موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٥ فبراير / شباط ٢٠٢١

هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا

هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا

 

عظة الأحد الثاني من الصوم (مرقس 9: 02-10)

 

أحد الصوم الثاني اليوم هو عيد تجلي يسوع على جبل طابور، حيث يكشف يسوع عن مجده الحقيقي، أمام رسله المحبوبين الثلاثة، قبل أن يموت على الصليب، فيشكّ العالم بحقيقته. نعم رسله الثلاثة كانوا شهودا لهذا الحدث الفريد. اخذهم على انفراد وصعد بهم إلى جبل عالٍ (مر 9: 2). ففي حدث صعود التلاميذ إلى جبل الطابور، نجد المناسبة لنتسائل، إلى أين تقودنا بالنهاية طريق صومنا، إذ الصوم هو أيضا طريق صعود إلى فوق، وهذا هومفعول الصلاة والتوبة، التي تجعلنا نشاهد محد الله، ونسمع صوته، ولو من خلف غيمة تقول لنا: هذا هو ابني الحبيب. إن سمعتم صوته، فلا تُقسّوا قلوبكم.

 

للوصول إلى  جبل التّجلي، المعروف باسم جبل الطور، الواقع على ارتفاع 580 مترا من بحيرة طبريا تحت أقدامه، هناك آخر 4 كيلومترات مُعَرْوَجة بستّتةِ عَشْرَ مُنعطفٍ ومُنحنىً، حتى تقدر السّيارات أن تتسلّقها. لكن في آخرها، يتفاجأ الزائر بالساحلة الواسعة على رأس الجبل، بمناظرها الخلابة، التي قال عنها بطرس: إنه لحسن لنا أن نكون هنا، فلنُقِم ثلاث مظال. وتخليدا لهذا المشهد، تُدهشنا آثار ثلاث كنائس صغيرة ملتصقه ببعضها البعض، بناها الصليبيون حينما حرّروا الأرض من مُستعمريها. أمّا كنيسة الطابور الجديدة، فحلّت محل الكنائس الثلاثة، بناها الفرنسيسكان ودشّنوها عام 1910. هذه الكنائس، تدعوك فورا، للتأمل والصّمت والصّلاة. وهذا هو وقت الصيام ومتطلّباتُه.

 

زمن الصّوم يتميّز بطابع خاص، إذا ما قارنّاه بزمن المجيء. فزمن المجيء هو صاخب بضجيجه ومبيعاته وأسواقه الحَرِكَة المُتنوِّعة، بينما زمن الصوم فهو للهدؤ والتأمل والتفكير حول المصير والحياة الشخصيّة، كما وحياة ومصير العالم، الذي نعيش فيه. فهذا العالم، إن لم يكن ابتعد، فهو يبتعد رُويدًا رويدًا عن الله، وما عاد يشابه ذلك العالم الّذي خرج من يده تعالى، وقال عنه إنه جيّد. وكلّما تقدّم الإنسان في السيطرة على هذا العالم بالتكنولوجيا والمال، الذّي تحت تصرُّفه، كلّما زاد سوءاً، وبالأخص كلّما خفَّ مفعول وصايا الإيمان وتأثيرها على القرارات الظالمة، كأن لا صوت ولا وجود لهذه الوصايا والتّعاليم الإلهيّة.

 

عالَماً واحداً خلق الله وسلّم إدارته وعنايته لخليقته الإنسان، ولكن الإنسان أساء المعاملة، ففقد الثّقة، التي وضعها الله فيه. نعم أُصيب العالم بنكسة بل بسكتة قلبية، كما يقول المثل، لم يتعافَ منها، خاصة، وإن الله لا يريد أن يحدَّ من حريّة الإنسان، أو أن يقوم بما على الإنسان أن يقوم به. الله خلق العمل، لكنه ترك تتميمه للأنسان. فبعد هذه التجربة المريرة، التي جلبت التّعاسة للإنسان بدل السّعادة، فقد حان الوقت أن نُفكِّر، كيف يُمكننا، أن نُحيي الإيمان في هذا العالم، وقبل كلِّ شيء فينا نحن، وكيف نُعيد له دوره السّابق، ليدير حياتنا، إذ الإبتعاد عن الله، وحرّية الأخلاق وترك التّعبّد والصّلاة، ما جلبت للإنسان إلا التّعاسة بدل السعادة، حتى لا نقول طرده من الفردوس من جديد.  فعنف الأقوياء قد زاد. اللامبالاة والإنحراف الأخلاقي والجنسي، قضت على الحياة الروحية الدّينية، فما هي النتيجة؟

 

انتكاس كامل في كل حقول الحياة، كمن تنزلق قدمه في بحر وهو لا يتقن السّباحة، إذ حياةٌ بدون الله والإيمان، هي مجازفة، لها بداية ولكن لا نهاية. إنَّ الطّبيعة لا تحتمل الفراغ. قال حكيم: الشياطين، تسكن الهياكل الفارغة، فحيث تخف الدّيانة، يحتلُّ مكانها الشر.هذا وحيث يعظم الشرّ، فلا تنفع لا الحرمانات ولا القوانين الصّارمة. بكلمة نقول: حيث نرمي بالإيمان خلف ظهورنا، ينتج عنه انحطاط أخلاقيٌّ جماعيٌّ كامل.

 

هذه حالة الإنسان اليوم. هو يحاول لأتفه الأسباب ،أن يتملّص من المحافظة على وصايا الله، وواجبات الدّين، مُبدِلاً إيّاها، بقوانين خاصّةٍ أسهل منها، يذهب، كما يقول المثل، طريقه الخاص، إذ يفتكر أنه سيلتقي بالسّعادة على هذا الطريق، ناسيا ما قاله يسوع إنَّ هذا الطريق يؤدي إلى الهلاك: "الباب الواسع والطّريق الرّحب يؤدي إلى الهلاك، لكن كثيرون هم من يدخلون منه" (متى 7: 13) "أقول لكم: إجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيّق. كثيرون سيطلبون أن ييدخلوا ولا يقدرون" (لو 13: 22).

 

من يسلك طريقا خاصّا، يبقى مُعرّضا للمخاطرة، كالتاجر الّذي نزل إلى أريحا وحده، فوقع ضحيّة عصابة لصوص، نهبوه وضربوه وتركوه بين حيٍّ وميِّت. إنّ  نجاح الإنسان، معتَمِد على مدى تعلُّقِه بالله. فكما قال يسوع: كما أنَّ الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته، إنْ لم يثبت في الكرمة،، كذلك أنتم أيضاً إنْ لم تثبتوا فّي" (يو 15: 4). هو بحاجة لرعاية الله، في كل لحظة وفي كلِّ مراحلِ حياته، لذا فما كان خطأً من الكنيسة، أن تجد وتُرتِّب صلواتٍ وبركات منها لكلِّ مناسبة، نجدها في كتب الصّلوات القديمة. ما كان المؤمنون لا أحسن ولا أتعس منّا اليوم، لكنّهم كانوا يجدون في تلك الصّلوات عزاءً داخليّاً، أكثر منّا اليوم، إذ ما كانت اللآلات الألكترونية تلهيهم عن التفكير بالله وعن الصّلاة. ما نلاحظه أنَّ استعمال الألكترونيات، قد قلّص أوقات الصلاة والتفكير بالله، خاصّة لدى الطّبقات الحائزة على هذه الأجهزة وتتملّك طريقة استعمالها، منها الأطفال والشبيبة. والبرهام هو أنّ هذه الطبقة من المؤمنين، قلَّ مجيئها إلى الكنيسة والإشتراك بالصلاة إلاّ نادراً. هذا واسمحوا لي بهذا المثل الواقعي: عندما يزورني أصحاب لي من الأردن، ونذهب لحضور القداس، بستغربون جميعهم، وعلى مدار سنينٍ عديدة، للسبب: هل ما عندكم إلّا مُسنّين في الرّعية؟ أين الشبيبة؟أين الأولاد؟ أين العائلات الفتيّة مع أطفالهم. هم يقارنون هذه العلامات بمقابلها في بلادهم، حيث حضور القداس لا يزال مهمّا للكثيرين، صغاراً كانوا أم مسنّين.

 

فكما نعلم، الإنسان، كخليقة خرجت من يد الله، فهو من طبيعته وفي قعر نفسه مؤمن، ولا يُلاقي السّعادة بعيدا عن خالقه. أما قال القديس أغسطينوس: لقد خلقتنا لك يا رب، ولن يستريح قلبنا إلاّ فيك!

 

إن الله أقرب لنا ممّا نفتكر، هومرتبط بنا، كما خيالُنا مُرتبط بجسمنا. وللتأكيد، فهو لم يبق بعيدا عنّا بل أتى وسكن معنا، وقاسمنا حياتنا، حُلوَها ومُرَّها، رغم ما كلّفه ذلك، أعني التضحية بابنه، لنبقى، ليس فقط نذكُر ونتذكّر ذلك، من جيل إلى جيل، بل لنجد فيه المثال الحي لنا، يرينا ماذا علينا أن نعمل، إن كنّا نريد أن نرث الحياة الأبدية معه. وهذا ممكن، لأنّه أعطانا السلطة أن نقاوم ونطرد الشياطين وكلَّ روح نجس.

 

زمن الصيام يذكِّرنا بتحذير بطرس لنا: "إصحوا واسهروا، فإنَّ إبليس خصمكم كأسدٍ زائر، يجول مُلتمساً مَن يبلعه" (1بطر 5: 8). فهناك وسيلة ناجعة للتغلُّب، بل وللإنتصار على هذا الأسد  الخصم، ألا وهي التّوجّه إلى الله. ووقت الصيام، هو الوقت المناسب، للتوجّه إلى الله، وذلك بالتوبة والصوم والصلاة. الحياة العادية تتطلّب الحذر، بل والتضحيات، وإلا فسننجرف وراء تيارات، تقودنا إلى تضييع الوقت والهدف والخسارة، فكم بالحري الحياة المسيحية، يجب حصرها في إطار الدّين والعبادة والمحافطة على الأخلاق، إذ كما يقول المزمور: بالمجد والكرامة كلّلته (مز 8: 6). وهذا يتطلّب من الإنسان بعض الحرمانات والتّقشّف، بل ومحاربة الميول المنافية لكرامة الله في الإنسان. وهذه الإمكانية يعطينا إياها زمن الصّوم، لنصلح فينا ما يجب إصلاحه، وأن نتوب عن مسالكنا التي أبعدتنا عن الطريق الصحيح. نعم الطرق التي نختارها لنفسنا هي سهلة وواسعه، لكنّها لا تقودنا إلى الهدف، كمن يمشي في الصحراء بلا دليل ولا رفيق، فهذا بالتّالي مُجازفة حطيرة. زمن الصيام يريد أن يقرِّبنا إلى الله، بحيث نتفرّغ لعبادته قولا وعملا. فإلى جانب الصّلاة، هناك إمكانية ممارسة خدمات اجتماعبة، نُكلِّلها بتبرّعٍ سخي في آخر الصيام للمحتاجين، كما العادة في الإسلام، إذ الحسنة هي ركن من أركان الدّيانة، ويوصى بها أيضا في آخر شهر الصّيام، شهر رمضان. إذ ما الفائدة أن ننقطع عن بعض المأكولات والمشروبات في هذا الزّمن، إن لم تتبعه تقدمة منّا للمحتاجين ولعمل الخير.

 

نعم وقت الصوم هو وقت مفيد، فيه نستطيع تقوية الإرادة، والقضاء على ميولٍ وشهوات، تُحيدنا عن الطربق، الذي يجب أن نسلكه، إن كان فعلا يهمُّنا خلاص نفوسنا: كما يقول صاحب المزامير: أنت يا ربُّ ملجأي وخلاصي. الله بالذّات لا يحتاج إلى صومنا، بل نحن الّذين نحتاج إلى الصّيام، أي تفريغ نفسنا من العوائق، التي تُشغلنا وتبعدنا عن الله، بل تحضيرا لمسلك جديد. من لا يعرفها نظرية الجاذبية؟ فما زالت الأشياء الثقيلة قريبة من الأرض، تمنعها قوة جاذبيّة الأرض أن ترتفع، ولكن بالعكس إن خفّت الأشياء فباستطاعتها أن تطير إلى فوق. هذا هو الصيام: التخلّص من إرتباطاتنا بالخطايا والعوائق الّتي تربطنا بالدنيوبات، وتُنسينا الرّوحيات. إنَّ هدف حياتنا هو الإكتمال في حياة الله، الإنصهار فيه: كما أنا والآب واحد، هكذا يحب أن تكونوا فيّ، وأنا فيكم.