يسوع دخل إلى أورشليم راكباً جحشاً، فخرجت جموع غفيرة لاستقباله، و«أَخَذُوا سُعُوفَ النَّخْلِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، وَكَانُوا يَصْرُخُونَ: أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ».
سياق الرمز: ما وراء سعف النخيل
إن تلك الصرخة التي دوّت في أورشليم حين دخلها يسوع لم تكن يوماً مجرد ابتهال روحي، بل كانت صرخة استغاثة سياسية مشحونة بالدلالات الرمزية. واليوم، نرنم كلمة «هوشيع-نا» (أوصنّا)، التي هي في أصلها اللغوي فعل أمر عسكري واحتجاجي بمعنى: «خَلِّص الآن». إنها تعكس تطلعات شعب كان يرزح تحت الاحتلال الروماني وينتظر «قائداً» يحمل السيف، لا «مُخلّصاً» يحمل الخلاص الروحي وغفران الخطايا.
لقد كانت تلك الجموع تبحث عن «حلّ أرضي» فوري لأزماتها السياسية والاقتصادية. بالنسبة ليهود القرن الأول، لم تكن أغصان النخيل مجرد زينة نباتية، بل كانت رمزاً سياسياً للثورة المسلحة. ففي التاريخ، عندما أطاح القائد يهوذا المكابي بالحكام اليونانيين، احتفل الشعب به وهم يلوّحون بسعف النخيل. وعليه، حين لوّحوا بهذه الأغصان أمام يسوع، كانوا يقولون له ضمنياً: «أنت القائد المحارب الجديد». وعندما أدركوا أن يسوع لن يتبنّى خطتهم الحربية، تحولت هتافاتهم بعد أيام قليلة إلى صرخة: «أصلبه»، في رد فعل انتقامي نابع من خيبة الأمل السياسية.
رؤية يسوع: التواضع كرسالة
حين صعد يسوع على جحش - وهو فعل لم يقم به في بداية خدمته كما يرى الإزائيون - أراد أن يبيّن لهم أنه يشبه الأمير الوديع الذي وعد به الرب في (زكريا 9: 9-10)، وأنه لا طموح سياسياً له. إن فصحه القريب (أي آلامه وموته وقيامته) يدل بوضوح على نوعية المجد الذي يطمح إليه. وبعد هذه الخبرة الفصحية، أدرك التلاميذ الطبيعة الحقيقية لانتصار يسوع (آية 16). (بولس الفغالي، إنجيل يوحنا: دراسات وتأملات، الفصل السابع والعشرون).
الدرس التاريخي: التلاعب بالمعاني
هذه الحادثة هي «مختبر أولي» لكيفية تلاعب السلطة (أو الطامحين لها) باللغة. فاليوم، تحوّل مؤسسات دينية وسياسية مفاهيم روحية أو تاريخية إلى شعارات حشد جماهيري، وتُجبر العامة على ترديدها كجزء من «عقد ولائي» مطلق، كما فعلت جموع أورشليم حين أسقطت توقعاتها الأرضية على خطاب كان يهدف إلى ما هو أبعد من أورشليم. إن تحرير هذه النصوص من «الشرنقة» التي أُحيطت بها يفرض علينا أن نتساءل:
· كم من الشعارات السياسية اليوم ترتدي ثوب «القداسة» لنفس الغرض الذي صرخت من أجله جموع أورشليم؟
· كيف يمكن للمواطن، في ظل واقع معاصر، أن يفكك هذه الرموز ليحمي وعيه من الانقياد وراء «مشاريع انقلابية» مغلّفة بالدين؟
إن الدرس الأهم هنا ليس «الطاعة»، بل «الوعي». أحياناً يرفض الناس الحقيقة لأنها لا تناسب «الخطة المادية» التي رسموها لأنفسهم. إن التحرر الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن مطالبة «النص» بأن يكون خادماً لأهوائنا غير الروحية، وحين ندرك أن تحويل الدين إلى وقود لصراعات الأرض هو الطريق الأسرع نحو الدمار الجماعي.
رسالة للتأمل: فخ التوقعات البشرية
نحن اليوم كثيراً ما نقع في الفخ ذاته؛ نهتف «أوصنّا» في صلواتنا، بينما نُبطن في أعماقنا «جدول أعمال» شخصياً نطلب من الله تنفيذه: نطالبه بأن يُهزم خصومنا، أو يمنحنا المال فوراً، أو يحل أزماتنا وفقاً لخارطة طريق رسمناها مسبقاً.
تكمن الخطورة في أن نغضب من «المعلم» إذا لم تتوافق طريقته مع «منطق القوة» الذي نؤمن به. أحياناً يأتي يسوع إلى «أورشليم» حياتنا متواضعاً وهادئاً، متحدياً طموحاتنا للضجيج. إن دعوة يسوع لنا ليست أن نجعله أداة لتحقيق أهدافنا السياسية أو الشخصية، بل أن نترك توقعاتنا بين يديه، وندعه هو يقود التاريخ وفق حكمته الأبدية، لا وفق رغباتنا المادية.