موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مسألة الغفران وإلإقامة في المطهر. موضوع محبّذ في الكنيسة البروتستانتيّة أساءت فهم ما تعنيه الكنيسة الكاثوليكيّة. وكان من أهم أسباب النّزاع مع روما ممّا أدّى بالتالي إلى حرمان المؤسّس لوثر وانقسام الكنيسة إلى كنيستين. نحمد الله أن ما مارسته الكنيسة في هذا المجال بإعطاء صكوك-أسيء فهمها بتسميتها صكوك الغفران، قد انتهى وقتها من سنة 1550 ولو أن ذكراها لا تزال حيّة في العقول، خاصّة المعادية للكنيسة الكاثوليكيّة(حتّى الإسلام). تعليم الصّكوك زال لكن تعليم الغفران لا يزال ساري المفعول. فما هو المفهوم من هذا التعبير؟ الكنيسة الكاثوليكيّة تميّز بين الحكم الأبدي والحكم المؤقّت. فنتيجة للإعتراف الصادق بالخطيئة تُغفر لنا الخطيئة والعقاب المؤبّد منها وأما العقاب المؤقّت فيبقى أوّلا قائما. (والّذي نستظيع مقارنته بالقانون العام بعد ارتكاب جريمة ما، مثلا التسبب في حادث سير أثرا لشرب الخمور، ينجم عنها موت شخص. فبوسع اهل المائت أن يغفروا للسكران فعلته وأما قانون الحكومة للتصرّف الخطأ فله بند خاص يجب ملاحقته) فما يحدث بلإعتراف هو من هذا القبيل. عندما تتوفّر التّوبة الصّادقة، تُغفر الخطيئة وعواقبها المؤبّدة باسم الله، وأما عواقب الشّر المؤقّته فتبق في سجلّ العقوبات إلى أن يأخذ القانون مجراه فيها. وهنا لا بدّ من توضيح مسألة المطهر (Purgatorium)، وهو كلمة لاتينيّة ومعناها مكان التنظيف، التطهير، وهو ليس درجة قبل الدّخول إلى جهنّم النّار، كما يفهمها البروتستانت، وإنّما درجة قبل الدّخول إلى السّماء. جهنّم هي مكان إقامة مؤبّدة لمن ارتكب الجرائم الكبيرة ومات عن قصد في خطيئته بدون إظهار أي ندم أو توبة. بينما المطهر فهو مكان منفى مؤقّت يقيم فيه من مات تائبا لكنّه لم يصل إلى درجة القداسة الّتي تمكّنه حالا من مشاهدة الله. فأثناء الحرمان من مشاهدة الله المؤقت يمكن لعواقب الخطيئة أن تمحى أوّلا بأوّل كما يُنقّى الذّهب بالنّار ليصبح لامعا محبوبا. كيف؟ هذه هي نقطة الخلاف: الغفارين: كبف يمكن تقصير الإقامة في المطهر؟ هناك تلميح في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتس: اكور. 3: 12-15. هنا تلميح عن الحكم النّهائي في محكمة الله، حيث تُحرق أعمال الإنسان وتَفنى، وأمّا الإنسان نفسه فبعد مروره بالنّار يخلص. فماذا يعني بولس بهذا الكلام إذا لم يكن هناك ما تمّ الإجماع على تسميته من الّلاهوت بالمطهر؟ وعمّا يقوم هذا القصاص الحارق، الّذي بنهايته يدخل صاحبه الحياة الأبديّة؟ وبحسب كتاب المكابيّين الثاني 44:12 "جمع يهوذا النّبيل من كلّ واحد تقدمة من الفضّة وأرسلها إلى أورشليم، ليقدَّم بها ذبيحة عن الخطيئة. وكان ذلك من أحسن الصّنع وأتقاه، لاعتقاده قيامة الموتى. لأنّه لو لم يكن مترجّيا قيامة الّذين سقطوا، لكانت صلاته من أجل الموتى باطلا وعبثا، ولاعتباره أنّ الّذين رقدوا بالتّقوى، قد أُدِّخر لهم ثواب جميل". أليس الحديث هنا عن الغفران؟ وماذا يعني الغفران؟ الغفران هو ليس العفو عن الخطيئة ولكن الإعفاء من العقاب المستوجب عليها، الّذي يجب التكفير عنه إمّا في هذه الدّنيا أو في الإقامة المؤقّتة في المطهر. هذا وبحسب تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة يمكن الإعفاء من هذا العقاب بالتّعويض عنه بما تملك هذه الكنيسة من كنوز روحيّة هي موكلة عليها، وهي استحقاقات موت يسوع لخلاص الجميع وتضحيات القدّيسين القيّمة، كما هو مذكور عند بولس في رسالته إلى أهل كولوسي 24:1 حيث يقول"إنّي أُتمِّم في جسدي ما نقص في آلام المسيح". طبعا القدّيسون خلصوا بنعمة المسيح واستحقاقات أعمالهم الصّالحة في خدمة المسيح والكنيسة، ولذا فعرفانا لأعمالهم تستعمل الكنيسة الفائض منها وتضعه أمام الله كجزية عن عقاب خطايا المتوفّين. إذ للكنيسة الصّلاحيّة الكاملة للرجوع إلى هذه الكنوز الإلهيّة وإمكانيّة استعمالها، إلى جانب صلوات المؤمنين وتضحياتهم المقبولة عند الله. فهذا ما نسمّيه بالغفرانات الّتي أقامت لوثر وأقعدته ضدّ الكنيسة وفضّل الثورة عليها بدل الإجتهاد والتّرويّ لفهم المقصود منها. وهذا خير برهان على ارتباط الأحياء بالأموات وإمكانيّة الإتصال بهم عن طريق المسيح المصلوب الواقف كنقطة وصل بيننا وبين من سبقونا إلى الفردوس الأبدي. بقيت اختلافات بسيطة، لا بدّ من التنويه إليها، وهي: هل المسيح بحاجة إلى الّذهب واللّبان والمرّ؟ هل عبادة المسيح بحاجة إلى استعمال البخور ورشّ الماء المقدّس؟ كثير من البروتستانت، الّذين يشاركون في طقوس الكنيسة الكاثوليكيّة يحتجّون بالتّالي على زينات الهياكل المرصّعة بالذّهب وملابس الكهنة الباهرة والكؤوس الذّهبيّة للإحتفال بالذبيحة الإلهيّة. أضف إلى ذلك التنظيم والتّرتيب في سير الطّقوس. فهل كلّ هذا ضروري؟ هل عاد إمكان للظهور بهذا الغنى في وقت عاد فيه الفقر والبساطة من مكوِّنات الحياة اليوم؟ إنّني لا أفهم هذا الإنفعال الزّائد والتّهجّم على الكنيسة الكاثوليكيّة بهذا الخصوص! الّذهب واللّبان والمرّ؟ أما جاء ذكرها في الكتاب المقدّس وهي تقادم من العبد المتواضع لسيّده(متى 11:2). وإن استعملت الكنيسة مثل هذه المواد الثّمينة، فهي لا تقصد منها تمييزها بطابع الغنى عن طبقة شعبها الفقير وإنّما تكريم سيّدها باستعمال أغلى ما عندها له. فعندما تؤمن أن المسيح حاضر فيها بجسده ودمه المقدّسين، فليس من اللأئق به استعمال كأس خشبي أو فخّاري وهي تستطيع تقديم كأس ذهبي له! الكنيسة في أوروبا تعيش في بحبوحة أجتماعيّة ومالية، فلا يحقّ لها البخل المصطنع في قمّة طقوسها كأنّها في أرسالية فقيرة في أسيا أو أميركا الجنوبيّة. فاستعمال الأواني الذّهبيذة والملابس الفاخرة في الطّقوس هو علامة احترام للخالق الّذي لا يجوز أن نبخل عليه ولا نضع جسده ودمه المقدّس في أنية غالية الثّمن(يو 5:12). الملوك لا تسكن في خيمة، والفقير لا يسكن في قصر ذهبي! لكل مقام مقال!. هذا وماذا نقول عن البخور وروائح العطور؟ هل المسيح بحاجة لها؟ الكنيسة اللآّتينيّة ما أدخلت هذه العوائد بل هي موجودة حتى عند الأوثان، حيث لا تخلو الطّقوس والإحتفالات الدّينيّة من تجميلها بالرّوائح الزّكيّة. العهد القديم يصف مثل هذه الإحتفالات في الهيكل (كتاب الملوك الثّاني 30: 34-38+ الملوك الثاالث 16: 12-13 وكتاب الرّؤيا يقول إن البخور دائما مشتعل أمام العرش السّماوي ويرمز ارتفاع دخانه إلى العلى لارتفاع صلوات المؤمنين نحو العرش السّماوي (رؤيا 8:5 و 8: 3-4) إلى اليوم نجد على مدخل قصور الملوك والعظماء مناقل ومشاعل البخور تعجّ برائحتها الطّيبة أمام زائري ملوكهم. هذه الرّوائح العطرة كانت لتغطّي على الرّوائح الكريهة في الإحتفالات الكبيرة، حيث يلتئم فيها آلاف الزّوار وتدوم الحفلات لساعات طويلة. وما كان من ماء للإغتسال والتخلّص من الروائح الكريهة. ما أجمل طقوس الكنيسة الأرثوذوكسيّة إذ يلعب فيها استعمال البخور دورا كبيرا. بولس يعطي تعليماته (1 كور. 14: 26-40) في كيفيّة الإحتفال بالطقوس وعلى هذه التّعليمات بنت الكنيسة الكاثوليكيّة طريقة الإحتفال بطقوسها كما وبقيت الكنيسة البروتستانتيّة أيضا محتفظة بأهم نقاط الإحتفال الطقسيّة هذه حتّى بعد انفصالها، إذ الإحتفال بالطقوس ليس عرض رواية يجب خلق ّ كواليس جديدة لكل عرض جديد. في هذا التنظيم يدخل استعمال البخور والّذي تعرفه كلّ الدّيانات وتستعمله. فهو عادة سارية منذ أكثر من 2000 سنة، ومن يريد شطبها أو حذفها من طقسه؟ لذا يقول الكاتب: علينا أن نفتّش على إغناء طقوسنا والرّجوع إلى عوائد مهمّة أسف أباؤنا على التّخلّي عنها منذ الإنشقاق.