موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣٠ أغسطس / آب ٢٠٢٥

مَفْهوم المِسيح في التَّواضُع والضِّيافَة

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحَد الثَّاني والعِشْرون: مَفْهوم المِسيح في التَّواضُع والضِّيافَة (لوقا 14: 1، 7-14)

الأحَد الثَّاني والعِشْرون: مَفْهوم المِسيح في التَّواضُع والضِّيافَة (لوقا 14: 1، 7-14)

 

النص الإنجيلي (لوقا 14: 1، 7-14)

 

1 ودَخَلَ يَومَ السَّبتِ بَيتَ أَحَدِ رُؤَساءِ الفِرِّيسِيِّينَ لِيَتَناوَلَ الطَّعام، وكانوا يُراقِبونَه. 7 وَضَرَبَ لِلمَدعُوِّينَ مَثَلاً، وقد رأى كيفَ يَتَخَيَّرونَ المَقاعِدَ الأُولى، قال لَهُم: 8 ((إِذا دُعيتَ إلى عُرْس، فلا تَجلِسْ في المَقعَدِ الأوّل، فَلرُبَّما دُعِيَ مَن هو أَكرَمُ مِنكَ، 9 فَيَأتي الَّذي دَعاكَ ودَعاه فيقولُ لَكَ: أَخْلِ المَوضِعَ لِهذا. فتَقومُ خَجِلاً وتتَّخِذُ المَوضِعَ الأَخير. 10 ولكِن إِذا دُعيتَ فامَضِ إلى المَقعَدِ الأَخير، واجلِسْ فيه، حتَّى إِذا جاءَ الَّذي دَعاكَ، قالَ لكَ: قُمْ إلى فَوق، يا أَخي. فيَعظُمُ شَأنُكَ في نَظَرِ جَميعِ جُلَسائِكَ على الطَّعام. 11 فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع )). 12 وقالَ أَيضاً لِلَّذي دَعاه: ((إِذا صَنَعتَ غَداءً أَو عَشاءً، فلا تَدْعُ أَصدِقاءَكَ ولا إِخوَتكَ ولا أَقرِباءَكَ ولا الجيرانَ الأَغنِياء، لِئَلاَّ يَدْعوكَ هُم أَيضاً فتَنالَ المُكافأَةَ على صنيعِكَ. 13 ولَكِن إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان. 14 فطوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار)).

 

 

المُقدّمَة

 

يَعرِضُ لنا إنجيلُ هذا الأحد (لوقا 14: 1، 7-14) إرشاداتِ يَسوعَ حَولَ التَّواضُعِ وَالضِّيَافَةِ كطَريقٍ إلى دُخولِ مَلَكوتِ السَّماوات. وَتَزدادُ أَهمِّيَّةُ هذِهِ التَّوجيهاتِ في زَمنِنا المُعاصِرِ الَّذي تَحَوَّلَ إلى سِباقٍ مَحمومٍ نَحوَ المَقاعِدِ الأُولى، وَالتَّسابُقِ على المَراكِزِ المَرموقَة، وَالتَّنافُسِ على مَراتِبِ الشَّرَفِ وَالمَناصِبِ، وَالسَّعيِ إلى الظُّهورِ في مَواقِعِ الصَّدارَة.

 

أَمامَ هذَا الواقِعِ، يُوجِّهُنا الإِنجيلُ إلى التَّخلِّي عَن مَحبَّةِ المُتَّكَآتِ الأُولى، لا لِيُذِلَّنا أَو يَنتقِصَ مِن كَرامَتِنا، بَل لِيُعَلِّمَنا التَّصرُّفَ بِحِكمَةٍ تَحفَظُ لَنا كَرامَتَنا الحَقَّة. فَالمَسيحُ نَفسُه، وَهو رَبُّ المَجدِ، "اِتَّضَعَ آخِذًا صُورَةَ عَبدٍ" (فيلِبِّي 2: 7)، وَجَعَلَ مِنَ المَركَزِ الأَخِيرِ مَقامَه. وَمِن هُنا تَتَجلّى أَهمِّيَّةُ التَّعمُّقِ في أَحداثِ النَّصِّ الإِنجيلِيِّ، وَالتَّأمُّلِ في مَعانيهِ، وَتَطبيقِها في حَياتِنا اليَوميَّة.

 

 

أولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 14: 1، 7-14)

 

1 ودَخَلَ يَومَ السَّبتِ بَيتَ أَحَدِ رُؤَساءِ الفِرِّيسِيِّينَ لِيَتَناوَلَ الطَّعام، وكانوا يُراقِبونَه

 

تُشيرُ عِبارةُ "السَّبْتِ" في الأصلِ اليوناني σάββατον، وبالعِبريّة שַׁבָּת (وَمعناها: "الرّاحة")، إِلى اليَومِ الَّذي يَترُكُ فيه الإِنسانُ أَشغالَهُ المادِّيَّةَ لِيَستَريحَ، وَذلِكَ تِذكارًا لِليَومِ السّابِعِ مِنَ الخَليقَة: "وَاَنتَهى اللهُ في اليَومِ السَّابِعِ مِن عَمَلِه الَّذي عَمِلَه، وَاستَراحَ في اليَومِ السَّابِعِ مِن كُلِّ عَمَلِه الَّذي عَمِلَه. وَبارَكَ اللهُ اليَومَ السَّابِعَ وَقَدَّسَه، لأَنَّه فيهِ استَراحَ مِن كُلِّ عَمَلِه الَّذي عَمِلَه خالِقًا" (تَكوين 2: 1-3). ويُؤكِّدُ سِفرُ الخُروجِ أَنَّ وُجوبَ الرّاحَةِ في اليَومِ السّابِعِ نابِعٌ مِنِ استِراحَةِ اللهِ نَفسِه: "أُذكُرْ يَومَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَه. في سِتَّةِ الأَيّامِ تَعمَلُ وَتَصنَعُ أَعمالَكَ كُلَّها. وَاليَومُ السَّابِعُ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ، فَلا تَصنَعْ فيهِ عَمَلاً" (خُروج 20: 9-10). وقد أَرسَلَ اللهُ الأَنبِياءَ لِيُرشِدوا الشَّعبَ إِلى حِفظِ السَّبتِ حِفظًا رُوحيًّا بِحَسَبِ مَقاصِدِه (رَاجِع: عاموس 8: 5؛ هوشع 2: 11؛ أَشعيا 1: 13؛ حِزقيال 46: 3). فَالرّاحَةُ الحَقَّةُ لَيسَت مَجرَّدَ تَوقُّفٍ عَنِ العَمَلِ، بَل هِيَ نَبدُ الشَّرِّ وَصُنعُ الخَير. وَمِن هُنا أَكَّدَ يَسوعُ أَنَّ: "السَّبتَ إِنَّما جُعِلَ لأَجلِ الإِنسانِ لا الإِنسانُ لأَجلِ السَّبت" (مَرقس 2: 27). فَالمَقصودُ لَيسَ عُبودِيَّةً طَقسِيَّةً، بَل راحَةُ الإِنسانِ في اللهِ، وَراحَةُ اللهِ في الإِنسان، وَهو بُعدٌ يَقودُ إِلى الرّاحَةِ الأَبَدِيَّة. أمَّا مَوقِفُ يَسوعَ مِنَ السَّبت فلَقَد بَقِيَ السَّبتُ يَومًا مُقَدَّسًا لِلعِبادَةِ، وَلَم يُجرِّدْهُ المَسيحُ مِن قِيمَتِه، إِذ كانَ يَذهَبُ دومًا إِلى المَجامِعِ لِيُصَلِّي فيه (لوقا 4: 16). غَيرَ أَنَّه أَظهَرَ أَنَّه رَبُّ السَّبت (مَرقس 2: 28)، وَأَنَّه يَجِبُ أَن يَكونَ يَومَ رَحمَةٍ وَخِدمَة، لِذلِكَ كانَ يَشفي وَيَتَحنَّنُ في هذَا اليَوم. ويُورِدُ لوقا الإِنجيلِيُّ أَربعَ مَعجِزاتٍ أَجراها يَسوعُ في يَومِ السَّبت: شِفاءُ رَجُلٍ فيهِ روحُ شَيطان (لوقا 4: 31)، شِفاءُ رَجُلٍ يَدُهُ اليُمنى يابِسَة (لوقا 6: 6)، شِفاءُ المَرأَةِ المُنحَنِيَةِ الظَّهر (لوقا 13: 14)، شِفاءُ رَجُلٍ مُصابٍ بِالاستِسقاء (لوقا 14: 1). لَقَد أَرادَ يَسوعُ بِهذِهِ المَعجِزاتِ أَن يُعيدَ الرُّؤَساءَ الدِّينيِّينَ إِلى جَوهَرِ السَّبت: تَمجيدُ اللهِ بِخِدمَةِ المُتَأَلِّمينَ وَالمُحتاجين.

 

"دَخَلَ بَيتَ أَحَدِ رُؤَساءِ الفِرِّيسِيِّينَ" تُظهِرُ هذِهِ العِبارَةُ وَجهًا آخَرَ مِن رِسالَةِ يَسوع: فَهُوَ يَقبَلُ الدَّعوَةَ لِيُقيمَ عَلاقَةً وِدِّيَّةً قائِمَةً عَلى الصَّداقَةِ، لا عَلى الخُصومَة. لَقَد دَخَلَ بَيتَ الفِرِّيسِيِّ لا لِيُنافِسَه عَلى كُرسِيِّه، بَل لِيَفتَحَ قَلبَه لِلحُبِّ وَيَدعُوَهُ إِلى صَداَقَتِه في المَلكوت . وَهذِهِ هِيَ المَرَّةُ الثّالِثَةُ الَّتي يَقبَلُ فيها يَسوعُ دَعوَةً إِلى بَيتِ أَحَدِ الفِرِّيسِيِّينَ: في المَرَّةِ الأُولى دَعاهُم إِلى التَّوبَةِ بِالمَحبَّة (لوقا 7: 36-50). في المَرَّةِ الثّانِيَةِ شَدَّدَ عَلى النَّقاوَةِ الدّاخِلِيَّة (لوقا 11: 37). وَفي المَرَّةِ الثّالِثَةِ (نَصُّنا اليَوم) كَشَفَ عَنِ المَعنى الحَقيقيِّ لِحُرمَةِ السَّبت: العِبادَةُ الرّوحيَّةُ وَصُنعُ الخَير.

 

"الفِرِّيسِيُّون": في نَظرِ لوقا، الفِرِّيسِيُّونَ يُمثِّلونَ الفِكرَ الدِّينِيَّ الإِسرائيليَّ الَّذي حَصَرَ الصَّلاحَ في الطّاعَةِ الحَرفِيَّةِ لِلنّاموس، فَجاءَت عِبادَتُهُم خارِجِيَّةً شَكلِيَّةً، مَليئَةً بِالرِّياءِ وَالكِبرياءِ. وَقَد وَبَّخَهُم يَسوعُ قائِلًا: "الوَيلُ لَكُم أَيُّها الفِرِّيسِيُّونَ، فَإِنَّكُم تُؤَدُّونَ عُشرَ النَّعنَعِ وَالسَّذابِ وَسائِرِ البُقول، وَتُهمِلونَ العَدلَ وَمَحبَّةَ الله. فَهذا ما كانَ يَجِبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دُونِ أَن تُهمِلوا ذاك" (لوقا 11: 42).

 

"يَتَناوَلَ الطَّعام" في الأَصلِ اليونانِيِّ φαγεῖν ἄρτον (أَي: "يَأكُلُ خُبزًا")، وَتُشيرُ إِلى العَشاء. وَهذَا دَليلٌ أَنَّ بَعضَ الفِرِّيسِيِّينَ كانوا يُؤَيِّدونَ يَسوعَ إِلى حَدِّ دَعوَتِه إِلى مَوائِدِهِم (لوقا 7: 36؛ 11: 37؛ 14: 1). وَقَبِلَ يَسوعُ الدَّعوَةَ لا لِحاجَتِه الجَسَدِيَّةِ فَقط كَمُسافِر، بَل لِيَستَغِلَّ المُناسَبَةَ في التَّعليمِ وَإِعلانِ الحَقّ.

 

"كانوا يُراقِبونَه" تَكشِفُ هذِهِ العِبارَةُ عَن غاياتِ بَعضِ الفِرِّيسِيِّينَ الَّذينَ أَرادوا اصطِيادَه في مُخالَفَةٍ لِشَريعَةِ السَّبت، لِيَشتَكوا عَلَيهِ لِلحُكّامِ وَيُضعِفوا تَأثيرَه في الشَّعب. لَكِن يَسوعَ، الَّذي لَم يَخفْ مِنَ المُواجَهَة، حَوَّلَ حَتّى فِخاخَهُم إِلى فُرصَةٍ لِلكَشفِ عَن وَجهِ اللهِ الرَّحوم.

 

7 وَضَرَبَ لِلمَدعُوِّينَ مَثَلاً، وقد رأى كيفَ يَتَخَيَّرونَ المَقاعِدَ الأُولى، قال لَهُم

 

تُشيرُ عِبارةُ "مَثَلًا" في الأَصلِ اليونانِيِّ παραβολή (وَمعناها: "مُقارَنَة") إِلى قِصَّةٍ قالَها يَسوعُ إِيضاحًا لِتَعاليمِه، بِاستِعمالِ أُسلوبِ المُقارَنَةِ في التَّعليم، وَهو أُسلوبٌ مَألوفٌ في العَقلِيَّةِ الشَّرقِيَّةِ الَّتي تُحَبِّذُ الأَلغاز، إِذ تُثيرُ الفُضولَ وَتَدفَعُ إِلى البَحث. وَالمَثَلُ هُنا يَستَنِدُ إِلى أَحداثٍ قَريبَةٍ مِنَ الواقِعِ اليَومِيِّ، وَيُسَلِّطُ الضَّوءَ عَلى مَعنًى أَدَبِيٍّ وَفَضيلَةٍ رُوحيَّةٍ، هِيَ التَّواضُعُ الواجِبُ عَلى المَدعُوِّينَ في الوَلائِم. وَيُؤَكِّدُ ذلِكَ ما قالَهُ بُولُسُ الرَّسُول:
"عَلى كُلٍّ مِنكُم أَن يَتَواضَعَ وَيَعُدَّ غَيرَهُ أَفضَلَ مِنهُ، وَلا يَنظُرَنَّ أَحَدٌ إِلى ما لَهُ، بَل إِلى ما لِغَيرِه (فيلبِّي 2: 3-4).

 

"وَقَد رَأى" في الأَصلِ اليونانِيِّἐπέχων  (أَي: لاحَظ)، وَتُشيرُ إِلى مُراقَبَةِ يَسوعَ الدَّقيقَة، إِذ كانَ يُشاهِدُ المَدعُوِّينَ بِاهتِمامٍ شَديد وَهُم يَتَسابَقونَ لاِختِيارِ المَقاعِدِ الأُولى قَبلَ العَشاء.

 

"يَتَخَيَّرونَ المَقاعِدَ الأُولى" تُشيرُ إِلى قَواعِدِ التَّشريفاتِ السّائِدَةِ في المُجتَمَعِ اليَهودِيِّ، حَيثُ كانَ لِكُلِّ مَدعُوٍّ الحَقُّ أَن يَختارَ مَكانَهُ بِحَسَبِ رُتبتِه أَو مَركَزِه الاجتِماعِيِّ مُقارَنَةً مَع سائِرِ المَدعُوِّين. حَتّى أَهلُ قُمران وَضَعوا في دُستورِهِم تَفصيلًا دَقيقًا لِتَوزيعِ المَقاعِدِ في الأَعيادِ وَالمُناسَبات. وَنَجِدُ شَيئًا مُشابِهًا عِندَ التَّلاميذِ أَنفُسِهِم، إِذ:
"وَقَعَ بَينَهُم جِدالٌ: مَن هُوَ الأَكبَرُ فيهِم؟" (لوقا 22: 24). وَقَد حَذَّرَ يَسوعُ مِن هذَا السُّلوكِ المُتَكبِّرِ قائِلًا:
"إِيّاكُم وَالكَتَبَة، فَإِنَّهُم يَرغَبونَ في المَشيِ بِالجُبَب، وَيُحِبّونَ تَلَقِّيَ التَّحيَّاتِ في السّاحات، وَصُدورَ المَجالِسِ في المَجامِع، وَالمَقاعِدَ الأُولى في المآدِب" (لوقا 20: 46). المَقعَدُ هُوَ رَمزُ المَكانَةِ الأُولى الَّتي يَسعَى إِلَيها الجَميع، وَيَبدُلُ الإِنسانُ جَهدَهُ لِيَصِلَ إِلَيها. لَكِنَّها مَجدٌ باطِل، إِذ كَما أَنَّ العُشبَ الَّذي يَنبُتُ بلا جَذرٍ عَميقٍ يَيبَسُ سَريعًا، هَكَذا مَن يَسعَى وَراءَ المَقاعِدِ الأُولى يَزولُ سَريعًا وَيُصبِحُ كَلا شَيء. كَما كُتِبَ: "كُلُّ بَشَرٍ كالعُشبِ وَكُلُّ مَجدٍ لَهُ كَزَهرِ العُشب: العُشبُ يَيبَسُ وَالزَّهرُ يَسقُط" (1 بُطرُس 1: 24). فَالرُّوحُ اليَهودِيَّةُ في ذلِكَ الزَّمَنِ كَثيرًا ما كانَت تَميلُ إِلى التَّعجرفِ وَالسَّعيِ وَراءَ الكَراماتِ الباطِلَة، مِمَّا يَجعَلُ صاحِبَها مَوضِعَ سُخرِيَةٍ وَرَفض. "المَقاعِدَ الأُولى" في الأَصلِ اليونانِيِّ πρωτοκλισίας (أَي: "الأَسِرَّةُ الأُولى") وَتُشيرُ إِلى المُتَّكَآتِ الأَقرَبِ إِلى صَدرِ المائِدَةِ حَيثُ يَجلِسُ رَبُّ البَيتِ بِحَسَبِ العاداتِ اليَهودِيَّة (لوقا 7: 36). وَقَد نَبَّهَ يَسوعُ إِلى كِبرياءِ الفِرِّيسِيِّينَ وَرِيائِهِم إِذ: "هُم يُحِبّونَ المَقعَدَ الأَوَّلَ في المآدِب، وَصُدورَ المَجالِسِ في المَجامِع" (مَتّى 23: 6).

 

8 إِذا دُعيتَ إلى عُرْس، فلا تَجلِسْ في المَقعَدِ الأوّل، فَلرُبَّما دُعِيَ مَن هو أَكرَمُ مِنكَ

 

"إِذا دُعيتَ"  في الأَصلِ اليونانِيِّ Ὅταν κληθῇς (أَي: "مَتى دُعيت")، وَهو أُسلوبُ مُخاطَبَةٍ بِالمُفرَدِ استَعمَلَهُ يَسوعُ لِيُخاطِبَ كُلَّ فَردٍ مِنَ الحاضِرينَ بِصِفتِهِ مَسؤُولًا شَخصيًّا. إِنَّهُ تَعليمٌ مُوَجَّهٌ لِلجَميعِ دُونَ استِثناء، فَلا أَحَدَ مُعفى مِن دَعوَةِ التَّواضُع.

 

"عُرْس" تُشيرُ إِلى وَلِيمَةِ الزِّواجِ، الَّتي عادَةً ما تَكونُ كَبيرةً وَيُدعَى إِلَيها جَمعٌ غَفير. في تِلكَ المُناسَبَةِ يَأخُذُ العَريسُ عَروسَهُ إِلى بَيتِهِ في مَوكِبٍ احتِفاليٍّ، تُضاءُ فيهِ المَصابيحُ، وَتُعقَدُ الوَلائِمُ، وَتَدومُ الأَفراحُ أُسبوعًا كامِلًا (رَاجِع: متّى 22: 1-10). وَصُورَةُ العُرسِ مِن أَكثَرِ الصُّوَرِ المُحَبَّبَةِ في العَهدِ القَديمِ لِلتَّعبيرِ عَنِ العَلاقَةِ بَينَ اللهِ وَشَعبِه (هوشع 2: 21؛ أَشعيا 62: 5). لِذلِكَ يَكشِفُ يَسوعُ مِن خِلالِ هذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ كَلامَهُ يَتَجاوَزُ المُستَوى الاجتِماعِيَّ لِيَصِلَ إِلى البُعدِ الأَعمَق: عَلاقَةُ الإِنسانِ بِالله.

 

"فَلا تَجلِسْ في المَقعَدِ الأَوَّل "لَيسَت مَجرَّدَ وَصِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِآدابِ المائِدَةِ أَو قَواعِدِ التَّشريفات، بَل هِيَ دَعوَةٌ إِلى التَّواضُع. فَالمَسيحُ يَحُثُّ عَلى اختِيارِ المَقامِ الأَخِيرِ عَلامَةً عَلى الاتِّضاعِ وَخِدمَةِ الآخَرين. فَالَّذي يَتَكبَّرُ وَيُسارِعُ لِإِثباتِ ذاتِهِ بِالجُلوسِ في المَقعَدِ الأَوَّل، يَكشِفُ عَن عَمى رُوحيٍّ سَبَبُهُ الكِبرياء، وَيَصيرُ مَوضِعَ سُخرِيَةٍ مِنَ النّاس. وَهُنا يُذَكِّرُنا يَسوعُ بِقولِه: "إِن لَم تَرجِعوا فَتَصيروا مِثلَ الأَطفالِ، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّماوات" (متّى 18: 3).

 

"فَلرُبَّما دُعِيَ مَن هُوَ أَكرَمُ مِنكَ" تُشيرُ إِلى وُجودِ أَشخاصٍ أَعظَمَ مِنَّا رُتبَةً أَو مَنصِبًا أَو سِنًّا، وَلَهُم الحَقُّ الطَّبيعيُّ في المَقاعِدِ الأُولى. فَإِذا سَعَينا وَراءَ الكَراماتِ الَّتي لا تَليقُ بِنا، ظَهرنا في صُورَةِ المُتَكبِّرينَ المُتَغَطرِسين، نَطلُبُ ما لا يَخصُّنا. وَهَكَذا، بَدَلَ أَن نُكرِّمَ أَنفُسَنا، نُهينُها.

 

9 فَيَأتي الَّذي دَعاكَ ودَعاه فيقولُ لَكَ: أَخْلِ المَوضِعَ لِهذا. فتَقومُ خَجِلاً وتتَّخِذُ المَوضِعَ الأَخير

 

"فَيَأتي الَّذي دَعاكَ وَدَعاه" تُشيرُ هذِهِ العِبارَةُ إِلى رَبِّ البَيت، الَّذي يَملِكُ وَحدَهُ الحَقَّ في أَن يُعيِّنَ لِكُلِّ مَدعُوٍّ مَكانَهُ. فَإِذا رَأى أَنَّ مَن أَتى بَعدَكَ أَعظَمُ مِنكَ مَقامًا وَأَجدَرُ بِالمُتَّكَإِ الَّذي جَلَستَ فيهِ، يَأمُرُكَ أَن تَترُكَهُ لَه.

 

"أَخْلِ المَوضِعَ لِهذا" تُشيرُ إِلى إِعادَةِ المَرءِ ما قَد أَخَذَهُ بِغَيرِ حَقٍّ مِن مَجدٍ وَكَرامَة. وَهذَا ما حَذَّرَ مِنهُ صاحِبُ الحِكمَةِ قائِلًا:  "لا تَرتَفِعْ لِئلّا تَسقُطَ فَتَجلُبَ عَلى نَفسِكَ الهَوان" (سِيراخ 1: 30). وَقالَ أَيضًا بِطَريقَةٍ رَمزيَّة: "مَن يُعْلِ بَابَهُ يَلتَمِسِ التَّحَطُّم" (أَمثال 17: 19). فَالإِنسانُ الَّذي يَسعَى وَراءَ المَجدِ الباطِلِ يَتَعَدّى حُدودَ طَبيعَتِهِ، وَيَصيرُ مَرفوضًا مِنَ اللهِ العادِل.

 

"فَتَقومُ خَجِلاً وَتَتَّخِذُ المَوضِعَ الأَخِير" تُشيرُ إِلى لَحظَةِ سُخرِيَةٍ عَلنِيَّة، إِذ تُرغَمُ بِغَيرِ إِرادَتِكَ أَن تَترُكَ مَقعَدَ الشَّرَفِ أَمامَ أَنظارِ الجَميع، وَتَجلِسَ في مَكانٍ أَدنَى. وَهَكَذا تُرَدُّ الكَرامَةُ إِلى أَصحابِها الحَقيقيِّين، بَينَما تُفضَحُ رَغبَتُكَ في المَجدِ الباطِل. وَيَتَوافَقُ هذَا مَعَ حِكمَةِ الأَمثال: "لا تَفتَخِرْ أَمامَ المَلِك، وَفي مَكانِ العُظماءِ لا تَقِفْ، فَإِنَّهُ خَيرٌ أَن يُقالَ لَكَ: ((اِصعَدْ إِلى هُنا)) مِن أَن تُحَطَّ أَمامَ الأَمير" (أَمثال 25: 6-7). وَقَد لامَ داوُدُ النَّبِيُّ مُحِبّي الكَراماتِ الأَرضِيَّةِ قائِلًا: "لِيَكونوا كَعُشبِ السُّطوحِ الَّذي يَيبَسُ قَبلَ أَن يُقلَعَ" (مَزمور 129: 6).فَالمَجدُ البَشَرِيُّ سَريعُ الزَّوالِ كَما جاءَ في الكِتاب: "كُلُّ بَشَرٍ كَالعُشبِ وَكُلُّ مَجدٍ لَهُ كَزَهرِ العُشب: العُشبُ يَيبَسُ وَالزَّهرُ يَسقُط"  (1 بُطرُس 1: 24).

 

"المَوضِعَ الأَخِير" تُشيرُ إِلى المُتَّكَإِ الأَبعَدِ عَن صَدرِ المائِدَة. وَلَم يَكُن جُلوسُ الإِنسانِ فيهِ عَنِ اختِيارٍ حُرٍّ، بَل عَنِ اضطرار، إِذ لَم يَبقَ لَهُ مَكانٌ آخَر. وَهَكَذا يَصيرُ مَوضِعًا لِلهَوانِ بَعدَ أَن كانَ يَسعَى وَراءَ مَوضِعِ المَجد.

 

10 ولكِن إِذا دُعيتَ فامَضِ إلى المَقعَدِ الأَخير، واجلِسْ فيه، حتَّى إِذا جاءَ الَّذي دَعاكَ، قالَ لكَ: قُمْ إلى فَوق، يا أَخي. فيَعظُمُ شَأنُكَ في نَظَرِ جَميعِ جُلَسائِكَ على الطَّعام.

 

"فَامضِ إِلى المَقعَدِ الأَخِير" تُشيرُ هذِهِ العِبارَةُ إِلى الدَّعوَةِ الإِلَهِيَّةِ لِيَتَّخِذَ الإِنسانُ المَقامَ الأَخِيرَ عَن وَعيٍ، لا لأَنَّهُ بلا قِيمَة، بَل لأَنَّهُ لا يَحسَبُ نَفسَهُ أَعظَمَ مِنَ الآخَرين، وَلا يَتَشبَّثُ بِالعَظَمَةِ وَالرِّفعَة، وَلا يُطالِبُ بِحُقوقِهِ بِاندِفاعٍ أَنانيّ.

 

"المَقعَدِ الأَخِير" هُوَ رَمزٌ لِلتَّواضُع. إِنَّهُ النِّعمَةُ الَّتي تُذَكِّرُنا أَنَّ المَركَزَ في نَظَرِ اللهِ هُوَ الخِدمَة. فَالمَسيحُ يُعَلِّمُنا أَن نَصيرَ مِثلَهُ مُتَواضِعينَ، فَنختارَ المَكانَ الأَخِير؛ وَهُناكَ، في المُتَّكَإِ المُتَواضِع، نَجِدُ المَسيحَ حاضِرًا بِجانِبِنا، لأَنَّهُ هُوَ نَفسُهُ: "اتَّخَذَ صُورَةَ العَبد" (فيلبِّي 2: 7). إِذا دَعانا الرَّبُّ إِلى المَقعَدِ الأَخِير، فَذلِكَ لأَنَّهُ سَبَقَنا إِلَيهِ، وَيُريدُنا أَن نَحمِلَ سِماتِهِ فينا كَي نَلتَقِيَ بِهِ عَلى مِثالِهِ. فَالسَّعيُ نَحوَ المُتَّكَإِ الأَخِير لَيسَ ضُعفًا أَو شُعورًا  بِالنَّقص، بَل هُوَ تَعبيرٌ عَن حُبٍّ حَقيقيٍّ لِلمَسيحِ الَّذي اختارَ الأَخِير. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "رَفَضَ يَسوعُ طَلَبَ الأَماكِنِ المُرموقَة، وَإِنَّما بَحَثَ عَنِ الأَماكِنِ المُتَضِعَة".  الطَّبيعَةُ البَشَرِيَّةُ تَميلُ إِلى المَراتِبِ الأُولى. وَهَذا ما ظَهَرَ بُلوغًا في مَوقِفِ الرُّسُلِ الَّذينَ: "وَقَعَ بَينَهُم جِدالٌ: مَن هُوَ الأَكبَرُ فيهِم؟" (لوقا 22: 24).فَأَجابَهُم يَسوعُ قائِلًا: "أَمَّا أَنتُم فَلَيسَ الأَمرُ فيكُم كَذلِكَ، بَل لِيَكُنِ الأَكبَرُ فيكُم كَأَنَّهُ الأَصغَر، وَالمُتَرَئِّسُ كَأَنَّهُ الخادِم" (لوقا 22: 26). وَنَجِدُ المُشكِلَةَ ذاتَها في الجَماعَةِ المَسيحيَّةِ الأُولى، إِذ يُوبِّخُ يَعقوبُ الرَّسُولُ المُؤمِنينَ قائِلًا: "إِذا دَخَلَ مَجمَعَكُم رَجُلٌ عَلَيهِ ثِيابٌ بَهِيَّة … وَدَخَلَ أَيضًا فَقيرٌ عَلَيهِ ثِيابٌ وَسِخَة … فَقُلتُم لِصاحِبِ الثِّيابِ البَهِيَّة: اجْلِسْ هُنا في الصَّدر، وَقُلتُم لِلفَقير: قِفْ أَوِ اجْلِسْ عِندَ مَوطِئِ قَدَمَيَّ» (يَعقوب 2: 1-3).

 

"حَتَّى إِذا جاءَ" تُشيرُ إِلى أَنَّ الرَّفعَةَ الحَقيقيَّةَ تَأتي كَنَتيجَةٍ غَيرِ مَقصودَة؛ فَلَو طَلَبَها الإِنسانُ بِوَعيٍ لَكانَ تَواضُعُهُ رِياءً.

 

"الَّذي دَعاكَ قالَ لَكَ" تُظهِرُ دَورَ رَبِّ البَيتِ الَّذي يَستَقبِلُ المَدعُوِّينَ عِندَ البَابِ وَيُعيِّنُ لَهُم أَماكِنَهُم. فَهُوَ وَحدَهُ صاحِبُ القَرارِ في رَفعِ المُتَواضِع.

 

عبارة "قُم إِلى فَوق، يا أَخي"  هِيَ إِعلانُ الكَرامَةِ الحَقيقيَّة. إِنَّها الرَّفعَةُ الَّتي يَهبُها اللهُ وَحدَهُ لِلمُتَواضِعِ الَّذي قَبِلَ آخِرَ المَقاعِد. فَالطَّريقُ إِلى المَراتِبِ الأُولى يَمُرُّ حَتمًا عَبرَ المَراتِبِ الأَخِيرَة، كَما أَنشَدَت مَريمُ العَذراءُ في تَسبِيحَتِها:
"حَطَّ الأَقوِياءَ عَنِ العُروشِ وَرَفَعَ الوُضعاء. أَشبَعَ الجِياعَ مِنَ الخَيراتِ وَالأَغنِياءُ صَرَفَهُم فارِغين" (لوقا 1: 52-53).

 

"فَيَعظُمُ شَأنُكَ في نَظَرِ جَميعِ جُلَسائِكَ" تُشيرُ إِلى أَنَّ الاعتِرافَ الحَقيقيَّ بِالكَرامَةِ لا يَأتي بِطَلَبِ الإِنسانِ، بَل بِعَطيَّةِ رَبِّ البَيت. فَالكَرامَةُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ لِلمُتَواضِع، وَلَيسَت غَنيمَةً يَنالُها المُتَكبِّر. وَلِهذَا لا يُسمَحُ لِلمَسيحيِّ أَن يَسعَى وَراءَ الإِكرامِ أَو يَطلُبَه؛ بَل أَن يَستَحِقَّهُ بِفَضائِلِهِ، وَلا سِيَّما بِفَضيلَةِ التَّواضُع.

 

السُّؤالُ المَطروح: أَينَ نَختارُ مَقعدنا؟ هَل نَلهَثُ وَراءَ المَقعَدِ الأَوَّل (رَمزُ الكِبرياءِ)؟ أَم نَتَواضَعُ لِنَختارَ المَقعَدَ الأَخِير (رَمزُ المَحبَّةِ وَالخِدمَة)؟ إِنَّ أَولَوِيَّةَ المَقعَدِ الَّذي نَختارُهُ هِيَ الَّتي تُحَدِّدُ قِيمَتَنا الحَقيقيَّةَ أَمامَ الله.

 

11 "فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع"

 

"مَن رَفَعَ نَفسَه وُضِع" تُشيرُ هذِهِ العِبارَةُ إِلى مَبدَإِ الكِبرياءِ الَّذي حَذَّرَ مِنهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ مِرارًا (لوقا 11: 43؛ 18: 14). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ بَندِكتُس قائِلًا: "الِارتِفاعُ هُوَ شَكلٌ مِن أَشكالِ الكِبرياءِ". مُستَشهِدًا بِالمَزمور:"يا رَبُّ، لَم يَستَكبِرْ قَلبي وَلا استَعلَت عَينايَ وَلم أَسلُكْ طَريقَ المَعالِي وَلا طَريقَ العَجائِبِ مِمَّا هُوَ أَعلَى مِنِّي" (مَزمور 131: 1). اللهُ يُجازي المُتَكبِّرينَ جَزاءً صارِمًا: "الرَّبُّ يَحرُسُ المُؤمِنينَ وَيُبالِغُ في جَزاءِ المُتَكبِّرين" (مَزمور 31: 24). فَالاِرتِفاعُ الباطِلُ ما هُوَ إِلّا مُقَدِّمَةٌ لِلدَّمارِ، كَما جاءَ في الأَمثال: "قَبلَ التَّحَطُّمِ الكِبرياء، وَقَبلَ السُّقوطِ تَرَفُّعُ الرُّوح" (أَمثال 16: 18). وَقَد نَبَّهَ الأَنبِياءُ أَنَّ تَعاظُمَ الإِنسانِ لا يُبقِي إِلّا الرَّبَّ مُتَعالِيًا وَحدَهُ (أَشعيا 2: 6-22). وَأَكَّدَ يَشوعُ بْنُ سِيراخ: "لا تَرتَفِعْ لِئلّا تَسقُطَ فَتَجلُبَ عَلى نَفسِكَ الهَوان" (سِيراخ 1: 30). وَخَيرُ مِثالٍ عَنِ الكِبرياءِ هُوَ الشَّيطانُ الَّذي قالَ في قَلبِهِ: "أَصعَدُ فَوقَ أَعالِي الغُيومِ وَأَكونُ شَبيهًا بِالعَلِيّ. بَل تُهبَطُ إِلى مَثوَى الأَموات" (أَشعيا 14: 13-15). عَلى هذَا الأَساسِ، أَدانَ يَسوعُ كِبرياءَ الفِرِّيسِيِّينَ الَّذينَ وَثِقوا بِأَعمالِهِم ظانِّينَ أَنَّها تُبَرِّرُهُم. لَكِنَّ البِرَّ عَطيَّةٌ مِنَ اللهِ، كَما أَوضَحَ بُولُسُ الرَّسُول: "البِرُّ الَّذي يُنالُ بِالإِيمانِ بِالمَسيح … هُوَ البِرُّ الَّذي يَأتي مِنَ الله" (فيلبِّي 3: 9).

 

"وَمَن وَضَعَ نَفسَه رُفِع" هُوَ مَبدَأُ التَّواضُعِ القائِمُ عَلى خُروجِ الإِنسانِ مِن ذاتِهِ، مُوَجِّهًا نَظَرَهُ إِلى اللهِ وَعَظمَتِهِ، مُدرِكًا مَحدودِيَّتَهُ. وَهُوَ مَبدَأٌ أَعلَنَ عَنهُ حِزقيال: "يُرفَعُ الوَضيعُ وَيُوضَعُ الرَّفيع" (حِزقيال 21: 31). وَأَعظَمُ مِثالٍ لِلتَّواضُعِ هُوَ المَسيحُ نَفسُهُ: "تَجرَّدَ مِن ذاتِهِ مُتَّخِذًا صُورَةَ العَبد… فَوَضَعَ نَفسَهُ وَأَطاعَ حتَّى المَوت… لِذلِك رَفَعَهُ اللهُ إِلى العُلى" (فيلبِّي 2: 7-9). لَقَد كانَ الصَّليبُ عَرشَ يَسوعَ الَّذي مِنهُ ارتَفَع. وَهُوَ يَشرَحُ هذَا المَبدَأَ عَمَلِيًّا بِقولِهِ: "فَمَن وَضَعَ نَفسَهُ وَصارَ مِثلَ هذَا الطِّفلِ، فَذاكَ هُوَ الأَكبَرُ في مَلكوتِ السَّماوات" (مَتّى 18: 4). وَهذَا ما أَنشَدَتهُ مَريمُ العَذراءُ في تَسبِيحَتِها: "حَطَّ الأَقوِياءَ عَنِ العُروشِ وَرَفَعَ الوُضعاء" (لوقا 1: 52). وشهد الرُّسُلِ عَنِ التَّواضُع وأهمهم: يُوحَنّا الرَّسُول: "عِندَ ظُهورِهِ نُصبِحُ أَشباهَهُ لأَنَّنا سَنَراهُ كَما هُوَ" (1 يُوحَنّا 3: 2). يَعقوبُ الرَّسُول: "يَفتَخِرِ الأَخُ الوَضيعُ بِرِفعَتِهِ" (يَعقوب 1: 9). بُطرُسُ الرَّسُول: "اِلبَسوا جَميعًا ثَوبَ التَّواضُع … لأَنَّ اللهَ يُكابِرُ المُتَكبِّرينَ وَيُنعِمُ عَلى المُتَواضِعين" (1 بُطرُس 5: 5). باختصار إِنَّ كَلامَ يَسوعَ لا يَقتَصِرُ عَلى الوَلائِمِ وَالجُلوسِ في المَقاعِد، بَل يُطالُ جَميعَ أَبعَادِ الحَياة. فَالمُتَكبِّرُ يُذَلّ، أَمّا المُتَواضِعُ فَيَرفَعُهُ الله. لأَنَّ التَّواضُعَ هُوَ وَجهُ اللهِ في الإِنسان، وَالطَّريقُ الوَحيدُ إِلى المَجدِ الأَبَدِيّ.

 

12 وقالَ أَيضاً لِلَّذي دَعاه: إِذا صَنَعتَ غَداءً أَو عَشاءً، فلا تَدْعُ أَصدِقاءَكَ ولا إِخوَتكَ ولا أَقرِباءَكَ ولا الجيرانَ الأَغنِياء، لِئَلاَّ يَدْعوكَ هُم أَيضاً فتَنالَ المُكافأَةَ على صنيعِكَ

 

"قالَ أَيضًا لِلَّذي دَعاَه" تُشيرُ العِبارَةُ إِلى أَنَّ يَسوعَ وَجَّهَ كَلامَهُ هذِهِ المَرَّةَ إِلى رَبِّ البَيت الَّذي استَضافَهُ عَلى مائدَتِهِ، بَعدَما كانَ قَد خَاطَبَ المَدعُوِّين.  

 

"إِذا صَنَعتَ غَداءً أَو عَشاءً" تُشيرُ إِلى العادَةِ السّائِدَةِ آنَذاكَ بِدَعوَةِ الأَعيانِ وَالأَغنِياءِ. وَلَعَلَّ رَبَّ البَيتِ دَعاهُم لِيَفتَخِرَ بِحُضورِهِم، وَهُم بِدَورِهِم يَرُدّونَ لَهُ الدَّعوَةَ إِلى بُيُوتِهِم كَما جَرَتِ العادَةُ في حَلَقاتِ الأَعيان.

 

يَصْدِمُ يَسوعُ التَّوَقُّعاتِ بالمُفاجَأَةُ الإِنجِيلِيَّة بِقولِه: "لا تَدعُ أَصدِقاءَكَ وَلا إِخوَتَكَ وَلا أَقرِباءَكَ وَلا الجِيرانَ الأَغنِياء" (لوقا 14: 12). لا يَعني هَذا تَحريمَ دَعوَةِ الأَصدِقاءِ وَالأَقارِب، بَل المَقصودُ هُوَ تَجاوُزُ الحَلقَةِ الضَّيِّقَةِ مِنَ الَّذينَ يُشبِهونَنا أَو يَرُدّونَ لَنا الجَميل. فَالأَصدِقاءُ وَالأَقارِبُ وَالأَغنِياءُ يَستَطيعونَ تَبادُلَ العَطاءِ فيما بَينَهُم، أَمَّا الفُقَراءُ وَالمَنبُوذونَ فَلا يَستَطيعونَ رَدَّ الجَميل.

 

"بَلْ إِذا صَنَعتَ وليمَةً فادعُ الفُقَراءَ وَالكُسْحانَ وَالعُرْجانَ وَالعُمْيان" إِنَّها دَعوَةٌ إِلى الاِنفِتاحِ عَلى مَن لا يَملِكونَ شَيئًا، عَلى مَن يَعيشونَ في الهامِشِ مَنسِيِّين. يَسوعُ يَطلُبُ أَن نَمدَّ مائِدَتَنا لَهُم، لأَنَّهُم لا يَستَطيعونَ أَن يَرُدّوا لَنا الخَير. وَقَد شَدَّدَ يَسوعُ أَيضًا عَلى هذَا المَبدَإِ قائِلًا: "إِن أَحسَنتُم إِلى مَن يُحسِنُ إِلَيكُم، فَأَيُّ فَضلٍ لَكُم؟"  (لوقا 6: 33).

 

"لِئلّا يَدعوكَ هُم أَيضًا" تُشيرُ إِلى أَنَّ الضِّيافَةَ لا يَنبَغي أَن تَتَحَوَّلَ إِلى تَبادُلِ مَصالِح أَو مُتاجَرَةٍ اجتِماعِيَّة. يَسوعُ لا يَمنَعُ دَعوَةَ الأَغنِياءِ، لَكِنَّهُ يَرفُضُ الاِكتِفاءَ بِذلِكَ. فَهُوَ يَدعُو إِلى النَّزاهَةِ في عَمَلِ الخَيرِ، بِحَيثُ يَكونُ السَّخاءُ بلا انتِظارِ مُقابِل. وَإِلّا كانَ الجَزاءُ مِنَ النّاسِ لا مِنَ الله: "الوَيلُ لَكُم أَيُّها الأَغنِياءُ فَقَد نِلتُم عَزاءَكُم" (لوقا 6: 24).

 

"فَتَنالَ المُكافَأَةَ عَلى صَنيعِكَ" تَذكيرٌ بِأَنَّ الضِّيافَةَ المَسيحيَّةَ لا تُبنَى عَلى مَبدَإِ: "أُعطِيكَ اليَوم لِتُعطِيَني غَدًا". فَالعَطاءُ في الإِنجيلِ هُوَ مَجّانِيَّةٌ لِوَجهِ الله، لا تِجارَةٌ وَلا مُقايَضَة. وَلِهذَا قالَ يَسوعُ: "أَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفيَّةِ يُجازيك" (مَتّى 6: 4).

 

"فَتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار" (لوقا 14: 14). فَالمُكافَأَةُ الحَقيقيَّة لَيسَ مِنَ النّاسِ وَلا في هذِهِ الدُّنيا، بَل هُوَ مُكافَأَةٌ أَبَدِيَّة يُمنِحُها اللهُ نَفسُهُ لِلَّذينَ أَحَبّوا وَعَمِلوا الخَيرَ بلا مُقابِل. الضِّيافَةُ المَجّانِيَّةُ لها َمُكافَأَةُ القِيامَة. في هذَا المَقطَعِ يَربُطُ يَسوعُ بَينَ التَّواضُع (اِختِيارِ المَقعَدِ الأَخِير) وَالمَحبَّةِ العَملِيَّة (دَعوَةِ المُهمَّشين). فَالتَّواضُعُ أَمامَ اللهِ يَقودُ إِلى رَحمَةٍ تُجاهَ الإِخوَة، وَالرَّحمَةُ المَجّانِيَّةُ تَقودُ إِلى المَجدِ الأَبَدِيِّ في القِيامَة.

 

13 ولَكِن إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان

 

"الفُقَراءَ" تُشيرُ إِلى الَّذينَ يَفتَقِرونَ إِلى ضَرورِيّاتِ الحَياة، فَلا يَملِكونَ طَعامًا وَلا قُدرَةً عَلى تَحصيلِ القُوتِ الضَّرورِيِّ بِعَملِ أَيديهِم. مَوضوعُ العِنايَةِ بِالفُقَراءِ حاضِرٌ بِقُوَّةٍ في إِنجيلِ لوقا (14: 13؛ 16: 19-26؛ 19: 8). وَقَد عَبَّرَ يَسوعُ عَن مَحبَّتِهِ الخَاصَّةِ لَهُم (مَرقس 10: 21؛ مَتّى 21: 43)، إِذ يُمثِّلونَ عَلامَةً عَلى حُضورِ اللهِ الَّذي يُعطِي مَجّانًا، وَدَعوَةً إِلى انتِظارِ كُلِّ شَيءٍ مِن نِعمَتِهِ. هؤُلاءِ لا يَملِكونَ ما يُعطونَهُ بِالمُقابِل، بَل يَتَلَقَّونَ كُلَّ شَيءٍ كَهِبَةٍ مَجّانِيَّةٍ غَيرِ مُستَحَقَّة.

 

"الكُسحانَ وَالعُرجانَ وَالعُميان" تُشيرُ إِلى فِئَاتٍ مِنَ الفُقَراءِ وَالمُحتاجينَ الَّذينَ لا يَستَطيعونَ رَدَّ الدَّعوَةِ وَلا المُشارَكَةَ في تَبادُلِ الوَلائِم: الكَسيح عاجِزٌ عَنِ المَشي بِمُفرَدِهِ، يَحتاجُ إِلى دَعمِ الآخَرين. الأَعرَج لا يَستَطيعُ أَن يَسيرَ بَعيدًا، فَيَتَعَثَّرُ في دَربِهِ. الأَعمى لا يَرى ما فَعَلَهُ اللهُ لَهُ وَلا يَستَطيعُ إِدراكَ ما يُقدَّمُ لَهُ. هؤُلاءِ جَميعًا لا يَملِكونَ ما يُكافِئونَ بِهِ، وَكُلُّ ما يَتَلَقَّونَهُ هُوَ هِبَةٌ مَجّانِيَّة.

 

العِبارَةُ: "فَادعُ الفُقَراءَ وَالكُسحانَ وَالعُرجانَ وَالعُميان" (لوقا 14: 13) هِيَ نَصيحَةُ يَسوعَ الَّتي تَتَعارَضُ مَعَ العاداتِ الاِجتِماعِيَّة المَألوفَة، إِذِ اعتادَ الأَغنِياءُ أَن يَختاروا جُلساءَهُم مِن طَبَقَتِهِم الاِجتِماعِيَّة. في المُجتَمَعِ اليَهودِيِّ كانَ هؤُلاءِ المُهمَّشونَ يُقصَونَ عَنِ الشَّعائِرِ الدِّينِيَّةِ بِحَسَبِ بَعضِ نُصوصِ التَّلمودِ المُتَأَخِّرَة، بَل إِنَّ شَريعَةَ موسى مَنَعَت بَعضَهُم مِنَ الخِدمَةِ الكَهنُوتِيَّة.  لَكِنَّ دَعوَةَ الإِنجيلِ هِيَ اِنفِتاحٌ عَلى الجَميعِ بلا استِثناء: بلا تَمييزٍ طَبَقيٍّ أَو اجتِماعِيّ (لوقا 14: 12-14)، بلا تَمييزٍ عِرقِيّ: «فَلا فَرقَ بَينَ اليَهودِيِّ وَاليُونانِيّ» (رومَا 10: 12). بلا استِبعادٍ لِلخُطاة، كَما في استِقبالِ يَسوعَ لِلمَرأَةِ الخاطِئَة (لوقا 7: 36-50). يُقَدِّمُ العَلامَةُ أُوريجانوس بُعدًا رَمزِيًّا لِهذَا النَّصّ، فَيَرى أَنَّ الوَليمَةَ هِيَ المائِدَةُ الرُّوحِيَّة: الفُقَراءُ: الجُهَلاءُ الَّذينَ تَنقُصُهُمُ الحِكمَة، فَنُقَدِّمُ لَهُمُ المَسيحَ الَّذي يُغنِي الكُلّ. الكُسحانُ: الَّذينَ يُقاوِمونَ ضَميرَهُمُ الدّاخِلِيَّ، فَيَحتاجونَ إِلى شِفاءٍ داخِلِيّ. العُرجانُ: الَّذينَ ضَلّوا عَن دَربِ الحَقّ، فَيَحتاجونَ إِلى هِدايَةِ الطَّريقِ المُستَقيم. العُميانُ: الَّذينَ يَفتَقِرونَ إِلى البَصيرَةِ الرُّوحِيَّة، فَيَحتاجونَ إِلى نورِ المَسيحِ الحَقيقيّ. هؤُلاءِ جَميعًا لا يَملِكونَ ما يُكافِئونَنا بِهِ، لَكِن حُضورَهُم عَلى مائِدَتِنا هُوَ لِقاءٌ مَعَ المَسيحِ نَفسِهِ، المَملوءِ حُبًّا. إِكرامُ الفُقَراءِ لَهُ مُكافَأَتُهُ العُظمى، لأَنَّ المَسيحَ يَضَعُ نَفسَهُ في مَكانِ كُلِّ فَقيرٍ وَمُحتاج، إِذ يَقول: "جُعتُ فَأَطعَمتُموني، وَعَطِشتُ فَسَقَيتُموني، وَكُنتُ غَريبًا فآويتُموني، وَعُريانًا فَكَسَوتُموني، وَمَريضًا فَعُدتُموني، وَسَجينًا فَجِئتُم إِلَيَّ. الحَقَّ أَقولُ لَكُم: كُلَّما صَنَعتُم شَيئًا مِن ذلِكَ لِواحِدٍ مِن إِخوَتي هؤُلاءِ الصِّغار، فَلِي قَد صَنَعتُموه" (مَتّى 25: 35-40)بِهذَا يُعلِنُ يَسوعُ أَنَّ الضِّيافَةَ المَسيحيَّةَ لَيسَت تَبادُلَ مَصالِح، بَل هِيَ فِعلُ حُبٍّ مَجّانِيّ يَقودُنا إِلى المَسيحِ في الإِخوَةِ الصِّغار. وَالجَزاءُ لا يُعطَى مِنَ النّاسِ بَل مِنَ الله: "فَتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار" (لوقا 14: 14).

 

14 فطوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار

 

"فَطوبى لَكَ إِذ ذاكَ" تُشيرُ العِبارَةُ إِلى الغِبطَةِ وَالفَرَحِ الَّذي يَنالُهُ مَن يَدعُو إِلى الوَليمَةِ أَشخاصًا عاجِزينَ عَن رَدِّ الدَّعوَةِ أَو مُكافَأَتِهِ بِالمِثل. فَالإِنجيلُ يَعدُّهُ سَعيدًا لأَنَّهُ عاشَ عَطاءً بلا مُقابِل، كَما وَرَدَ في سِفرِ أَعمالِ الرُّسُل: "السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ" (أَعمال 20: 35). العَطاءُ المَجّانِيُّ يَجعَلُ الإِنسانَ يَختَبِرُ الفَرَحَ الحَقيقيَّ وَيَنمو في إِنسانيَّتِهِ، لأَنَّهُ يُشارِكُ اللهَ في صِفَتِهِ العُظمى: المَحبَّةَ الَّتي لا تَطلُبُ مُقابِلًا.

 

"لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ" تُشيرُ إِلى واقِعِ الفُقَراءِ وَالمُهمَّشينَ، إِذ لا يَملِكونَ القُدرَةَ عَلى دَعوَةِ الآخَرينَ أَو مُكافَأَتِهِم. وَهُنا يُوجِّهُ يَسوعُ الدَّعوَةَ إِلى العَيشِ بِالنَّزاهَةِ وَالصِّدق، فَيُعطِيَ الإِنسانُ لا انتِظارًا لِمَردودٍ بَشَرِيّ، بَل بِدافِعِ المَحبَّةِ الخالِصَة. وَهذَا ما أَكَّدَهُ يَسوعُ في عِظَتِهِ: "إِن أَحبَبتُم مَن يُحِبُّكُم، فَأَيُّ فَضلٍ لَكُم؟ … وَإِن أَحسَنتُم إِلى مَن يُحسِنُ إِلَيكُم، فَأَيُّ فَضلٍ لَكُم؟ … وَإِن أَقرَضتُم مَن تَرجونَ أَن تَستَوفوا مِنهُ، فَأَيُّ فَضلٍ لَكُم؟" (لوقا 6: 32-34). إِنَّها دَعوَةُ يَسوعَ إِلى المَحبَّةِ المَجّانِيَّة، حَيثُ يَكونُ العَطاءُ «لِوَجهِ الله» لا لِمَنفَعَةٍ شَخصِيَّة. وَلِهذَا أَوصى: "أَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفيَّةِ يُجازيك"(مَتّى 6: 4).

 

"فَتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار" تُشيرُ إِلى أَنَّ المُكافَأَةَ لَيسَت مِنَ البَشَرِ بَل مِنَ الله. فَالفَقيرُ الَّذي نَهتَمُّ بِهِ لا يَملِكُ أَن يُعطِيَنا شَيئًا بِالمُقابِل، لَكِنَّ اللهَ نَفسَهُ يَصيرُ هُوَ المُجازِي في اليَومِ الأَخِير. هذِهِ المُكافَأَةُ مُرتَبِطَةٌ بِـ قِيامَةِ الحَياة كَما قالَ الرَّبّ:
"الَّذينَ عَمِلوا الصَّالحاتِ يَقومونَ لِلحَياة" (يُوحَنّا 5: 29).

 

"قِيامَةِ الأَبرار" تُشيرُ إِلى رَجاءِ القِيامَةِ المَجيد، حَيثُ يُكافِئُ اللهُ الأَتقياءَ عَلى كُلِّ أَعمالِهِمُ الصّالِحَة (مَتّى 25: 34-36). وَكانَ الاعتِقادُ السّائِدُ عِندَ بَعضِ جَماعَاتِ اليَهودِ أَنَّ القِيامَةَ تَخصُّ الأَبرارَ وَحدَهم، لَكِن لوقا يُوضِّحُ أَنَّ القِيامَةَ عامَّة: "الأَبرارَ وَالفُجّارَ سَيَقومون" (أَعمال 24: 15). إِلّا أَنَّ الفَرقَ شاسِعٌ بَينَ القِيامَتَين:  قِيامَةُ الأَبرار: لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة (دانيال 12: 2؛ يُوحَنّا 5: 29). قِيامَةُ الأَشرار: لِلعَارِ وَالدَّينونَةِ الأَبَدِيَّة. بِهذَا يُغلِقُ يَسوعُ المَثَلَ بِخُلاصَةٍ عَظيمَة: الغِبطَةُ الحَقيقيَّةُ لَيسَت في المَقاعِدِ الأُولى وَلا في رَدِّ الدَّعوات، بَل في العَطاءِ المَجّانِيّ. وَالمُكافَأَةُ الحَقيقيَّةُ لا تُعطَى في هذَا الدَّهرِ مِنَ البَشَر، بَل مِنَ اللهِ في قِيامَةِ الأَبرار، حَيثُ يُمجَّدُ المُتَواضِعونَ وَالمُحِبّونَ وَالرَّحومونَ إِلى الأَبَد.

 

 

ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 14: 1، 7-14)

 

اِنطِلاقًا مِن تَحليلِ وِقائِعِ النَّصِّ الإِنجِيليِّ، نَرى أَنَّهُ يَتمَحورُ حَولَ مَوضوعَينِ أَساسِيَّينِ: التَّواضُعِ وَالضِّيافَةِ، وَهُما طَريقٌ إِلى مَلَكوتِ السَّماواتِ. وَيَبقى السُّؤالُ: ما هُوَ مَفهومُ يَسوعَ لِلتَّواضُعِ، خُصوصًا بِالنِّسبَةِ إِلى المَدعُوِّينَ، وَكَيفَ نَعيشُ نَحنُ التَّواضُعَ مِن خِلالِ الضِّيافَةِ وَالدَّعوَةِ؟

 

1) ما مَعنَى التَّواضُع في مَفهومِ يَسوعَ المَسيح؟ (لوقا 14: 1-11)

 

أ) مَبدَأُ التَّواضُع: يُقَدِّمُ يَسوعُ المَبدَأَ الأَساسَ لِلتَّواضُعِ في بَيتِ أَحَدِ رُؤَساءِ الفِرِّيسِيِّين، حِينَ قال: "إِذا دُعيتَ إِلى عُرسٍ، فَلا تَجلِسْ في المَقعَدِ الأَوَّل، فَلرُبَّما دُعِيَ مَن هُوَ أَكرَمُ مِنكَ» (لوقا 14: 8). وَيَختِمُ تَعليمَهُ بِخُلاصَةٍ رُوحِيَّةٍ عَظيمَة: "مَن رَفَعَ نَفسَه وُضِع، وَمَن وَضَعَ نَفسَه رُفِع" (لوقا 14: 11). َالتَّواضُعُ لَيسَ مُجرَّدَ خُلقٍ اجتِماعِيّ، بَل هُوَ فَضيلَةٌ أَساسِيَّةٌ تُساعِدُ الإِنسانَ أَن يَعرِفَ قَدرَ نَفسِهِ أَمامَ اللهِ وَالآخَرين. وَهُوَ عَكسُ الكِبرياءِ وَالزَّهُوِّ وَحُبِّ الظُّهور. الإِنسانُ المُتَواضِعُ بَعيدٌ عَنِ الاِدعاءِ الفارِغ، وَلا يَتَّكِلُ عَلى حُكمِهِ الذّاتِيّ، بَل يَقبَلُ الواقِعَ كَما هُوَ. وَيُؤَكِّدُ سِفرُ الأَمثال: "لا تَكُنْ حَكيمًا في عَينَي نَفسِكَ، اِتَّقِ الرَّبَّ وَجانِبِ الشَّرّ" (أَمثال 3: 7). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ بَندِكتُس قائِلًا: "التَّواضُعُ في المَرتَبَةِ الأُولَى هُوَ أَن نَحفَظَ دومًا في نُفوسِنا مَخافَةَ الله، فَلا نَنسَاها مَهما حَصَل" (القَواعِد الرُّهبانِيَّة، الفَصل 7). إِذَن، فَالتَّواضُعُ لَيسَ إِذلالًا وَلا احتِقارًا لِلنَّفس، بَل هُوَ اعتِرافٌ بِالحَقيقَة: أَنَّ كُلَّ خَيرٍ فينا هُوَ عَطيَّةٌ مِنَ الله وَبِفَضلِ الآخَرين. كَما يَقولُ بُولُسُ الرَّسُول: "فَمَنِ الَّذي يُمَيِّزُكَ؟ وَأَيُّ شَيءٍ لَكَ لَم تَنَلهُ؟ فَإِن كُنتَ قَد نِلتَهُ، فَلِمَ تَفتَخِرُ كأَنَّكَ لَم تَنَلهُ؟" (1 قورنتُس 4: 7). وَيَشرَحُ القِدِّيسُ جان ڤيانيه ذلِكَ قائِلًا: "أَن يَكونَ الإِنسانُ مُتَواضِعًا لا يَعني أَن يَعتَبِرَ نَفسَهُ أَدنَى مِمّا هُوَ عَلَيهِ مِن ذَكاءٍ أَو مَعرِفَةٍ أَو فَضيلَة. يَكفِي أَلّا يَدَّعِيَ أَكثَرَ مِمّا لَهُ، وَأَن يَعتَرِفَ بِفَضلِ رَبِّهِ وَالنّاسِ عَلَيهِ، وَأَن يَقِفَ أَمامَ اللهِ بِحَقيقَتِهِ: بِالقَليلِ مِنَ الخَيرِ الَّذي فيهِ، وَبِالكَثيرِ مِنَ الشَّرّ. فَالتَّواضُعُ هُوَ الصِّدقُ مَعَ الذّات" ؟  هكَذا يَظهَرُ أَنَّ التَّواضُعَ، في نَظرِ يَسوعَ، لَيسَ مُجرَّدَ فَضيلَةٍ إِنسانيَّة، بَل هُوَ أُسلوبُ حَياةٍ إِنجيلِيّ، يَجعَلُنا نَرى حَقيقَتَنا أَمامَ الله، فَنُنسِبُ لَهُ كُلَّ مَجد، وَنَعتَبِرُ أَنفُسَنا خُدّامًا لِإِخوَتِنا.

 

ب) مَفهُومُ التَّواضُع: المُتَواضِعُ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةταπεινός  هُوَ الإِنسانُ الَّذي لا يَرتَفِعُ كَثيرًا عَنِ الأَرض. أَمّا الوَديعُ في اليُونانِيَّة πραΰς فَهُوَ المُتَواضِعُ الَّذي يُخضِعُ نَفسَهُ لِله بِصَبرٍ وَطاعَة. وَهكَذا يَتَّضِحُ أَنَّ التَّواضُعَ هُوَ تَوجُّهُ قَلب، أَو ما يُسَمِّيهِ الكِتابُ المُقَدَّسُ "تَواضُعَ الذِّهن"، كَما في المَزمور: "القَلبُ المُنكَسِرُ المُنسَحِقُ لا تَزدَريهِ يا الله" (مَزمور 51: 19). لا يَقتَصِرُ التَّواضُعُ عَلى السُّلوكِ الخارِجيّ، بَل هُوَ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ مَوقِفٌ داخِلِيّ كَما قالَ يَسوع: "اِحمِلوا نِيري وَتَتَلمَذوا لي، فَإِنِّي وَديعٌ مُتَواضِعُ القَلب" (مَتّى 11: 29). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَنبروسيوس قائِلًا: "لَيسَ التَّواضُعُ حَقارَةً وَلا دَناءَة، بَل رِفعَةٌ مُقدَّسَةٌ تَمنَعُ أَن نَنتَفِخَ تِيَهًا في سَعادَتِنا أَو أَن نَحتَرِقَ غَيرَةً في سَعادَةِ غَيرِنا".

 

ج) التَّواضُعُ مَعرِفَةُ الذَّاتِ أَمامَ الله: التَّواضُعُ هُوَ أَن يَرى الإِنسانُ نَفسَهُ كَما يَراهُ الله. كَما يُؤَكِّدُ صاحِبُ المَزمور: "يا رَبّ، قَد سَبَرتَني فَعَرَفتَني، عَرَفتَ جُلوسي وَقِيَامي. فَطِنتَ مِن بَعيدٍ لِأَفكاري… قَبلَ أَن يَكونَ الكَلامُ عَلى لِساني أَنتَ يا رَبّ عَرَفتَهُ كُلَّهُ" (مَزمور 139: 1-4). المُتَواضِعُ يُقَيِّمُ ذاتَهُ بِواقِعِيَّة: يَعتَرِفُ بِمَحدودِيَّتِهِ وَضُعفِهِ دُونَ أَن يَتَظاهَرَ بِغَيرِ ذلِكَ. وَلِذلِكَ يَقولُ القِدِّيسُ بيو: "التَّواضُعُ هُوَ الحَقيقَة، وَالحَقيقَةُ هِيَ أَنِّي لا شَيءَ. وَبِالتّالِي، فَأَيُّ خَيرٍ فيَّ هُوَ مِنَ الله". وَتُضيفُ القِدِّيسَةُ كاتِرينا السِّيانِيَّة في حِوارِها مَعَ يَسوع: "مِن خِلالِ مَعرِفَتِكِ لِنَفسِكِ سَتُصبِحينَ مُتَواضِعَة، لأَنَّكِ سَتَرينَ أَنَّكِ لا شَيءَ مِن دُونِي، وَأَنَّ كِيانَكِ نابِعٌ مِنِّي، لأَنِّي أَنا أَحبَبتُكِ قَبلَ أَن تَكونِي".

 

د) التَّواضُعُ في حَياةِ المَسيحِ وَالقِدِّيسين: المَسيحُ هُوَ المِثالُ الأَسمى لِلتَّواضُع: "اِبنَ الإِنسانِ لَم يَأتِ لِيُخدَم، بَل لِيَخدُمَ وَيَفدِيَ بِنَفسِهِ جَماعَةَ النّاس" (مَرقس 10: 45). "اِتَّخَذَ صُورَةَ العَبد" (فيلبِّي 2: 7)، وَجَعَلَ مِن غَسلِ أَرجُلِ تَلاميذِهِ عَلامَةً لِلتَّواضُعِ العَملِيّ. وَلِهذَا قالَ القِدِّيسُ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لا يُوجَدُ عَملٌ صالِحٌ يَثبُتُ بلا تَواضُع". وَتُضيفُ الطُّوباويَّةُ تيريزا الكالكوتيَّة: "لا نَتَعلَّمُ التَّواضُعَ إِلّا مِن خِلالِ تَقبُّلِ الإِهاناتِ المُوَجَّهَةِ إِلَينا".

 

هـ) التَّواضُعُ مَوقِفٌ لاهُوتِيّ: التَّواضُعُ عَلى الصَّعيدِ اللاهُوتِيِّ هُوَ عَكسُ الكِبرياءِ. إِنَّهُ مَوقِفُ الخَليقَةِ أَمامَ اللهِ القُدّوس. فَالمُتَواضِعُ يَعرِفُ أَنَّ كُلَّ ما لَدَيهِ هُوَ عَطيَّةٌ مِنَ الله. يَقولُ بُولُس: "فَمَنِ الَّذي يُمَيِّزُكَ؟ وَأَيُّ شَيءٍ لَكَ لَم تَنَلهُ؟ فَإِن كُنتَ قَد نِلتَهُ، فَلِمَ تَفتَخِرُ كأَنَّكَ لَم تَنَلهُ؟" (1 قورنتُس 4: 7). المُتَواضِعُ يَرى نَفسَهُ ضَعيفًا (لوقا 7: 10)، أَو حَتّى عَدمًا: "فَإِن ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ شَيءٌ، مَعَ أَنَّهُ لَيسَ بِشَيء، فَقَد خَدَعَ نَفسَهُ" (غَلاطِيَّة 6: 3). وَهُوَ يَعي أَنَّهُ خاطِئ، مِثلُ اعتِرافِ بُطرُس أَمامَ يَسوع: "يا رَبّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ" (لوقا 5: 8). لَكِنَّ المُتَواضِعَ المُنفتِحَ عَلى نِعمَةِ الله يُمَجِّدُهُ الرَّبّ: "الرَّبُّ يُفقِرُ وَيُغنِي، يَضَعُ وَيَرفَع" (1 صَموئيل 2: 7). وَلِهذَا يَحُثُّ الكِتابُ المُقَدَّس: "اِزدَد تَواضُعًا لَما ازدَدتَ عَظَمَةً، فَتَنالَ حُظوَةً لَدَى الرَّبّ. لأَنَّ قُدرَةَ الرَّبّ عَظيمَة، وَالمُتَواضِعونَ يُمَجِّدونَهُ" (سِيراخ 3: 20-21). باختصار، التَّواضُعُ، في مَفهومِ يَسوعَ، هُوَ مَوقِفٌ لاهُوتِيّ وَحَياةٌ إِنجيلِيَّة. إِنَّهُ الحَقيقَةُ الَّتي تَجعَلُنا نَنظُرُ إِلى أَنفُسِنا بِنُورِ الله، فَنُعطِيهِ المَجدَ وَنَخدُمُ الإِخوَةَ بِالمَحبَّةِ.

 

 

2) التَّواضُعُ وَالكِبرياء

 

الكِبرياءُ هُوَ عَكسُ التَّواضُعِ، وَلَهُ أَنماطٌ مُتَعَدِّدَة:

 

1. المُعجَبُ بِنَفسِهِ: وَهوَ الَّذي يَطلُبُ مَراتِبَ الشَّرَفِ كَما كانَ يَفعَلُ الكَتَبَةُ وَالفِرِّيسِيُّون: "يُحِبُّونَ المَقعَدَ الأَوَّلَ في المآدِب، وَصُدورَ المَجالِسِ في المَجامِع، وَتَلَقِّيَ التَّحيَّاتِ في السَّاحات، وَأَن يَدعُوَهُمُ النّاسُ رابي" (مَتّى 23: 6-7).

 

2. الحاسِدُ لِلآخَرين: كَما يُحَذِّرُ بُولُسُ الرَّسُول: "لا نُعجَبْ بِأَنفُسِنا وَلا يَتحَدَّ وَلا يَحسُدْ بَعضُنا بَعضًا" (غَلاطِيَّة 5: 26).

 

3. الوَقِحُ السّاخِرُ، المُتكبِّرُ العَينَين: كَما يَقولُ الأَمثال: "ذو التَّكبُرِ وَالاِنتِفاخِ يُسَمّى ساخِرًا، لأَنَّهُ يَعمَلُ بِتَكبُرٍ زائِد" (أَمثال 21: 24).

 

4. المُرائي: الَّذي يُمارِسُ الفَضائِلَ لِمُجرَّدِ الظُّهورِ أَمامَ النّاس: "جَميعُ أَعمالِهِم يَعمَلونَها لِيَنظُرَ النّاسُ إِلَيهِم: يُعَرِّضونَ عَصائِبَهُم وَيُطِّيلونَ أَهدابَهُم" (مَتّى 23: 5).

 

5. المُتكبِّرُ الفِرِّيسِيّ: الَّذي يَثِقُ بِبِرِّهِ المَزعُوم وَيَحتَقِرُ الآخَرين (مَثَلُ الفِرِّيسِيّ وَالعَشّار، لوقا 18: 9-14). فَقَد صَعِدَ الفِرِّيسِيُّ إِلى الهَيكَلِ لا لِيَطلُبَ مِنَ الله، بَل لِيَمدَحَ نَفسَه، بَل أَهانَ العَشّارَ الوَاقِفَ بِجانِبِهِ. أَمّا العَشّارُ فَوَقَفَ بَعيدًا، لَكِنَّهُ اقتَرَبَ مِنَ اللهِ بِانسِحاقِ قَلبِهِ. كَما يَقولُ الكِتاب: "الرَّبُّ تَعالى وَنَظَرَ إِلى المُتَواضِع، أَمّا المُتَكبِّرُ فَيَعرِفُهُ مِن بَعيد" (مَزمور 138: 6).

 

6. المُتَعجرفُ الرّافِضُ لِلتَّبَعيَّة: الَّذي يَزعُمُ أَنَّهُ نِدٌّ لِله، كَما في تَجرِبَةِ آدَم وَحَواء: "تَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ وَالشَّرّ" (تَكوين 3: 5). فَالكِبرياءُ تُغلِقُ القَلبَ عَلى الله وَتَفتَحُ بابَ السُّقوط.

 

7. المُستَهلِكُ الرّافِضُ لِلتَّوبيخ: "السّاخِرُ لا يُحِبُّ أَن يُوَبَّخ، وَإِلى الحُكَماءِ لا يَذهَب" (أَمثال 15: 12).

 

نَتائِجُ الكِبرياءِ

 

- تَجعَلُ الإِنسانَ يَتَعدَّى الوَصايا بِلا حَياء (عَدَد 15: 30-31).

 

- تَقودُهُ إِلى الاِستِهزاءِ بِوُعُودِ الله كَما قالَ بُطرُسُ الرَّسُول: "سَيَأتي في آخِرِ الأَيَّامِ قَومٌ مُستَهزِئُونَ… فَيَقولونَ: أَينَ مَوعِدُ مَجيئِهِ؟" (2 بُطرُس 3: 3-4).

 

- تُغلِقُ القَلبَ عَلى نِعمَةِ الله، إِذ:  "اللهُ يُكابِرُ المُتَكبِّرين وَيُنعِمُ عَلى المُتَواضِعين" (1 بُطرُس 5: 5). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِسحاقُ السُّرياني قائِلًا: "تَذَكَّر أَخطائَكَ في وَقتِ التَّجرِبَةِ كَي تَخلُصَ مِنَ الكِبرياءِ وَتَكتَسِبَ التَّواضُع. لَكِن لا تَيأَس، بَل صَلِّ لِلهِ بِتَواضُعٍ لِيَغفِرَ خَطاياكَ" (أَحاديث نَسكِيَّة، الجُزء الأَوَّل، 49).

 

الكِبرياءُ عائِقٌ أَمامَ الإِيمان

 

يَسوعُ نَفسُهُ سَأَلَ اليَهود: "كَيْفَ لَكُم أَن تُؤمِنوا وَأَنتُم تَتَلَقَّونَ المَجدَ بَعضُكُم مِن بَعض، وَأَمّا المَجدُ الَّذي يَأتي مِنَ اللهِ وَحدَهُ فَلا تَطلُبون؟" (يُوحَنّا 5: 44). فَالمُتَكبِّرُ أَعمى بِذَنبِهِ، كَما قالَ يَسوعُ لِلفِرِّيسِيِّين: "إِنِّي جِئتُ هذَا العالَمَ لِإِصدَارِ حُكمٍ: أَن يُبصِرَ الَّذينَ لا يُبصِرونَ وَيَعمى الَّذينَ يُبصِرون" (يُوحَنّا 9: 39). وَيُؤَكِّدُ إِسحاقُ السُّرياني أَيضًا: "مَن يَعتَرِفُ بِخَطاياَهُ هُوَ أَعظَمُ مِمَّن يُقيمُ المَوتى بِصَلواتِهِ. وَمَن يَنوحُ ساعَةً عَلى رُوحِهِ هُوَ أَعظَمُ مِمَّن احتَضِنُ العالَمَ بِتَأمُّلِهِ. وَمَن أُعطِيَ لَهُ أَن يَرى حَقيقَةَ نَفسِهِ هُوَ أَعظَمُ مِمَّن أُعطِيَ لَهُ أَن يَرى المَلائِكَة؟ (أَحاديث نَسكِيَّة، 34). إِذَن، الكِبرياءُ هِيَ إِغلاقٌ عَلى النِّعمَةِ وَعَمى رُوحِيّ، بَينَما التَّواضُعُ هُوَ اِنفِتاحٌ عَلى الله. فَالمُتَكبِّرُ يَطلُبُ مَجدًا زائِلًا مِنَ النّاس فَيُرفَض، أَمّا المُتَواضِعُ فَيَنالُ المَجدَ مِنَ اللهِ نَفسِهِ.

 

 

3) يَسوعُ نَمُوذَجُ التَّواضُع

 

يَسوعُ المَسيحُ هُوَ خَيرُ نَمُوذَجٍ لِلتَّواضُع. هُوَ المَسيحُ المُتَواضِعُ الَّذي تَنَبَّأَ عَنهُ زَكَرِيّا: "هُوَذا مَلِكُكِ آتٍ إِلَيكِ وَديعًا راكِبًا عَلى أَتانٍ وَجَحشٍ ابنِ دابَّة" (مَتّى 21: 5). إِنَّهُ مَسيحُ المُتَواضِعينَ، كَما جاءَ في التَّطويبات: "طوبى لِلوُدَعاء فَإِنَّهُم يرِثونَ الأَرض" (مَتّى 5: 4). فَفي عُيونِ يَسوعَ، التَّواضُعُ في الخِدمَةِ أَهمُّ مِنَ المَركَزِ وَالجَاه. لَم يَأتِ المَسيحُ لِيُمَجِّدَ نَفسَهُ، بَل: "لِيَطلُبَ وَيُخَلِّصَ ما قَد هَلَك" (لوقا 19: 10).

 

بَلَغَ تَواضُعُهُ قِمَّتَهُ عِندَما غَسَلَ أَرجُلَ تَلاميذِهِ (يُوحَنّا 13: 14-16)، وَعِندَما: "اِتَّخَذَ صُورَةَ العَبد" (فيلبِّي 2: 7)، حَتّى المَوت، مَوتِ الصَّليبِ، لِيُخَلِّصَنا. وَهكَذا، اختارَ يَسوعُ بِنَفسِهِ المَقعَدَ الأَخِير الَّذي هُوَ الصَّليب، فَجَعَلَهُ الآبُ مَوضِعَ الرِّفعَةِ وَالمَجد: "هُوَ الَّذي في صُورَةِ الله، لَم يَعُدَّ مُساواتَهُ للهِ غَنيمَة، بَل تَجرَّدَ مِن ذاتِهِ مُتَّخِذًا صُورَةَ العَبد… فَوضَعَ نَفسَهُ وَأَطاعَ حَتّى المَوت… لِذلِكَ رَفَعَهُ اللهُ إِلى العُلى وَوَهَبَ لَهُ الاِسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء" (فيلبِّي 2: 6-9).

التَّواضُعُ عِندَ يَسوعَ يُترجَمُ بِخِدمَةِ اللهِ وَالنّاس. قالَ الرَّبُّ لِتَلاميذِهِ: "أَمَّا وَقَد عَلِمتُم هذا، فَطوبى لَكُم إِذا عَمِلتُم بِه" (يُوحَنّا 13: 17). "لِيَكُنِ الأَكبَرُ فيكُم كأَنَّهُ الأَصغَر، وَالمُتَرَئِّسُ كأَنَّهُ الخادِم" (لوقا 22: 26). وَيُعَلِّقُ الرّاهِبُ سِيلوانُس الأَثوسِيّ: "الإِنسانُ الَّذي يَعرِفُ اللهَ بِفَضلِ الرّوحِ القُدُس، يَتَعلَّمُ مِنهُ التَّواضُع، فَيَصيرُ شَبيهًا بِمُعَلِّمِهِ الإِلهِيّ".

 

أَمثِلَةٌ أُخرَى لِلتَّواضُع على خطى يسوع

 

يُوحَنّا المَعمَدان: قالَ عَنِ المَسيح: "ذاكَ الآتي بَعدي، مَن لَستُ أَهلاً لأَن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِهِ" (يُوحَنّا 1: 27). لَم يَطلُب شَيئًا لِنَفسِهِ، بَل أَن يَكونَ صَوتًا يُعِدُّ الطَّريقَ لِلرَّبّ.

 

مَريَمُ العَذراء: اختارَها اللهُ أُمًّا لاِبنِهِ، وَمَعَ ذلِكَ قالَت لِلمَلاك: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ" (لوقا 1: 38)، وَأَنشَدَت: "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلى أَمَتِهِ الوَضيعة. سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال" (لوقا 1: 48).

 

الرَّسُولُ بُولُس: بِالرَّغمِ مِنَ المَواهِبِ وَالفَهمِ الَّذي أَعطاهُ لَهُ الرَّبّ، رَأى نَفسَهُ: "أَصغَرَ الرُّسُل» (1 قورنتُس 15: 9)، وَ"َوَّلَ الخاطِئين" (1 طيمُوثاوس 1: 15). فَالمَجدُ عِندَهُ لا يَقومُ عَلى البِرِّ الذّاتِيّ، بَل عَلى نِعمَةِ اللهِ وَعَملِ الصَّليب (فيلبِّي 3: 3-9).

 

يَسوعُ هُوَ أَوَّلُ مَنِ اختارَ المَقعَدَ الأَخِير (الصَّليب)، فَرَفَعَهُ الآبُ إِلى العُلى. وَالتَّواضُعُ في المَسيحِ لَيسَ ضُعفًا وَلا خُضوعًا مُذِلًّا، بَل هُوَ خِدمَةُ مَحبَّةٍ تَرفَعُ الإِنسانَ إِلى المَجدِ الإِلهِيّ.

 

4) التَّواضُعُ في خُطى المَسيح

 

يُريدُنا يَسوعُ أَن نَحمِلَ سِمَةَ التَّواضُعِ لِكَي نَلتَقي بِهِ، وَهُوَ يُرمَزُ إِلَيهِ هُنا بِعَدمِ اختِيارِ المَقاعِدِ الأُولى، بَلِ المَقعَدِ الأَخير. وَهَذا الاِختِيارُ لَيسَ إِذلالًا وَلا شُعورًا بِالنَّقص، بَل حُبًّا وَتَشبُّهًا بِالمَسيحِ الَّذي اختارَ المَقعَدَ الأَخير. هَذا التَّواضُعُ هُوَ "عَلامَةُ المَسيح" كَما يَقولُ القِدِّيس أُوغسطينوس.

 

التَّواضُعُ الَّذي يَدعو إِلَيهِ يَسوعُ يُعارِضُ الاِهتِمامَ الفِرِّيسِيَّ وَالعالَمَ اليَهودِيَّ آنذاكَ بِالمَناصِبِ وَالدَّرَجات. وَمَعَ ذلِكَ، يُمكِنُ لِلإِنسانِ أَن يَجلِسَ في المَقاعِدِ الأُولى إِذا كانَ مُستَحِقًّا لَها، شَرطَ أَلّا يَسعَى إِلَيها بِنَفسِهِ، بَل يَترُكَ لِلآخَرينَ أَن يُكرِّموهُ بِدَعوَتِهِ: "قُمْ إِلى فَوق" (لوقا 14: 10). هُوَ تَواضُعُ ابنِ الله، أَي تَواضُعُ المَحبَّة. وَكَمَا يَقولُ أُوغسطينوس: "حَيثُ التَّواضُع، هُناكَ المَحبَّة".

 

التَّواضُعُ وَوَصِيَّةُ المَحبَّةِ الجَديدَة

 

عَلى المَسيحِيِّ أَن يَسيرَ وَفقَ طُرُقِ هَذا التَّواضُعِ "الجَديد" لِكَي يَقدِرَ أَن يَعيشَ الوَصِيَّةَ الجَديدَة، وَصِيَّةَ المَحبَّة. كَما يُذَكِّرُنا بُولُسُ الرَّسُول: "أُناشِدُكُم إِذًا، أَنا السَّجينَ في الرَّبّ، أَن تَسيروا سيرَةً تَليقُ بِالدَّعوَةِ الَّتي دُعيتُم إِلَيها، سيرَةً مِلؤُها التَّواضُعُ وَالوَداعَةُ وَالصَّبر، مُحتَمِلينَ بَعضُكُم بَعضًا في المَحبَّة" (أَفسُس 4: 2). فالمَقعَدُ الأَوَّلُ الَّذي يَنبَغي أَن نَطلُبَهُ لَيسَ مَوضِعَ الكَرامَةِ وَالمَظاهِر، بَل مَكانَ الخِدمَةِ حَيثُ نُشبِهُ يَسوعَ "الَّذي جاءَ لا لِيُخدَمَ بَل لِيَخدُم" (مَرقُس 10: 45).

 

التَّواضُعُ طَريقُ القَداسَة

 

التَّواضُعُ هُوَ الطَّريقُ الأَنجَعُ لِمَن يُريدُ السَّيرَ في دَربِ القَداسَة: "وَأَنتُمُ الَّذينَ اختارَهُمُ اللهُ فَقَدَّسَهُم وَأَحبَّهُم، اِلبَسوا عَواطِفَ الحَنانِ وَاللُّطْفِ وَالتَّواضُعِ وَالوَداعةِ وَالصَّبر" (قولُسِّي 3: 12). مَن يُمارِسُ التَّواضُعَ يَقتَلِعُ الخَطايا مِن جُذورِها، مِثلَ العَشّارِ الَّذي لَم يَذكُر حَسَناتِهِ، بَلِ اكتَفى بِأَن يَقرَّ بِخَطيئَتِهِ، فَوَجَدَ التَّبريرَ أَمامَ الله. وَيُشدِّدُ يَعقوبُ الرَّسُول: "لِيَفتَخِرِ الأَخُ الوَضيعُ بِرِفعَتِهِ وَالغَنِيُّ بِضَعَتِهِ" (يَعقوب 1: 9-10). وَكَذلِكَ يَحثُّ بُطرُس: "تَواضَعوا تَحتَ يَدِ اللهِ القادِرَة لِيَرفَعَكُم في حينِهِ" (1 بُطرُس 5: 6). فَالرَّبُّ لا يَزدَري المُتَواضِع: "الذَّبيحَةُ لِلهِ روحٌ مُنكَسِر، القَلبُ المُنكَسِرُ المُنسَحِقُ لا تَزدَريهِ يا أَلله" (مَزمور 51: 19).

 

ثَمَرُ التَّواضُع

 

اللهُ يَنظُرُ إِلى المُتَواضِعينَ وَيَحنُو عَلَيهِم: "الرَّبُّ تَعالى نَظَرَ إِلى المُتَواضِع، أَمّا المُتَكبِّرُ فَيَعرِفُهُ مِن بَعيد" (مَزمور 138: 6). وَالمُؤمِنونَ مَدعُوّونَ إِلى أَن يَتَحَلَّوا بِثَوبِ التَّواضُعِ في تَعامُلِهِم المُتَبادَل: "اِلبَسوا جَميعًا ثَوبَ التَّواضُعِ في مُعامَلَةِ بَعضِكُم لِبَعض، لأَنَّ اللهَ يُكابِرُ المُتَكبِّرين وَيُنعِمُ عَلى المُتَواضِعي" (1 بُطرُس 5: 5). هَؤلاءِ المُتَواضِعونَ هُمُ الَّذينَ يَبحَثونَ عَن مَنفَعَةِ الآخَرينَ لا عَن مَجدِ ذَواتِهِم: "لا تَفعَلوا شَيئًا بِدافِعِ المُنافَسَةِ أَوِ العُجب، بَل عَلى كُلٍّ مِنكُم أَن يَتَواضَعَ وَيَعُدَّ غَيرَهُ أَفضَلَ مِنهُ" (فيلبِّي 2: 3-4). نَستَنتِجُ أَنَّ التَّواضُعَ في خُطى المَسيحِ هُوَ سِرُّ اللِّقاءِ مَعَه، وَعَلامَةُ المَحبَّةِ الحَقيقيَّة، وَطَريقُ القَداسَة. فَهُوَ لَيسَ مَوقِفًا خارِجيًّا، بَل قَلبٌ مُتَشبِّهٌ بِالمَسيح، يَبحَثُ دائِمًا عَن خِدمَةِ الآخَرينَ في سَبيلِ مَجدِ اللهِ وَخَلاصِ البَشَر.

 

5)  التواضع من خلال الضيافة (لوقا 14: 12-14)

 

بَعدَما طَلَبَ يَسوعُ مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ وَالكَتَبَةِ أَن يَسلكوا بِروحِ التَّواضُع وَيَتحَرَّروا مِن مَحبَّةِ المَجدِ الباطِل، وَأَلّا يَسعَوا وَراءَ المَقاعِدِ الأُولى، ها هُوَ يَطلُبُ مِنهُم أَيضًا مَحبَّةَ الفُقَراء: "إِذا أَقَمتَ مَأدُبَةً فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان" (لوقا 14: 13). ويَعلّق القِدِّيس كِيرِلُّس الكَبير قائِلًا: "فَلا يَستَضيفوا في وَلائِمِهِم الأَغنِياء طَلَبًا لِلمَديحِ وَحُبِّ الظُّهور، بَلِ المُحتاجينَ وَالمُعَوَّقينَ وَالمُتَأَلِّمين".

 

أ) الضِّيافَةُ فِعلُ رَحمَة

الضَّيفُ في الكِتابِ المُقدَّسِ يَرتَبِطُ بِالغَريبِ أَوِ المُستَبعَدِ أَوِ المُستَعبَد، كَما جاءَ في سِفرِ الأَعمال: "سَيَنزِلُ نَسْلُه في أَرضٍ غَريبة، فَتُستَعبَدُ وَتُعامَلُ بِالسُّوءِ مُدَّةَ أَربَعِمِائَةِ سَنَة" (أَعمال 7: 6). وَوَصَفَهُم سِفرُ العِبرانيِّينَ أَنَّهُم "غُرَباءُ نُزَلاءُ في الأَرض" (عبرانيين 11: 13). إِذًا، الغَريبُ في حاجَةٍ ماسَّةٍ إِلى مَن يَقبَلُه وَيُعامِلُه بِمَحبَّة، عَلى مِثالِ اللهِ الَّذي أَحبَّه: "اللهُ مُنصِفُ اليَتيمِ وَالأَرمَلةِ وَمُحِبُّ النَّزيل، يُعْطيهِ طَعامًا وَكِسوَة. فَأَحِبُّوا النَّزيل، فإِنَّكُم كُنتُم نُزَلاءَ في أَرضِ مِصر" (تَثنِيَة 10: 18-19). ويَقولُ الأَمثال: "فمَن يَرحَمِ الفَقيرَ يُقرِضِ الرَّبّ، فَهُوَ يُجازِيهِ عَلى صَنيعِه" (أمثال 19: 17). الضِّيافَةُ في مَنظورِ يَسوعَ لَيسَت مُجرَّدَ عادَةٍ اِجتِماعيَّة أَو تَبادُلَ مَصالِح، بَل هِيَ فِعلُ رَحمَة يَكشِفُ قَلبَ الله، حَيثُ يُكرَّمُ الغَريبُ وَالفَقيرُ كأَنَّهُ المَسيحُ نَفسُه.

 

ب) الضِّيافَةُ شَهادَةُ إيمان

لَيسَت الضِّيافَةُ رَحمَةً عاطِفِيَّةً فَقط، بَل هِيَ شَهادَةُ إيمانٍ حَيٍّ بِالمَسيح. فالمَسيحُ يَكشِفُ سِرَّ الضِّيافَةِ أَنَّه هُوَ نَفسُه يَقُومُ بِدَورِ الخادِم عَلى المائِدَة: "طوبى لأُولئِكَ الخَدَمِ الَّذينَ إِذا جاءَ سَيِّدُهُم وَجَدَهُم ساهِرين. الحَقَّ أَقولُ لَكُم إِنَّه يَشُدُّ وَسَطَه وَيُجلِسُهُم لِلطَّعامِ، وَيَدورُ عَلَيهِم يَخدُمُهُم" (لوقا 12: 37). كُلُّ مَن يَستَقبِلُ الضَّيفَ بِاسمِ المَسيحِ، يَستَقبِلُ الرَّبَّ نَفسَه: "مَن قَبِلَ الَّذي أُرسِلُه قَبِلَني أَنا، وَمَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني" (يوحنّا 13: 20).

 

ج) الضِّيافَةُ وَالدِّينونَةُ الأَخيرة

في ساعَةِ الدِّينونَةِ، يُعلِنُ المَسيحُ أَنَّ الضِّيافَةَ لَيسَت خِدمَةً اِجتِماعيَّة، بَل لِقاءٌ بِهِ شَخصِيًّا:

"لأَنِّي جُعتُ فَأَطعَمتُموني، وَعَطِشتُ فَسَقَيتُموني، وَكُنتُ غَريبًا فآويتُموني" (متى 25: 35).

أَو بِالعَكس: "كُنتُ غَريبًا فَما آوَيتُموني"» (متى 25: 43).

المَسيحُ هُوَ الضَّيفُ الَّذي نَقبَلُهُ بِالإيمانِ أَو نَرفُضُهُ بِعَدَمِ المَحبَّة.

 

د) الضِّيافَةُ شَرطُ الحَياةِ المَسيحيَّة

 

الضِّيافَةُ عِندَ المَسيحِ لَيسَت خِيارًا ثانَوِيًّا، بَل عَلامَةُ الحَياةِ المَسيحيَّةِ الأَصيلَة. وَلِذلِكَ يُشيرُ بولُسُ إِلى أَنَّ كُلَّ مَسيحِيٍّ (1 طيموتاوس 5: 10)، وَلا سِيَّما الأُسقُف (1 طيموتاوس 3: 2)، مَدعُوٌّ إِلى مُمارَسَتِها. لأَنَّ مَن يَقرَعُ بابَنا هُوَ المَسيحُ نَفسُه (رؤيا 3: 20)، وَهُوَ يَدخُلُ لِيَغمرَ البَيتَ بِالنِّعمَةِ وَيَصنَعَ عِندَهُ مُقامًا (يوحنّا 14: 23).

 

هـ) ثَمَرُ الضِّيافَة: قِيامَةُ الأَبرار

 

المَسيحُ يَضعُ نَفسَهُ مَكانَ الفَقيرِ وَالمَريضِ وَالمُحتاج (متى 25: 31-46)، وَيَعِدُ مَن يَستَقبِلُهُ فيهِم أَن يَستَقبِلَهُ في مَلكُوتِهِ: " في بَيتِ أَبي مَنازِلُ كَثيرَة… أَنا ذاهِبٌ لأُعِدَّ لَكُم مُقامًا" (يوحنّا 14: 2-3). الضِّيافَةُ في المَسيحِ هِيَ إيمانٌ مُعاش: لِقاءٌ بِالمَسيحِ الحاضِرِ في الفَقيرِ وَالغَريب، وَخِدمَةٌ تُرفَعُ أَمامَ اللهِ كَذَبيحَةِ مَحبَّة، تُجازَى في «قِيامَةِ الأَبرار» (لوقا 14: 14).

 

 

الخلاصة

 

قَد يَبدو لِلوَهلَةِ الأُولى أَنَّ يَسوعَ يُقَدِّمُ تَعليمًا في آدابِ الوَلائِمِ وَاللِّياقَةِ الاِجتِماعِيَّةِ، كَما وَرَدَ في سِفرِ الأَمثالِ: "لا تَقِفْ في مَكانِ العُظَماءِ، لأَنَّه خَيرٌ أَن يُقالَ لَكَ: ((اِصعَدْ إِلى هُنا)) مِن أَن تُحَطَّ أَمامَ الأَمير" (أمثال 25: 6-7). لَكِن تَعليمُهُ يَنتَهي بِعِبرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَتَعارَضُ مَعَ اِهتِمامَاتِ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ الَّذينَ سَعَوا وَراءَ المَراتِبِ وَالمَقاماتِ وَالمَراكِزِ وَالمَناصِبِ. وَمِن هَذا المُنطَلَقِ، يُعَلِّمُنا يَسوعُ أَمرَينِ أَساسِيَّينِ:

 

1. أَلَّا نَسعَى وَراءَ أَمَاكِنِ الصَّدارَةِ، لِأَنَّ الخِدمَةَ أَهمُّ مِنَ المَركَزِ وَالجَاهِ في مَلكوتِ الله.

 

2. أَلَّا نَقتَصِرَ في ضِيافَتِنا عَلى مَن يَستَطيعونَ رَدَّ الجَميلِ بِالمِثلِ، بَل أَن نُقَدِّمَ خِدمَتَنا لِكُلِّ إِنسانٍ، وَخُصوصًا لِمَن لا يَقدِرُ عَلى رَدِّ الدَّعوَةِ، فَنَنالَ الثَّوابَ في قِيامَةِ الأَبرارِ كَما قالَ المَسيحُ: "طوبى لَكَ إِذ ذاكَ، لِأَنَّهُم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ، فَتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار" (لوقا 14: 14).

 

لَقَد لاحَظَ يَسوعُ أَنَّ المَدعُوِّينَ في بَيتِ الفَرِّيسِيِّ كانوا يَتَسابَقونَ إِلى الأَمَاكِنِ الأُولَى، فَدَعاهم أَن يَسلُكوا بِروحِ التَّواضُعِ، لِكَي تَنالَ نُفوسُهُمُ الرَّاحَةَ، وَيُعطَوا الكَرامَةَ الحَقيقِيَّةَ مِنَ الله. وَلَمّا رَأى أَنَّ الفَرِّيسِيَّ صاحِبَ الوَلِيمَةِ أَشرَكَ فيها الأَقارِبَ وَالأَغنِياءَ، عَلَّمَنا أَنَّ الفَقيرَ وَالمِسكينَ وَالمُحتاجَ هُمُ الأَولى بِاِهتِمامِنا إِن كُنَّا نَرجُو المُكافَأَةَ الأَبَدِيَّةَ، لا الجَزاءَ الأَرضِيَّ. لِأَنَّ هَؤُلاءِ لَيسَ لَهُم ما يُعطونَنا عِوَضَ ما قَدَّمنَاهُ لَهُم، فَيَكونُ أَجرُنا مَحفوظًا في السَّماءِ، "في قِيامَةِ الأَبرار".

 

يُذَكِّرُنا بُولُسُ الرَّسُولُ بِهَذا المَبدَأ قائِلاً: "ما كانَ في العالَمِ مِن حَماقَةٍ فذاكَ ما اختارَهُ اللهُ لِيُخزِيَ الحُكَماء، وَما كانَ في العالَمِ مِن ضُعفٍ فذاكَ ما اختارَهُ اللهُ لِيُخزِيَ ما كانَ قَوِيًّا، وَما كانَ في العالَمِ مِن غَيرِ حَسَبٍ وَنَسَبٍ وَكانَ مُحتَقَرًا فذاكَ ما اختارَهُ اللهُ… حتّى لا يَفتَخِرَ بَشَرٌ أَمامَ الله" (1 قورنتس 1: 27-29).

 

يَدعُونا الرَّبُّ يَسوعُ أَن نَكونَ تَلاميذَهُ، مُتَشَبِّهينَ بِهِ: "اِحمِلوا نِيري وَتَتَلْمَذوا لي، فَإِنِّي وَديعٌ مُتَواضِعُ القَلبِ، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكُم" (مَتّى 11: 29). فَهُوَ رَبُّ الكُلِّ، وَمَعَ ذلِكَ اختارَ المَكانَ الأَخِيرَ، لِكَي يَفسَحَ المَجالَ لَنا أَن نَكونَ الأَوائِلَ في المَلكوتِ. وَهُوَ يَدعُونا أَن نَكونَ مِثلَهُ، نَفتَحُ مَوائِدَنا وَقُلوبَنا لا لِلأَغنِياءِ وَأَصحابِ النُّفوذِ، بَل لِلمَساكِينِ وَالعُرجانِ وَالعُميانِ الَّذينَ هَشَّمَتهُمُ الخَطيئَةُ، فَنَشتَرِكُ مَعَهُ في وَلِيمَةِ الخَلاصِ المُعَدَّةِ مِن أَجلِ الجَميعِ.

 

إِذَن، الخُلاصَةُ هِيَ أَنَّ التَّواضُعَ وَالضِّيافَةَ هُما طَريقانِ لِلمَلكوتِ: التَّواضُعُ يَرفَعُنا أَمامَ الله، وَالضِّيافَةُ تَكشِفُ إِيمانَنا الحَيَّ بِالمَسيحِ الحاضِرِ في الفُقَراء.

 

 

دعاء

 

أيّها الآبُ السَّماوي،

علِّمنا، من خِلالِ ابنِكَ يَسوع، أن نُقاوِمَ جميعَ أشكالِ الكِبرياءِ والمَجدِ الباطِل.

ساعِدنا كي نُصبِحَ على مِثالِكَ مُتواضِعين، فنأخُذَ المَقعَدَ الأخير،

ونتبَعَ ابنَكَ يَسوع في طَريقِ التواضُعِ الحَقيقي، مِن خِلالِ خِدمةِ الآخرين.

هَبْ لنا عَينَين نَقيَّتَين نُدركُ بهما حُضورَكَ في الفُقَراءِ والمَساكين،

في المَنبوذينَ والمَرضى، حتّى نُقَدِّمَ لهُم مَحبَّةً صادِقة،

ونَجِدَ في ذلك مَجدَكَ، ونَنالَ نصيبَنا في قِيامَةِ الأبرار.

بالمسيحِ رَبِّنا، آمين.

 

 

قِصَّةٌ عَنِ التَّواضُع

 

كانَ الشَّاعِرُ الإِنْجِلِيزِيُّ تُوماس هارْدي (1840 – 1928) يَتَمَتَّعُ بِشُهْرَةٍ واسِعَةٍ، حَتّى صارَ واحِدًا مِن رُموزِ التُّراثِ القَوْمِيِّ، وَكانَتِ الصُّحُفُ عَلى اسْتِعْدادٍ لِدَفْعِ مَبالِغَ طائِلَةٍ مُقابِلَ نَشْرِ قَصائِدِهِ. وَمَعَ ذلِكَ، كانَ يُرْسِلُ قَصائِدَهُ بِالبَريدِ مُرْفِقًا مَعَها مُغَلَّفًا مَخْتومًا لِإِعادَتِها إِلَيْهِ في حالِ رَفْضِها! رَغْمَ مَكانَتِهِ الأَدَبِيَّةِ الرَّفِيعَةِ، بَقِيَ مُتَواضِعًا بِما يَكْفِي لِيَأْخُذَ في الحُسْبانِ إِمْكانِيَّةَ رَفْضِ عَمَلِهِ. وَهكَذا يُذَكِّرُنا الكِتابُ المُقَدَّسُ: "اِزْدَدْ تَواضُعًا كُلَّما ازدَدتَ عَظَمَةً، فَتَنالَ حُظوَةً لَدى الرَّبِّ" (سِيراخ 3: 18).

 

 

قِصَّةٌ عَنِ الضِّيافَة

 

بَعْدَ الِاحْتِفالِ بِسِرِّ الزَّواجِ في كَنِيسَةٍ كاثُوليكِيَّةٍ بِمَدِينَةِ غُواراباري في البَرازِيلِ، قَرَّرَ العَروسَانِ فِيكْتور رِيبِيرو وَبُولا مِيرِيغِيتِي أَنْ يُتَرْجِما إِيمَانَهُما عَمَلِيًّا: فَبَدَلًا مِنَ الوَلِيمَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلْعائِلَةِ وَالأَصْدِقاءِ، دَعَوُا الأَطْفالَ الفُقَراءَ إِلى وَلِيمَةِ العُرْسِ، وَحَضَرَ أَكْثَرَ مِن 160 شَخْصًا مِنَ المُحْتاجِينَ.

قالَ العَرِيسُ: "قَرَّرْنا دَعْوَةَ مَن هُم حَقًّا بِحاجَةٍ، لِأَنَّ أَفْرادَ عائِلَتِنا لا يَحْتاجُونَ إِلى الوَلِيمَةِ. الزَّواجُ يَسْتَحِقُّ الِاحْتِفالَ، لَكِنَّنا اخْتَرْنا أَنْ نَحْتَفِلَ بِهذِهِ الطَّرِيقَةِ".

هذِهِ المُبادَرَةُ وُلِدَتْ مِن وَحْيِ كَلِماتِ الإِنْجِيلِ: "إِذا صَنَعْتَ غَداءً أَو عَشاءً، فَلا تَدْعُ أَصْدِقاءَكَ وَلا إِخْوَتَكَ وَلا أَقْرِباءَكَ وَلا الجِيرانَ الأَغْنِياءَ…" (لوقا 14: 12). وَهكَذا عاشَ العَرُوسانِ الإِنْجِيلَ حَرْفِيًّا، وَذَكَّرا الجَمِيعَ بِكَلامِ المَسِيحِ: "طوبى لَكَ إِذْ ذاكَ، لِأَنَّهُم لَيْسَ بِإِمْكانِهِم أَنْ يُكافِئوكَ، فَتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبْرارِ" (لوقا 14: 14).

 

هاتانِ القِصَّتانِ تُوَضِّحانِ كَيْفَ يُمكِنُ لِرُوحِ الإِنْجِيلِ أَنْ يَتَحَقَّقَ في الحَياةِ اليَومِيَّةِ: تَواضُعُ القَلْبِ، وَضِيافَةٌ مَجّانِيَّةٌ تَحْمِلُ في طَيّاتِها ثَوابَ السَّماءِ.