موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نقطة الخلاف الثانية: إكرام العذراء والقدّيسين. اعتراض الكنيسة البروتستانتيّة على هذه النقطة متعدد الجوانب. فهي تقول: - لا ذكر لهذه العقيدة في الكتاب المقدّس. - الإستشفاع بالعذراء والقدّيسين يقلّل من شفاعة المسيح الّتي لا يعلو عليها شفاعة (لا خلاص إلاّ في المسيح). - إكرام العذراء أو التّعبّد إليها هو عادة وثنيّة مأخوذة من الدّيانة الآسيوية الّتي تكرّم "إلهة القمر" فوق كل الآلهة. - إكرام القدّيسين يقود إلى الاتصال بالأرواح وهي عوائد سحريّة محرّمة. قبل الإجابة على هذه الاعتراضات لا بدّ من محاولة إعطاء فكرة عامّة عن إيمان الكنيسة الكاثوليكيّة بخصوص إكرام العذراء مريم والقدّيسين، الّتي يعتبرونها مهمّة جدّاً. لماذا ينسى البروتستانت دور الوساطة في الحياة اليوميّة؟ من لا يلجأ إلى وسيط أو معين في الضّيق؟ كم وكم نطلب الصّلاة لبعضنا البعض، عندما يتعسّر علينا حلّ معضلة يوميّة؟ أمّا إخواننا الكاثوليك فهم يسلكون خطوة أبعد من الوساطة البشريّة ويطلبون ليس فقط من جيرانهم البشريّين أن يتوسطوا لحل معضلاتهم، ولكن أيضا يطلبون شفاعة سكّان السّماء، الجالسين حول العرش السّماوي، ليستجيب الله مطالب المعذّبين على الأرض ويرشدهم للحق. فالمساعدة لا تأتي من القدّيسين إنّما هم الوسطاء يطلبون من الجالس على العرش إرسال المعونة والعزاء الرّوحي للمحتاجين. من هم هؤلاء القدّيسون؟ بحسب مفهوم الكتاب المقدّس، القدِّيسون هم ليسوا أناساً لا ذنب فيهم، كاملين، لا تأثير للخطيئة عليهم في حياتهم، بل هم أناس كالباقين، اجتهدوا في حياتهم أن يعطوا للإنجيل وجهاً حيّاً، وأبرزوا ما فيهم من حميّة وقناعة في خدمة العالم والبشر لتحسين أوضاعه وتخفيف معاناتهم، لا بالمال بل بالتضحية بحياتهم الخاصة لأولئك المحتاجين، حسب قول المسيح: "ليس لأحدٍ حبُّ أعظم من أن يبذل نفسه عن أحبّائه". من هؤلاء من مات شهيداً لإيمانه، فكان سفك دمهم من أجل المسيح والإيمان كاف ليكفّر عن خطاياهم ويمكّنهم من الجلوس حول العرش السّماوي. وهذه نقطة ما كانت يوماً موضع خلاف عند البروتستانت، لذا يكرّمهم النّاس ويحترم قبورهم. ثم هناك طبقة المؤمنين العاديّين، الّذين أمضوا حياتهم بالشّهادة الفعليّة لتعليم المسيح، بخدمة المحتاجين والفقراء والمعوّقين بحسب تعليم المسيح "كلّما فعلتم شيئا لهؤلاء فلي فعلتموه". وهناك فئة ثالثة بسيطة ضمّتها الكنيسة إلى لائحة القدّيسين وهم المؤمنون البسطاء من كل أنحاء العالم، الّذين ما برزوا بشيء غريب في حياتهم، لكن قداستهم برزت بعد موتهم بإحداث عجائب بشفاعتهم فانتشر إكرامهم والتعبّد إليهم. فكما تقول الكنيسة الكاثوليكيّة: لا تعبّد للقدّيسين وإنّما تكريم لنعمة الله الّتي عملت فيهم أثناء عيشتهم على الأرض. فهم ليسوا آلهة نعبدهم كما نعبد الثّالوث الأقدس. كذلك تقول الكنيسة الكاثوليكيّة عن مريم. فهي لا تعتبرها إلهة بل تحترمها وتكرّمها لمقامها ودورها الكبير الّذي قامت به في قصّة الخلاص إلى جانب ابنها. الكنيسة الكاثوليكيّة تحب وتكرّم مريم لأنها ولدت ابن الله. كثير من البروتستانت يستاؤون من تسمية مريم "أم الله" ويرفضونه لأنّه لقب أعطتها إياه الكنيسة الكاثوليكيّة. وهذا خطأ إذ هذا اللّقب أعطي لها في مجمع أفسس عام 431 وأكّده مجمع خلقيدونيا عام 451. وهو حصيلة جدالات طويلة سبقت عن المسيح بالّذات، تجادلت فيه الإتّجاهات المسيحيّة العديدة حول طبيعة المسيح، فهل هو إنسان أم إله؟، هل بميلاده فقد طبيعته الإلهيّة وعاش كإنسان فقط؟، ولّما ثبت للإيمان أن في المسيح طبيعتين متساويتين، الطبيعة الإلهيّة والطبيعة البشريّة. لذا فبما أنّ المسيح هو إله وإنسان في آن واحد، أعلنت الكنيسة أن مريم هي أيضاً أم المسيح الإنسان والإله. ولقد قبلت الكنيسة البروتستانتيّة بهذه العقيدة قبل وبعد انشقاقها لأكثر من 200 سنة. فإنكاره اليوم هو نوع من التّعصّب الدّيني القائل: خالف تعرف!. كذلك تؤمن الكنيسة الكاثوليكيّة ببتوليّة العذراء. فهي حبلت وولدت ابنها بأعجوبة إلهيّة وبقيت عذراء، قبل وأثناء وبعد الولادة، حسب ما يثبته الإنجيل "ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنا" (متى 23:1) وإن الكنيسة البروتستانتيّة كانت تؤمن بهذا. ولكن الكثيرين يؤمنون أيضا أنها بعد ولادة ابنها يسوع قد أنجبت من يوسف أولاداً آخرين، لأن الإنجيل يتحدّث في مواضع أخرى (مرقس 32:3 و 3:6) عن إخوة ليسوع، خلافا لما تعلّم الكنيسة الكاثوليكيّة وتشرح بأن إخوة يسوع ما هم إلا أولاد أعمام وخالات، إذ التعبير هو واحد في اللغة العبرانيّة لجميع القرابة الدّموية: كلهم إخوة. فعلى افتراض أنّه كان ليسوع إخوة، فلماذا مثلا يوكّل يسوع أمّه الواقفة تحت الصّليب ليوحنّا وليس لأخ آخر (يو 26:19) ليعتني بها؟، وعلى افتراض أنها ولدت أولادا آخرين، فلماذا لم تأخذهم معها من الناصرة حينما قامت مع يسوع البالغ من العمر 12 عاماً بزيارة الهيكل في أورشليم؟، أو على افتراض آخر: أن المدعوّين إخوة يسوع هم أولاً ليوسف من زواج سابق، فأينما كانوا ليلة الميلاد؟ لماذا لم يكونوا مع والدهم يوسف بالمغارة؟. بالإختصار هذه كلّها افتراضات وتحسّبات لا إثبات لها في الكتاب المقدّس، وهي تتكلّم ضد إيمان الكنيسة البروتستانتيّة. كذلك تعترض الكنيسة البروتستانتيّة على تلقيب مريم "أمّ الكنيسة" بعدما أعلن البابا بيّوس التّاسع عقيدة "الحبل بمريم بلا دنس" عام 1854 والبابا بيّوس الثّاني عشر عام 1950 عقيدة انتقال العذراء إلى السّماء بالنّفس والجسد. عقيدة الحبل بلا دنس، في مفهوم الكنيسة الكاثوليكية لا تعني أن مريم ما كان لها علاقة جنسية مع يوسف ومع ذلك حبلت منه بلا خطيئة. فهذا خطأ واضح. الكنيسة تعني أن مريم حُبِل بها في بطن أمها بلا خطيئة (كما لو كانت الخطيئة الأصليّة لم تُقتَرف بعد). وإن شرح وتفسير هذا الحدث قد يقود إلى سوء فهم، لكن ليس إلى خطأ عقائدي. وسوء الفهم هذا ناجم عن مفهوم الخطيئة الأصلية، الذي تختلف الكنيسة البروتستانتيّة في تفسيره عن الكنيسة الكاثوليكيّة. الكنيسة البروتستانتيّة تقول إن الطبيعة البشريّة مجبولة في الخطيئة (Natura totaliter corrupta) بحيث لا نستطيع أن نعيش يوما واحدا بدون خطيئة، إذ كل ما تقوم به الطبيعة البشريّة من أعمال هو مجبول بالخطيئة، هو خطيئة. هذا هو مفهوم الكنيسة البروتستانتيّة للخطيئة الأصليّة، وعند النّضوج تُضاف إليها الخطايا الواعية الّتي يقدم عليها الإنسان. فتصبح طبيعته شرّيرة أكثر. وأما مفهوم الخطيئة الأصلية في الكنيسة الكاثوليكيّة فهو مختلف نوعا ما، إذ هي تقول: الطبيعة البشريّة ليست من أصلها مجبولة بالخطيئة. الخطيئة الأصليّة ارتكبها أبوانا الأوّلان، آدم وحوّاء، وهي تدخل فينا بالحبل. هذا ويمكن التّخلّص منها بنعمة المسيح. لكن آثارها والميول إليها تبقى عالقة في الطبيعة التي يحاول الشّرير جرّها إليه. هذه الآثار بحدّ ذاتها، تقول الكنيسة الكاثوليكيّة هي ليست خطيئة (كما الحال في تجربة المسيح)، إذ الخطيئة تقوم بالفعل المقصود والإرادة الكاملة في وصيّة قاطعة. عواقب الخطيئة الأصليّة هي واضحة، كما يصفها لنا بولس في رسالته إلى أهل كورنتوس (15: 20-22 و 45-49). وهو يقارن بين آدم الذي أخطأ وجلب الخطيئة على بني جنسه وعواقب الخطيئة هي الموت، وبين آدم الجديد الذي جلب الخلاص من الخطيئة والموت. فكما أن جميع بني آدم يخطِؤون ويموتون، بوسعهم جميعا كأتباع المسيح أن يحصلوا على الخلاص. هذا ومن بداية المسيحيّة نقل الّلاهوتيّون وآباء الكنيسة الأوائل (القدّيس يوستينوس +165 وأيرينيوس +200) هذا التّشابه على حوّاء القديمة ومريم العذراء. فكما أنّ حوّاء جلبت الخطيئة على أبنائها، بحيث هي أغرت آدم أن يخالف وصيّة الله ويسقط في الخطيئة، هكذا أعطت حوّاء الجديدة، مريم، بكلمتها "فليكن لي بحسب قولك" المخلّص، الّذي تمّم وصيّة الله في العالم. لا يغربنّ عن بالنا أن مريم ليست هي المخلِّصة. ولو رفضت عرض الله، لكان الله أيضا سلك طريقاً آخر وأوجد الخلاص. لكن إيمان الكنيسة ثابت، أن طريق الخلاص الّتي تمّت كانت في فكر الله منذ البداية وما كان بحاجة لأن يكون عنده تصميم أ و ب "لمّا تمّ ملء الزّمان، أرسل الله ابنه، مولودا من امرأة" (غلاطية 4:4). ومن البداية وإلى القرون الوسطى كانت الكنيسة تؤمن بأن العذراء مريم، نظرا لدورها وقيمتها، قد أعفيت من الخطيئة الأصليّة عند الحبل بها، وهذا ما أعلنه البابا بيوس التّاسع نهائياً عام 1854. هذا وتحتفل الكنيسة بهذا العيد يوم 8 أكتوبر من كلّ سنة. كذلك الكنيسسة الأرثوذوكسيّة، فإنّها وإن لم تعترف بهذا القرار من قبل الكنيسة الكاثوليكيّة، فإنها تعترف بطهارة العذراء وخلوّها من كلّ شرّ، حتّى استأهلت أن تلد المخلّص وتدعوها "أم القداسة"، وهذا قبل إنشقاقها عن الكنيسة الكاثوليكيّة عام 1054. هذا ويجب هنا ذكره أن لوثر بالذّات اعترف في إحدى محاضراته وشروحه لصك الغفران عام 1518، أي سنة واحدة بعد حرمانه، أن العذراء كانت نقيّة وما مسّتها الخطيئة لا قبل ولادتها ولا بعدها. ولأنّها أم الله، كما قال عنها في وعظة عام 1520 قد جمّلها الله بكل أعلى درجات القداسة. لكنّ لوثر للأسف تخلّى عن هذا الإعتراف في آخر حياته عندما درس رسائل بولس الّتي تتكلّم عن الهلاك أو الخلاص الأبدي. إلى جانب صعوبة فهم عقيدة الحبل بلا دنس، تستصعب الكنيسة البروتستانتيّة القبول بعقيدة "انتقال العذراء إلى السّماء بالنفس والجسد" الّتي أعلنها البابا بيّوس الثّاني عشر عام 1950. محتوى تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة، أن جسد العذراء، الّذي مات ككل خلق، لم يمسّه الفساد، بل نقلته الملائكة توّا إلى السّماء حيث كان ابنها قد سبقها إليه. هذا العيد تحتفل به الكنيسة الكاثوليكيّة يوم 15 آب من كلّ سنة. الكنيسة البروتستانتيّة تهزّ الرّأس مستهزئة بأختها الكنيسة الكاثوليكيّة، كيف أنّها أتت على هذه الفكرة حيث لا ذكر ولا أثر لهذا الحدث في الكتاب المقدّس! لكن المنطق منطق. فهذه العقيدة هي تكملة للعقيدة السّابقة، أي الحبل بها بلا دنس. فإذا هي لم تكن فريسة للخطيئة كباقي البشر، فلماذا يجب أن يسري عليها القانون العام وتبقى في القبر، ككلّ الخطأة إلى يوم القيامة حتّى تظهر أمام الدّيان؟ من ناحية ثانية هناك ذكر في الكتاب المقدّس لبعض الأموات الّذين ساعة موت المسيح قاموا من قبورهم وقد رآهم أُناس كثيرون (متى 27: 52-53). فمن غير المعقول أن هؤلاء عاشوا من جديد مع ذويهم ثم ماتوا ووضعوا من جديد في قبور بل الأحرى أنّهم أيضا نقلوا بنعمة الخلاص إلى المجد السّماوي حيث هم كانوا بانتظار مخلّصهم يوم صعوده إلى السّماء. فمن يقبل أن يكون هؤلاء قد فضّلهم المسيح على أمّه وتركها في قبرها؟ بل إن التّاريخ يذكر قبرين فارغين في أورشليم وبوسع كل زائر أن يشاهدهما بأم عينه. أعني قبر المسيح الفارغ في قلب أورشليم وقبر العذراء مريم في وادي قدرون الجتسمانيّة. ولا أحد يدّعي أن النّاس يكرّمون العذراء المائتة في القبر أو عندهم ذخائر حيّة تذكّرهم بها، كأنّها لا تزال على الأرض، كما يذكّرنا قبر بطرس المغلق حتّى اليوم تحت هيكل كنيسة الفاتيكان أو أيضا قبر القدّيس بولس في روما في الكنيسة المعروفة "كنيسة القديس بولس خارج الأسوار". إن هذا ليس برهانا قاطعا لإعلان عقيدة انتقال العذراء بالنفس والجسد إلى السّماء، لكن الفكرة ليست مغلوطة وهي تعود إلى كتابات واعترافات قديسين وآباء كنيسة كثيرين بصحّة هذا الإيمان في القرن الرّابع الميلادي (القديس ايرونيموس والقديس أمبروزيوس) وعليه بنت الكنيسة تعليم هذه العقيدة عام 1950. وماذا نقول عن الصلاة "السّلام عليك" وصلاة السبحة الورديّة؟ صلاة السبحة تعود إلى القرن الحادي عشر وهذا يعني لمئآت السّنين قبل الإصلاح، وأن جميع المؤمنين مارسوا هذه الصّلاة وبحرارة وإيمان واقتناع أن مريم حريّة بالتكريم "ستطوّبني سائر الأجيال". أخذين بعين الإعتبار أن صلاة "السّلام عليك" هي صلاة تكريميّة أوّلا وآخرا ليسوع، ولو أن كثيرين من البروتستانت يكرهون -إذا صحّ التعبير- التلفّظ بهذه الصّلاة وهي مأخوذة من إنجيل لوقا، ومحتواها في القسم الأوّل هو شرح لأعمال يسوع. وأمّاّ المقطع الثّاني منها فنتوجّه فيه إلى مريم لتشفع بنا عند الله. فهذه الصّلاة ليست لتأليه مريم (أي وضعها في مكان إلهة) وإنّما لطلب شفاعتها وتوصية ابنها علينا في وادي الضّيق والمنفى.