موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٣١ ديسمبر / كانون الأول ٢٠٢٥

"المَنَّارُ الإِلهيّ الجَديدْ" بين كاتبي سفر سيراخ والإنجيل الرابع

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (سي 24: 1- 16؛ يو 1: 1- 18)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (سي 24: 1- 16؛ يو 1: 1- 18)

 

الأحد الثاني بعد الـميلاد (أ)

 

الـمُقدّمة

 

في هذا الأحد الثاني بعد إحتفالنا بعيد سرّ الله الّذي ظهر في الجسد وسرّ التجسّد، سنقرأ معًا نصيّين كعادتنا فيما بين العهديّن. من العهد القديم سنقرأ مقطع من سفر الحكيم ابن سيراخ (24: 1- 16) حيث يهدف بنا الكاتب في حديثه عن الحكمة الإلهيّة بأنّ نتتبعها كمنار جديّد غير مرئي بالعهد القديم كمرحلة أولى. وسنجد في نقاشنا بأنّ هناك ثمة أوجه تشابه كثيرة تتوازى في هذا النص مع مقدمة إنجيل يوحنّا الّتي سنقرأها في مرحلة تاليّة، وعلى وجه الخصوص، تُعدّ مفردات الخيمة والـمَسكن أساسيّتين كمنّار يسطع بالـمجد الإلهيّ في كلا النصين. ومن العهد الجديد سنكتشف الجديد من خلال مقدمة كاتب الإنجيل الرابع (1: 1- 18) حيث يحثّنا الكاتب على التوقف أمام بعض الكلمات الـجوهريّة الّتي يفتتح بها إنجيله وتحوي مفاتيح لكل الإنجيل الرابع، ليساعدنا للتعمق لنلمس هذا الـمنّار الجديد الّذي يحمله لنا الإبن الإلهيّ كاشفًا عن حكمة الله الخالق بشكل مرئي في إبنه. هذا النص نقرأه في كلّ ليلة من عيد الـميلاد الـمجيد بسبب ثرائه الغير محدود والّذي لا ينتهي من اِكتشاف الجديد فيه. بالرغم من قرائة هذا النص في طقوسنا، عدة مرات خلال هذا الزّمن الـميلاديّ من زوايا مختلفة، إلّا إنّه دائمًا ما يضيف الجديد. نهدف في هذا الـمقال بالتوقف لقبول هذا الـمنّار الإلهي الّذي يكشفه الله في ابنه والّذي بدأه الله بالـماضي وأعلن عن ذروته في سرّ تجسده الإلهي فصار هو الـمنّار والحكمة الّتي يكشفها الآب - الخالق فيه.

 

 

1. الحكمة غير المرئيّة (سي 24: 1-16)

 

يمكننا التأمل في عمل حكمة الله في مُعظم نصوص الكتاب المقدس. فسنستعيد معكم بعض الأحداث الّتي سبقت نص ابن سيراخ لنربط الأحداث ونتأمل معًا سكُنى الرّبّ منذ البدء أينما وُجد الإنسان الّذي أحبّه منذ خلقه لهففي أوّل حدث بعد الزلة الأوّلى والعصيان نقرأ بسفر التكوين تساؤل الله للإنسان الأوّل قائلاً: «آدم، أين أنت؟» (3: 9). هذا  السؤال الّذي يطرحه الخالق على خليقته في رواية الخلق الثانيّة، عندما كان الرجل والـمرأة الأوّلين يكافحان من أجل حريتهما. في الخلق، يخبرنا سفر التكوين عن خطة الله لأوّل زوجين، خطة تتحقق بالتاريخ البشري، حتّى يتمكن الخالق من التعّرف على خليقته، وفقًا لخطته ولعهد حبّه الـمقطوع معهما. يتخلل هذا التاريخ كلّه هذا السؤال "أين أنت أيّها الإنسان؟" فالله يتواجد أينما يوجد الإنسان مخلوقه المحبوب. لكن في الفردوس، قد إختبأ الرجل والـمرأة خوفًا من خالقهما. فهما لا يستطيعان بعد التعّرف على خالقهما، بسبب خوفهما وقرارهم بالإختباء منه منه إذ شعرا بأنّهما عاريان. وأثناء مسيرة بحث الله عنهما يجدهما في حالة ليس كما أرادهما وخلقهما، فإن الرجل والمرأة أيضًا لا يجدان الله لأنّهما يخافانه؛ يعتبرانه عدوًا لهما. عميت عيونهم وقلوبهم فلمّ يرونه كإله البركة الّذي يريد لهما الحياة الّتي تنمو وتزدهر إلى كمالها. هذا البحث المتبادل بين الرّبّ والإنسان، في نهاية المطاف، يسري في تاريخنا البشريّ من خلال علاقتنا بالله. ونتابع في حدث آخر وهو حدث لقاء الله بموسى على جبل سيناء، حيث طلب موسى من الله أنّ يُريه وجهه (راج خر 34: 1- 7). ولم يفعل الرّبّ شيئًا سوى أنّ أخبره عن رحمته، وعن طريقته في التعامل مع البشرية الـمخلوقة منه وإذ نسمع صوت موسى القائل: «إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب، كثير الرحمة والوفاء» (خر 34: 6). مما يؤكد إنّ إلهنا هو الخالق وهو إله البركة الذي يُحرر شعبه ويرغب في التواصل معهم بل في السُكنى بينهم حتّى وإنّ كان في خيمة.

 

بالرغم من هذه الرغبة الإلهيّة الحميمة إلّا أنّ الشعب، بينما يسكن الله معهم وبينهم، من خلال كلماته العشر، في الخيمة، إلّأ أن الشعب مع الأسف لا يثق في هذا الحضور الإلهيّ الغير الـمرئي، ويتوق من جديد إلى حياة العبوديّة بمصر الّتي صار من الصعب خروج روح العبوديّة من قلوبهم بالرغم من خروجهم الحقيقي من أرض العبوديّة. نعم، فَقَدَ الشعب هذه العلاقة الـفريدة مع إله يحيط بكلّ شيء ويعلم بكلّ شيء. جهل بني إسرائيل لنعمة التميّيز الّتي ينفرد بهما الرّبّ إلههم جعلته يفقد هذا التجلي العظيم. هذا ما يصفه لنا الحكيم بن سيراخ أيضًا من خلال صورة الحكمة، الّتي نجحت في أنّ تُنصب خيمتها بين بني يعقوب وهم الإثني عشر سبط فتتحدث الحكمة  الإلهيّةكإمرأة مُزينة برّوح الرّبّ مُعلنة: «الحِكمَةُ تَمدَحُ نَفْسَها وتَفتَخِرُ بَينَ شَعبِها. تَفتَحُ فَمَها في جَماعةِ العَلِيّ وتَفتَخِرُ أَمامَ قُدرَته: "إِنِّي خَرَجتُ مِن فَمِ العَلِيّ وكالبُخارِ غَطَّيتُ الأَرْض. ونَصبتُ خَيمَتي في العُلى وكانَ عَرْشي في عَمود الغمام"» (سي 24: 1- 4).  

 

«فتأَصَّلتُ في شَعبٍ مَجيد وفي نَصيبِ الرَّبِّ [...] اْنتَشَرَت رائِحَتي كالقِنَّةِ والجَزْعِ والـمَيعَةِ ومِثْل بُخارِ اللّبانِ في الخَيمَةإِنِّي مَدَدتُ أَغْصاني كالبُطمَة وأَغْصاني أَغْصانُ مَجدٍ ونعمَة» (يش 24: 12- 16). نسترشد في قراءتنا لختام هذا المقطع بأنّ حكمة الله تتحدث عن تأصّها في شعب الرّبّ الـمختار بالرغم من عصيانه إلّا أنّ الرّبّ يضع ذاته بحكمة في وسط شعبه مما يُشبه الكاتب بأنّ الحكمة الإلهيّة هي بمثابة العطر الّذي يغمر خيمته الّتي يسكنها ليتوسط شعبه ويكون حاضر فيها وسط شعبه الّذي يحبّه ويتعلّق به.

 

 

2. الحكمة الـمرئية (يو 1: 1- 18)

 

يمكننا  قراءة التجسد الذي نحتفل به هذه الأيام في سياق البحث الـمشترك الّذي نوهنا عنه بأعلى الـمقال بين الله والبشرية. فيجيب هذا النص على تساؤل الله: "أين أنت يا إنسان؟". إن ابن الله اتخذ جسدنا حتّى يتمكن الله من خلاله من التعرف على خليقته، وفقًا لخطته الـمليئة بالبركة وبالحياة. ولكن أيضًا لكي يتعرف الرجل والـمرأة على خالقهما، فقد جاء يسوع ليخبرنا عن وجه الآب الحقّ كآبّ لا نخشاه، ولا نختبئ منه في وقت عُرينا. وهذا ما يؤكده الإنجيليّ بقوله: «إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه» (يو 1: 18). إذن يسوع الّذي خرج من الأحشاء الإلهيّة وهو الغبن بالطبيعة هو فقط الّذي يتمكن من أنّ يستعيد بنوتنا مع الله فيصير أبينا نحن أيضًا ويصير يسوع أخينا البكر. ويأتي من جديد تشديد كاتب الإنجيل الرابع مؤيداً لـمَن يقبلون هذه الكلمة عن الله قائلاً: «أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله» (يو 1: 12).

 

 

3. منّار الكلمة الجديد (يو 1: 1- 5)

 

كلّ شيء ينتهي، حتى  عندما ينتهي شيء، يبدأ شيء آخر، كالـمرء الّذي ينظر إلى العام الـماضي، فربما يتساءل: "ما المغزى؟" أين أجدُ الـمعنى لحياتي في الـمعاناة، والظلم، وضحايا الحرب، والقمع العنيف، والـمرض، وموت الأبرياء؟ أمام كل هذا، تبدأ بشارة الإنجيليّ يوحنّا كـمنّار وكصّلاة الكلمة من جديد! نُردد معًا بل نُصرّ على التكرار بأنّ: «النُّورُ يَشرِقُ في الظُّلُمات ولَم تُدرِكْه الظُّلُمات» (يو 1: 5). بواقعية شديدة، يُخبرنا الإنجيليّ بأنّ النّور يضيء، نعم، لكن في الظلمة، في وسطها، وليس في مكان مثالي، رؤية خالية من أوهام تاريخ مليء بالتناقضات! في قلب شرٌّورنا الكثيرة، للأسف، وفي عمق ظلامٌنا الدامِس، هناك نور يشرق ويخترق ليل عالـمناهذا النّور هو بمثابة الـمنّار الجديد الّذي لا ولنّ يُقهر! لعل هذا هو السبب في إنّه من الجدير إصرارنا على الصراع لنحمل المنّار الجديد الإلهيّ لقلب عالـمنا الـمُظلم، وهنا نبدأ في السمع للكلمة الإلهيّة ونترك منّارها الجديد ينير ظلمات حياتنا وقلوبنا وكياننا مع مجتمعاتنا وكنائسنا. مدعويّن للنظر من جديد، وللإصغاء بتمّعن، لنلتقي بهذا الـمنّار! لنقرر الخروج من بئر حياتنا الـمظلم، وإذا دققنا النظر في هذا الـمنّار الإلهيّ الجديد الـمُرسل من الآب فقد نكتشف حياتنا الحقّة وسط تناقضات تاريخنا الّتي لا تتلاشى. ليس هذا البرهان الذي يُبطل أو يُؤكد منّار الكلمة، بل هو وجود أناسٍ، يقبلون هذا النّور. أُناس مؤمنيّن بالكلمة الّتي تتجسد لأجلنا وحبًا بنا. أنُاس يملكون الشجاعة ليُضيئوا حياتهم بهذا النّور الّذي لا يزال موجودًا حتّى اليّوم لأنّه موجودًا منذ البدء. يأتي يسوع النّور حاملاً منّار إلهيّ ليُنيرنا وهو الّذي كان منذ البدء لنتمتع بالإيقاع الإلهيّ العميق لحياتنا معه.

 

 

4. الـمنّار الإلهيّ لا يُشوّه! (يو 1: 6- 18)

 

هذا الـمنّار الإلهيّ الّذي لا يُشوّه هو بمثابة الكلمة الّتي صارت وتصيرُ دائمًا منّاراً لنا، كلمة الله قد تجسّدت! تقفز قلوبنا فرحة في كلّ مرةٍ تستسلم فيها لكلمات الرّبّ الّذي يتواصل حقيقيًا معنا بالجسد وبالحياة بإطلاق منّار نوره الّذي يمنحه لأولئك الّذين يقبلونه. في حياتنا البشريّة هناك علاقاتٌ لا يستطيع ظلام العالم أنّ يقهرها، لأنّها تُجسّد وتُظهر جمال الله وتجعل منّاره الذي لا يُشوّه يضئ فينا. وهكذا، فإن إنغماسنا في نور منّاره اليّوم يجعلنا شهودًا على إنعدام وإنتهاء الظّلام  تمامًا الّذي يسكن بداخلنا. وأمام هذا الظّلام الّذي قد يصبح تحديّ كبير لنا اليّوم، مدعوين لقبول اللفظ الـمتجذّر من اللغة اللّاتينيّة accollĭgĕre وهي كلمة مؤلفة من ad و collĭgĕre بمعنى يجمع ويقبل حياة كأبناء محبوبين، حياة نؤمن بها بقلوبنا ولا يمكننا رؤيتها تتكشف أمامنا إلّا إذا كنا قادرين على قبولها من هذا الطفل الإلهيّ النّورانيّ. مدعوين بالبدء في مسيرتنا الّتي تتطلّب التحلّي بالشجاعة لينيرها بحضوره البهيّ. وإذا احتجنا في الطريق إلى التوقف لاستعادة شجاعتنا على الحبّ، فلا نخاف فهو "الله معنا"، وثقتنا بأنّه سينصب خيمته دائمًا حيثما تكون معاركك أشد صعوبة ليرفع مناره الجديد بيننا!

 

 

الخلّاصة

 

"الـمنّار الإلهيّ الجديد" هو العنوان الّذي أعطيناه لـمقالنا هذا الأسبوع إنطلاقًا من كلمات الحكيم ابن سيراخ (24: 1- 16) حيث أشار إلى الخيمة كعلامة لحضور الله غير المرئي بالعهد القديم. وبالتوازي مع مقدمة الإنجيل الرابع حيث أعلن يسوع الـمتجسد وجه الآب حاملاً مناراً جديداً إستكمالاً لعلاقة حبّ الله معنا بدأت منذ القدم. في تجسد الكلمة، وهو بمثابة لقاء الآب ببشريتنا لكي يتعرف الخالق على خليقته ويُعيد اكتشافها، ولكي يتعرف كلّاً منا كنساء ورجال على إلهنا كـ"إلهٍ رحيمٍ كريم، بطيء الغضب، كثير الرحمة والوفاء" (خر 34). كلّ هذا يؤكد بأنّ السرّ الّذي نحتفل به في ميلاد الرّبّ هو ثمرة اللقاء الّذي يُثير فينا تسبيح وترنيم للرّبّ. فقد أشار إلينا التلميذ الّذي أحبّه يسوع، من جديد، في مقدمة بشارته اليوحنّاويّة عن هذا البحث الـمشترك بين الرّبّ والإنسان، كتواصل لتاريخ حيّ خلاصيّ بدأ من الـماضي ووصل لذروته في شخص يسوع. ثم نجح الكاتب في الكشف عن الـمنّار الجديد الّذي أنار وينير كلّ حياتنا وقلوبنا بشكل كامل ونهائي في يسوع اِبنه ككلمته الـمتجسد. إختار الإنجيليّ لقظ ينفرد به دون عن باقي الإنجيلييّن بقوله: «الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا ونَصَبَ خَيمَتَه بَينَنا» (يو 1: 14). قد نصب الله الآب خيمته الحيّة بيننا في ابنه، وكشف لنا وجهه، وكشف لنا عن حبه الأبوي منذ خلقنا والآن بخلق ابنه لأجلنا: «كانَ [الكلمة] في العالَم وبِه كانَ العالَم» (يو 1: 10). دُمتم في مسيرة ميلاديّة مُفرحة لحمل منّار الرّبّ الجديد وهو يسوع الإله والإنسان.