موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٩ مايو / أيار ٢٠٢٦

أحد العنصرة العظيم المقدس 2026

بقلم :
الأب بطرس جنحو - الأردن
أحد العنصرة العظيم المقدس

أحد العنصرة العظيم المقدس

 

الرسالة:

 

إلى كل الأرض خرج صوتهم

السماوات تذيع مجد الله

 

فصل من أعمال الرسل القديسين (أعمال الرُّسل 1:2-11)

 

لَمَّا حَلَّ يومُ الخَمسينَ، كانَ الرُّسُلُ كُلُّهُم مَعاً في مكانٍ واحد فَحَدَثَ بَغْتَةً صَوتٌ منَ السَّماءِ كَصَوتِ ريحٍ شديدةٍ تَعْسِفُ، وَمَلأَ كُلَّ البيتِ الذي كانُوا جالسينَ فيه وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلسِنَةٌ مُتَقَسِّمَةٌ كَأنَّها مِنْ نَارٍ، فاستَقَرَّتْ على كُلِّ واحدٍ مِنهُم فامتَلأوا كُلُّهُمْ مِنَ الرُّوح القُدُسِ، وَطَفِقوا يتكلَّمونَ بلغاتٍ أُخرى، كَمَا أعطاهُمُ الرُّوحُ أنْ ينطِقوا وكانَ في أورشليمَ رِجالٌ يَهودٌ أتقياءٌ مِن كُلِّ أُمَّةٍ تَحتَ السَّماءِ فَلَمَّا صارَ هذا الصَّوتُ اجتمعَ الجُمْهورُ فَتَحَيَّروا لأنَّ كُلَّ واحدٍ كانَ يَسمَعُهُم يَنطِقون بِلُغتِه فَدَهِشُوا جَميعُهُم وتَعَجَّبوا قائلينَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: أليسَ هؤلاءِ المُتَكَلِّمونَ كلُّهُم جليليِّين؟ فكيفَ نسمَعُ كُلٌّ منَّا لُغَتَهُ التي وُلِدَ فيها نحنُ الفرتيِّين والماديِّين والعيلاميِّينَ، وسكَّانَ ما بَينَ النَّهرينِ واليَهوديَّةِ وكبادوكيَّةَ وبنطُسَ وآسية وفريجيَّة وبمفيليةَ ومِصرَ ونواحي ليبية عِندَ القَيْروان، والرُّومانيِّين المُستوطِنين واليَهودَ والدُّخلاءَ والكريتيِّينَ والعربَ نَسمَعُهُم يَنطِقونَ بأَلسِنَتِنا بعظائِمِ الله.

 

 

الإنجيل:

 

فصل شريف من بشارة القديس يوحنا (يوحنَّا 7: 37-52 و8: 12)

 

في اليَومِ الآخِرِ العَظيمِ مِنَ العيدِ، كانَ يَسوعُ واقفاً فصاحَ قائِلاً: إنْ عَطِشَ أَحَدٌ فليأتِ إِلَيَّ ويَشرَب مَنْ آمنَ بِي فَكَمَا قالَ الكِتَابُ ستَجرِي من بَطنِهِ أنهارُ ماءٍ حيٍّ (إنَّمَا قالَ هذا عَنِ الرُّوحِ الذي كانَ المؤمنونَ بِهِ مُزمِعينَ أنْ يَقبَلُوهُ إذْ لَمْ يكُنِ الرُّوحَ القُدُسَ بَعدُ. لأنَّ يسوعَ لَمْ يَكُن بَعدُ قَدْ مُجِّدَ) فكَثيرونَ مِنَ الجَمعِ لَمَّا سَمِعُوا كلامَهُ قالوا: هذا بالحقيقةِ هُوَ النَّبيُّ. وقالَ آخرونَ: هذا هوَ المسيح وآخرونَ قالُوا: أَلعَلَّ المسيحَ من الجليلِ يأتي أَلَم يَقُلِ الكِتَابُ إنَّهُ من نَسْلِ داودَ من بيتَ لَحمَ القريةِ حيثُ كانَ داودُ يأتي المسيح؟ فَحَدَثَ شِقاقٌ بينَ الجمعِ مِنْ أجلِهِ. وكانَ قَومٌ مِنهُمْ يُريدونَ أن يُمسكوهُ، ولَكِنْ لَمْ يُلْقِ أحدٌ عليهِ يداً فَجاءَ الخُدَّامُ إلى رؤساءِ الكَهَنَةِ والفَرِّيسيّينَ، فقالَ هؤلاءِ لَهُم: لِمَ لَمْ تأتوا بهِ؟ فَأجَابَ الخُدَّامُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ قطُّ إنسانٌ هكذا مِثْلَ هذا الإنسان فأجابَهُمُ الفَرِّيسيّونَ: ألعلَّكُمْ أَنتُمْ أيضاً قد ضَلَلتُم هلْ أحدٌ مِنَ الرُّؤساءِ أو مِنَ الفرِّيسيينَ آمَنَ بِهِ؟ أَمَّا هؤلاءِ الجمعُ الذينَ لا يعرِفونَ النَّاموسَ فَهُمْ مَلعونون فقالَ لَهم نِيقودِيمُسُ الذي كانَ قد جاءَ إليهِ ليلاً وهُوَ واحدٌ مِنْهم: ألعلَّ ناموسَنا يَدِينُ إنساناً إنْ لَمْ يَسمَعْ مِنْهُ أولاً ويَعلَمْ ما فَعَل أجابُوا وقالوا لهُ: ألعلَّكَ أنتَ أيضاً منَ الجليل! ابحَثْ وانظُرْ، إنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ منَ الجَليل ثُمَّ كَلَّمَهُمْ أيضاً يسوعُ قائِلاً: أنا هُوَ نُورُ العالَم، من يتبَعْنِي فلا يَمشِي في الظَّلام، بل يَكونُ لَهُ نُورُ الحياة.

 

 

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين.

 

عاد تلاميذ المسيح الأحد عشر ما عدا (يهوذا) إلى أورشليم وتجمعوا في نفس  البيت . ومكثوا في الغرفة العلوية، في الطابق العلوي من البيت حيث كانوا يتجمعون هناك ، جنباً إلى جنب مع والدة الإله وحوالي مائة وعشرين من مؤمنين آخرين، صلوا بحماس. انتظروا بشوق "الروح القدس" ليأتي إليهم. خلال هذا الوقت اهتموا كي يتم انتخاب تلميذ آخر ليحل محل يهوذا الإسخريوطي. من بين أولئك الذين شاهدوا الرب منذ البداية وشهدوا القيامة. وانتخبوا ماتياس بالقرعة مكان الرسول الثاني عشر للخدمة الرسولية.

 

في يوم الخمسين ، كان الرسل ، مع المؤمنين الآخرين ، في البيت حيث صلوا. وكانت الساعة التاسعة صباحا عندما سمع فجأة ضجيج متناقض مثل رياح قوية ملأت المنزل ، وحل عليهم الروح الكلي قدسه مثل ألسنة النار فوق رأس كل واحد من تلاميذه. ( كما ورد في أعمال الرسل 2 : 1-4).

 

كان عيد العنصرة والذي هو اليوم الخمسين بعد الفصح هو أحد الأعياد العظيمة للإسرائيليين. والذي يحتفل به في ذكرى تسليم الله القانون لسيناء. ثم جاء العديد من اليهود من أجزاء كثيرة من العالم إلى القدس للاحتفال بعيد العنصرة اليهودي. ومن ضمن الحشود التي اجتمعت ( الفرتيِّين والماديِّين والعيلاميِّينَ، وسكَّانَ ما بَينَ النَّهرينِ واليَهوديَّةِ وكبادوكيَّةَ وبنطُسَ وآسية وفريجيَّة وبمفيليةَ ومِصرَ ونواحي ليبية عِندَ القَيْروان، والرُّومانيِّين المُستوطِنين واليَهودَ والدُّخلاءَ والكريتيِّينَ والعربَ).

 

لقد روى الرسل بشجاعة غير مسبوقة عظمة الله. استمع الجميع بالدهشة والعجب ، كل في لغته الخاصة ، تلاميذ المسيح. تساءل الجميع عن تعدد اللغات هذا للرسل. أولئك الذين عرفوهم على أنهم صيادون أميون في الجليل لم يستطيعوا تفسير هذا التغيير. كان البعض ينتابهم ، بينما سخر آخرون قائلين إن هؤلاء كانوا مخمورين.

 

أعلن الله عن حلول الروح القدس بعلامات منظورة:

 

العلامة الاولى "دوي كريح عاصفة" اي صوت من هبوب الريح "ملأ جوانب البيت" وهذا الصوت يذكرنا في الرعد لدى تجلي الله لموسى في جبل سيناء (الخروج 19: 16) والبيت هو مكان اجتماع وصلاة لجماعة الرسل. قد يعمل الله في حياتنا بطرق صاخبة كما في يوم العنصرة او قد يتحدث الينا بهمس هادئ كما حدث مع ايليا النبي (1 ملوك 19/ 11) . ولكن قبل العنصرة لم نسمع صوت الروح القدس ونرى إشراقة قوّته. ولكن ومنذ يوم العنصرة صار " صَوتُ الرَّبِّ على المِياه ... صَوتُ الرَّبِّ يَقُدُّ شُهُبَ نار... وكلٌّ يقولُ في هَيكَلِه: لَه المَجْد" (مز 29 : 3) وبدد خوف التلاميذ.

 

والعلامة الثانية "ظهرت ألسنة كأنّها من نار": فاللسان يدلُّ على الكلام، والنار تدل على الله. وهكذا صار كلامُ الرسل كلامَ الله بما فيه من قوة تحرق خبث الانسان وتشعل في قلبه محبة للآخرين. وكما على جبل سيناء أكد الله على صدق وصلاحية شريعة العهد بنار من السماء (خروج 19/ 16)، هكذا في يوم العنصرة أكَّد الله على صدق وصلاحية خدمة الروح القدس بالسنة النار. وعلى جبل سيناء نزلت النار من السماء على موضع واحد، اما في اليوم الخمسين فنزلت ألسنة النار على الرسل، رمزاً الى ان حضور الله في حياة الانسان صار متاحاً لكل من يؤمن به بدون تمييز.

 

حمل يسوع إلى الأرض النار أي الروح القدس بواسطة أكبر فعل حب في التاريخ: موته على الصليب. اختار الله يسوع ابنه الوحيد لكي "يلقي النار على الأرض". ولقد حفظ التقليد الروحي رمز النار كأفصح تعبير عن عمل الروح القدس "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5:19).

 

وأما العلامة الثالثة فهي "التكلم بلغات غير لغتهم" تعني ان البشارة وصلت الى جميع الشعوب في لغتهم. والامم الاثني عشرة المذكورة في النص ترمز الى المعمورة. وهذا هو البعد الشمولي لرسالة الكنيسة. ليست المسيحية مقصورة على جنس دون آخر او جماعة من الناس دون أخرى. فالمسيح يقدّم الخلاص لكل إنسان بغض النظر عن جنسيته او هويته. وهذا ما تفعله الكنيسة اليوم حين تنقل الكتاب المقدس الى لغات العالم كله.

 

في العهد الجديد يشير عيد العنصر الى مواصلة التجلّيات الإلهية في العهد القديم بحلول الروح القدس. يوضح بطرس الرسول  أن العنصرة تحقق مواعد" الله: ففي الأيام "الأخيرة سوف يعطى الروح للجميع" (يوئيل 3: 1- 5، حزقيال 36: 27). وسبق يوحنا المعمدان وتنبأ بحضور ذلك الذي كان مزمعاً أن يعمّد بالروح القدس (مرقس 8:1). وقد ثبَّت يسوع بعد قيامته هذه المواعيد: "تعمَدون بالروح القدس بعد أيام قليلة " (أعمال 1: 5).

 

في الأحد السابع بعد قيامته نعاين الرب يسوع عندما تراءى لتلاميذه المجتمعين في العلية، (حدث العنصرة) يضعها يوحنا في اليوم الأول للقيامة. بينما يضعها لوقا في كتاب أعمال الرسل، أي بعد خمسين يوماً من حدث القيامة

 

ترتبط الأحداث الثلاثة (القيامة والصعود والعنصرة) بعضها ببعض، وتتم في الوقت ذاته لأن القائم لا يخضع بعد الآن لقيود الزمان والمكان. لكن علينا فهم الأحداث وقبولها وفصلها للتأمل والتعمق بها.

 

الروح القدس هو روح الله، وهو الأقنوم الثالث الذي كان موجوداً في ذات الله منذ الأزل. نقرأ عن هذا الروح في الآية الثانية من الأصحاح الأول من سفر التكوين هذه الكلمات (كان روح الله يرف على وجه المياه "تك 2:1"). والمياه كانت تغطي كل الأرض، أي كانت قوة الروح ممتدة من أقصى العالم الى أقصاه وكان يدبر كل شيءء للفائدة (حكمة 1:8) ودخل في يوم العنصرة في أطار تقديس الأنسان، روح الرب يملأ المسكونةحكمة 7:1). وفي يوم العنصرة ولدت الكنيسة المقدسة وبدأت مسيرتها لنشر الأنجيل وتقديس النفوس بأسرارها وكلمتها المقدسة.

 

الروح القدس حول التلاميذ من ضعفهم وخوفهم الى قوة وشجاعة، وجعلهم يقيمون الموتى، ويشفون الأمراض المستعصية، ويخضعون الشياطين ويضعون المعجزات ويأتون بممالك العالم تحت أقدام المسيح بدون سلاح.

 

العنصرة إذاً تتويج للفصح، لأن المسيح بعد أن أنهى عمله على الأرض، وانتقل إلى يمين الآب، أرسل الروح القدس على الرسل، لكي ينير أذهانهم فيفهموا الكتب ويدركوا في العمق أقواله التي ألقاها عندما كان معهم. حققت العنصرة في أورشليم الوحدة الروحية بين اليهود والأمم، إنها دعوة مباشرة للأمم (أعمال 8:1). التفرقة التي حصلت في برج بابل قديماً عندما تبلبلت الألسنة وابتعد الإنسان عن الآخر، أصبحت الآن وحدة لأن الجميع فهموا ألسنة الروح التي هي القاسم المشترك لدى جميع الشعوب. العنصرة اعتماد للرسل بالروح قبل ابتداء مهمتهم التبشيرية كما أن المسيح اعتمد بالروح على يد يوحنا المعمدان قبل حياته الكرازية: إنها تنصيب رسولي في الكنيسة. هذا الفيض من الروح سيصل إلى الجميع ليعطيهم هبات متنوعة وخاصة لكل واحد منهم. وعلاوة عن هذا، سيكون الروح القدس لكل إنسان سبب تغيير داخلي يحصل بصورة سرية، وتجديد عميق يجعله يستوعب الشريعة الجديدة التي حفرت في القلوب. إنها المعاهدة الجديدة التي نزلت كماء مخصبة تثبت أثمار الحق والعدالة والقداسة وتضمن الرعاية الإلهية وحمايتها. أما هذا الفيض فلم يتحقق إلاّ بواسطة الجلجلة والقيامة التي كسرت السدود ففاضت النعم.

 

 

الطروباريات

 

طروبارية العنصرة باللحن الثامن

 مُباركٌ أنتَ أيُّها المسيحُ إلهُنا. يا مَن أظهَرْتَ الصيَّادينَ غزيريِّ الحكمة. إِذْ سَكَبْتَ عليهمِ الرُّوحَ القدُس. وبهمِ اصطدتَ المسكونة. يا محبَّ البشرِ المجدُ لك.

 

قنداق العنصرة باللحن الثامن

عندما انحدرَ العليُّ مبلبلاً الألسُنَ. كان للأمَمِ مُقَسِّماً. وحينَ وزَّعَ الألسُنَ النَّاريَّة. دعا الكلَّ إلى اتِّحادٍ واحد. لذلكَ نمجِّدُ بصوتٍ متَّفق. الرُّوحَ الكليَّ قدسُه.