موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٨ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

"قلبُ العهدُ الإلهيّ" بين كاتبي نبؤة اشعيا والإنجيل الأوّل

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 42: 1- 7؛ مت  3: 13- 17)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 42: 1- 7؛ مت 3: 13- 17)

 

عيد معموديّة الرّبّ (أ)

 

الـمُقدّمة

 

يعدّنا هذا الـمقال للإحتفال بأوّل ظهور إلهيّ حيث يفتتح الله الآب حياة يسوع ابنه العلانيّة من خلال كلماته الّتي أطلقها أثناء معموديته الّتي تشير لطاعته للدعوة الآب له لخلاص العالم. يُعدّ النص الكتابيّ الّذي يروي حدث معموديّة الرّبّ ذو إرتباطًا وثيقًا بالظهور الإلهيّ في الجسد، بمثابة حلقة وصلّ بين زمن الـميلاد والزّمن التالي بالسنة الليتورجيّة، ونقطة الإتصال بين ظهور الرّبّ وبين الزّمن الّذي تسير فيه الكنيسة خلفه، سائرةً من يوم ليّوم على خُطى يسوع "قلب العهدُ الإلهيّ". في هذا الـمقال، كمرحلة أوّلى، سنتعمق في العهد الّذي قطعه الرّبّ مع عبده من خلال النص النبويّ بحسب أشعيا (42: 1-7) حيث سنتعرف على دعوة عبدُ الرّبّ الغامض والـمجهول في زمن النبيّ. وأما في العهد الجديد سيمنحنا النص الـمتاويّ (3: 13- 17) معايشة حدث خاص لظهور يسوع للعالم البشريّ من قِبل العالم الإلهيّ حيث يتحدُّ الآب والرّوح القدس في إعلان سرّ يسوع، وهو قلب هذا العهد، في أوّل ظهور له في حياته العلانيّة، إثناء إنغماسه في مياه الأردن على يّد الـمعمدان ليس للتوبة ولا للتطهير من الخطيئة بل لسبب أعمق وهذا ما سنتعرف عليه لاحقًا. نهدف في هذا الـمقال إلى التعمق في التعرف من خلال دعوة الرّبّ الخاصة لإتمام مخططه ويُجسّد عهده بشكل يتناسب مع الدعوة الّتي دعا بها السيّد الرّبّ عبده بالعهد القديم، وابنه يسوع بالعهد الجديد ولازال يدعونا أنا وأنت بحاضرنا.

 

 

1. مُختار الرّبّ (اش 42: 1- 7)

 

كلمات النبّي أشعيا في أوّل نشيد يرويّه من أربعة أناشيد عن عبدُ الرّبّ (راج أش 42؛ 49؛ 50؛ 52-53) الّذي يدعوه الرّبّ بشكل خاص. هذا العبد لم يكن معروفًا في زمن النبيّ ولم يُكشف عن هويته قبلاً. وتأتينا كلمات الرّبّ، في هذا النشيد، الّذي يكشف عن إختياره لشخص معين ليُتمم رسالة معينة قائلاً: « هُوَذا عَبدِيَ الّذي  أَعضُدُه مُخْتارِيَ الّذي  رَضِيَت عنه نَفْسي قد جَعَلتُ روحي علَيه فهو يُبْدي الحَقَّ لِلأُمَم. لا يَصيحُ ولايَرفَعُ صَوتَه ولا يُسمِعُ صَوتَه في الشَّوارِع» (اش 42: 1- 2). بهذه الكلمات يكشف النبيّ علاقة هذا العبد بالله، فالله ذاته هو الّذي إختاره. هذا الإختيار الإلهي له سمات خاصة حيث ستتعلق رسالته ليس فقط بشعب إسرائيل بل سيكون حلقة وصل بين الأمم أي الوثنيّين وبين اليهود. أي إنّه سيوحد كلّ أبناء الله من خلال صمته وحضوره الإيجابي الفعّال الّذي يُتمم به مخطط الله. حينما نقول لفظ "العبد" ليس بمعنى الـمستعبد بل هو لفظ إكرام حيث إنه عبد لـمَن؟ هنا العلاقة ليست عبوديّة وخضوع بل تكشف عن علاقة الإنسان بالله فهو عبدُ الله وليس عبد لإنسان آخر. هذا يكشف عن إنتماء هذا الشخص لله وبالآحرى إنتماء الله له لأنّه هو الّذي يختاره دونًا عن آخرين قائلاً: «أَنا الرّبّ دَعَوتُكَ في البِرّ وأَخَذتُ بِيَدِكَ وجَبَلتُكَ وجَعَلتُكَ عَهداً لِلشَّعبِ ونوراً لِلأُمَم لِكَي تَفتَحَ العُيوَن العَمْياء وتُخرِجَ الأَسيرَ مِنَ السِّجْن والجالِسينَ في الظُّلمَةِ مِن بَيتِ الحَبْس» (اش 42: 6-7). رسالة هذا العبد، وهو الـمختار من الرّبّ، هي رسالة خلاصيّة ولها علاقة جوهريّة بالشعب فهو سيحمل رسالة الله الخلّاصيّة له بل سيصير هو ذاته العهد والنّور الّلذان سيصيران علامات لحضور الله في بشريتنا. بناء على كلمات النبي أشعيا، الّتي كشف عن مُختار الرّبّ، سنجد أنّ هناك علاقة وثيقة بين رسالة عبدُ الله بالعهد القديم ورسالة يسوع بالعهد الجديد كما سنرى في النص الـمتوازي بحسب متّى الإنجيليّ.

 

 

2. توجه الابن الأوّل (مت  3: 13-15)

 

يؤكد متّى الإنجيليّ منذ أوّل خروج ليسوع الابن الظهور للحياة العلانيّة مشدداً بقوله: «في ذلِكَ الوَقْت ظَهَرَ يسوع وقَد أَتى مِنَ الجَليلِ إِلى الأُردُنّ، قاصِداً يُوحنَّا لِيَعتَمِدَ عن يَدِه. فجَعلَ يُوحنَّا يُمانِعُه فيَقول: "أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَأَنتَ تَأتي إِليَّ؟" فأَجابَه يسوع: "دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِر"ّ» (مت 3: 13- 15). هذا التناقض الّذي يكشفه متّى لجماعته الّتي من أصل يهوديّ يعلن عن وضوح يسوع وهو مُختار الله الآب الّذي آتى حاملاً العلالم الإلهيّ لبشريتنا. تضامن يسوع معنا في الإنغماس في الـماء بعد وقوفه في صف الخطأة الّذين تبعوا صوت الـمعمدان ليهيأهم لنوال معموديّة الرّوح القدس، تكشف عن حبّه لبشريتنا الهشّة والضعيفة بل في بشريته صار ليّ ولك مثال الأخ البكر الّذي يتوجه بقراره حاملاً رسالته الخلاصيّة منذ البدء في أوّل لقاء بي وبك وببشريّتنا.

 

 

3. الـمُختار الإلهيّ (مت 3: 16-17)

 

تمنحنا هذه الآيات القليلة بحسب فكر ولّاهوت متّى الإنجيليّ علامتان مع تدشين خدمة يسوع حيث يروي الإنجيليّ بقوله: «واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الـماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الّذي  عَنه رَضِيت"» (مت 3: 16- 17). يُبين الإنجيلي في العلامة الأوّلى حلّول الرّوح القدس عليه في صورة حمامة. لهذا السبب، يمكن تسمية المعمودية بالماء "مسحة" أو "علامة للتكريس". لأنّ الرّوح، كالـمسحة، يُعطى أيضًا في الكتاب الـمقدس لمهمة محددة. يكشف يسوع، في معموديّته، عن نفسه بصفته الـممسوح، والـمختار من الرّبّ، والـمُكرس، أي مسيح الرّبّ.

 

العلامة الثانية هي الصوت الـمسموع من السماء الّذي  يكشف فيه الآب عن إختياره ليسوع بصفته "الابن" ويشهد على سروره به ورضائه عنه. أي أنّ الآب يُظهر إعترافه في ابنه الحبيب باعتباره العهد الّذي يتجسد في البشرية ولأجلها. يسوع بمعموديته كشف لنا عن تحقيق حلم الله الّذي رغب فيه منذ خلقه للعالم. نحن كبشر، قد نتوقع أمورًا أعظم بكثير من ابن الله، ولكن الهام في هذه الحدث هو أنّ حياة ابن الله البشريّة هي الحياة الّتي أرضت الآب، هي الحياة الّتي تجسدت في فعل الخير والتحرر من الشّرّ، متخذًا نفس أسلوب عبد الرّبّ الموصوف في قراءتنا الأوّلى بحسب أشعيا بدون كلام وبصمت فعّال يُتمم رسالته الّتي بها خلاص لعالـمنا.

 

 

4.   قلبُ العهد الإلهي (أش 42: 1-7؛ مت 3: 13-17)  

 

كما قرأنا في نبؤة أشعيا بأنّ العبد الـمُختار من الرّبّ هو الّذي بدعوة الرّبّ له كما نقرأ: «أَنا الرّبّ دَعَوتُكَ [...] وجَعَلتُكَ عَهداً لِلشَّعبِ ونوراً لِلأُمَم» (اش 42: 6). هذا العبد صار هو بذاته العهد الّذي يقطعه الرّبّ ليُتمم خلاصه، فصار مُتمم للعهد الإلهي. على هذا الـمنوال نقرأ بحسب متّى أنّ يسوع وهو الابن الإلهيّ هو قلب هذا العهد الّذي أعلنه الله الآب وقت معموديته قائلاً: «هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الّذي  عَنه رَضِيت» (مت 3: 17). يسوع هو الـممُسوح بالرّوح القدس أثناء معموديّته التضامنيّة معنا نحن الخطأة، ووُهب قوّة من الله. يُشار للتكريس في الكتاب المقدس، بالـمسحة أو بسكب الزيت على الرأس إلى منح رسالة كهنوتيّة ونبويّة وملكيّة لـمَن يتم إختياره من الرّبّ. في معموديّة يسوع بنهر الأردن، نال يسوع هذه الـمسحة، أي إنّ الله الآب دشن وإفتتح رسالة ابنه  يسوع كمسيحه من خلال هذه البادرة، الّتي  شهدت، كأوّل عمل في حياته العلانيّة. من خلال تقدّم يسوع وتوجهه تحو يوحنّا، أظهر أيضًا تضامنه معنا نحن الخطأة البشرييين بالرغم من نقائه ولا علاقة للخطيئة به مثلنا إلّا إنّه صار منّا ومن أجلنا بشر، ففعل كلّ شيء دون تراجع لنتمثل به. التضامن معي ومعك هو السبب الّذي دفعه ليأتي إلى يوحنّا الـمعمدان، طالبًا الـمعموديّة ليشاركنا في كلّ شيء.

 

إذا إعتبرنا معموديتنا الّتي قام بها والدينا عنا ونحن صغار، ونلنا نعمة فوق نعمة بسبب إيمانهم الّذي بثوه فينا منذ الصغر، فصارة معموديتنا مصدر حياتنا وهويتنا المسيحية. مدعوين على ضوء فعل يسوع الّذي أتمّ العهد الإلهي ووصل به للذروة أنّ نصير بدورنا مُشاركين في نفس الدعوة الّتي تتميّز بالـ "التكريس أي الـمسح" وبنفس الرسالة الّتي إفتتحها الله الآب والرّوح معًا في يسوع. ونحن أيضًا في معموديتنا، نُمسح نحن أيضًا بالرّوح القدس. بل هناك سرٌّ يُعبّر عن هذه الحقيقة بالذات من خلال مسحة الرّوح وهو سرّ التثبيت. من خلال سرّ التثبيت نُصبح مشاركين في نفس رسالة يسوع الّتي تجدد العهد بالله، ونُمسح نحن أيضًا، كما هو مسيح الآب نصير مُسحاء في عالـمنا مثل ابن الله. لذلك في معموديتنا، نُدعى "أبناءً" لأننا نتحدّ بالابن. تجعلنا معموديتنا صورة وذكرى حيّة، لذلك الابن الّذي هو قلب العهد الّذي وُلد من أجلنا ثمّ سار في طُّرق الجليل واليهوديّة، صانعًا الخير ومُحرراً من الشّرّ. إذن دعوتنا اليّوم كـمُعمديّن منقوشة في معموديتنا، هي أنّ نحرس ونحفظ بين أفراد كنيستنا وعصرنا ذكرى هذا الـمسيح الّذي قلّب الـموازيّن كاشفًا وجه الإنسانيّة الّذي  يُسرّ به الله الآب والّذي  يتوافق مع حلمه الأول منذ خلقنا.

 

 

الخلّاصة

 

تعمقنا بهذا الـمقال من خلال العبد وهو مختار الرّبّ بحسب أشعيا (42: 1-7)، أنّ الدعوة للشخص الّذي ينتمي إليه تنبع من الله وبناء عليه يعطيه رسالة ومهمة يقوم بها باسم الله ولأجل البشر من خلال العهد الـممنوح له. كما ناقشنا بأنّ النشيد الأوّل لعبدُ الرّبّ بحسب قراءتنا من نبؤة أشعيا (42. 1-7). إذ ناقشنا  كيف يقدّم العبد، مُوضّحًا علاقته بالله ورسالته وعلاقته بالبشر جميعًا. كما تُبيّن أسلوب هذا العبد منذ دعوة الرّبّ بحسب كلمات النبي أشعيا بأنّه "لن يصرخ"، و "لن ينكسر"، و "لن ينطفئ". أرشدنا هذا المقطع الإشعيائي إلى إدراك حدث معموديّة يسوع الابن. حيث كشف لنا أيضًا، دعوة الآب له وعلاقة يسوع الابن بالله الآب وبكلّ بشريتنا. ندرك اليّوم بأنّ رسالة العبد الـمجهول الهويّة قبلاً تجسدّت في أسلوب حياة يسوع بدءاً من معموديته بحسب الطريقة السّرديّة الّتي  أشار بها متّى الإنجيليّ والّتي ناقشناها بحسب صورة يسوع الّذي دخل إلى العالم ليُتمم بل ليجسد دعوته من الله الآب فصار هو قلب هذا العهد. ونحن اليّوم كمؤمنين بمعموديّة يسوع لسنا مجرد أفراد تحيا أوقات كنقطة إتصال بين زمنيّن من السنة الليتورجية في كلّ عام، بل علينا أنّ نقبل وندخل في الحدث الّذي نُدرك فيه سرّ العلاقة بين حياتنا كمعمَّدين وبين حياة يسوع. ففي معمودية الرّبّ، يتجلى تجسّد كلمة الله كما  إنّ معموديّته بنهر الأردن هي نقطة التلاقي بين حياته وحياتنا كمعمَّدين في يسوع الـمسيح (راج روم 6: 3). نعم تدعونا معموديّة الرّبّ للإنغماس في هذا السرّ الإلهيّ، كخطوة أوّلى ويصل إلى ذروته في سرّ الإفخارستيا، من خلال كسر الخبز وتناول الكأس، نُجدد ذكرى الحياة الّتي  وهبها لنا مَن دعاه الآب ليُجسد سرّ حبّه وخلّاصه لننمو نحن أيضًا، وفقًا لدعوتنا بحسب معموديتنا بالإنغماس فيه لنصل إلى كمال نضج الـمسيح. الـمعموديّة هي بمثابة دعوة تجمعنا وتوحدنا بيسوع والّتي تغذى بالإفخارستيا لنكون مثله لنستحق أنّ تنطبق علينا كلمات الرسول القائل: "سنراه كما هو". دُمتم في مسيرة من التضامن والإنغماس بيسوع قلبُ العهد الإلهيّ.