موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٣٠ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

"anauim الرب" بين كاتبي نبؤة صفنيا والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (صف  2: 3. 3: 11- 13؛ مت 5: 1-12)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (صف 2: 3. 3: 11- 13؛ مت 5: 1-12)

 

الأحد الرابع من الزّمن العاديّ (أ)

 

الـمُقدّمة

 

عنوان غريب قررنا أنّ نعطيه لـمقالنا بهذا الـمقال وهو "‘anauim  الرّبّ. ‘anauim هم فئة الوضعاء والفقراء من الجذر العبري، لفظ قد يكون جديد علينا ولكنه يمثل قلب كلا النصييّن كما سنرى في قرأتنا للعهدّين. حيث تأتينا كلمات صفنيا النّبيّ (صف  2: 3. 3: 11- 13) كلمسّة عزاء في رسالته النبويّة الّتي كلفه بها الرّبّ. فهو يوجهها للوضعاء وسنتعرف على هويتهم لاحقًا. يأتي التدخل الإلهيّ بنداء قوي حيث يجعل النبي يكرر بعض الأفعال لهذه الفئة بشكل مميز حيث يفتح بابًا للنّور أمامهم بالرغم من معانانتهم السّبيّ. على هذا الـمنوال نقرأ كلمات متّى على لسان يسوع (مت 5: 1- 12) الّتي نعرفها عن ظهر قلب وهي التطويبات. حيث يكشف لنا إنسان التطويبات وهو يسوع بنطراته وأفعاله وكلماته، وجه إلهي جديد لم يعرفه الشّعب بالـماضي، حيث أنّ الله الـمرئي في إبنه يسوع يعيش وسط الشعب بل ويعلمهم بالوعود الإلهيّة الجديدة. نهدف من خلال هذا الـمقال بأنّ نجدد علاقتنا بالرّبّ فنصير من هؤلاء الوضعاء والفقراء الّذين يتمكنوا من أنّ يسمعوا رسالة العزاء والتطويبات من الصوت الإلهيّ وأنّ نطلب نعمة التجاوب معها فتتعمق علاقتنا بالرّبّ ونسير بحسب وعوده الصادقة في حياتنا.

 

1. النداء النّبويّ (صف  2: 3. 3: 11-13)

 

يأتنينا النداء النبويّ، على لسان صفنيا، وهو أحد الأنبياء الصغار، بإلتماس الرّبّ. يتكرر هذا النداء من خلال فعل الأمر "إلتمسوا" بصيغة الجمع لثلاث مرات، قائلاً: «إِلتَمِسوا الرَّبّ يا جَميعَ وُضعاءِ الأَرْض الَّذينَ نَفَّذوا حُكمَه إِلتَمِسوا البِرَّ إِلتَمِسوا الضَّعَة فعَسى أَن تَستَتِروا في يَوم غَضَبِ الرَّبّ» (صف 2: 3). نحن أمام نداء خاص من الرّبّ، بواسطة النّبيّ، للبقية الباقية من شعب إسرائيل، وهي فئة خاصة فئة وضعاء الأرض. والسبب هو أنّ أثناء السبيّ إلى بابل كانوا أوّل الـمسبيّين الأغنياء والـمُتعلميّن والّذين لهم مستوى رفيع ومميّز بين شعب إسرائيل. ولذا كان الـمُستولييّن على بلادهم يتركون منهم الفقراء والـمرضى في الأرض، بعد سلبها من خيراتها وهدم أسوارها وكلّ ما يُميزها من أصالة وغنى. ففي وقت السّبيّ بالتحديد، تأتي رسالة صفنيا النبويّة، لتُذكرنا كشعب الرّبّ بعدم أمانتنا لله وعبادتنا لآلهة آخرى (العمل، الـمال، التكنولوجيا، الجنس، ...) ربما هي السبب في سبيّنا اليّوم. إذ تجعلنا ننحرف عن طريق الرّبّ. فيقول الرّبّ للّذين لا عون لهم سوى الرّبّ: «... لِأَنِّي حينَئِذٍ أَنزعُ مِن وَسْطِكِ الـمتَباهينَ الـمُتَكَبِّرين فلا تَعودينَ تَتَشامَخينَ في جَبَلِ قُدْسي. وأُبْقي في وَسَطِكِ شَعْباً وَضيعاً فَقيراً فتَعتَصِمُ باِسمِ الرَّبِّ بَقِيَّةُ إِسْرائيل لا يَرتَكِبوَنَ الظُّلمَ ولا يَنطِقونَ بالكَذِب ولا يوجَدُ في أَفْواهِهم لِسانُ مَكْرٍ لِأَنَّهم سيَرعَونَ وَيربِضرن ولا أَحَدَ يُفزِعُهم» (صف 3: 11- 13).

 

فها هي رسالة العزاء الّتي تأتي من الرّبّ موجهة للوضعاء وهم فقراء الشعب، بحسب متّى الإنجيليّ، الّذين ليس لديهم أحد يرعاهم. ففي وقت التجربة يرعاهم الرّبّ بذاته داعيًا هذه البقيّة الباقية من بني إسرائيل للإعتصام بالرّبّ فقط وباِسمه. هذا يدعونا لليقظة كمؤمنين اليّوم، حيث نختبر الكثير من الأزمات ولسنا مسبيين خارج بلادنا بل نحيا بحريّة، ومع ذلك هناك سبيّ بخلقه لأنفسنا ويبعدنا عن الرّبّ ويجعلنا ندرك عدم أمانتنا. ففي هذا الوقت مدعويّن للتمسك بالرّبّ وإلتمسه فهو يرعانا بحضوره الفائق. وهذا الحضور هو الّذي سيتواصل كاتب الإنجيل الأوّل من خلال حضور يسوع، ابن الله، في عظته الأوّلى، حيث يلتقي بكلّ وضعاء بني إسرائيل بعصره ولازال يأتي ليلتقي بنا في عصرنا الحاليّ.

 

 

2. نظرة يسوع (مت 5: 1)

 

يرغب كاتب الإنجيل في وصفه الأوّل ليسوع في أوّل لقاء له بـمعاصريه بأنّ يجذب نظرنا كقراء مؤمنين إلى نظرة يسوع قائلاً: «فلمَّا رأَى [يسوع] الجُموع، صَعِدَ الجَبَلَ وَجَلَسَ، فدَنا إِلَيه تَلاميذُه» (مت 5: 1). ندرك بأنّ حضور يسوع، ابن الله، بين الجمع، الّذي يُمثلنا وهو بمثابة بدء لمسيرته بيننا ليكشف لنا عن وجه الله الآب. الأفعال الحركيّة الّتي يصف بها الإنجيليّ حضور يسوع "رأى"، "صعد"، "جلس" كلها أفعال تؤكد على إنسانيّة يسوع ورغبته في البقاء وسط بشريتنا الـمتهالكة والضعيفة. وبعد أنّ نظر يسوع بتمعّن لحالنا يقرر في مساعدتنا بشكل واقعي وعمليّ. حيث بيننا الضعيف، والجائع، والـمتألم، والوديع، والـمضطهد وفي ذات الوقت الحزين والرحيم، والأهم الفقير.

 

 

3. الـمعلّم الحقيقي (مت 5: 1-2)

 

بعد جلوس يسوع وهو الـمعلّم الإلهيّ، على كاتدرائيته، وهي الأرض، والّذي يقلب الـموازين فهو لا يجلس في الـمجمع ولا يجلس في مكان معلميّن الشريعة بعصره، حيث يفاجئنا ويجلس على الأرض بيننا. كيف وهو الـمعلّم؟ نعم رسالة يسوع التعلّيميّة لا يبدأها بالوقوف أمام الميكروفون أو في الـمكان الـمخصص للـمعلميّن بل كإنسان جاء لأجلنا إذ يحيا حياتنا الهشّة كما هي وبدون مكان خاص أو دعايات أو ... لهذه العظة بل بشكل بسيط وفقير والأهم تلقائيّة يسوع الّذي يؤكد بأنّه حيثما نوجد كشعب فقير هناك يتواجد يسوع ابن الله بيننا، وما علينا إلّا البحث عنه لنلتقي به ونسمع صوته في أحداث حياتنا اليوميّة!

 

 

4. الفقير بين ‘anauim (مت 3- 12)

 

يفتتح يسوع هذه العظة بوصف الإنجيليّ مؤكداً على مبادرة يسوع في فتح الحوار وبدء علاقة تكشف عن العالم الإلهي الّذي خرج منه قائلاً: «فشَرَعَ يُعَلـمُهم قال...» (مت 5: 2).

 

كان الجمع في زمن يسوع تحت الحكم الروماني فقط كان مُستعبداً داخل وليس خارج أرضه. إذن فهو يعيش حالة عكسيّة من السبيّ. هذا الجمع يحيا على أرضه وليس له من الحريّة أنّ يفعل ما يرغبه بل عليه دفع الجزيّة والإلتزام بالأحكام الّتي يصدرها الغريب الرومانيّ! هؤلاء الفقراء، في واقع الأمر، يحملون وجوهنا جميعنا إذ يستهل يسوع عظته الأوّلى (مت 5-7) بهذه الفئة، لأنّها تجمع بين كلّ الفئات الّتي بالتطويبات الثماني اللّاحقة. بل وسيستمر في تعليم هذه الفئة الّتي تتسم بالفقر الرّوحي، أي الإحتياج لله، والّتي ستدوم لثلاث إصحاحات متواليّة.

 

سنحلل إفتتاح يسوع للعظة الأوّلى والّتي نصغي فيها لـمونولوج أي صوت يسوع الـمعلّم فقط دون أنّ يتلفظ، ببنت شفة، أي من الحضور! نقرأ قائمة التطويبات الشهيرة والّتي نحفظها عن ظهر قلب والّتي تحويّ تسع من التطويبات الّتي يعلنها يسوع مُفتتحًا إياها بقوله: «طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات» (مت 5: 3). هذا الوجه الفقير، الّذي يستهل به يسوع عظته ويصير مفتاحًا لاهوتيًا لكلّ عظة يسوع الأوّلى بحسب متّى (5-7). الفقراء ويحدد بالرّوح، ليسوا الفقراء ماديًا، ... بل هذه الطوبى الأوّلى ترتكز على الفقراء بالرّوح. ولها من الجذر العبري ‘anauim أي الفقراء والوضعاء، بحسب صفنيا، الّذين يحتاجون فقط للرّبّ. فهذه الفئة هي سمة معاصري يسوع إذ ليس لهم سوى الرّبّ الّذي بمثابة سند لهم فيكون الإحتياج الـمادي لا قيمة لهم إذّ بإعتمادهم على الرّبّ، وليس سواه، هو ما يميّز هذه الفئة إنّها تتمسك بالأساسيّ والجوهري لحياتهم وهو الرّبّ. هذه الفئة لا تُقارن بمعلميّ الشريعة الـمُنكبيّن على الكتب ولا حتى على الكهنة الّذين يمارسون الطقوس كوظيفة لهم. بل هي فئة تتكلّ فقط على الرّبّ والعلاقة معه هي مصدر غناها كفئة فقيرة روحيًا إلّا إنّها غنية بالرّبّ.

 

فئة الفقراء بالرّوح تشمل كلّ الفئات التالية الّتي ينوه عنها الإنجيليّ، بل ونجد أنّ النصف الثاني من كلّ طوبي تحمل إنعكاس أساسي في تعليم يسوع حيث يحمل الوعد الجديد ليس فقط في كلماته التعليميّة بل في حضوره الفقير وسط الفئة الفقيرة روحيًا. وعلى مثال الطوبى الأوّلى: «طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات» (مت 5: 3). الّتي ستتمتع بالـملكوت الأبدي وهو ما يشير للتمتع بحياة الآب الأبديّة. بناء على هذه الطوبى الأوّلى نجد أنّ كلمات يسوع التاليّة تعكس ذات الإتجاه مستقبل هذه الفئات الـمهمشّة والضعيفة في العالم الأرضيّ وبالرغم من وضعها هذا إلّا إنّها حاضرة أمام الرّبّ بكلّ تحدياتها كما سنقرأ في باقي التطويبات:

 

4 طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض.

 

5 طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون.

 

6 طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ فإِنَّهم يُشبَعون.

 

7 طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون.

 

8 طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله.

 

9 طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون.

 

10 طوبى لِلـمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات.

 

11 طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم.

 

النصف الأوّل من كلّ طوبي، يمثلنا اليّوم، فنحن الفقراء والـمدعويّن ليكون فقط الرّبّ هو مصدر غنانا بعلاقتنا به. ولكننا بالأحرى مدعويّن بأنّ نثق في كلمة الرّبّ وفي مواعيده الّتي يعلنها صراحة في النصف الثاني من كلّ طوبى. لا نيأس في حالتنا البشريّة، خاصة حينما لا نجد تقدير من البشر بحياتنا الأرضيّة بل في علاقتنا بالرّبّ هناك الـمعنى. لأنّه وهو السيّد والـمعلّم عاش كإنسان التطويبات ويوجهنا لنتبع خطواته ونتمثل به لنصل للرّبّ من خلال حياتنا الأرضيّة.

 

الخلّاصة

 

من الغريب وجه التشابه الّذي يجمع بين كلا النصيّين وهو فئة خاصة من الشعب الّتي تمثلنا ‘anauim .نعم نحن الـمسيحيّين اليّوم، أنا وأنت من هذه الفئة الفقيرة، الّتي تسبيّ ذاتها في كلّ مرة نقع في فخ الشّرّ وننشغل بما هو لا يخص الرّبّ. وبالأحرى لا نضع الرّبّ في أولويّة حياتنا وما نعيشه. وهنا يأتينا هذين النصيّين كجرس ليجعلنا نستعيد يقظتنا. الفقراء والوضعاء هم الـ‘anauim أي نحن الّذيّن نمارس الطقوس ونحتفل بالأسرار والأعياد ولا ينبغي أن نتناسى أنّنا بدون الرّبّ، نحن لا شيء فهو بالـماضي أرسل أنبيائه وبالحاضر أرسل ويرسل إبنه ليخلصنا وليكشف عن علاقته بنا. إذن ما علينا إلّا أنّ نعترف بأنّنا فقراء ووضعاء ومصدر غنانا الحقيقي هو الرّبّ وليس سواه. دُمتم في نمو وسمو في العلاقة بالرّبّ أبينا.