موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النص الإنجيلي: (يوحنا 20: 1-9)
1 وفي يَومِ الأَحَد جاءَت مَريمُ المِجدَلِيَّةُ إِلى القَبْرِ عِندَ الفَجْر، والظَّلامُ لم يَزَلْ مُخَيِّماً، فرأَتِ الحَجَرَ قد أُزيلَ عنِ القَبْر. 2 فأَسرَعَت وجاءَت إِلى سِمْعانَ بُطرُس والتِّلميذِ الآخَرِ الَّذي أَحَبَّهُ يسوع، وقالَت لَهما: ((أَخَذوا الرَّبَّ مِنَ القَبْرِ، ولا نَعلَمُ أَينَ وَضَعوه)). 3 فخرَجَ بُطرُسُ والتَّلميذُ الآخَرُ وذَهَبا إِلى القَبْرِ 4يُسرِعانِ السَّيْرَ مَعاً. ولكِنَّ التَّلميذَ الآخَرَ سَبَقَ بُطرُس، فوَصَلَ قَبلَه إِلى القبْرِ 5 وانحَنى فأَبصَرَ اللَّفائِفَ مَمْدودة، ولكنَّه لَم يَدخُلْ. 6 ثُمَّ وَصَلَ سِمْعانُ بُطرُس وكانَ يَتبَعُه، فدَخَلَ القَبْرَ فأَبصَرَ اللَّفائِفَ مَمْدودة، 7 والمِنديلَ الَّذي كانَ حَولَ رَأسِهِ غَيرَ مَمْدودٍ معَ اللَّفائِف، بل على شكْلِ طَوْقٍ خِلافاً لَها، وكان كُلُّ ذلك في مَكانِه. 8حينَئذٍ دخَلَ أيضاً التِّلميذُ الآخَرُ وقَد وَصَلَ قَبلَه إِلى القَبْر، فَرأَى وآمَنَ. 9ذلك بِأَنَّهُما لم يكونا قد فهِما ما وَرَدَ في الكِتاب مِن أَنَّه يَجِبُ أَن يَقومَ مِن بَينِ الأَموات. 10 ثُمَّ رَجَعَ التِّلميذانِ إِلى بَيتِهِما: لم يفهم بطرس ويوحنا حقيقة القيامة إلا بعد ان رأيا القبر فارغا وتذكرا اقوال يسوع والاسفار المقدسة انه سيموت ثم يقوم ايضا من بين الاموات.
مُقَدِّمَة
يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ الفِصْحِ الضَّوْءَ عَلَى حَدَثِ قِيَامَةِ يَسُوعَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ (يُوحَنَّا 20: 1–10)، ذٰلِكَ الحَدَثُ الَّذِي يَتَجَاوَزُ كَوْنَهُ وَاقِعَةً تَارِيخِيَّةً لِيُصْبِحَ مِحْوَرَ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ وَأُساسِ الرَّجَاءِ البَشَرِيِّ. فَقِيَامَةُ المَسِيحِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَوْدَةٍ إِلَى الحَيَاةِ، بَلْ هِيَ دُخُولٌ إِلَى نَمَطٍ جَدِيدٍ مِنَ الوُجُودِ، حَيْثُ يَنْتَصِرُ اللهُ عَلَى المَوْتِ وَالفَسَادِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ "قِيَامَةَ المَسِيحِ هِيَ رَجَاؤُنَا، فِيهَا نَرَى مَا سَنَكُونُهُ" (PL 38, 1102).
وَفِي ضَوْءِ قَوْلِ الرَّسُولِ بُولُس: "البِكْرُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ" (قُولُسِّي 1: 18)، تُفْهَمُ قِيَامَةُ المَسِيحِ كَبِدَايَةِ خَلِيقَةٍ جَدِيدَةٍ، إِذْ إِنَّهُ لَيْسَ فَقَطْ أَوَّلَ مَنْ قَامَ، بَلْ أَصْلُ كُلِّ قِيَامَةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرِينِئُوس: "كَمَا أَنَّ الرَّأْسَ قَدْ قَامَ، هٰكَذَا يَقُومُ الجَسَدُ كُلُّهُ" (Adv. Haer. III, 19, 3) ، فَتُصْبِحُ قِيَامَتُهُ عُرْبُونَ قِيَامَةِ البَشَرِيَّةِ جَمِيعِهَا.
وَهَكَذَا تَغْدُو قِيَامَةُ المَسِيحِ الحَدَثَ الأَعْظَمَ فِي تَارِيخِ الخَلاصِ، لأَنَّهَا تُعْلِنُ انْتِصَارَ الحَيَاةِ عَلَى المَوْتِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: "لَمْ يَعُدِ المَوْتُ يُرْهِبُ أَحَدًا، لأَنَّ مَوْتَ المُخَلِّصِ قَدْ حَرَّرَنَا" John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59,723) ). إِنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ الخَوْفِ إِلَى الحُرِّيَّةِ، وَمِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ اليَأْسِ إِلَى الرَّجَاءِ.
وَإِذَا كَانَ الإِنْسَانُ المُعَاصِرُ قَدْ بَنَى "حَضَارَةَ المَوْتِ" مِنْ خِلَالِ العُنْفِ والحَرْبِ وَالأَنَانِيَّةِ وَالانْفِصَالِ عَنِ اللهِ، فَإِنَّ المَسِيحَ القَائِمَ يُقِيمُ فِي المُقَابِلِ "حَضَارَةَ الحَيَاةِ" فِي قَلْبِ كَنِيسَتِهِ. وَيُشِيرُ القِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوس الرَّسُولِيُّ إِلَى هٰذَا البُعْدِ الخَلاَصِيِّ قَائِلًا: "بِمَوْتِهِ أَبَادَ المَوْتَ، وَبِقِيَامَتِهِ أَعَادَ الحَيَاةَ لِلْجَمِيعِ" (Athanasius, De Incarnatione, PG 25).
وَبِالرَّغْمِ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ التَّارِيخِيَّةِ وَالحُرُوب الَّتِي تَجتاح البَشَرِيَّةَ، لَا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ فِي العَالَمِ صَدَى تَحِيَّةِ الكَنِيسَةِ الأُولَى: "المَسِيحُ قَامَ! – حَقًّا قَامَ!"، وَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِبَارَةٍ لِيتُورْجِيَّةٍ، بَلْ إِعْلَانٌ لاهُوتِيٌّ عَنِ انْتِصَارِ الحَيَاةِ. وَفِي هٰذَا الإِطَارِ يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الأُورُشَلِيمِيُّ: "نُبَشِّرُ بِقِيَامَةِ المَسِيحِ، لا كَفِكْرَةٍ، بَلْ كَحَقِيقَةٍ خَلاَصِيَّةٍ تُغَيِّرُ الحَيَاةَ" (Catech. Lect. XIV, 1).
وَفِي زَمَنِنَا الحَاضِرِ، يُعَبِّرُ البابا فرنسيس عَنْ هٰذَا التَّوَقُّعِ الإِنْسَانِيِّ العَمِيقِ بِقَوْلِهِ: "كُلُّ قَلْبٍ بَشَرِيٍّ يَنْتَظِرُ هٰذِهِ البُشْرَى السَّارَّةَ"، فَالإِنْسَانُ، وَإِنْ تَخَبَّطَ فِي أَزْمَاتِهِ، يَبْقَى مُتَعَطِّشًا إِلَى الرَّجَاءِ الَّذِي لا يَخِيبُ. مِنْ هُنَا تَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ هٰذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ، لَا مِنْ حَيْثُ وَقَائِعُهُ التَّارِيخِيَّةُ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا فِي أَبْعَادِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ. فَقِيَامَةُ المَسِيحِ لَيْسَتْ حَدَثًا مَاضِيًّا يُذْكَرُ، بَلْ سِرٌّ حَيٌّ يُعَاشُ، وَقُوَّةٌ تُجَدِّدُ الإِنْسَانَ وَتَدْعُوهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِلحَيَاةِ الجَدِيدَةِ فِي عَالَمٍ يَتُوقُ إِلَى الخَلاَصِ.
أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلُهُ (يُوحَنَّا 20: 1–9)
1.وَفِي يَوْمِ الأَحَدِ جَاءَتْ مَرْيَمُ المِجْدَلِيَّةُ إِلَى القَبْرِ عِنْدَ الفَجْرِ، وَالظَّلَامُ لَمْ يَزَلْ مُخَيِّمًا، فَرَأَتِ الحَجَرَ قَدْ أُزِيلَ عَنِ القَبْرِ"
تُشيرُ عِبارَةُ "يَوْمِ الأَحَد" في الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Τῇ δὲ μιᾷ τῶν σαββάτων (أَي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ) إِلَى بَدَايَةِ زَمَنٍ جَدِيدٍ، هُوَ "اليَوْمُ الثَّامِنُ" الَّذِي يَتَجَاوَزُ إِيقَاعَ الزَّمَنِ اليَهُودِيِّ، لِيُفْتَتِحَ الزَّمَنَ المَسِيحِيَّ القَائِمَ عَلَى القِيَامَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: "اليَوْمُ الثَّامِنُ هُوَ صُورَةُ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، إِذْ فِيهِ قَامَ المَسِيحُ" (PL 38). وَمِنْ هُنَا أَصْبَحَ "يَوْمُ الرَّبِّ" (رؤيا 1: 10) يَوْمَ اجْتِمَاعِ الجَمَاعَةِ المُؤْمِنَةِ لِلاِحْتِفَالِ بِالإِفْخَارِسْتِيَّا، حَيْثُ يَلْتَقِي المُؤْمِنُونَ بِالمَسِيحِ القَائِمِ، وَيَتَغَذَّوْنَ مِنْ جَسَدِهِ الَّذِي اجْتَازَ المَوْتَ وَغَلَبَهُ.
أَمَّا "مَرْيَمُ المِجْدَلِيَّةُ" (Μαρία ἡ Μαγδαληνή) فَتَعْنِي "المَرْأَةُ الآتِيَةُ مِنْ مَجْدَل"، مَجْدَل بِالعِبْرِيَّةِ (מִגְדָּל) أَي "البُرْج". وَكَانَتْ قَرْيَةُ مَجْدَلَةَ تَقَعُ عَلَى الشَّاطِئِ الغَرْبِيِّ لِبُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، قُرْبَ بحيرة طبرية، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ فِي التَّقْلِيدِ اليَهُودِيِّ وَالرُّومَانِيِّ. وَهٰذِهِ المَرْأَةُ، الَّتِي حَرَّرَهَا يَسُوعُ مِنْ سَبْعَةِ شَيَاطِين (مرقس 16: 9)، أَصْبَحَتْ تِلْمِيذَةً أَمِينَةً تَبِعَتْهُ حَتَّى الصَّلِيبِ وَالقَبْرِ. وَيَقُولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "الَّتِي أَحَبَّتْ كَثِيرًا، هِيَ الَّتِي رَأَتْ أَوَّلًا" (Hom. in Evang. 25 PL 76, 1197) ، وهي رمز النفس المحبة. فَالمَحَبَّةُ هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى مُعَايَنَةِ القِيَامَةِ. وَقَدِ اكْتَفَى الإِنْجِيلِيُّ يُوحَنَّا بِذِكْرِهَا، لا لِنَفْيِ وُجُودِ النِّسْوَةِ الأُخْرَيَاتِ (لوقا 24: 10)، بَلْ لِإِبْرَازِ دَوْرِهَا الشَّخْصِيِّ كَشَاهِدَةٍ أُولَى لِلقِيَامَةِ. فَهِيَ نَمُوذَجُ النَّفْسِ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الحُبِّ حَتَّى النِّهَايَةِ، فَغَلَبَتِ الخَوْفَ وَالمَوْتَ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَالظَّلَامُ لَمْ يَزَلْ مُخَيِّمًا" σκοτίας ἔτι οὔσης (معناها الظلام لا يزاله) فتُشير الى حالة العالم قبل إعلان القيامة (الظلمة الروحية). فَتَحْمِلُ بُعْدًا لاهُوتِيًّا عَمِيقًا: فَهِيَ لَا تُشِيرُ فَقَطْ إِلَى زَمَنِ الفَجْرِ، بَلْ إِلَى ظُلْمَةِ العَالَمِ بَعْدَ مَوْتِ المَسِيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذهبي الفم قَائِلًا: "جَاءَتْ وَالظُّلْمَةُ بَاقِيَةٌ، لأَنَّ نُورَ القِيَامَةِ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْلِنَ بَعْدُ"(John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). لٰكِنَّ هٰذَا الظَّلَامَ يَسْتَعِدُّ لِيُبَدَّدَ بِنُورِ القِيَامَةِ، كَمَا كُتِبَ: "النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ" (يوحنا 1: 5).
أَمَّا عِبَارَةُ " عِنْدَ الفَجْرِ " πρωῒ (ظرف زمان تعني باكرًا) فتُشير الى شوق اللقاء مع القائم، بداية النور. وَتَجْمَعُ عِبَارَتَا "الفَجْرِ وَالظَّلَامِ" بَيْنَ نِهَايَةِ اللَّيْلِ وَبِدَايَةِ النُّورِ، فَتُشِيرَانِ إِلَى بَدْءِ خَلِيقَةٍ جَدِيدَةٍ. فَكَمَا بَدَأَ الخَلْقُ الأَوَّلُ بِنُورٍ يَخْرُقُ الظُّلْمَةَ (تكوين 1: 3)، هٰكَذَا تَبْدَأُ القِيَامَةُ كَخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَيَقُولُ القِدِّيسُ أثناسيوس الرسولي: "القِيَامَةُ هِيَ خَلْقٌ جَدِيدٌ، إِذْ يُجَدِّدُ اللهُ فِيهَا الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ"(Athanasius, De Incarnatione, PG 25).
أَمَّا قَوْلُهُ "فَرَأَتِ الحَجَرَ قَدْ أُزِيلَ عَنِ القَبْرِ"، فَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ بَابَ القَبْرِ قَدْ فُتِحَ، لا لِيَخْرُجَ يَسُوعُ—لأَنَّهُ القَائِمُ يَتَجَاوَزُ الحُدُودَ المَادِّيَّةَ—بَلْ لِيَدْخُلَ الإِنْسَانُ وَيَرَى عَلاَمَةَ القِيَامَةِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ أمبروسيوس ذٰلِكَ قَائِلًا: "لَمْ يُزَلِ الحَجَرُ لِيَخْرُجَ الرَّبُّ، بَلْ لِيَدْخُلَ الإِنْسَانُ وَيُؤْمِنَ"(Expos. in Luc.). وَيَدُلُّ الحَجَرُ المُدَحْرَجُ عَلَى طَبِيعَةِ القَبْرِ المَنْحُوتِ فِي الصَّخْرِ (متى 27: 60)، حَيْثُ كَانَتْ تُوضَعُ الجُثَّةُ عَلَى مِصْطَبَةٍ (مرقس 16: 6)، فِي بُسْتَانٍ قُرْبَ أورشليم (يوحنا 19: 41). وَهٰذَا البُسْتَانُ يُعِيدُ إِلَى الأَذْهَانِ جَنَّةَ عَدْنٍ، فَيَجْعَلُ مِنَ القَبْرِ مَكَانًا لِبَدْءِ الحَيَاةِ لا نِهَايَتِهَا.
أَمَّا عِبَارَةُ "رَأَتْ" (βλέπει)، وَهِيَ فِعْلٌ مُضارِعٌ مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ، فَتُفِيدُ رُؤْيَةً حِسِّيَّةً أَوَّلِيَّةً (نَظَرًا ظاهِرِيًّا)، لا تَرْقَى بَعْدُ إِلَى مُسْتَوَى الإِيمَانِ الكَامِلِ أَوِ الإِدْرَاكِ الرُّوحِيِّ العَمِيقِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "الحَجَرَ" (τὸν λίθον)، فَتُشِيرُ إِلَى العائِقِ البَشَرِيِّ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَسِرِّ الحَيَاةِ، أَي إِلَى وَاقِعِ المَوْتِ وَالقَبْرِ، كَحاجِزٍ ظاهِرٍ يَحْجُبُ الرُّجاءَ، وَيَبدُو كَأَنَّهُ نِهايَةٌ مُغلَقَةٌ أَمامَ الإِيمَانِ.
أَمَّا عِبَارَةُ " قَدْ أُزِيلَ " (ἠρμένον) (معناها مرفوع اسم مفعول ) فتُشير الى عمل إلهي تمّ ويستمر أثره.
إِنَّ "القَبْرَ الفَارِغَ" لَيْسَ دَلِيلًا سَلْبِيًّا، بَلْ عَلاَمَةٌ إِيجَابِيَّةٌ عَلَى أَنَّ عَمَلَ اللهِ لَمْ يَنْتَهِ بِالمَوْتِ. وَيَقُولُ القِدِّيسُ كيرلس الأورشليمي: "القَبْرُ الفَارِغُ يُبَشِّرُ أَنَّ المَوْتَ قَدْ فُرِّغَ مِنْ قُوَّتِهِ" (Catech. Lect. XIV, 1). وَمِنْ هُنَا، لَمْ يَعُدِ القَبْرُ مَكَانَ رُعْبٍ، بَلْ مَمَرًّا إِلَى الحَيَاةِ. لِذٰلِكَ يَسْتَطِيعُ المُؤْمِنُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى القَبْرِ بِعَيْنِ الرَّجَاءِ، مُرَدِّدًا مَعَ أَيُّوبَ: "قُلْتُ لِلْفَسَادِ: أَنْتَ أَبِي، وَلِلدُّودِ: أَنْتِ أُمِّي وَأُخْتِي" (أيوب 17: 14)، لِأَنَّ القِيَامَةَ قَدْ حَوَّلَتِ المَوْتَ مِنْ نِهَايَةٍ إِلَى بَدَايَةٍ، وَمِنْ ظُلْمَةٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ قَبْرٍ إِلَى حَيَاةٍ.
2. " فأَسرَعَت وجاءَت إِلى سِمْعانَ بُطرُس والتِّلميذِ الآخَرِ الَّذي أَحَبَّهُ يسوع، وقالَت لَهما: ((أَخَذوا الرَّبَّ مِنَ القَبْرِ، ولا نَعلَمُ أَينَ وَضَعوه".
تُعَبِّرُ عِبَارَةُ "فَأَسْرَعَتْ وَجَاءَتْ" عَنْ حَرَكَةٍ دِينَامِيَّةٍ مَمْلُوءَةٍ قَلَقًا وَغَيْرَةً، فَمَرْيَمُ المِجْدَلِيَّةُ لا تَحْتَفِظُ بِالخَبَرِ لِنَفْسِهَا، بَلْ تَنْدَفِعُ نَحْوَ الجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِ. وَفِي هٰذَا تَظْهَرُ بَاكُورَةُ الشَّهَادَةِ الكَنَسِيَّةِ: فَالإِيمَانُ، حَتَّى فِي بَدَايَاتِهِ المُرْتَبِكَةِ، يَسْعَى إِلَى أَنْ يُشَارَك. الفعل " فَأَسْرَعَتْ " في الأصل اليوناني τρέχει (تركض / تُسرع) يشير الى ديناميكية الشهادة الأولى، غيرة القيامة.
أَمَّا قَوْلُهُ "إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَالتِّلْمِيذِ الآخَرِ" فَيُشِيرُ إِلَى مَكَانَةِ هَذَيْنِ التِّلْمِيذَيْنِ فِي الجَمَاعَةِ. فَـبطرس الرسول يَحْمِلُ اسْمَ Πέτρος (الصَّخْرَة)، وَهُوَ الَّذِي دَعَاهُ يَسُوعُ "كِيفَا" (يوحنا 1: 42)، أَيِ الصَّخْرَةُ، أساس الكنيسة وسلطة رسولية الَّتِي سَتَكُونُ خِدْمَةُ تَثْبِيتٍ وَوِحْدَةٍ فِي الكَنِيسَةِ (متى 16: 18). وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ضَعْفِهِ وَإِنْكَارِهِ، فَإِنَّ الإِنْجِيلَ يُبْقِيهِ فِي مَوْقِعِ الصَّدَارَةِ، دَلاَلَةً عَلَى أَنَّ النِّعْمَةَ تَفُوقُ الضُّعْفَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "فِي بُطْرُسَ تُمَثَّلُ الكَنِيسَةُ، ضَعِيفَةً فِي ذَاتِهَا، قَوِيَّةً بِنِعْمَةِ المَسِيحِ" (Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35). إِنَّ وُجُودَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مَعًا يَكْشِفُ بُعْدًا كَنَسِيًّا عَمِيقًا: بُطْرُسُ يُمَثِّلُ السُّلْطَةَ وَالخِدْمَةَ الرَّسُولِيَّةَ، وَيُوحَنَّا يُمَثِّلُ المَحَبَّةَ وَالشَّهَادَةَ الدَّاخِلِيَّةَ. وَالكَنِيسَةُ تَقُومُ عَلَى هَذَا التَّكَامُلِ بَيْنَ السُّلْطَةِ وَالمَحَبَّةِ.
أَمَّا "التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي أَحَبَّهُ يَسُوعُ"، فَهُوَ، حَسَبَ التَّقْلِيدِ، يوحنا الرسول، الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ صِفَتَيْنِ: "الآخَر" وَ"الحَبِيب". وَهٰذَا الإِخْفَاءُ لِلاِسْمِ يَحْمِلُ بُعْدًا لاهُوتِيًّا، إِذْ يَفْتَحُ المَجَالَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَجِدَ نَفْسَهُ فِي هٰذَا "التِّلْمِيذِ الحَبِيبِ". هو التلميذ النموذجي (كل مؤمن).
أَمَّا عِبَارَةُ "الَّذِي أَحَبَّهُ يَسُوعُ" ὃν ἐφίλει (معناها الذي كان يحبه فعل ناقص من φιλέω) تشير الى محبة صداقة شخصية مستمرة وعلاقة حميمة مع يسوع. وَيَقُولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "مَنْ يُحِبُّ، يُصْبِحُ تِلْمِيذًا حَبِيبًا"(Hom. in Evang. PL 76, 1197).
أَمَّا عِبَارَةُ "وَقالَت لَهُما" (λέγει)، وَهِيَ فِعْلٌ مُضارِعٌ ("تَقول")، فَتُشِيرُ إِلَى إِعْلانِ الشَّهادَةِ فِي صُورَةٍ حَيَّةٍ وَمُسْتَمِرَّةٍ، لا كَحَدَثٍ ماضٍ فَقَط، بَلْ كَكَلِمَةٍ تَنْبُضُ فِي الحاضِرِ. فَاسْتِخْدامُ المُضارِعِ فِي السَّرْدِ اليُونانِيِّ (الحاضِر التَّارِيخِيّ) يُضْفِي عَلَى الحَدَثِ طابِعًا دِينَامِيًّا، وَيَجْعَلُ القارِئَ مُشارِكًا فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِها. وَهٰكَذَا، تَتَحَوَّلُ مَرْيَمُ مِنْ مُجَرَّدِ شاهِدَةٍ عَلَى حَدَثٍ، إِلَى مُبَشِّرَةٍ تَنْقُلُ الخَبَرَ إِلَى الجَماعَةِ. وَبِذٰلِكَ، يَكْشِفُ النَّصُّ أَنَّ الشَّهادَةَ فِي الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ لَيْسَتْ نَقْلَ مَعْلُومَةٍ فَقَط، بَلْ حَرَكَةَ إِعْلانٍ تَنبُعُ مِنْ خِبْرَةٍ، وَتَنْتَقِلُ إِلَى الآخَرينَ، فَتَصيرُ بَدَايَةَ مَسِيرَةِ الإِيمَانِ فِي الجَماعَةِ.
أَمَّا قَوْلُهَا "أَخَذُوا الرَّبَّ مِنَ القَبْرِ" فَيُظْهِرُ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَصِلْ بَعْدُ إِلَى إِيمَانِ القِيَامَةِ، بَلْ بَقِيَ تَفْسِيرُهَا ضِمْنَ المَنْطِقِ البَشَرِيِّ الَّذِي يُفَسِّرُ الحَدَثَ وَفْقَ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ: نَقْلُ الجَسَدِ أَوْ سَرِقَتُهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: "لَمْ تَكُنْ تُفَكِّرُ بَعْدُ فِي القِيَامَةِ، بَلْ ظَنَّتْ أَنَّ الجَسَدَ قَدْ أُخِذَ" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الإِيمَانَ لا يَنْبَثِقُ تِلْقائِيًّا مِنَ العَلامَةِ الحِسِّيَّةِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى نُورِ الإِعْلانِ وَفَهْمِ الكَلِمَةِ. فَالقَبْرُ الفارِغُ، إِذًا، هُوَ عَلامَةٌ (σημεῖον) تَدْعُو إِلَى الإِيمَانِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بُرْهانًا مُكْتَمِلًا بِذَاتِهِ؛
إِذْ يَبْقَى مَعْرِضًا لِتَفاسِيرَ بَشَرِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، إِلَى أَنْ يُفْتَحَ الذِّهْنُ عَلَى سِرِّ القِيَامَةِ فِي ضَوْءِ الكِتابِ وَاللِّقاءِ مَعَ القائِمِ. وَهٰكَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لا يَقِفُ عِنْدَ حُدودِ الرُّؤْيَةِ، بَلْ يَتَجاوَزُهَا نَحْوَ فَهْمٍ رُوحِيٍّ يُحَوِّلُ العَلامَةَ إِلَى إِعْلانٍ.
وَكَلِمَةُ "الرَّبِّ" (κύριος) تُعَبِّرُ، مَعَ ذٰلِكَ، عَنْ إِيمَانٍ ضِمْنِيٍّ؛ فَهِيَ لا تَقُولُ "الجَسَد"، بَلْ "الرَّبّ"، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَلاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، وَاعْتِرَافٍ ضِمْنِيٍّ بِأُلُوهِيَّةِ المَسِيحِ، إِذْ إِنَّ لَقَبَ "الرَّبّ" قَدْ أَصْبَحَ لَقَبًا لاهُوتِيًّا مِحْوَرِيًّا فِي إِيمَانِ الكَنِيسَةِ الأُولَى، يُقَابِلُ فِي سِيَاقِهِ الكِتابِيِّ اسْمَ اللهِ نَفْسَهُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "مِنَ القَبْرِ" (ἐκ τοῦ μνημείου) فَتُشِيرُ إِلَى مَكَانِ المَوْتِ الَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى مَوْضِعِ إِعْلَانِ الحَيَاةِ، حَيْثُ لَمْ يَعُدِ القَبْرُ نِهايَةً مُغلَقَةً، بَلْ أَصْبَحَ نُقْطَةَ انْطِلاقٍ لِرِسالَةِ القِيامَةِ، وَشَاهِدًا عَلَى انْتِصارِ المَسِيحِ عَلَى المَوْتِ.
وَتُضِيفُ: "وَلا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ"، فَتَسْتَعْمِلُ صِيغَةَ الجَمْعِ، وَهِيَ، مِنْ جِهَةٍ، تُمَثِّلُ النِّسْوَةَ الأُخْرَيَاتِ (لوقا 24: 10)، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تُجَسِّدُ الكَنِيسَةَ فِي بَدَايَةِ مَسِيرَتِهَا: كَنِيسَةٌ تَبْحَثُ، وَلَا تَفْهَمُ بَعْدُ، لٰكِنَّهَا تَسْعَى نَحْوَ الحَقِيقَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: "لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ القِيَامَةَ، لِذٰلِكَ ظَنَّتْ أَنَّ الجَسَدَ قَدْ أُخِذَ، لٰكِنَّ غَيْرَتَهَا جَعَلَتْهَا تُسْرِعُ لِتُعْلِنَ الخَبَرَ" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). هٰكَذَا يَكْشِفُ النَّصُّ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الإِيمَانِ يَبْدَأُ أَحْيَانًا بِسُوءِ فَهْمٍ، لٰكِنَّهُ سُوءُ فَهْمٍ مَمْلُوءٌ مَحَبَّةً وَبَحْثًا صَادِقًا. وَمِنْ هٰذَا البَحْثِ تَنْطَلِقُ مَسِيرَةُ الإِيمَانِ الَّتِي سَتَقُودُ التَّلاَمِيذَ بَعْدَ قَلِيلٍ إِلَى الرُّؤْيَةِ فَالإِيمَانِ. مَرْيَمُ: تُمَثِّلُ الكَنِيسَةَ البَاحِثَةَ، وبُطْرُسُ: يَرْمُزُ إِلَى السُّلْطَةِ وَالثَّبَاتِ، ويُوحَنَّا: يُجَسِّدُ المَحَبَّةَ وَالإِيمَانَ العَمِيقَ. وَمِنْ تِلْقَاءِ هٰؤُلاَءِ تَتَكَوَّنُ الكَنِيسَةُ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِنَ الجَهْلِ إِلَى الإِيمَانِ، وَمِنَ القَبْرِ إِلَى القِيَامَةِ.
يُظْهِرُ نَصُّ الآيَةِ ثَلاثَ حَرَكاتٍ مُتَرابِطَةً تَكْشِفُ مَسِيرَةَ الإِيمَانِ التَّدْرِيجِيَّةَ:
· حَرَكَةٌ جَسَدِيَّةٌ: (τρέχει) "تَركُضُ"، وَهِيَ تُعَبِّرُ عَنِ الاندِفاعِ الإِنْسانِيِّ الأَوَّلِيِّ نَحوَ الحَدَثِ، بَدافِعِ القَلَقِ أَوِ الحُبِّ أَوِ الدَّهشَةِ.
· حَرَكَةٌ كَنَسِيَّةٌ: (ἔρχεται) "جاءَت"، أَي إِلَى بُطرُسَ وَالتِّلْمِيذِ الآخَر، مِمَّا يُشيرُ إِلَى أَنَّ الخِبْرَةَ لا تُعاشُ بِشَكْلٍ فَرْدِيٍّ، بَلْ تُنقَلُ وَتُشَارَكُ داخِلَ الجَماعَةِ الرَّسُولِيَّةِ.
· حَرَكَةٌ إِيمَانِيَّةٌ ناقِصَةٌ: (οὐκ οἴδαμεν) "لا نَعْلَمُ"، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى مَرْحَلَةِ الغُمُوضِ وَعَدَمِ الفَهْمِ الكامِلِ، حَيْثُ لَمْ يَبْلُغِ الإِيمَانُ بَعدُ نُضْجَهُ. وَبِذٰلِكَ، يَتَضِحُ أَنَّ الطَّريقَ إِلَى القِيامَةِ يَمُرُّ بِمَراحِلَ ثَلاثٍ: البَحْثِ (الحَرَكَة)، فَالمُشارَكَةِ (الجَماعَة)، ثُمَّ الإِيمَانِ (الاكْتِمال).
3 "فَخَرَجَ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ وَذَهَبَا إِلَى القَبْرِ"
تُظْهِرُ عِبَارَةُ "فَخَرَجَ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ" اسْتِجَابَةً فَوْرِيَّةً لِخَبَرِ مَرْيَمَ المِجْدَلِيَّةِ، فَالخُرُوجُ هُنَا لَيْسَ حَرَكَةً جَسَدِيَّةً فَحَسْب، بَلْ انْطِلاَقٌ مِنْ حَالَةِ الحَيْرَةِ إِلَى مَسِيرَةِ البَحْثِ. إِنَّهُ خُرُوجٌ إِيمَانِيٌّ، يُشِيرُ إِلَى دَعْوَةِ التِّلْمِيذِ لِأَنْ يَتْرُكَ مَوْقِفَ الاِنْغِلاَقِ وَيَنْدَفِعَ نَحْوَ سِرِّ القِيَامَةِ.
وَيُذْكَرُ هُنَا بطرس الرسول مَعَ "التِّلْمِيذِ الآخَرِ" التَّقْلِيدُ يُحَدِّدُهُ بِـ يوحنا الرسول)، فِي تَوَازٍ لاهُوتِيٍّ مُهِمٍّ: بُطْرُسُ يُمَثِّلُ السُّلْطَةَ وَالشَّهَادَةَ الرَّسُولِيَّةَ، وَيُوحَنَّا يُجَسِّدُ المَحَبَّةَ وَالعَلاَقَةَ الحَمِيمَةَ. وَاجْتِمَاعُهُمَا يَكْشِفُ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى القِيَامَةِ لَا يُعَاشُ فَرْدِيًّا، بَلْ كَنَسِيًّا: إِنَّهُ مَسِيرُ جَمَاعَةٍ تَبْحَثُ مَعًا.
أَمَّا قَوْلُهُ "وَذَهَبَا إِلَى القَبْرِ" فَيُبْرِزُ حَرَكَةً مُتَصَاعِدَةً فِي السَّرْدِ، تَتَكَرَّرُ فِيهَا أَفْعَالُ الحَرَكَةِ: خَرَجَا - ذَهَبَا - رَكَضَا - وَصَلَا (يُوحَنَّا 20: 3–4)، مِمَّا يَحْمِلُ طَابِعَ شَهَادَةِ عَيَانٍ دَقِيقَةٍ. وَيُشِيرُ هٰذَا التَّدَرُّجُ إِلَى دِينَامِيَّةِ الإِيمَانِ الَّذِي لا يَبْقَى سَاكِنًا، بَلْ يَتَحَرَّكُ نَحْوَ الحَقِيقَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: "لَمْ يَبْقَيَا فِي البَيْتِ بَعْدَ سَمَاعِ الخَبَرِ، بَلْ انْدَفَعَا لِيَرَيَا بِأَعْيُنِهِمَا"(John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). فَالإِيمَانُ لَا يُبْنَى عَلَى السَّمَاعِ فَقَطْ، بَلْ يَسْعَى إِلَى المُعَايَنَةِ. إِنَّ هٰذِهِ الحَرَكَةَ تُعَبِّرُ أَيْضًا عَنْ مَسِيرَةٍ دَاخِلِيَّةٍ: فَبُطْرُسُ، الَّذِي أَنْكَرَ، يَخْرُجُ الآنَ لِيَبْحَثَ، وَالتِّلْمِيذُ الحَبِيبُ يَسْعَى بِمَحَبَّتِهِ نَحْوَ الفَهْمِ. وَبِهٰذَا تَلْتَقِي فِي هٰذَا المَشْهَدِ المَحَبَّةُ (φιλία) وَالشَّوْقُ (ἔρως) فِي مَسِيرَةٍ وَاحِدَةٍ نَحْوَ الحَقِيقَةِ، لِتَنْفَتِحَ لاحِقًا عَلَى المَحَبَّةِ الإِلٰهِيَّةِ (ἀγάπη) الَّتِي تُعْلَنُ فِي القِيَامَةِ. تُظهر أفعال الحركة في يوحنا 20 بنية ديناميكية للإيمان، تبدأ بالفعل الخارجي (ἐξῆλθεν، ἔτρεχον)، وتنتقل إلى الإدراك الحسي (βλέπει)، ثم إلى التأمل (θεωρεῖ)، وتبلغ ذروتها في الرؤية الإيمانية (εἶδεν) التي تقود إلى الإيمان الكامل (ἐπίστευσεν).
تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ بُعْدًا دِينَامِيًّا عَميقًا فِي مَسِيرَةِ الإِيمَانِ، مِن خِلالِ تَراكُبِ أَفْعالِ الحَرَكَةِ:
· فَـ"الخُرُوجُ" يُشِيرُ إِلَى بَدَايَةِ التَّحَوُّلِ الدَّاخِلِيِّ، حَيْثُ يَتَجَاوَزُ الإِنْسانُ جُمودَهُ وَخَوفَهُ.
· وَ"الذَّهابُ" يُجَسِّدُ مَسِيرَةَ البَحْثِ عَنِ الحَقيقَةِ، فِي انْفِتاحٍ عَلَى الاِكْتِشافِ.
· أَمَّا "الإِسْراعُ فِي السَّيْرِ" فَيُعَبِّرُ عَنِ اندِفاعِ المَحَبَّةِ الَّتِي لا تَتَأَخَّرُ عَنِ اللِّقاءِ.
وَبِهٰذَا، يَتَجَلَّى أَنَّ الإِيمَانَ فِي يُوحَنَّا 20 لَيْسَ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ، بَلْ مَسِيرَةُ حَرَكَةٍ حَيَّةٍ: مِنَ السَّمَاعِ، إِلَى البَحْثِ، إِلَى الرُّؤْيَةِ، إِلَى الإِيمَانِ. وَتُوحِي هٰذِهِ اللُّغَةُ الحَرَكِيَّةُ بِأَنَّ النَّصَّ يَحْمِلُ ذِكْرَيَاتٍ تَارِيخِيَّةً لِشُهُودِ عِيانٍ، حَيْثُ تُنْقَلُ التَّجْرِبَةُ لَيْسَ كَفِكْرٍ مُجَرَّدٍ، بَلْ كَحَدَثٍ مَعِيشٍ تَرَكَ أَثَرَهُ فِي اللُّغَةِ وَالتَّعْبيرِ، فَجاءَ السَّرْدُ نَابِضًا بِالحَيَاةِ وَالحَرَكَةِ.
4. "يُسْرِعَانِ السَّيْرَ مَعًا، وَلٰكِنَّ التِّلْمِيذَ الآخَرَ سَبَقَ بُطْرُسَ، فَوَصَلَ قَبْلَهُ إِلَى القَبْرِ"
تُبْرِزُ عِبَارَةُ "يُسْرِعَانِ السَّيْرَ مَعًا" (ἔτρεχον δὲ οἱ δύο ὁμοῦ) بُعْدًا كَنَسِيًّا عَمِيقًا: فَالطَّرِيقُ إِلَى القِيَامَةِ يُعَاشُ مَعًا لا فَرْدِيًّا. فَالفِعْلُ فِي صِيغَةِ النَّاقِص (Imperfect) "ἔτρεχον" يَدُلُّ عَلَى حَرَكَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، أَيْ عَلَى مَسِيرَةٍ دِينَامِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، لَيْسَتْ لَحْظَةً عَابِرَةً بَلْ سَيْرًا كَنَسِيًّا نَحْوَ الحَقِيقَةِ. وَيُجَسِّدُ هٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ سِفْرُ الجَامِعَةِ: "اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ" (جا 4: 9). وَيُذْكَرُ هُنَا بطرس الرسول وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ (التَّقْلِيدُ يَرَاهُ يوحنا الرسول) فِي حَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ، لٰكِنْ بِإِيقَاعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. فَالآيَةُ تُضِيفُ: "سَبَقَ بُطْرُسَ" (προέδραμεν τάχιον)، أَيْ أَنَّ التِّلْمِيذَ الحَبِيبَ وَصَلَ أَوَّلًا. وَهٰذَا السَّبْقُ لَا يُفْهَمُ كَمُنَافَسَةٍ، بَلْ كَإِشَارَةٍ رَمْزِيَّةٍ إِلَى سُرْعَةِ المَحَبَّةِ. فَالمَحَبَّةُ تَسْبِقُ، لَا لِتُلْغِي الآخَرَ، بَلْ لِتَقُودَ إِلَى الفَهْمِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "سَبَقَ بِالمَحَبَّةِ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ فِي السُّلْطَةِ" (Tract. in Ioann. 120. فَيُوحَنَّا يَسْبِقُ بِالقَلْبِ، أَمَّا بُطْرُسُ فَيَدْخُلُ أَوَّلًا بِحُكْمِ الدَّعْوَةِ الرَّسُولِيَّةِ. إِنَّ هٰذَا التَّوَازُنَ بَيْنَ السَّبْقِ وَالاِنْتِظَارِ يَكْشِفُ بُعْدًا لاهُوتِيًّا عَمِيقًا: المَحَبَّةُ (φιλία) تُسْرِعُ نَحْوَ الرَّبِّ، وَالسُّلْطَةُ (الخِدْمَةُ الرَّسُولِيَّةُ) تُنَظِّمُ الدُّخُولَ وَالشَّهَادَةَ. وَلٰكِنَّ هٰذَا السَّبْقَ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ أَيْضًا فِي ضَوْءِ مَفَاهِيمِ المَحَبَّةِ الثَّلاثَةِ:
· فِي "الجَرْيِ" نَرَى ἔρως: الشَّوْقَ الَّذِي يَدْفَعُ التِّلْمِيذَ نَحْوَ القَبْرِ.
· فِي "السَّيْرِ مَعًا" نَرَى φιλία: الشَّرِكَةَ وَالصَّدَاقَةَ الرُّوحِيَّةَ. الكَنِيسَةُ جَمَاعَةٌ فِي مَسِيرَةِ إِيمَان.
· وَفِي "الوُصُولِ" نَتَهَيَّأُ لِـ ἀγάπη: حَيْثُ سَيَنْكَشِفُ سِرُّ القِيَامَةِ كَمَحَبَّةٍ إِلٰهِيَّةٍ مُنْتَصِرَةٍ.
أَمَّا عِبَارَةُ "سَبَقَ" (προέδραμεν)، وَمَعْنَاهَا "رَكَضَ أَمام"، فَتَرْمُزُ إِلَى سَبْقِ المَحَبَّةِ (يُوحَنَّا، التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ) عَلَى السُّلْطَةِ (بُطرُس، رَئِيسُ الرُّسُلِ). فَالمَحَبَّةُ تَتَقَدَّمُ فِي الرُّؤْيَةِ وَالاندِفاعِ، أَمَّا السُّلْطَةُ فَتَأْتِي لِتُثَبِّتَ وَتُشَهِّدَ، وَهٰكَذَا يَتَكَامَلُ بُعْدَا المَحَبَّةِ وَالسُّلْطَةِ فِي بِنْيَةِ الإِيمَانِ الكَنَسِيِّ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَوَصَلَ قَبْلَهُ" (ἦλθεν πρῶτος) فَتُشِيرُ إِلَى لَحْظَةِ الوُصُولِ إِلَى مَكَانِ السِّرِّ، لٰكِنْ دُونَ دُخُولٍ بَعْدُ. فَالوُصُولُ لَا يَعْنِي الاِكْتِمَالَ؛ بَلْ هُوَ بَدَايَةُ المُوَاجَهَةِ مَعَ العَلاَمَةِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ الإِيمَانَ لا يُقَاسُ بِالسُّرْعَةِ الجَسَدِيَّةِ، بَلْ بِالِاسْتِعْدَادِ الدَّاخِلِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "يَبْلُغُ البَعْضُ أَسْرَعَ، لٰكِنَّهُمْ لا يَدْخُلُونَ قَبْلَ الآخَرِينَ، لِأَنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَحْفَظُ تَرْتِيبَهَا" (Hom. in Evang. PL 76, 1197). فِي يُوحَنَّا 20: المَحَبَّةُ تَسْبِقُ، وَالسُّلْطَةُ تَدْخُلُ، وَالإِيمَانُ يَكْتَمِلُ فِي اللِّقَاءِ.
5. "وَانْحَنَى فَأَبْصَرَ اللَّفَائِفَ مَمْدُودَةً، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَانْحَنَى" (παρακύψας) إِلَى انْخِفَاضِ مَدْخَلِ القَبْرِ المَنْحُوتِ فِي الصَّخْرِ، حَيْثُ كَانَ يَلْزَمُ الدَّاخِلَ أَنْ يَنْحَنِي. وَلٰكِنَّ الفِعْلَ اليُونَانِيَّ لا يَحْمِلُ بُعْدًا مِعْمَارِيًّا فَحَسْب، بَلْ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى بَدَايَةِ التَّأَمُّلِ: انْحِنَاءُ الجَسَدِ يَرْمُزُ إِلَى انْفِتَاحِ القَلْبِ. وَيُشِيرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِلَى هٰذَا البُعْدِ قَائِلًا: "لَا يُدْرَكُ السِّرُّ إِلَّا بِتَوَاضُعِ القَلْبِ" (Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35.
أَمَّا "فَأَبْصَرَ" (βλέπει)(أي رؤية حسية) فَهِيَ رُؤْيَةٌ أُولِيَّةٌ حِسِّيَّةٌ، لا تَبْلُغُ بَعْدُ مَرْحَلَةَ الفَهْمِ. فِي اللُّغَةِ اليُونَانِيَّةِ، يَسْتَعْمِلُ يُوحَنَّا هُنَا βλέπω لِلدَّلاَلَةِ عَلَى نَظْرَةٍ سَطْحِيَّةٍ، تُقَابِلُ لاحِقًا θεωρεῖ (يُعايِنُ) وَεἶδεν (رَأَى بِإِدْرَاكٍ). وَبِذٰلِكَ يَكْشِفُ النَّصُّ عَنْ تَدَرُّجٍ فِي الإِيمَانِ: مِنَ الرُّؤْيَةِ الحِسِّيَّةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ الإِيمَانِيَّةِ. النَّصُّ يُظْهِرُ مَسارًا تَصاعُدِيًّا لاهُوتِيًّا لِمَسيرَةِ الإِيمانِ، حَيْثُ يَنتَقِلُ الإِنسانُ مِنَ المُعايَنَةِ الحِسِّيَّةِ إِلَى البَحْثِ وَالتَّساؤُلِ، ثُمَّ إِلَى المُشارَكَةِ الكَنَسِيَّةِ، لِيَصِلَ أَخيرًا إِلَى الإِيمَانِ النَّاضِجِ. فَهُوَ مَسارٌ يَبدَأُ بِالارتِباكِ وَعَدَمِ الفَهْمِ، وَيَتَدَرَّجُ نَحوَ الاكْتِشافِ، حَتّى يَبْلُغَ نُورَ القِيامَةِ وَيَقينَ الإِيمانِ.
أَمَّا «اللَّفَائِفُ" (ὀθόνια) فَهِيَ أَكْفَانٌ مِنَ الكَتَّانِ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الدَّفْنِ اليَهُودِيِّ. وَبَقَاؤُهَا "مَمْدُودَةً" (κείμενα) فِي مَكَانِهَا لَهُ دَلاَلَةٌ حَاسِمَةٌ: لَيْسَ هُنَاكَ أَثَرٌ لِفَوْضَى، ولَا عَجَلَةَ سَرِقَةٍ، بَلْ نِظَامٌ وَهُدُوءٌ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "لَوْ كَانَ الجَسَدُ قَدْ سُرِقَ، لَمَا تَرَكَ السَّارِقُونَ الأَكْفَانَ مُرَتَّبَةً، بَلْ لَأَخَذُوهَا مَعَهُ" (John (Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). وَيُضِيفُ أمبروسيوس:"تَرْتِيبُ الأَكْفَانِ هُوَ شَهَادَةُ القِيَامَةِ، لأَنَّ المَوْتَ لا يَتْرُكُ وَرَاءَهُ نِظَامًا بَلْ فَوْضَى" (Expos.). وَأَمَّا التَّقَالِيدُ المُتَعَلِّقَةُ بِالأَكْفَانِ (مِثْلُ "كَفَنِ تُورِينُو") فَهِيَ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْمِلُ قِيمَةً تَأَمُّلِيَّةً وَتَارِيخِيَّةً، فَإِنَّ الكَنِيسَةَ تُرَكِّزُ لاهُوتِيًّا عَلَى مَعْنَى العَلاَمَةِ لا عَلَى إِثْبَاتٍ أَثَرِيٍّ قَاطِعٍ، لأَنَّ الإِيمَانَ بِالقِيَامَةِ يَقُومُ عَلَى الشَّهَادَةِ الرَّسُولِيَّةِ وَاللِّقَاءِ بِالمَسِيحِ القَائِمِ.
أَمَّا قَوْلُهُ "وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ" فَيَكْشِفُ بُعْدًا كَنَسِيًّا وَرُوحِيًّا عَمِيقًا. فَالتِّلْمِيذُ الحَبِيبُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سُرْعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، يَنْتَظِرُ دُخُولَ بطرس الرسول أَوَّلًا، احْتِرَامًا لِمَكَانَتِهِ الرَّسُولِيَّةِ. وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ المَحَبَّةَ (φιλία) لا تُلْغِي النِّظَامَ الكَنَسِيَّ، بَلْ تُكَمِّلُهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "لَمْ يَتَقَدَّمِ التِّلْمِيذُ الحَبِيبُ عَلَى بُطْرُسَ، لِأَنَّ المَحَبَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تُنَافِسُ، بَلْ تَحْتَرِمُ تَرْتِيبَ النِّعْمَةِ (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59).
يُظْهِرُ النَّصُّ ثَلاثَ مَرَاحِل: الانْحِنَاء (παρακύψας) رمز التَّوَاضُع وَبِدَايَة الفَهْم، الرُّؤْيَة (βλέπει) مُعَايَنَة حِسِّيَّة ثم عَدَمُ الدُّخُول وانْتِظَار وَتَمَيِيز كَنَسِيّ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَرَى يَدْخُلُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ يَفْهَمُ، بَلِ الإِيمَانُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوَاضُعٍ وَشَرِكَةٍ وَانْتِظَارٍ. القَبْرُ لَمْ يَعُدْ مَكَانَ مَوْتٍ، بَلْ مَكَانَ تَعَلُّمِ الإِيمَانِ: نَنْحَنِي فَنَتَعَلَّمُ التَّوَاضُع، نَنْظُرُ فَنَبْدَأُ الفَهْم، نَنْتَظِرُ فَنَدْخُلُ فِي سِرِّ الكَنِيسَة. وَهٰكَذَا تَصِيرُ اللَّفَائِفُ المَمْدُودَةُ نُصُوصًا صَامِتَةً تَتَكَلَّمُ عَنِ القِيَامَةِ.
6. ثُمَّ وَصَلَ سِمْعانُ بُطْرُسُ… فَدَخَلَ القَبْرَ، فَأَبْصَرَ اللَّفَائِفَ مَمْدُودَةً.
تُظْهِرُ عِبَارَةُ "ثُمَّ وَصَلَ سِمْعانُ بُطْرُسُ وَكَانَ يَتْبَعُهُ" تَدَرُّجًا لاهوتيًّا مُهِمًّا: فَبُطْرُسُ لا يَسْبِقُ فِي السَّيْرِ، لٰكِنَّهُ يَتَقَدَّمُ فِي الدُّخُولِ وَالمُوَاجَهَةِ. وَهُنَا تَظْهَرُ شَخْصِيَّتُهُ الجَرِيئَةُ، كَمَا يَصِفُهُ الإِنْجِيلُ دَائِمًا. فَـبطرس الرسول يَتَجَاوَزُ عَتَبَةَ القَبْرِ، وَيَدْخُلُ إِلَى مَكَانِ السِّرِّ، مُجَسِّدًا الإِيمَانَ الَّذِي لَا يَكْتَفِي بِالنَّظَرِ مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ يَسْعَى إِلَى الاِقْتِرَابِ.
أَمَّا قَوْلُهُ "فَدَخَلَ القَبْرَ" (εἰσῆλθεν) فَيَحْمِلُ بُعْدًا رَمْزِيًّا: الدُّخُولُ إِلَى القَبْرِ ومُوَاجَهَةِ السِّرِّ هُوَ دُخُولٌ إِلَى سِرِّ المَوْتِ، لٰكِنَّهُ يُصْبِحُ أَيْضًا دُخُولًا إِلَى سِرِّ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري:
"دُخُولُ بُطْرُسَ إِلَى القَبْرِ هُوَ اقْتِحَامُ سِرِّ المَوْتِ لِيَكْتَشِفَ أَنَّهُ قَدْ فُرِّغَ مِنْ قُوَّتِهِ" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59).
أَمَّا "فَأَبْصَرَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ θεωρεῖ، (ينظر بتدقيق) فَتَدُلُّ عَلَى نَظَرٍ مُتَأَمِّلٍ وَفَاحِصٍ، أَعْمَقَ مِنْ "βλέπει" فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ. فَبُطْرُسُ لَا يَكْتَفِي بِالمُلاَحَظَةِ، بَلْ يُدَقِّقُ وَيُحَلِّل ُلكي يفهم وَبِهٰذَا يَتَقَدَّمُ النَّصُّ مِنَ الرُّؤْيَةِ الحِسِّيَّةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم:"لَمْ يَنْظُرْ بُطْرُسُ نَظْرَةً عَابِرَةً، بَلْ فَحَصَ بِدِقَّةٍ، لِكَيْ يَفْهَمَ مَا حَدَثَ" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59).
أَمَّا "اللَّفَائِفُ مَمْدُودَةً" (τὰ ὀθόνια κείμενα)، شَاهِدٌ صَامِتٌ لِلقِيَامَةِ فَهِيَ العَلاَمَةُ الحَاسِمَةُ فِي المَشْهَدِ:
الأَكْفَانُ مَوْضُوعَةٌ بِهُدُوءٍ، لَيْسَ هُنَاكَ أَثَرُ سَرِقَةٍ، لَا فَوْضَى، بَلْ نِظَامٌ وَسُكُونٌ. وَهٰذَا يُقَوِّضُ أَيَّ تَفْسِيرٍ بَشَرِيٍّ (سَرِقَةٍ أَوْ نَقْلٍ لِلجَسَدِ). فَلَوْ كَانَ الجَسَدُ قَدْ أُخِذَ، لَمَا تُرِكَتِ الأَكْفَانُ، وَلَا بِهٰذَا التَّرْتِيبِ. وَيُشِيرُ القِدِّيسُ مبروسيوس: "الأَكْفَانُ البَاقِيَةُ هِيَ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ الجَسَدَ لَمْ يُنْقَلْ، بَلْ قَامَ" (Expos.). بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ، فَإِنَّ بَقَاءَ اللَّفَائِفِ "مَمْدُودَةً" يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الجَسَدَ خَرَجَ مِنْهَا دُونَ أَنْ يُفَكَّ أَوْ يُنْزَعَ، أَيْ أَنَّ القِيَامَةَ لَمْ تَكُنْ عَوْدَةً إِلَى الحَيَاةِ البَيْولوجِيَّةِ، بَلْ تَحَوُّلًا مَجِيدًا يَتَجَاوَزُ قُيُودَ المَادَّةِ. الأَكْفَانُ الَّتِي بَقِيَتْ فِي القَبْرِ تُعْلِنُ أَنَّ المَوْتَ قَدْ فَقَدَ سُلْطَانَهُ، وَأَنَّ الجَسَدَ القَائِمَ دَخَلَ فِي مَجْدٍ لا يَحْتَاجُ إِلَى مَا كَانَ يَرْبُطُهُ فِي الأَرْضِ.
7. "وَالمِنْدِيلُ الَّذِي كَانَ حَوْلَ رَأْسِهِ… لَيْسَ مَعَ اللَّفَائِفِ، بَلْ مَلْفُوفًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ"
كَلِمَةُ "المِنْدِيل" (σουδάριον)تُشِيرُ إِلَى قِطْعَةِ قِمَاشٍ صَغِيرَةٍ كَانَتْ تُوضَعُ عَلَى رَأْسِ المَيِّتِ لِلِفِّ الوَجْهِ، كَمَا فِي حَالَةِ لَعَازَر (يُوحَنَّا 11: 44). وَبِذٰلِكَ يَتَأَكَّدُ أَنَّ دَفْنَ يَسُوعَ كَانَ حَقِيقِيًّا وَكَامِلًا وَفْقَ العَادَاتِ اليَهُودِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "لِمَاذَا المِنْدِيلُ وَحْدَهُ مَلْفُوفٌ؟ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَكُنْ فِي عَجَلَةٍ، وَلَا فِي اضْطِرَابٍ" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). تُشير التَّمْيِيزُ "لَيْسَ مَعَ اللَّفَائِفِ… بَلْ مَلْفُوفًا" اللَّفَائِفِ المَمْدُودَةِ (ὀθόνια κείμενα) وَالمِنْدِيلِ المَلْفُوفِ مُنْفَرِدًا (σουδάριον ἐντετυλιγμένον) إِلَى نِظَامٍ مُتَعَمَّدٍ، لا إِلَى فَوْضَى. فَلَوْ كَانَتْ هُنَاكَ سَرِقَةٌ: لَمَا تُرِكَتِ الأَكْفَانُ، وَلَمَا فُصِلَ المِنْدِيلُ بِهٰذَا التَّرْتِيبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أمبروسيوس: "تَرْتِيبُ الأَكْفَانِ يُبْطِلُ فِكْرَةَ السَّرِقَةِ، وَيُثْبِتُ أَنَّ القِيَامَةَ فِعْلُ قُوَّةٍ إِلٰهِيَّةٍ" (Expos.). وَيُضِيفُ القِدِّيسُ أمّونيوس الإسكندري: "لَوْ كَانَ الأَعْدَاءُ قَدْ أَخَذُوا الجَسَدَ، لَمَا تَرَكُوا الأَكْفَانَ؛ وَلَوْ كَانَ الأَحِبَّاءُ، لَمَا عَرَّوْهُ. فَالْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ قَامَ" (Cat. in Ioann.). واللَّفَائِفُ هي شَاهِدُ المَوْتِ، والمِنْدِيلُ المُنَظَّمُ شَاهِدُ القِيَامَةِ والتَّرْتِيبُ شَاهِدُ عَمَلِ اللهِ. لَيْسَتِ القِيَامَةُ فَوْضَى، بَلْ نِظَامُ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ.
أَمَّا التَّفْسِيرُ الشَّائِعُ عَنْ "المِنْدِيلِ المَلْفُوفِ" كَعَلاَمَةِ "العَوْدَةِ إِلَى المَائِدَةِ"، فَهُوَ تَأَمُّلٌ رَمْزِيٌّ رُوحِيٌّ جَمِيلٌ، لٰكِنَّهُ لَيْسَ مُثْبَتًا نَصِّيًّا فِي التَّقَالِيدِ اليَهُودِيَّةِ القَدِيمَةِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَهُوَ يُعَبِّرُ لاهُوتِيًّا عَنْ حَقِيقَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنَّ المَسِيحَ القَائِمَ سَيَأْتِي أَيْضًا
عِبَارَةُ "فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ" (εἰς ἕνα τόπον) تَدُلُّ عَلَى نِظَامٍ وَهُدُوءٍ، وعَمَلٍ مُتَعَمَّدٍ، وغِيَابِ أَيِّ أَثَرٍ لِاضْطِرَابٍ بَشَرِيّ. إِنَّهَا عَلاَمَةُ قِيَامَةٍ لا عَلاَمَةُ سَرِقَةٍ. إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ لَعَازَر (يوحنا 11: 44) وَيَسُوعَ (20: 6=7) يُضِيءُ هٰذَا المَشْهَد: خرج لعازر من القبر مربوطا بالأكفان، واحتاج الى من يحله عائدا الى الحياة الزمنية، اما يسوع خرج من القبر الى الحياة الممجدة دون تدخل بشري والاكفان بقيت وحدها في القبر. فَقِيَامَةُ يَسُوعَ لَيْسَتْ عَوْدَةً، بَلْ تَحَوُّلٌ مَجِيدٌ يَتَجَاوَزُ المَوْتَ. بَقَاءُ الأَكْفَانِ وَالمِنْدِيلِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الجَسَدَ لَمْ يَعُدْ يَخْضَعُ لِقُيُودِ الفَسَادِ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ مَدْعُوٌّ إِلَى جَسَدٍ مُمَجَّدٍ كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "سَيَلْبَسُ هٰذَا الفَاسِدُ عَدَمَ الفَسَادِ (1 كور 15: 53). فَالقَبْرُ لَمْ يَعُدْ مَكَانَ نِهَايَةٍ، بَلْ مَوْضِعَ عُبُورٍ إِلَى المَجْدِ. تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ تَفْصِيلًا دَقِيقًا فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ اللاهُوتِيَّةِ: فَلَيْسَ القَبْرُ فَارِغًا فَحَسْب، بَلْ مُنَظَّمٌ، وَفِي تَرْتِيبِهِ تَكْمُنُ الشَّهَادَةُ
8. "حِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضًا التِّلْمِيذُ الآخَرُ… فَرَأَى وَآمَنَ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "حِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضًا التِّلْمِيذُ الآخَرُ" إِلَى لَحْظَةٍ حَاسِمَةٍ فِي السَّرْدِ: فَبَعْدَ أَنْ وَصَلَ أَوَّلًا وَانْتَظَرَ، يَدْخُلُ الآنَ إِلَى القَبْرِ. وَهٰذَا الدُّخُولُ لَيْسَ مُجَرَّدَ خُطْوَةٍ مَادِّيَّةٍ، بَلْ عُبُورٌ مِنَ العَتَبَةِ إِلَى السِّرِّ، مِنَ الخَارِجِ إِلَى العُمْقِ، وَمِنَ المُلاَحَظَةِ إِلَى الاِكْتِشَافِ.
أَمَّا قَوْلُهُ "فَرَأَى" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ εἶδεν (ὁράω)، فَيَخْتَلِفُ جَوْهَرِيًّا عَنْ "βλέπει" (نَظَرَةٌ حِسِّيَّةٌ) وَ"θεωρεῖ" (نَظَرٌة فَاحِصٌة). إِنَّهُا نَظَرٌة مُدْرِكَة. فالرُؤْيَةٌ تُدْرِكُ المَعْنَى، رُؤْيَةٌ دَاخِلِيَّةٌ تَتَجَاوَزُ المَشْهَدَ الظَّاهِرَ إِلَى حَقِيقَتِهِ. لِذٰلِكَ تَأْتِي النَّتِيجَةُ مُبَاشِرَةً: "وَآمَنَ" (ἐπίστευσεν). إِنَّ التِّلْمِيذَ الَّذِي أَحَبَّهُ يَسُوعُ (التَّقْلِيدُ يُحَدِّدُهُ بِـ يوحنا الرسول) لَمْ يَرَ أَكْثَرَ مِمَّا رَآهُ بطرس الرسول مِنْ حَيْثُ المُعْطَى الحِسِّيِّ، لٰكِنَّهُ فَهِمَ أَعْمَقَ. فَالقَبْرُ الفَارِغُ، وَاللَّفَائِفُ المَمْدُودَةُ، وَالنِّظَامُ والترتيب، كُلُّهَا تَحَوَّلَتْ فِي نَظَرِهِ إِلَى عَلاَمَاتٍ لاهُوتِيَّةٍ، لا إِلَى مُجَرَّدِ وَقَائِعَ مَادِّيَّةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: "رَأَى بِعَيْنِ الجَسَدِ، وَلٰكِنَّهُ آمَنَ بِعَيْنِ القَلْبِ" (Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 120). فَالإِيمَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَتِيجَةٍ لِلرُّؤْيَةِ، بَلْ تَحَوُّلُ الرُّؤْيَةِ نَفْسِهَا. وَبِهٰذَا يَتَحَقَّقُ التَّدَرُّجُ الَّذِي بَنَاهُ يُوحَنَّا الانجيلي فِي النَّصِّ: مَرْيَمُ: رَأَتْ وَظَنَّتْ (سُرِقَ الجَسَدُ) وبُطْرُسُ: رَأَى وَفَحَصَ (تَعَجَّبَ: لوقا 24: 12)، يُوحَنَّا: رَأَى وَآمَنَ. تَدَرُّجُ الرُّؤْيَةِ فِي النَّصّ βλέπει رؤية حسية (التلميذ الحبيب آية 5) ثم θεωρεῖ رؤية فاحصة (بطرس أية 6) واخير εἶδεν… ἐπίστευσεν رؤية إيمانية (التلميذ الحبيب (آية 8). بُطْرُسُ يَفْحَصُ وَيُوحَنَّا يُؤْمِنُ. بُطْرُسُ يُمَثِّلُ العَقْلَ الَّذِي يَبْحَثُ وَيُحَلِّلُ، وَيُوحَنَّا يُمَثِّلُ القَلْبَ الَّذِي يُدْرِكُ وَيُؤْمِنُ. وَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى الاِثْنَيْنِ: الفَحْصِ وَالمَحَبَّةِ. فِي يُوحَنَّا 20: لَا يَكْفِي أَنْ نَنْظُرَبَلْ أَنْ نَدْخُلَ، وَنَفْحَصَ، وَنَسْمَحَ لِلعَلاَمَةِ أَنْ تَقُودَنَا إِلَى الإِيمَانِ. وَيُشِيرُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "سَبَقَ فِي الجَرْيِ، وَسَبَقَ أَيْضًا فِي الإِيمَانِ" (Hom. in Evang. PL 76, 1197). إِنَّهُ تَدَرُّجٌ لاهُوتِيٌّ دَقيقٌ: مِنْ سُوءِ الفَهْمِ إِلَى الفَحْصِ فَإِلَى الإِيمَانِ. يُظْهِرُ إِنْجيلُ يُوحَنَّا (20) بُنْيَةً دِينَامِيَّةً لِمَسِيرَةِ الإِيمَانِ مِنْ خِلالِ أَفْعالِ الحَرَكَةِ وَالإِدْراكِ:
· يَبدَأُ بِالفِعْلِ الخَارِجِيِّ: (ἐξῆλθεν، ἔτρεχον) "خَرَجَ… وَكانا يَركُضان"، فَالإِيمَانُ يَنطَلِقُ مِنْ حَرَكَةٍ وَبَحثٍ.
· ثُمَّ يَنتَقِلُ إِلَى الإِدْراكِ الحِسِّيِّ: (βλέπει) "يَرى"، أَي رُؤْيَةٌ أَوَّلِيَّةٌ لا تَحمِلُ بَعدُ مَعنىً كامِلًا.
· يَتَطَوَّرُ إِلَى التَّأَمُّلِ العَميقِ: (θεωρεῖ) "يُعايِنُ/يَتَأَمَّل"، حَيْثُ يَبدَأُ الفَهْمُ يَتَشَكَّلُ.
· وَيَبلُغُ ذِروَتَهُ فِي الرُّؤْيَةِ الإِيمَانِيَّةِ: (εἶδεν) "رَأَى"، وَهِيَ رُؤْيَةٌ داخِلِيَّةٌ تَكْشِفُ الحَقيقَةَ.
· لِيَصِلَ أَخيرًا إِلَى الإِيمَانِ الكامِلِ: (ἐπίστευσεν) "فَآمَنَ".
وَهٰكَذَا، فَالإِيمَانُ عِندَ يُوحَنَّا لَيسَ لَحْظَةً مُفاجِئَةً، بَلْ مَسِيرَةٌ حَيَوِيَّةٌ مُتَصاعِدَةٌ تَبدَأُ بِالحَرَكَةِ وَالبَحْثِ، وَتَمُرُّ بِالمُعايَنَةِ وَالتَّأَمُّلِ، وَتَكْتَمِلُ فِي لِقاءٍ داخِلِيٍّ مَعَ سِرِّ القِيامَةِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ النَّظَرُ إِلَى إِيمَانٍ.
عِبَارَةُ "رَأَى وَآمَنَ" تُعَدُّ ذِرْوَةَ يُوحَنَّا 20، وَمِفْتَاحَ لاهُوتِهِ كُلِّهِ: الرُّؤْيَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي العَيْنِ بَلْ فِي القَلْبِ، والعَلاَمَاتُ لا تُجْبِرُ الإِيمَانَ، بَلْ تَدْعُوهُ. والمَحَبَّةُ (التِّلْمِيذُ الحَبِيبُ) تُسْرِعُ إِلَى الإِيمَانِ. وَبِالرَّبْطِ مَعَ مَفَاهِيمِ المَحَبَّةِ:
· فِي "الجَرْيِ" كَانَ هُنَاكَ ἔρως (شَوْقٌ)
· فِي "العَلاَقَةِ" كَانَتْ φιλία (مَحَبَّةٌ حَمِيمَةٌ)
· وَفِي "الإِيمَانِ" تَتَجَلَّى ἀγάπη (مَحَبَّةُ اللهِ المُعْلَنَةُ فِي القِيَامَةِ)
فَالإِيمَانُ هُنَا هُوَ دُخُولٌ فِي مَحَبَّةِ اللهِ القَائِمَةِ. لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَرَى يُؤْمِنُ، وَلٰكِنَّ مَنْ يُحِبُّ، يَرَى أَعْمَقَ، وَمَنْ يَرَى أَعْمَقَ، يَصِلُ إِلَى الإِيمَانِ. "رَأَى وَآمَنَ" لَيْسَتْ نِهَايَةَ القِصَّةِ، بَلْ بَدَايَةُ الإِيمَانِ الَّذِي سَيُغَيِّرُ العَالَمَ. تَدْعُونَا الآية أَنْ نَقْرَأَ "عَلاَمَاتِ القَبْرِ الفَارِغِ" فِي حَيَاتِنَا، لَا بِالعَيْنِ فَقَطْ، بَلْ بِالقَلْبِ، لِكَيْ نَصِلَ نَحْنُ أَيْضًا إِلَى "رَأَيْنَا… فَآمَنَّا".
يُظْهِرُ التَّحْليلُ اللُّغَوِيُّ أَنَّ النَّصَّ لا يُقَدِّمُ مُجَرَّدَ سَرْدٍ تَارِيخِيٍّ، بَلْ يَبْنِي مَسِيرَةً إِيمَانِيَّةً تَدْرِيجِيَّةً، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الأَحْداثُ إِلَى لاهُوتٍ حَيٍّ:
· مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى الفَجْرِ: انْتِقالٌ مِنَ الحَيْرَةِ وَعَدَمِ الفَهْمِ إِلَى نُورِ الإِدْراكِ.
· وَمِنَ القَبْرِ إِلَى الحَيَاةِ: تَحَوُّلُ مَكَانِ المَوْتِ إِلَى مَوْضِعِ إِعْلانِ القِيامَةِ.
· وَمِنَ الرُّؤْيَةِ إِلَى الإِيمَانِ: تَطَوُّرُ النَّظَرِ الحِسِّيِّ إِلَى رُؤْيَةٍ داخِلِيَّةٍ تُفْضِي إِلَى الإِيمَانِ الكامِلِ. وَهٰكَذَا، فَالنَّصُّ لَيْسَ وَصْفًا لِما حَدَثَ فَقَط، بَلْ هُوَ مَسَارٌ لاهُوتِيٌّ يَقودُ القارِئَ نَفْسَهُ لِيَسيرَ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ الحَيْرَةِ إِلَى يَقينِ القِيامَةِ.
9. "ذٰلِكَ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا قَدْ فَهِمَا مَا وَرَدَ فِي الكِتَابِ: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقُومَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَمْ يَكُونَا قَدْ فَهِمَا" (οὐδέπω ᾔδεισαν) إِلَى نَقْصٍ فِي الفَهْمِ، لا فِي الإِخْلاَصِ. فَبُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الحَبِيبُ رَأَيَا وَآمَنَا، لٰكِنَّ إِيمَانَهُمَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ مُؤَسَّسًا عَلَى قِرَاءَةٍ كَامِلَةٍ لِلْكِتَابِ المُقَدَّسِ. إِنَّهُ إِيمَانٌ يَسْبِقُ الفَهْمَ، وَيَنْتَظِرُ الاِسْتِنَارَةَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "آمَنُوا قَبْلَ أَنْ يَفْهَمُوا، وَسَيَفْهَمُونَ لِكَيْ يَثْبُتَ إِيمَانُهُمْ" Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35)). أَمَّا "الكِتَابُ" (ἡ γραφή)، فَيُشِيرُ إِلَى العَهْدِ القَدِيمِ كَكُلٍّ، خُصُوصًا النُّصُوصَ الَّتِي تُنْبِئُ عَنْ مَوْتِ المَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ، مِثْلَ: "لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي مَثْوَى الأَمْوَاتِ" (مزمور 16: 10)، رَمْزِ يُونَانَ النَّبِيِّ (متى 12: 40). وَهٰذِهِ النُّصُوصُ لَمْ تُفْهَمْ فَهْمًا كَامِلًا إِلَّا فِي ضَوْءِ القِيَامَةِ. فَالمَسِيحُ القَائِمُ هُوَ الَّذِي يُفَسِّرُ الكِتَابَ. وَكَمَا فِي خِبْرَةِ تِلْمِيذَي عِمَّاوُس، حَيْثُ "فَسَّرَ لَهُمَا مَا يَخُصُّهُ فِي جَمِيعِ الكُتُبِ" (لوقا 24: 27)، كَذٰلِكَ هُنَا، لا يُفْتَحُ الذِّهْنُ لِفَهْمِ الكِتَابِ إِلَّا بِنُورِ القِيَامَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يَجِبُ أَنْ يَقُومَ" (δεῖ ἀναστῆναι)، فَتُعَبِّرُ عَنْ الضَّرُورَةِ الإِلٰهِيَّةِ (Divine necessity)، أَيْ أَنَّ القِيَامَةَ لَيْسَتْ حَدَثًا عَرَضِيًّا، بَلْ جُزْءٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ تَدْبِيرِ الخَلاَصِ.
فَـ"يَجِبُ" (δεῖ) فِي اللُّغَةِ اليُونَانِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ المُحَقَّقَةِ فِي التَّارِيخِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أثناسيوس الرسولي:
"لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يَبْقَى المَسِيحُ فِي المَوْتِ، لأَنَّهُ هُوَ الحَيَاةُ ذَاتُهَا"(Athanasius, De Incarnatione, PG 25). وَبِهٰذَا، تَتَّضِحُ حَقِيقَةٌ لاهُوتِيَّةٌ جَوْهَرِيَّةٌ: القِيَامَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ دَلِيلًا عَلَى قُدْرَةِ اللهِ، بَلْ هِيَ إِتْمَامٌ لِكَلِمَتِهِ وَوُعُودِهِ فِي الكِتَابِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "قَامَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا وَرَدَ فِي الكُتُبِ"(1 كورنثوس 15: 4). يُظْهِرُ النَّصُّ تَّرَابُطُا بَيْنَ الإِيمَانِ وَالكِتَاب ِوتَسَلْسُلًا لاهُوتِيًّا دَقِيقًا: الرُّؤْيَةُ "رَأَى" والإِيمَانُ "فَآمَنَ " والفَهْمُ "لَمْ يَكُونَا قَدْ فَهِمَا" (بَعْدُ). أَيْ أَنَّ الإِيمَانَ يَسْبِقُ الفَهْمَ، وَالفَهْمُ يَنْضُجُ فِي ضَوْءِ الكِتَابِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "آمَنُوا بِالعَلاَمَةِ، ثُمَّ فَهِمُوا الكِتَابَ، فَتَأَكَّدَ إِيمَانُهُمْ" (Hom. in Evang. PL 76, 1197). القَبْرُ الفَارِغُ عَلاَمَةٌ، الإِيمَانُ اسْتِجَابَةٌ والكِتَابُ تَفْسِيرٌ. فَلَا يَكْفِي أَنْ نَرَى العَلاَمَةَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ نَقْرَأَهَا فِي ضَوْءِ الكِتَابِ. وَهُنَا يَظْهَرُ دَوْرُ المَسِيحِ القَائِمِ: هُوَ الَّذِي يُفَسِّرُ الكِتَابَ، وَيَجْعَلُ الإِيمَانَ يَنْضُجُ مِنْ عَلاَمَةٍ إِلَى يَقِينٍ. الإِيمَانُ يَبْدَأُ أَحْيَانًا دُونَ فَهْمٍ كَامِلٍ، لٰكِنَّهُ يَنْضُجُ فِي ضَوْءِ كَلِمَةِ اللهِ. وَالقِيَامَةُ هِيَ مِفْتَاحُ فَهْمِ الكِتَابِ كُلِّهِ. فَمَنْ يَقْرَأُ الكِتَابَ دُونَ القِيَامَةِ، لَا يَفْهَمُهُ، وَمَنْ يَعِشِ القِيَامَةَ، يَفْهَمُ الكِتَابَ.
10 ثُمَّ رَجَعَ التِّلميذانِ إِلى بَيتِهِما: لم يفهم بطرس ويوحنا حقيقة القيامة إلا بعد ان رأيا القبر فارغا وتذكرا اقوال يسوع والاسفار المقدسة انه سيموت ثم يقوم ايضا من بين الاموات.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "رَجَعَ التِّلْمِيذَانِ إِلَى مَكَانِهِمَا" (ἀπῆλθον πάλιν πρὸς αὐτούς) لَا إِلَى مَنْزِلَيْنِ خَاصَّيْنِ، بَلْ إِلَى مَكَانِ الجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِ، حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ يَجْتَمِعُونَ بَعْدَ أَحْدَاثِ الصَّلْبِ. فَالرُّجُوعُ هُنَا لَيْسَ تَرَاجُعًا، بَلْ عَوْدَةٌ إِلَى الكَنِيسَةِ، حَيْثُ سَيَنْضُجُ الفَهْمُ وَيَكْتَمِلُ الإِيمَانُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "ذَهَبَا فِي دَهْشَةٍ، وَلٰكِنَّهُمَا لَمْ يَبْقَيَا مُنْفَصِلَيْنِ، بَلْ عَادَا إِلَى الإِخْوَةِ، حَيْثُ سَيَتَجَلَّى السِّرُّ" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). إِنَّ هٰذَا "الرُّجُوعَ" يُعْلِنُ مَسِيرَةً رُوحِيَّةً عَمِيقَةً: خَرَجَا لِلْبَحْثِ وَرَأَيَا العَلاَمَةَ وَآمَنَا بَدَايَةً لٰكِنَّهُمَا رَجَعَا لِيَفْهَمَا أَكْثَرَ. فَالإِيمَانُ لا يَكْتَمِلُ فِي القَبْرِ الفَارِغِ، بَلْ يَكْتَمِلُ فِي الجَمَاعَةِ وَالكَلِمَةِ وَاللِّقَاءِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَمْ يَفْهَمَا بَعْدُ" الى أنَّ الإِيمَان هو قَبْلَ الفَهْم. إِنَّ عَدَمَ فَهْمِ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا الكَامِلِ لِلقِيَامَةِ لا يُعَدُّ نَقْصًا فِي الإِيمَانِ، بَلْ مَرْحَلَةً فِي نُمُوِّهِ. فَهُمَا آمَنَا انْطِلاَقًا مِنَ العَلاَمَةِ، لٰكِنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا قَدْ أَدْرَكَا بَعْدُ أَنَّ هٰذَا الحَدَثَ هُوَ إِتْمَامٌ لِمَا "كُتِبَ" (لوقا 24: 46). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "الإِيمَانُ يَسْبِقُ الفَهْمَ، لِكَيْ يَقُودَهُ إِلَى الاِكْتِمَالِ" (Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35).
تُظْهِرُ عِبَارَةُ "يَجِبُ أَنْ يَقُومَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ" (δεῖ ἀναστῆναι) أَنَّ القِيَامَةَ لَيْسَتْ حَدَثًا عَرَضِيًّا، بَلْ ضَّرُورَةُ إلٰهِيَّة، أي جُزْءٌ جَوْهَرِيٌّ مِنْ مَشِيئَةِ الآبِ وَتَدْبِيرِ الخَلاَصِ. فَكُلُّ الكِتَابِ المُقَدَّسِ يَتَّجِهُ نَحْوَ هٰذِهِ اللَّحْظَةِ. وَيَقُولُ القِدِّيسُ أثناسيوس الرسولي: "القِيَامَةُ لَيْسَتْ خَاتِمَةَ القِصَّةِ، بَلْ مِفْتَاحُ فَهْمِهَا"(Athanasius, De Incarnatione, PG 25). تُظهر هذه الآية ان المسيح القائم هو مفتاح الكتاب. إذ لا يُفْهَمُ الكِتَابُ إِلَّا فِي ضَوْءِ المَسِيحِ القَائِمِ، وَلا يُفْهَمُ المَسِيحُ إِلَّا فِي ضَوْءِ الكِتَابِ. فَكَمَا شَهِدَ الرَّسُولُ بُولُسُ: "قَامَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا وَرَدَ فِي الكُتُبِ" (1 قورنثس 15: 4). إِنَّ القِيَامَةَ لَيْسَتْ نِهَايَةَ قِصَّةٍ، بَلْ بَدَايَةُ قِرَاءَةٍ جَدِيدَةٍ لِكُلِّ الكِتَابِ، وَبِهَا يَصِيرُ الإِيمَانُ نُورًا يَهْدِي حَيَاةَ الإِنْسَانِ.
ثانِيًا: تَطْبيقاتُ النَّصِّ الإِنْجيليّ (يُوحَنّا 20: 1-10)
يَهْدِفُ يُوحَنّا البَشيرُ في كِتابَتِهِ لِلفَصْلِ العِشرينَ مِن إِنجيلِهِ إِلى أَنْ يَحْمِلَ قُرّاءَهُ عَلَى الإِيمانِ بِقِيامةِ المَسيح، حتّى إِنْ كانوا مِن أُولئك الَّذينَ لَمْ يَرَوا. وَقَدْ حَقَّقَ ذٰلِكَ مِن خِلالِ وَصْفِ مَجموعةٍ مِنَ العَلاماتِ الفِصْحِيَّةِ، أَبْرَزُها: القَبْرُ الفارِغُ (يوحنّا 20: 1-10)، وَظُهورُهُ لِمَريمَ المِجدليّةِ (20: 11-18)، وَظُهورُهُ لِلتَّلاميذِ (20: 19-23)، وَظُهورُهُ لِتوما الرَّسولِ (20: 24-31). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ "الإِنجيليَّ لَمْ يَكتُبْ لِيَقصَّ أَحداثًا فَقَط، بَلْ لِيَقودَ القارِئَ إِلَى الإِيمانِ الحَيّ"(John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، يُمكِنُ الاِستِنتاجُ أَنَّ نَصَّ يوحنّا 20: 1-10 يَتَمَحْوَرُ حَولَ الأَبْعادِ التّاريخيّةِ وَالإِيمانيّةِ وَالرّوحيّةِ والكِرازيَّةُ (الإِرْسَالِيّة) والأُخْرَوِيَّةُ والحَضَارِيَّة لِقِيامةِ المَسيح.
أولا: أَبْعادُ قِيامةِ المَسيحِ التّاريخيّة
قِيامةُ المَسيحِ حَدَثٌ تَاريخيٌّ حَقيقيّ. لَمْ يَشْرَحْ لَنا أَحَدٌ مِنَ الإِنجيليّينَ كَيْفَ قامَ يَسوع، لٰكِنَّهُم كَشَفوا لَنا أَبْرَزَ عَلاماتِ قِيامتِهِ كَحَدَثٍ تاريخيّ، وَهِيَ القَبْرُ الفارِغُ. وَلِذٰلِكَ يَطرَحُ السُّؤالُ نَفْسَهُ: لِماذا كانَ القَبْرُ فارِغًا؟ هَلْ وُجِدَتْ تَفْسيراتٌ بَشَرِيَّةٌ مَزعومةٌ؟ أَمْ أَنَّ المَسيحَ قامَ حَقًّا؟
التَّفْسيراتُ المَزعومةُ لِلقَبْرِ الفارِغ
التَّفسيرُ الأَوَّل: إِنَّ يَسوعَ لَمْ يَمُتْ، بَلْ كانَ مُغْمًى عَلَيْهِ ثُمَّ استَعادَ وَعْيَهُ. إِلّا أَنَّ إِنجيلَ يوحنّا يَرُدُّ بِوُضوحٍ عَلَى هٰذا الزَّعْم، إِذْ يُؤَكِّدُ أَنَّ الجُنودَ الرُّومانَ لَمْ يَكسِروا ساقَيْ يَسوع، لِأَنَّهُم رَأَوهُ قَدْ ماتَ فِعلًا، بَلْ طَعَنَ أَحَدُهُم جَنبَهُ بِحَربَة، "فَخَرَجَ لِوَقتِه دَمٌ وَماء" (يوحنّا 19: 32-34). وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى وَفاةٍ حَقيقيّة، لا عَلَى إِغماءٍ عابِر. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أثناسيوس الرسولي أَنَّ "مَوتَ المَسيحِ كانَ حَقيقيًّا، لِكَيْ تَكونَ قِيامتُهُ حَقيقيَّة"(Athanasius, De Incarnatione, PG 25)..
التَّفسيرُ الثّاني: أَخطَأَتِ النِّسوَةُ وَذَهَبْنَ إِلى قَبْرٍ آخَر: يُجابُ عَنْ هٰذا التَّفسيرِ بِأَنَّ مَريمَ المِجدليّةَ وَمَريمَ الأُخرى كانَتا قَدْ شاهَدَتا مَوْضِعَ الدَّفنِ عَيْنَهُ، كما يَذكُرُ مَتّى: "وكانت هُناكَ مَريمُ المِجدليّةُ ومَريمُ الأُخرى جالِسَتَينِ تُجاهَ القَبْر" (متى 27: 59-61). وَيُشيرُ جيروم إِلَى أَنَّ "الشُّهودَ النِّسائِيَّةَ يُعطينَ مِصداقيّةً تَاريخيّةً، لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ مَوضِعَ شُبهةٍ فِي الكَذِب" (Epist.). َيُؤَكِّدُ يوحنّا أَنَّ بُطرُسَ وَالتِّلميذَ الآخَرَ ذَهَبا إِلى القَبْرِ نَفْسِهِ (يوحنّا 20: 3). فَلَيْسَ هُناكَ مَجالٌ لِلافتراضِ أَنَّهُم أَخطَأوا المَكان.
التَّفسيرُ الثّالث: سَرَقَ لُصوصٌ مَجهولونَ جَسَدَ يَسوع: هٰذا التَّفسيرُ تَرفُضُهُ أَحداثُ الدَّفنِ والحِراسةِ؛ فَمَتّى الإِنجيليُّ يُبَيِّنُ أَنَّ القَبْرَ كانَ مَختومًا، وَأَنَّ عَلَيهِ حِراسةً: "فَذَهَبوا وَحَفِظوا القَبْر، فَخَتَموا الحَجَرَ وَأَقاموا عَلَيهِ حَرَسًا" (متى 27: 65-66). فَلا يُعقَلُ أَنْ يَتمكَّنَ لُصوصٌ مِن سَرِقةِ الجَسَدِ مِن دُونِ أَنْ يَترُكوا أَثَرًا لِلفَوضى أَو يَتَجاوَزوا الحِراسةَ وَالخَتم. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس: "إِذا كانَ الحَرَسُ ساهِرًا، فَكَيفَ سُمِحَ بِالسَّرِقَة؟ وَإِذا كانَ نائِمًا، فَكَيفَ شَهِدَ؟" (Augustine, Sermones, PL 38).
التَّفسيرُ الرّابِع: سَرَقَ التَّلاميذُ جَسَدَ يَسوع: إِنَّ هٰذا الزَّعْمَ يَسقُطُ أَمامَ واقِعِ شَهادَةِ الرُّسُلِ وَاستِعدادِهِم لِلاستِشهادِ مِن أَجلِ الإِيمانِ بِالمَسيحِ القائِم. فَفي أَعمالِ الرُّسُلِ نَجِدُ أَنَّ أَفرادًا مِنَ الجَماعَةِ المَسيحيّةِ الأُولى كانوا مُستَعِدّينَ لِلمَوتِ في سَبيلِ هٰذِهِ الشَّهادةِ، كما في مَقتلِ يَعقوبَ وَاعتِقالِ بُطرُسَ (أعمال 12: 2-3). فَلَو كانَ التَّلاميذُ قَدِ اختَلَقوا القِيامةَ بِسَرِقةِ الجَسَدِ، لَصارَ إِيمانُهُم باطِلًا وَاستِشهادُهُم بِلا مَعنى. فَالرُّسُلُ قَبِلوا المَوتَ مِن أَجلِ إِيمانِهِم. وَيُؤَكِّدُ ترتليان: "لا يَقبَلُ الإِنسانُ أَنْ يَموتَ مِن أَجلِ كَذِبَةٍ يَعرِفُها" (Apologeticum).
التَّفسيرُ الخامِس: أَخَذَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ وَالفِرِّيسيّونَ جَسَدَ يَسوع: هٰذا التَّفسيرُ أَيضًا غَيرُ مَقْبول؛ فَلَو كانَ رُؤَساءُ اليَهودِ قَدِ احتَفَظوا بِالجَسَدِ، لَأَظهَروهُ فَورًا لِإِسكاتِ البِشارةِ بِالقِيامةِ وَمَنْعِ انتِشارِها في أُورشَليم. لٰكِنَّهُم لَمْ يَفعَلوا ذٰلِكَ، بَلْ سَعَوا إِلى تَلفيقِ رِوايةٍ بَديلة. وَيُشِيرُ يوسابيوس القيصري إِلَى أَنَّ "صَمتَهُم هُوَ أَضعَفُ حُجَّةٍ وَأَبلَغُ اعتِرافٍ" (Hist. Eccl.).
التَّفسيرُ السّادِس: قِيامةُ المَسيحِ مُجرَّدُ خُرافة: لَو كانتِ القِيامةُ خُرافةً، لَما استطاعَ التَّلاميذُ أَنْ يُبَشِّروا بِها في أُورشَليمَ نَفْسِها، أَي في المَكانِ الَّذي جَرَتْ فيهِ الأَحداثُ، مِن دُونِ أَنْ يَتَعرَّضوا لِلتَّكذيبِ الفَوريّ. وَيُؤَكِّدُ إيريناوس أَنَّ "الإِيمانَ بِالقِيامةِ لَمْ يَنْشَأْ فِي الخَفاء، بَلْ فِي وَجهِ التَّاريخِ وَأَعدائِهِ"(Adversus Haereses III,19, 3) وَالواقِعُ أَنَّ رُؤَساءَ اليَهودِ لَمْ يُنْكِروا خُلُوَّ القَبْرِ، بَلِ اكتَفَوا بِالبَحثِ عَنْ تَفسيرٍ آخَرَ لَهُ، فَقالوا: "قُولوا إِنَّ تَلاميذَهُ جاءوا لَيلًا فَسَرَقوهُ وَنَحنُ نائِمون" (متى 28: 12-13). وَعَلَى هٰذِهِ الكِذبَةِ يَرُدُّ العَلّامةُ أُوغُسطينوس بِسُخرِيَّةٍ نافِذَة: "إِنْ كُنتُم نائِمينَ، فَكَيْفَ رَأَيتُم؟ وَإِنْ كُنتُم ساهِرينَ، فَكَيْفَ تَرَكتُموهُم يَفعَلون؟" (Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35).
التَّفْسيراتُ الحقيقة التّاريخيّةِ لِقِيامةِ المَسيح:
· البُعْدُ الرَّسُوليّ والتّاريخيّ
إِنَّ واقِعَ الأَمرِ، كما يَنقُلُهُ الإِنْجيلُ، يُفيدُ أَنَّ بُطرُسَ وَيُوحَنّا أَبصَرا الأَكفانَ وَالمِنديلَ، وَتَأَكَّدا أَنَّ القَبْرَ فارِغٌ. وَقَدْ وُجِدَ الكَفَنُ مَمْدودًا وَمُرَتَّبًا في مَوْضِعِهِ، وَالمِنديلُ الَّذي كانَ عَلَى رَأسِ يَسوعَ وُجِدَ مَلفوفًا وَحدَهُ في مَكانٍ آخَرَ مُنفَصِلًا عَنِ اللَّفائِفِ (يوحنّا 20: 6-7). وَما كانَتْ هٰذِهِ اللَّفائِفُ وَالمِنديلُ لِتَبقَيَا مُرتَّبَتَينِ لَو أَنَّ القَبْرَ قَدْ نُهِبَ أَو سُرِقَ. فَالسّارِقُ لا يَنشَغِلُ بِتَرتيبِ الأَكفان، وَالَّذي يَنقُلُ الجَسَدَ لا يُعَرِّيهِ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ القَبْرَ الفارِغَ لَيسَ دَليلًا سَلبِيًّا فَقَط، بَلْ عَلامةً تَاريخيّةً تُشيرُ إِلى أَنَّ شَيئًا حاسِمًا وَفَريدًا قَدْ حَدَثَ: إِنَّ يَسوعَ الَّذي ماتَ وَدُفِنَ قَدْ قامَ مِن بَينِ الأَموات.
إِنَّ قِيامةَ الرَّبِّ يَسوعَ هِيَ المَوضوعُ المِحوَريُّ لِكِرازةِ الرُّسُلِ الأُولى، بَلْ هِيَ أَساسُ الإِيمانِ المَسيحيّ كُلِّهِ. فَقَدْ أَعلَنَ بطرس الرسول في أَوَّلِ عِظَةٍ لَهُ بَعدَ القِيامةِ: "فَلْيَعْلَمْ يَقينًا بَيتُ إِسرائيلَ أَجمَع أَنَّ يَسوعَ هذا الَّذي صَلَبتُموه أَنتُم قد جَعَلَه اللهُ رَبًّا ومَسيحًا" (أعمال 2: 36).
وَكَذٰلِكَ يُؤَكِّدُ بولس الرسول أَنَّ القِيامةَ هِيَ جَوْهَرُ البِشارةِ، إِذْ يَقولُ:"إِن كانَ المَسيحُ لَمْ يَقُمْ، فَتَبشيرُنا باطِلٌ وإِيمانُكُم أَيضًا باطِل" (1 قور 15: 14). وَبِذٰلِكَ يَجْعَلُ بُولُسُ القِيامةَ المِحْوَرَ الَّذي يَتَوَقَّفُ عَلَيهِ صِدْقُ الإِيمانِ أَو بُطْلانُهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الأورشليمي قائلًا: "كَثيرونَ هُم شُهودُ القِيامةِ: القَبْرُ، وَالحَجَرُ، وَالمَوْضِعُ نَفْسُهُ القائِمُ أَمامَ أَعْيُنِنا…" (Catecheses Lect. XIV, 1). فَلا يَكتَفي الآباءُ بِالشَّهادةِ النَّصِّيَّةِ، بَلْ يُحيلونَ إِلَى شَهادةِ المكانِ والتّاريخِ.
· الشَّهادةُ التّاريخيّةُ وَالمَوْقِعُ الجُغْرافيّ
تُؤَكِّدُ الأَناجيلُ أَنَّ يَسوعَ صُلِبَ في عَهْدِ بيلاطس البنطي (26–36م)، عَلَى الجُلْجُلَةِ، وَدُفِنَ في قَبْرٍ جَديدٍ لِيُوسُفَ الرَّامِيّ خَارِجَ أَسوارِ أُورشَليم (يُوحَنَّا 19: 17؛ عب 13: 12). وَكَانَ المَوْقِعُ مَرئيًّا لِلنّاسِ (مر 15: 40)، وَقَريبًا مِن طَريقٍ عامّ (مت 27: 39). وَفِيما بَعْدُ، وَفِي عَهْدِ هيرودس أغريباس الأول (41–44م)، أُدخِلَتِ الجُلْجُلَةُ ضِمْنَ أَسوارِ المَدينةِ. وَيُعَدُّ هٰذا التَّحديدُ الجُغْرافيُّ دَليلًا عَلَى أَنَّ القِيامةَ لَمْ تَحْدُثْ فِي مَكانٍ مُبْهَمٍ، بَلْ فِي مَوضِعٍ مَعلومٍ وَمَكشوفٍ لِلتَّحقِيقِ التّاريخيّ.
شَهادةُ المُؤَرِّخينَ: لَمْ تَقتَصِرِ الشَّهادةُ عَلَى النُّصوصِ المُقَدَّسةِ، بَلْ أَكَّدَها أَيْضًا يوسيفوس فلافيوس، المُؤَرِّخُ اليَهوديُّ في القَرنِ الأَوَّلِ، إِذْ كَتَبَ: "ظَهَرَ لَهُم حَيًّا في اليَومِ الثّالِث… كَما تَنَبَّأَ الأَنبِياءُ" (Antiquities 18: 63–64). وَإِنْ كانَتْ هٰذِهِ الشَّهادةُ مَوْضِعَ نِقاشٍ نَقْديّ، إِلّا أَنَّهَا تُبَيِّنُ أَنَّ خَبَرَ القِيامةِ كَانَ مُتَدَاوَلًا وَمَعروفًا حتّى خارِجَ الأَوساطِ المَسيحيّة.
حِفْظُ المَوْقِعِ عَبْرَ التّاريخ: فِي عَهْدِ الإمبراطور هادريان (135م)، حُوِّلَتِ القُدسُ إِلَى مَدينةٍ رُومانيّةٍ تُدْعَى "إيليا كابيتولينا"، وَأُقيمَتْ مَعابِدُ وَثَنِيَّةٌ فَوْقَ مَوضِعِ الجُلْجُلَةِ وَالقَبْرِ. وَلٰكِنْ، وَبِمَفارَقَةٍ لاهوتيّةٍ عَميقَةٍ، أَسْهَمَ هٰذا التَّغْطِيَةُ فِي الحِفاظِ عَلَى المَوضِعِ لا فِي طَمْسِهِ.
وَفِي العَصرِ البِيزَنْطِيّ، أَمَرَتِ القِدِّيسَةُ هيلانة، وَوالِدَةُ قسطنطين الكبير، بِبِناءِ كَنيسةِ القِيامةِ (325م)، بَعدَ هَدْمِ المَعابِدِ الوَثَنِيّةِ، بِإِرشادِ الأُسقُفِ مَكاريوس الأُورشَليميّ. وَيَقولُ كيرلس الأورشليمي: "الجُلْجُلَةُ وَالقَبْرُ يَشْهَدانِ أَمامَ أَعْيُنِ الجَميعِ لِمَوْتِ المَسيحِ وَقِيامتِهِ" (Catecheses Lect. XIV, 1). وَفِي القَرنِ السّابِعِ، يُؤَكِّدُ صفرونيوس الأورشليمي أَنَّ: " الجلجلة تعلن حمل المسيح صليبه والقُدسَ تُبَشِّرُ بِقِيامةِ الرَّبِّ، وَتُعْلِنُ ظُهورَهُ لِتَلاميذِهِ".
شَهادةُ الكَنيسةِ الحَيَّة: لا تَزالُ كنيسة القيامة حتّى اليَومِ تَشْهَدُ، مَعَ القَبْرِ الفارِغِ، لِهٰذا الحَدَثِ المِحوَريِّ في تاريخِ البَشَرِيّةِ: قِيامةُ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. فَالقَبْرُ الفارِغُ لَيْسَ أَثَرًا صامِتًا، بَلْ شَاهِدٌ حَيٌّ عَلَى انتِصارِ الحَياةِ عَلَى المَوت.
نستنتج مما سبق ان القِيامةَ أَساسُ الكِرازةِ الرَّسوليّة والقَبْرُ الفارِغُ عَلامةٌ تَاريخيّة والشَّهادةُ الآبائيّةُ وَالتّاريخيّةُ تَأكيدٌ مُتَواصِل. وَبِهٰذَا نَشْهَدُ مَعَ الرُّسُلِ وَالإِنجيليّينَ، وَمَعَ الكَنيسةِ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ: المَسيحُ قام! — حَقًّا قام! هَلِّلويا!
ثانيًا: أَبْعادُ قِيامةِ المَسيحِ َالإِيمانيّةِ
إِنَّ قِيامةَ المَسيحِ لَيْسَتْ حَدَثًا تَاريخيًّا فَحَسْب، بَلْ هِيَ حَدَثٌ إِيمانيٌّ يَتَجاوَزُ مَدَارِكَ الإِنسانِ، وَيَدْخُلُ بِهِ فِي سِرِّ اللهِ الحَيّ. فَهِيَ قَلْبُ البِشارةِ الرَّسوليّة، وَجَوْهَرُ كِرازةِ الكَنيسةِ الأُولى، كما يَتَجَلّى فِي عِظاتِ سِفْرِ أَعْمالِ الرُّسُل. وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ يَشْرَحِ الإِنجيليّونَ "كَيفَ" قامَ المَسيح، بَلْ قَدَّموا خِبْرَةً إِيمانيّةً تَدريجيّةً عاشَها التَّلاميذ. وَمِن خِلالِ هٰذِهِ الخِبْرَةِ، يُمكِنُ تَمييزُ مَراحِلَ سبعة تقود الإِنسانَ إِلَى الإِيمانِ اليَقينيّ بِالقِيامة.
المرحلة الأولى: الشَّكّ وَالنَّظْرَةُ السَّطحيّة (شك مريم)
تُمثِّلُ مريم المجدلية البِدايةَ الإِنسانيّةَ الطَّبيعيّةَ فِي مَسِيرَةِ الإِيمان. فَهِيَ أَوَّلُ مَن رَأَتِ الحَجَرَ مَرفوعًا عَنِ القَبْرِ (يُوحَنَّا 20: 1)، لٰكِنَّ رُؤيَتَها بَقِيَتْ فِي مُستَوَى الحِسّ، دُونَ فَهْمِ المَعْنَى. لِذٰلِكَ قالَتْ: "أَخَذوا الرَّبَّ مِنَ القَبْرِ، ولا نَعلَمُ أَينَ وَضَعوه" (يُوحَنَّا 20: 2). فَهِيَ رَأَتْ، لٰكِنَّهَا لَمْ تُدْرِكْ. وَهٰذَا يَكْشِفُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الحِسِّيَّةَ وَحدَها لا تَكفي لِلوُصولِ إِلَى الإِيمان. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "لَمْ تَكُنْ تُفَكِّرُ بَعْدُ فِي القِيامةِ، بَلْ ظَنَّتْ أَنَّ الجَسَدَ قَدْ أُخِذ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يُحْرَمْ إِيمَانُها مِنَ المَدْحِ، لِأَنَّ مَحَبَّتَها سَبَقَتْ فَهْمَها" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). إِنَّ خِبْرَةَ مَريمَ المِجدليّةِ هِيَ خِبْرَةُ "الفَراغ": قَبْرٌ فارِغٌ وغِيابٌ مُفاجِئ وصَمْتٌ غامِض. لٰكِنَّ هٰذَا الفَراغَ لَيْسَ نِهايَةً، بَلْ بِدايةُ عَمَلِ الله. فَالقَبْرُ الفارِغُ لا يُعلِنُ الغِيابَ، بَلْ يُشيرُ إِلَى حُضورٍ جَديدٍ. وَيُعَبِّرُ بيير باتيستا بيتسابالا عَنْ هٰذَا البُعْدِ قائلًا: "الفَراغُ الَّذي نَعيشُهُ لَيْسَ مُجرَّدَ غِيابٍ، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى رُؤْيَةٍ جَديدَةٍ لِلْحَياةِ وَالعَلاقَةِ مَعَ الله".
تُظهِرُ هٰذِهِ المَرحلةُ حَقيقَةً أَساسيّة: الإِيمانُ لا يَبدأُ بِاليَقين، بَلْ بِالسُّؤال. لا يَبدأُ بِالفَهْم، بَلْ بِالحِيرَة. لا يَبدأُ بِالنُّور، بَلْ بِالظُّلمَة. وَكَمَا يَقولُ غريغوريوس الكبير: "كَثيرًا ما يَقودُنا الشَّكُّ الصّادِقُ إِلَى الحَقيقَةِ أَكثَرَ مِنْ يَقينٍ سَطحيّ" (Hom. in Evang. PL 76, 1197). مَريمُ رَأَتِ القَبْرَ الفارِغَ وَلَمْ تُؤمِن بَعدُ، لأَنَّ الرُّؤيَةَ دونَ مَعنى تُوَلِّدُ الحِيرَة، لٰكِنَّ الحِيرَةَ تَفتَحُ البَابَ أَمامَ الإِيمان. فَالقَبْرُ الفارِغُ يَسأَلُنا: هَلْ نَرَى الفَراغَ كَنِهايَة؟ أَمْ كَبِدايةِ حَياةٍ جَديدة؟ الإِيمانُ لا يُولَدُ مِنَ الرُّؤيَةِ وَحدَها، بَلْ مِنَ القُدرةِ عَلَى قِراءةِ العَلاماتِ فِي ضَوْءِ عَمَلِ الله.
المرحلةُ الثانية: التَّحَقُّقُ وَالنَّظْرَةُ التَّحْليليّة (فحص بطرس)
تُمثِّلُ هٰذِهِ المَرحلةُ الاِنْتِقالَ مِنَ الصَّدْمَةِ وَالحِيرَةِ إِلَى البَحثِ وَالتَّحَقُّقِ. فَبَعدَ أَنْ رَأَت مريم المجدلية الحَجَرَ مَدْحورًا، أَسْرَعَتْ وَأَخْبَرَت بطرس الرسول وَالتِّلميذَ الَّذي أَحَبَّهُ يَسوعُ (يُوحَنَّا 20: 2)، فَتَحَرَّكَ التِّلميذانِ نَحْوَ القَبْرِ لِلتَّأَكُّدِ مِنَ الحَقيقَةِ.
إِنَّ دَحْرَجَةَ الحَجَرِ لا تُفْهَمُ كَوَسيلةٍ لِخُروجِ المَسيح، فَالقائِمُ مِنَ الأَمْواتِ لا يَخْضَعُ لِقُيودِ المادّة، كَما يَظهَرُ فِي دُخولِهِ إِلَى العُلِّيَّةِ وَالأَبْوابُ مُغلَقَة (يُوحَنَّا 20: 26). بَلْ الحَجَرُ أُزِيلَ لِأَجْلِ الإِنسانِ لا لِأَجْلِ المَسيح: لِيَدْخُلَ التَّلاميذُ، وَلِيُعايِنوا العَلاماتِ، وَلِيَنْتَقِلوا مِنَ الشَّكِّ إِلَى الفَهْمِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "لَمْ يُدْحَرَجِ الحَجَرُ لِيَخْرُجَ الرَّبُّ، بَلْ لِيَرَى البَشَرُ أَنَّ القَبْرَ قَدْ أَصْبَحَ فارِغًا"(John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59).
يَصِلُ بطرس الرسول وَيَدْخُلُ القَبْرَ، "فَيُبْصِرُ اللَّفائِفَ مَمْدُودَةً" (يُوحَنَّا 20: 6). وَالفِعلُ اليُونانيّ θεωρεῖ يُفيدُ نَظَرًا فاحِصًا مُتَأَمِّلًا، لا مُجَرَّدَ مُلاحَظَةٍ سَطحِيّة. فَبُطْرُسُ لا يَكْتَفِي بِالرُّؤيَة، بَلْ يُحاوِلُ أَنْ يُفَسِّرَ ما يَراه. الأَكْفانُ مَوْضُوعَةٌ بِانتِظام، المِنديلُ مُنفَصِلٌ وَمَلفوفٌ، لا أَثَرَ لِفَوضى أَو سَرِقَة. هٰذِهِ كُلُّها "عَلامات" تَدْعُو إِلَى التَّفكير. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "لَمْ يَنْظُرْ بُطْرُسُ نَظْرَةً عَابِرَةً، بَلْ فَحَصَ بِدِقَّةٍ كَيْ يَفْهَمَ مَا حَدَثَ" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). رُغمَ الفَحصِ، يَبْقَى بُطْرُسُ فِي حَالَةِ التَّعَجُّبِ، كَما يَذكُرُ إنجيل لوقا: "اِنصَرَفَ مُتَعَجِّبًا مِمَّا جَرى" (لو 24: 12). فَهُوَ رَأَى وفَحَصَ واسْتَنْتَجَ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ بَعدُ إِلَى الإِيمَانِ الكامِل. وَيُوضِحُ غريغوريوس الكبير: "العَقْلُ يَبلُغُ إِلَى حَدٍّ، لٰكِنَّهُ يَتَوَقَّفُ أَمامَ السِّرِّ، وَيَحْتاجُ إِلَى النُّورِ الإِلٰهيّ لِيَتَجاوَزَه" (Hom. in Evang. PL 76, 1197).
تُظهِرُ هٰذِهِ المَرحلةُ بُعدًا أَساسِيًّا فِي الإِيمانِ: الإِيمانُ لا يُلغِي العَقل، بَلْ يَمُرُّ عَبْرَ البَحثِ وَالتَّحليلِ، وَيَتَغَذّى مِنَ قِراءةِ العَلامات. فَبُطْرُسُ يُمَثِّلُ الإِيمانَ الَّذي يَسأَل ويَفحَص ويَتَعَجَّب، لٰكِنَّهُ لَمْ يَبلُغْ بَعدُ اليَقين. ويقول القديس أوغسطينوس:"رأى بطرس وتحيّر، لأن العقل وحده لا يبلغ سرّ القيامة" (Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35). مَريمُ رَأَتْ فَتَحيَّرَت، بُطْرُسُ رَأَى وَفَحَصَ فَتَعَجَّب. الإِيمانُ يَتَقَدَّمُ خُطْوَةً: مِنَ الحِيرَة إِلَى الفَحص إِلَى التَّساؤل العَميق. الإِيمانُ لا يُبنى عَلَى التَّسليمِ الأَعمى، بَلْ يَعبُرُ طَريقَ التَّحَقُّقِ، حَيْثُ يَلتَقي العَقلُ بِالعَلامةِ، وَيَنْتَظِرُ النُّورَ لِيَصِلَ إِلَى اليَقين.
المرحلةُ الثالثة: النَّظْرَةُ الإيمانيّة (إيمان يوحنا)
تُمثِّلُ هٰذِهِ المَرحلةُ الذِّروةَ فِي مَسِيرَةِ الإِيمان، حَيْثُ لا يَكْتَفِي التِّلميذُ بِالفَحصِ وَالتَّحليلِ، بَلْ يَعبُرُ إِلَى الرُّؤْيَةِ الإِيمانيّةِ. فَقَدْ صَرَّحَ الإِنْجيلُ: "فَرَأَى وَآمَنَ" (يُوحَنَّا 20: 8). إِنَّ الفِعلَ اليُونانيّ εἶδεν (ὁράω) لا يَعني مُجرَّدَ الرُّؤْيَةِ الحِسِّيَّة، بَلْ رُؤْيَةً تُدرِكُ المَعنى وَتُفْضِي إِلَى الإِيمان. فَالتِّلميذُ الحَبيبُ (التَّقليدُ يَرَاهُ يوحنا الرسول) لَمْ يَرَ أَكثَرَ مِمَّا رَآهُ بطرس الرسول، وَلٰكِنَّهُ فَهِمَ أَعْمَقَ.
فَهِمَ يُوحَنّا لُغَةَ القَبْرِ وقرأ العَلامات: القَبْرُ الفارِغُ واللَّفائِفُ المَمْدودَةُ والمِنديلُ المَلفوفُ مُنفَرِدًا. لَمْ تَعُدْ هٰذِهِ مُجرَّدَ مُعطياتٍ مادّيّة، بَلْ صَارَت عَلاماتٍ لاهوتيّةً تُشيرُ إِلَى القِيامة. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "رَأَى فَآمَنَ، لأَنَّهُ لَمْ يَرَ بِالعَيْنِ فَقَط، بَلْ بِالقَلْبِ أَيْضًا" (Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35).
إِنَّ يُوحَنّا يُجَسِّدُ الاِنتِقالَ الحاسِم: مِنَ العِيانِ إِلَى الإِيمان. بُطْرُسُ رَأَى وَفَحَصَ، يُوحَنّا رَأَى وَآمَنَ. أَيْ أَنَّ الإِيمانَ لَيْسَ زِيادَةَ مَعلومات، بَلْ تَحَوُّلُ فِي طَريقَةِ الرُّؤيَة. وَهٰذَا مَا يُعبِّرُ عَنهُ الكِتابُ: "الإِيمانُ بُرهانُ الحَقائِقِ الَّتي لا تُرى" (عب 11: 1).
لَمْ يُفصِحِ الإِنْجيلُ عَنْ اسمِ التِّلميذِ الحَبيب، لِكَيْ يَتَحَوَّلَ إِلَى نَموذَجٍ لِكُلِّ مُؤمِن. فَكُلُّ واحِدٍ مَدْعوٌّ أَنْ يَكونَ: التِّلميذَ الَّذي يُحِبُّ، وَالَّذي يُحَبُّ وَالَّذي يُؤمِنُ. وَيُشيرُ غريغوريوس الكبير: "المَحَبَّةُ هِيَ الَّتي تُسْرِعُ إِلَى الفَهْمِ، فَمَنْ يُحِبُّ يَرَى أَعْمَقَ" (Hom. in Evang. PL 76, 1197).
إِنَّ الإِيمانَ الَّذي وَصَلَ إِلَيْهِ يُوحَنّا هُوَ رُؤيَةٌ جَديدةٌ: رُؤيَةٌ لِما وَراءَ الظَّاهِر، فَهْمٌ لِما وَراءَ العَلامات، دُخولٌ فِي سِرِّ الله. فَلَيْسَ الإِيمانُ نَتيجَةَ بُرهانٍ مادّيّ، بَلْ اِنْفِتاحٌ عَلَى حُضورِ اللهِ فِي التّاريخ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ يُوحَنّا نَفسُهُ:
"إِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا… وَلِتَكونَ لَكم الحَياةُ" (يو 20: 31). فَالإِيمانُ بِالقِيامةِ لَيْسَ فِكرَةً بَلْ حَياةً جَديدة.
كَيْفَ نَبلُغُ إِيمانَ يُوحَنّا؟ أَنْ نَتَعَلَّمَ قِراءةَ العَلامات وأَنْ نَتَجاوَزَ الظَّاهِروأَنْ نَفتَحَ قُلوبَنا لِلنُّور. فَالمَسيحُ القائِمُ يَدعونا اليَومَ أَيْضًا: "هَلُمَّ وَانظُر" (يُوحَنَّا 1: 39). النَّظَرُ يُعطي مَعلومة، التَّحليلُ يُعطي فَهْمًا والإِيمانُ يُعطي حَياة. فِي إنجيل يُوحَنّا فصل 20: العَلامةُ تَقودُ إِلَى الرُّؤيَة، وَالرُّؤيَةُ تَقودُ إِلَى الإِيمان، وَالإِيمانُ يَقودُ إِلَى الحَياة. لَيْسَ الإِيمانُ أَنْ نَرَى المُعجِزات، بَلْ أَنْ نَرَى اللهَ فِي العَلامات، وَنُدْرِكَ أَنَّ الحَياةَ غَلَبَتِ المَوت.
المرحلةُ الرابعة: التَّرائِي والرُّؤيَةُ الشَّخصيّة (اللقاءات مع المسيح القائم)
تُمثِّلُ هٰذِهِ المَرحلةُ الذِّروةَ النِّهائيّةَ فِي مَسِيرَةِ الإِيمان، حَيْثُ لا يَبقى الإِيمانُ مُجرَّدَ اسْتِنْتاجٍ مِن عَلاماتٍ، بَلْ يَصيرُ لِقاءً شَخصيًّا مَعَ المَسيحِ القائِم. فَلا يَكْتَمِلُ الإِيمانُ إِلَّا بِهٰذا التَّرائِي الَّذي يُبَدِّدُ الشَّكَّ وَيُحَوِّلُ الحَياة.
مِنَ العَلامةِ إِلَى اللِّقاء. إِنَّ العَلاماتِ (القَبْر الفارِغ، الأَكفان) قادَتِ التَّلاميذَ إِلَى الإِيمانِ الأَوَّليّ، لٰكِنَّ اللِّقاءَ الشَّخصيّ هُوَ الَّذي ثَبَّتَ الإِيمانَ وَأَكْمَلَهُ. فَقَدْ ظَهَرَ يَسوعُ لِـ مريم المجدلية، وَناداها باسْمِها: "مَريَم!" (يُوحَنَّا 20: 16)، فَتَحوَّلَتْ مِنَ الحِيرَةِ إِلَى الإِيمان، وَمِنَ البُكاءِ إِلَى البِشارة. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير:"دَعاها بِاسمِها، لِكَيْ تَعرِفَ أَنَّ الَّذي تَبحَثُ عَنهُ هُوَ نَفسُهُ الَّذي يُحِبُّها" (Hom. in Evang. PL 76, 1197).
الإِيمانُ الَّذي يَتَأَكَّدُ بِاللِّقاء. لَمْ يَكْفِ بُطْرُسَ أَنْ يَرَى العَلامات، بَلْ احْتاجَ إِلَى اللِّقاء: "إِنَّ الرَّبَّ قامَ حَقًّا وَتَراءَى لِسِمعان" (لو 24: 34). وَبِهٰذا اللِّقاءِ، تَحَوَّلَ بُطْرُسُ مِن مُتَعَجِّبٍ إِلَى شَاهِدٍ، وَمِن مُنْكِرٍ إِلَى رَاعٍ. وَيَقولُ أوغسطينوس: "لَمْ يَكُنْ إِيمَانُ بُطْرُسَ كامِلًا حتّى التَقى بِالمَسيحِ وَسَمِعَ صَوتَه" (Augustine, Sermones, PL 38).
الجَماعَةُ الرَّسوليّة: الإِيمانُ الكَنَسيّ. يَظهَرُ يَسوعُ لِلتَّلاميذِ وَالأَبْوابُ مُغلَقَة: "السَّلامُ عَلَيكُم… وَأَراهُم يَدَيْهِ وَجَنبَه" (يُوحَنَّا 20: 19-20). هُنَا يَتَجَلّى بُعدانِ: حَقيقَةُ الجَسَدِ القائِم (يَداهُ وَجَنبُه) وَتَجاوُزُهُ لِلقُيودِ الزَّمانيّة وَالمادّيّة. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "هُوَ نَفسُ الجَسَدِ الَّذي تَأَلَّمَ، لٰكِنَّهُ صارَ مُمَجَّدًا، لا يَخضَعُ لِقُيودِ الطَّبيعة" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59).
توما: مِنَ الشَّكِّ إِلَى الإِعلان: يُجَسِّدُ توما الرسول الإِيمانَ الَّذي يَمُرُّ عَبْرَ الشَّكّ، لٰكِنَّهُ يَبلُغُ أَعْمَقَ اعتِراف:
"رَبِّي وَإِلهي!" (يُوحَنَّا 20: 28). إِنَّهُ أَعلَى إِعلانٍ لاهوتيّ فِي الإِنجيل. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس:
"لَمْ يَلْمِسْ توما الجِراحَ فَقَط، بَلْ لَمَسَ الإِيمانَ" (Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35 (.
يَبْلُغُ سِلْسِلَةُ التَّرائياتِ ذُروَتَها مَعَ بولس الرسول: "تَراءَى لي أَيضًا" (1 قور 15: 8). فَيَتَحوَّلُ مِن مُضطَهِدٍ إِلَى رَسول، وَيُصبِحُ شَاهِدًا لِقُوَّةِ القِيامةِ. طُوبَى لِلَّذينَ يُؤمِنونَ وَلَمْ يَرَوا. يُعْلِنُ يَسوعُ بُعدًا جَديدًا لِلإِيمان: "طُوبَى لِلَّذينَ يُؤمِنونَ وَلَمْ يَرَوا" (يُوحَنَّا 20: 29).
فَالإِيمانُ المَسيحيّ لا يَتَوَقَّفُ عِندَ التَّرائياتِ، بَلْ يَمتَدُّ إِلَى كُلِّ مَن يَقبَلُ شَهادَةَ الرُّسُل. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ إيريناؤس:
"نَحنُ نُؤمِنُ لا لأَنَّنا رَأَيْنا، بَلْ لأَنَّ الَّذينَ رَأَوا شَهِدوا بِأمانَة"(Adversus Haereses III,19, 3). طبيعة الجسد القائم. إِنَّ يَسوعَ القائِمَ: يُرى وَيُلمَس، يَأكُلُ مَعَ التَّلاميذ، وَفِي الوَقتِ نَفسِهِ يَدخُلُ وَالأَبْوابُ مُغلَقَة. إِنَّهُ جَسَدٌ حَقيقيّ، لٰكِنَّهُ مُمَجَّدٌ. وَيُوضِّحُ البابا بندكتس السادس عشر: "لَمْ يَعُدْ يَسوعُ إِلَى حَياتِهِ السَّابِقَة، بَلْ دَخَلَ فِي حَياةٍ جَديدةٍ، وَمِنها ظَهَرَ لِتَلاميذِهِ" (Jesus of Nazareth).
نستنتج مما سبق ان العَلاماتُ تَقودُ إِلَى الإِيمان، اللِّقاءُ يُثَبِّتُ الإِيمان والشَّهادةُ تَنقُلُ الإِيمان. فَالإِيمانُ المَسيحيّ: لَيْسَ فِكرَةً، بَلْ لِقاء. لَيْسَ ذِكرى، بَلْ حُضور. لَيْسَ ماضيًا، بَلْ حَياةً مُستَمِرّة. وهو يمر في مراحل الأربع: مَريمُ رَأَتْ وَشَكَّت، وبُطْرُسُ فَحَصَ وَتَعَجَّب، ويُوحَنّا رَأَى وَآمَن والتَّلاميذُ لَقُوا وَشَهِدوا. وَهٰذِهِ هِيَ مَسِيرَةُ كُلِّ مُؤمِن. القِيامةُ لا تُدرَكُ بِالعَينِ وَحدَها، بَلْ تُعاشُ فِي لِقاءٍ شَخصيّ مَعَ المَسيحِ القائِم، الَّذي يُحَوِّلُ الشَّكَّ إِلَى إِيمانٍ، وَالإِيمانَ إِلَى رِسالَة.
المرحلةُ الخامسة: إيمانٌ مَدعومٌ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّس (الفهم)
تُظْهِرُ هٰذِهِ المَرحلةُ أَنَّ الإِيمانَ بِالقِيامةِ لا يَقومُ عَلَى العَلاماتِ الحِسِّيَّةِ فَحَسْب، بَلْ يَتَثَبَّتُ وَيَنْضُجُ فِي ضَوْءِ الكِتابِ المُقَدَّس. فَالقَبْرُ الفارِغُ وَالأَكفانُ المُرَتَّبَةُ هِيَ عَلاماتٌ، لٰكِنَّهَا بِحَدِّ ذاتِها لا تَكفي لِلوُصولِ إِلَى اليَقينِ الكامِل، لأَنَّهُ "لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَدْ رَأَى لَحْظَةَ القِيامةِ ذاتِها"، بَلْ رَأَى آثارَها.
مِن هُنا يَبرُزُ الخِيارُ الإِيمانيّ: إِمَّا قِراءَةُ العَلاماتِ فِي ضَوْءِ الكِتاب، أَو الاِنغلاقُ أَمامَ سِرِّ القِيامة. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "العَلاماتُ تُرى، لٰكِنَّها لا تُفْهَمُ إِلَّا بِالنُّورِ الَّذي يُعطيهِ الكِتاب"(Augustine, Tractatus in Ioannem, PL 35 (.
إنّ القيامة لا تُفهم بدون الكتاب المقدس. ويؤكّد كيرلس الإسكندري: "المسيح هو مفتاح كل الكتب" (Cyril of Alexandria, In Ioannem, PG 73). إِنَّ الفَهْمَ الحَقيقيَّ لِلقِيامةِ لا يَتحقَّقُ إِلَّا عِندما "يَفتحُ اللهُ الذِّهن" (لو 24: 45). وَهٰذا ما ظَهَرَ فِي خِبْرَةِ تِلميذَي عِمَّاوُس، حَيْثُ إِنَّ يسوع المسيح: "بَدَأَ مِن مُوسى وَجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما ما يَختَصُّ بِه" (لو 24: 27). فَالمَسيحُ القائِمُ هُوَ مِفتاحُ الكِتاب وَمِعيارُ تَفسيرِهِ وَغايَتُهُ النِّهائيّة. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "كُلُّ الكِتابِ يَجِدُ كَمالَهُ فِي المَسيحِ القائِم" (In Luc.). بَعدَ العَلامات، تَذَكَّرَ التَّلاميذُ أَقوالَ يَسوع: "يُقتَلُ ويَقومُ في اليومِ الثَّالث" (مت 16: 21)، "لَنْ تَترُكَ نَفْسي فِي مَثْوَى الأَمْوات" (مز 16: 10)، "كما كانَ يُونان… كذلكَ ابنُ الإِنسان" (مت 12: 40). هُنَا يَحصُلُ الاِنْتِقالُ الحاسِم مِن ذاكِرَةٍ غامِضَة إِلَى فَهْمٍ مُنير. وَيُؤَكِّدُ إيرونيموس: "لا يُفْهَمُ النَّصُّ إِلَّا فِي ضَوْءِ تَحقيقِهِ، وَالقِيامةُ هِيَ تَحقيقُ الكِتاب" (Epist.).
مِنَ الرُّؤيَةِ إِلَى الكَلِمَة: لٰمّا فَهِمَ التَّلاميذُ الكِتاب لَمْ يَعودوا يَحتاجونَ إِلَى أَنْ "يَرَوا" أَوَّلًا بَلْ صاروا يُؤمِنونَ بِناءً عَلَى كَلِمَةِ الله. فَالإِيمانُ النّاضِجُ لا يَعتمِدُ عَلَى الحِسّ، بَلْ عَلَى الوَحي. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس الكبير:
"الَّذينَ لَمْ يَرَوا، لٰكِنَّهُم آمَنوا بِالكَلِمَة، هُم أَكثَرُ ثَباتًا فِي الإِيمان" (Hom. in Evang. PL 76, 1197).
لَمْ يَكْتَمِلْ فَهْمُ الرُّسُلِ إِلَّا بَعْدَ حُلولِ الرُّوحِ القُدُس فِي العُنصُرة. فَحِينَئِذٍ انْفَتَحَت أَذهانُهُم، وَتَجَدَّدَت قِراءَتُهُم لِلكِتاب، وَصارت شَهادَتُهُم قَوِيَّةً وَواضِحَة كَمَا يَقولُ رسالة أفسس: "كُلُّ واحِدٍ أُعطيَ نَصيبَه مِنَ النِّعمَة" (أف 4: 7).
وخلاصة القول: العَلاماتُ تُثِيرُ الإِيمان، والكِتابُ يُفَسِّرُ الإِيمان، والرُّوحُ القُدُس يُثَبِّتُ الإِيمان. فَالإِيمانُ المَسيحيّ يَقُومُ عَلَى الكِتاب وشَّهادة الرسل والرُّوح القدس.
المرحلةُ السادسة: إيمانٌ مَدعومٌ مِنَ القُربانِ الأقدس (الشركة- الإفخارستيا)
تُبَيِّنُ هٰذِهِ المَرحلةُ أَنَّ الإِيمانَ بِالقِيامةِ لا يَبقى مَعْرِفَةً ذِهنيّةً أَو تَصديقًا تاريخيًّا فَحَسْب، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى خِبْرَةٍ مَعِيشَةٍ فِي سِرِّ الإِفخارستيا. فَالإِفخارستيا هِيَ الذِّكرى الحَيَّةُ لِمَوتِ المَسيحِ وَقِيامتِهِ، وَفِيهَا يَلتَقي المُؤمِنُ بِالمَسيحِ القائِمِ لِقاءً حَقيقيًّا.
· المسيحُ القائِمُ يَكسِرُ الخُبز: يُظْهِرُ الإِنْجيلُ أَنَّ يسوع المسيح القائِمَ مِن بَينِ الأَمواتِ أَعادَ أَفعالَهُ الخَلاصيّةَ الَّتي عاشَها مَعَ تَلاميذِهِ: أَكَلَ مَعَهُم (يوحنا 21: 9–13)، دَعاهُم إِلَى المائِدَة وكَسَرَ الخُبز. وَفِي عِمَّاوُس: "عَرَفاهُ عِندَ كَسرِ الخُبز" (لو 24: 35). فَلَمْ يَتَعَرَّفِ التَّلاميذُ عَلَى المَسيحِ مِن مَلامِحِهِ الخارِجيّة، بَلْ مِن فِعلِ الإِفخارستيا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "لَمْ يَكُنْ كَسرُ الخُبزِ فِعلًا عادِيًّا، بَلْ عَلامةً تَكشِفُ الحُضورَ الإِلٰهيّ" (Augustine, Sermones, PL 38).
· الإفخارستيا: حُضورُ القِيامة: إِنَّ الإِفخارستيا لَيْسَتْ مُجرَّدَ تِذكارٍ لِحَدَثٍ ماضٍ، بَلْ حُضورٌ حَيٌّ لِلقِيامةِ فِي الحاضِر: الجَسَدُ الَّذي نَتَناوَلُهُ هُوَ جَسَدُ القائِم، والدَّمُ الَّذي نَشرَبُهُ هُوَ دَمُ العَهدِ الجَديد، كَمَا قالَ الرَّبُّ: "هذا هو جَسَدي… اصنَعوا هذا لِذِكري" (لو 22: 19). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ إيريناوس: "كَيْفَ يُنكِرونَ قِيامةَ الجَسَدِ، وَهُم يَتَناوَلونَ جَسَدَ المَسيحِ القائِم؟" (Adversus Haereses III,19, 3).
· يَومُ الرَّبّ: عِيشُ القِيامة: بِسَبَبِ القِيامة، صارَ اليَومُ الأَوَّلُ مِنَ الأُسبوعِ "يَومَ الرَّبّ" (رؤ 1: 10)، حَيْثُ تَجتَمِعُ الكَنيسةُ لِلاحتِفالِ بِالإِفخارستيا. فَالأَحدُ لَيْسَ مُجرَّدَ يَومِ راحَة، بَلْ يَومُ القِيامةِ الدَّائِمَة. وَيَقولُ يوستينوس الشهيد:"نَجتَمِعُ يَومَ الأَحد، لأَنَّهُ اليَومُ الَّذي قامَ فيهِ المَسيحُ مِن بَينِ الأَموات" (Apologia I).
· الإفخارستيا: من الرؤية إلى الشركة: فِي المَراحِلِ السّابِقَة: رَأَينا العَلامات فَهِمْنا الكِتاب ولَقِينَا المَسيح، أَمَّا هُنَا فَنَدخُلُ فِي شَرِكَةٍ مَعَهُ. فَالإِفخارستيا تَجعَلُنا لا نَعرِفُ المَسيحَ فَحَسْب بَلْ نَتَّحِدُ بِهِ. القِيَامَةَ تَبْلُغُ كَمالَها فِي الإِفْخارِسْتِيَّا: فِي القَبْرِ الفارِغِ رَأَيْنَا العَلامَة، وَفِي الكِتابِ المُقَدَّسِ فَهِمْنَا السِّرَّ مِن خِلالِ تَفْسيرِ النُّبُوءَات،وَفِي اللِّقاءِ مَعَ القائِمِ مِن خِلالِ التَّرائِيَّاتِ لَقِينَا المَسِيح، أَمَّا فِي الإِفْخارِسْتِيَّا فَنَحْيا بِهِ. فَالإِفْخارِسْتِيَّا هِيَ حَيَاةُ القِيَامَةِ فِي الكَنِيسَةِ؛ فِيهَا لا نَتَذَكَّرُ القِيَامَةَ فَقَط، بَلْ نَشْتَرِكُ فِيهَا، وَفِيهَا يُصْبِحُ المَسِيحُ القائِمُ حَيَاةً تَسْرِي فِينَا، فَنَتَحَوَّلُ إِلَى جَسَدِهِ الحَيِّ فِي العالَم. وَمِنْ هُنَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ الرُّوحِيُّ العَمِيقُ: هَلِ القِيَامَةُ فِي حَيَاتِنَا مُجَرَّدُ ذِكْرَى نُؤْمِنُ بِهَا، أَمْ خِبْرَةٌ نَعِيشُهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي كَسْرِ الخُبْزِ؟
المرحلةُ السابعة: الشَّهادَة (الكِرازةُ الفِصحيّة)
تُتَوِّجُ هٰذِهِ المَرحلةُ كُلَّ المَسيرةِ الإِيمانيّة، إِذْ لا يَبقى الإِيمانُ خِبرةً داخليّةً فَحَسْب، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَهادَةٍ مُعلَنةٍ لِلعالَم. فَالقِيامةُ الَّتي رَآها التَّلاميذُ وَاختَبَروها صارت رِسالَةً يُعلِنونَها بِجُرأةٍ. بَعدَ أَنْ تَراءى يسوع المسيح لِتَلاميذِهِ، أَرسَلَهُم قائلًا: "اِذهَبوا في العالَمِ كُلِّه، وأَعلِنوا البِشارَةَ إِلى الخَلْقِ أَجمَعين (مر 16: 15). فَالإِيمانُ الحَقيقيّ لا يَتَوَقَّفُ عِندَ اللِّقاء، بَلْ يَتَحوَّلُ إِلَى إِرساليّةٍ وَشَهادَة. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "مَنْ يَعرِفُ الحَقَّ وَلا يُعلِنُهُ، يَكُونُ كَأَنَّهُ أَخفاهُ" (PL 76, 1197).).
· الشَّهادَةُ الأُولى: يَرتَفِعُ صَوتُ بطرس الرسول فِي يَومِ العُنصُرةِ كَصَوتِ الكَنيسةِ الوَليدة: "فَلْيَعلَمْ جَميعُ بَيتِ إِسرائيل أَنَّ يَسوعَ هذا… قَد أَقامَهُ الله"» (أع 2: 36). وَيُعلِنُ أَيْضًا: "نُبَشِّرُ وَنَشهَدُ أَنَّهُ هو الَّذي أَقامَهُ اللهُ" (أع 10: 42). فَالشَّهادَةُ هُنَا لَيْسَتْ رَأيًا، بَلْ إِعلانُ حَدَثٍ عاشهُ الرسل وَرَأَوهُ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "لَمْ يَتكَلَّموا كَمُعَلِّمين، بَلْ كَشُهودٍ لِما رَأَوهُ وَاختَبَروهُ" (PG 60).
· الشَّهادَةُ الَّتي لا تَصمُت: إِنَّ الكَنيسةَ مُنذُ وِلادَتِها لا تَستَطيعُ أَنْ تَصمُتَ عَمّا عايَشَتْهُ. فَالقِيامةُ لَيْسَتْ فِكرَةً تُحفَظ، بَلْ حَياةً تُعلَن. وَيُعبِّرُ بولس الرسول عَنْ هٰذِهِ الحَقيقَة: "إِن كانَ رَجاؤُنا في المَسيحِ مَقصورًا على هذهِ الحَياة، فَنَحنُ أَشقى جَميعِ النّاس… كَلّا! إِنَّ المَسيحَ قد قام" (1 قور 15: 19-20). فَالقِيامةُ هِيَ: مَصدَرُ الجُرأة وَسِرُّ الفَرَح وَقُوَّةُ الثَّبات
· الشَّهادَةُ: ثَمَرَةُ القِيامة: إِنَّ الشَّهادَةَ الحَقيقيّةَ لِلقِيامةِ لا تَكونُ بِالكَلامِ فَحَسْب، بَلْ بِالحَياة: تَغييرُ القُلوب، وتَجديدُ السُّلوك، وقُوَّةٌ فِي الضُّعف، ورَجاءٌ فِي وَجهِ المَوت. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ إيريناوس: "مَجْدُ اللهِ هُوَ الإِنسانُ الحَيّ، وَحَياةُ الإِنسانِ هِيَ رُؤيَةُ الله" (Adversus Haereses III,19, 3). القِيامةُ لا تَكتَمِلُ إِلَّا حِينَ تُصبِحُ شَهادَةً، فَمَنْ لَقِيَ المَسيحَ القائِم لا يَستَطيعُ أَنْ يَحتَفِظَ بِهِ لِنَفسِهِ، بَلْ يَحمِلُهُ نُورًا لِلعالَم. هَلْ نَحْنُ شُهودٌ لِلقِيامة، أَمْ مُجرَّدُ مُستَمِعينَ لِخَبَرِها؟
هٰذِهِ المَراحِلُ تُجَسِّدُ دِينَامِيَّةَ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ فِي مَسارٍ لاهُوتِيٍّ مُتَصاعِدٍ، يَتَكشَّفُ تَدْرِيجِيًّا فِي خِبْرَةِ القِيامَةِ:
· الشَّكّ (مَرْيَم): بَدَايَةُ الطَّريقِ، حَيْثُ يَختَبِرُ الإِنْسانُ الغُمُوضَ وَعَدَمَ الفَهْمِ أَمامَ سِرِّ القَبْرِ الفارِغ.
· الفَحْص (بُطرُس): الاِنْتِقالُ إِلَى التَّحَقُّقِ وَالتَّأَمُّلِ فِي العَلاماتِ، وَدُخُولٌ إِلَى عُمقِ الحَدَث.
· الإِيمَان (يُوحَنَّا): الرُّؤْيَةُ الدَّاخِلِيَّةُ الَّتِي تَتَجاوَزُ المَحسوسَ، وَتَقودُ إِلَى الإِيمانِ الفَوْرِيِّ.
· اللِّقاء (التَّرائِيّات): انْكِشافُ القَائِمِ مِن بَينِ الأَمْواتِ لِلتَّلاميذِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الإِيمَانُ إِلَى عَلاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ مَعَ المَسِيحِ الحَيّ.
· الفَهْم (الكِتابُ المُقَدَّس): إِضاءَةُ الحَدَثِ فِي ضَوْءِ الكَلِمَةِ، حَيْثُ تُفْتَحُ الأَذْهانُ لِفَهْمِ الكُتُبِ.
· الشَّرِكَة (الإِفْخارِسْتِيَّا): عَيْشُ سِرِّ القِيامَةِ فِي الجَماعَةِ، وَالدُّخُولُ فِي شَرِكَةِ الحَيَاةِ الجَديدَةِ.
· الشَّهادَة (الكَنيسَة): اِنْطِلاقُ المُؤمِنِ لِيُعْلِنَ القِيامَةَ، فَيُصْبِحُ شَاهِدًا لِلمَسِيحِ فِي العالَم.
وَبِهٰذَا، تَتَشَكَّلُ مَسِيرَةُ الإِيمَانِ لَيْسَ كَخِبْرَةٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ كَـرِحْلَةٍ وُجُودِيَّةٍ كَنَسِيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ: تَبدَأُ مِنَ الشَّكِّ، وَتَنْضُجُ فِي اللِّقاءِ، وَتَتَجَسَّدُ فِي الشَّرِكَةِ، وَتَكْتَمِلُ فِي الشَّهادَةِ.
ثالثًا: أبعادُ قيامةِ المسيحِ الرُّوحيّة
تَحْمِلُ قِيامةُ يسوع المسيح أَبْعادًا رُوحيّةً عَميقَةً، تَتَجاوَزُ الحَدَثَ التّاريخيَّ لِتَدخُلَ فِي سِرِّ الخَلاصِ وَتَحويلِ الإِنسان. فَهِيَ إِكْمَالُ الفِداء، وَتَمجيدُ الاِبن، وَتَحقيقُ النُّبوءات، وَمِحوَرُ الكِرازة، وَأَساسُ الإِيمان.
· القِيامةُ إِكْمَالُ عَمَلِ الفِداء: لَمْ يَبْدَأِ الفِداءُ بِالصَّليبِ فَحَسْب، بَلْ بِالتَّجَسُّد، وَتَكَمَّلَ بِالقِيامة. فَالمَسيحُ: تَأَلَّمَ عَنّا، وَماتَ بَدَلًا مِنّا، وَقامَ لِيُبَرِّرَنا. كَمَا يَقُولُ رسالة رومة: "أُسلِمَ إِلى المَوتِ مِن أَجْلِ زَلّاتِنا، وأُقيمَ مِن أَجْلِ بِرِّنا" (رو 4: 25). فَالقِيامةُ هِيَ خَتْمُ قَبولِ الذَّبيحة، وَبُرهانُ أَنَّ الخَلاصَ قَدْ تَمَّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ميليتيوس السرديني: "تَأَلَّمَ عَنِ المُتَأَلِّم، وَقُيِّدَ عَنِ المُقَيَّد، وَدُفِنَ عَنِ المَدفون، وَقامَ لِيُقيمَ الإِنسان" (Peri Pascha).
· القِيامةُ تَحويلُ مَعنى الأَلَم وَالصَّليب: بِضَوْءِ القِيامة، لَمْ يَعُدِ الأَلَمُ نِهايَةً، بَلْ طَريقًا إِلَى المَجد. فَكما يَقُولُ بولس الرسول: "إِذا شارَكْناهُ في آلامِهِ، نُشارِكُهُ في مَجدِهِ" (رو 8: 17). فِي القِيامة: المَوتُ يَصيرُ مَعبرًا، الصَّليبُ يَصيرُ مَجدًا والحُزنُ يَصيرُ رَجاءً. وَيُعَبِّرُ البابا فرنسيس: "القِيامةُ هِيَ انتصارُ المَحبّةِ الَّذي لَمْ يُلغِ الأَلَم، بَلْ حَوَّلَهُ إِلَى خَير". وَيُضيفُ الفيلسوف بول ريكور: "لَمْ يَأتِ المَسيحُ لِيُلغِي الأَلَم، بَلْ لِيَملأَهُ بِحُضورِهِ".
· القِيامةُ مَجدُ الاِبن وَإِعلانُه رَبَّا: بِالقِيامةِ، أَعلَنَ الآبُ مَجدَ الاِبن، فَصارَ رَبًّا وَمَسيحًا، قائِدًا وَمُخَلِّصًا ورَأسَ الزّاوية كَمَا أَعلَنَ بطرس الرسول:"جَعَلَهُ اللهُ رَبًّا وَمَسيحًا» (أع 2: 36)، و"سَيِّدًا وَمُخَلِّصًا" (أع 5: 31). فَالقِيامةُ لَيْسَتْ عَودَةً إِلَى الحَياة، بَلْ دُخولٌ فِي المَجدِ الإِلٰهيّ.
· القِيامةُ خَلقٌ جَديدٌ فِي المسيح: بِالقِيامةِ، يَظهَرُ المَسيحُ كَـ "آدَمَ الجَديد"، كَمَا يَقُولُ بولس الرسول: "كما يَموتُ الجَميعُ في آدَم، كَذلكَ سَيُحيَونَ في المَسيح» (1 قور 15: 22). فَالقِيامةُ لَيْسَتْ فَرديّة بَلْ شَامِلَة لِلبَشَرِيّة. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ إيريناؤس: "المَسيحُ أَعادَ خَلقَ الإِنسانِ فِي نَفسِهِ"(Adversus Haereses III,19, 3).
· القِيامةُ طَريقُ الحَياةِ الرُّوحيّة: كَشَفَتِ القِيامةُ قانُونًا رُوحيًّا عَميقًا: "إِنْ لَمْ تَمُتْ حَبَّةُ الحِنطَة… لا تُثمِر" (يوحنا 12: 24). فَالحَياةُ الرُّوحيّةُ تَقُومُ عَلَى المَوتِ عَنِ الذّات والتَّجرُّد والتَّضحية، وَبِذٰلِكَ نَعيشُ المُفارَقَةَ المَسيحيّة: "مَحزونينَ وَنَحنُ دائِمًا فَرِحون" (2 قور 6: 10). فَالقِيَامَةُ هِيَ تَحْوِيلُ الوُجُودِ كُلِّهِ فِي ضَوْءِ اللهِ:
هِيَ الاِنْتِقالُ مِنَ المَوْتِ إِلَى الحَيَاةِ،
وَمِنَ الأَلَمِ إِلَى المَجْدِ،
وَمِنَ الصَّلِيبِ إِلَى الإِكْلِيلِ،
وَمِنَ الخَطِيئَةِ إِلَى التَّبْرِيرِ،
وَمِنْ آدَمَ القَدِيمِ إِلَى آدَمَ الجَدِيدِ.
فَالقِيَامَةُ لَيْسَتْ نِهايَةَ الصَّلِيبِ، بَلْ مَعْناهُ العَميقُ؛ وَلَيْسَتْ إِلغَاءَ الأَلَمِ، بَلْ تَحْوِيلَهُ إِلَى مَجْدٍ وَحَيَاةٍ. وَمِنْ هُنا يَأْتِي السُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ الَّذِي يَمَسُّ حَياتَنا: هَلْ نَعِيشُ القِيَامَةَ كَفِكْرَةٍ نُؤْمِنُ بِهَا، أَمْ كَحَيَاةٍ جَدِيدَةٍ تُحَوِّلُ قُلُوبَنَا؟ فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لا يَتَوَقَّفُ عِندَ القُبُولِ العَقْلِيِّ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى خِبْرَةٍ مَعِيشَةٍ، حَيْثُ يَقُومُ الإِنْسَانُ مَعَ المَسِيحِ كُلَّ يَوْمٍ، فَيَخْرُجُ مِنْ قُبُورِ الخَوْفِ وَالخَطِيئَةِ، وَيَسِيرُ فِي جِدَّةِ الحَيَاةِ.
رابعًا: أبعادُ قيامةِ المسيحِ الكِرازيَّة (الإِرْسَالِيّة):
تُشكِّلُ قِيامةُ يسوع المسيح القَلْبَ النَّابِضَ لِكِرازَةِ الرُّسُل، وَالمِحوَرَ الأَساسِيَّ لِلبِشارةِ المَسيحيّة. فَلَمْ تَكُنْ رِسالَتُهُم مُجرَّدَ تَعاليمٍ أَخلاقيّة، بَلْ إِعلانًا لِحَدَثٍ خَلاصيٍّ: يَسوعُ الَّذي صُلِبَ قَد أَقامَهُ اللهُ. القِيَامَةُ تُوَلِّدُ الإِرْسَالِيَّةَ؛ فَمَنْ يَلْتَقِ بِالمَسِيحِ القَائِمِ، يُصْبِحُ بِالضَّرُورَةِ شَاهِدًا لَهُ. وهكذا تَنْطَلِقُ الكَنِيسَةُ مِنَ القَبْرِ الفَارِغِ، وَتَعِيشُ رِسَالَتَهَا كَشَهَادَةٍ حَيَّةٍ لِلْمَسِيحِ القَائِم.
· القِيَامَةُ أَسَاسُ البِشَارَة: يُعْلِنُ بولس الرسول: "وَإِنْ لَمْ يَكُنِ المَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا" (1كور 15: 14). فَالقِيَامَةُ لَيْسَتْ عُنْصُرًا ثَانَوِيًّا، بَلْ جَوْهَرُ الإِيمَانِ المُعْلَن. القِيَامَةُ هِيَ مَوضُوعُ الكِرَازَةِ الأُولَى (كِيرِيغما). فَلَا كَنِيسَةَ بِدُونِ إِعْلَانِ أَنَّ "يَسوعَ قَدْ قَامَ". حَوَّلَتِ القِيَامَةُ التَّلَامِيذَ مِنْ جَمَاعَةٍ خَائِفَةٍ إِلَى رُسُلٍ شُهُودٍ. فَأَصْبَحُوا يُبَشِّرُونَ بِجُرْأَةٍ: "هٰذَا يَسوعُ أَقَامَهُ اللهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذٰلِكَ" (أع 2: 32).
· مَضمونُ الكِرازَةِ الرَّسوليّة: يُعلِنُ بطرس الرسول فِي كِرازَتِهِ:"قَتَلتُم سَيِّدَ الحَياة، فأَقامَهُ اللهُ مِن بَينِ الأَموات، وَنَحنُ شُهودٌ على ذلك" (أعمال الرسل 3: 15). فَالكِرازَةُ تَرتَكِزُ عَلَى ثَلاثةِ أَعمدة: صَلبُ المَسيح وقِيامتُه شَهادَةُ الرُّسُل. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "لَمْ يَكْرِزِ الرُّسُلُ بِفِكرَةٍ، بَلْ بِحَدَثٍ شاهَدوهُ وَعاشوهُ" (PG 60).
· القِيامةُ أَساسُ الإِيمان: يُقَدِّمُ بولس الرسول أَقدَمَ صِيغَةٍ إِيمانيّةٍ لِلكَنيسةِ الأُولى: "المَسيحُ مات… وَقُبِر… وَقامَ في اليَومِ الثَّالِث" (1 قور 15: 3–4). ثُمَّ يُضيفُ: "وإِن كانَ المَسيحُ لَم يَقُمْ، فَتَبشيرُنا باطِل" (1 قور 15: 14). فَالقِيامةُ لَيْسَتْ جُزءًا مِن الإِيمان بَلْ أَساسُهُ الجَوْهَريّ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "لَو سَقَطَتِ القِيامة، سَقَطَ الإِيمانُ كُلُّه" (Augustine, Sermones, PL 38).
· القِيامةُ دَعوةٌ إِلَى الشَّهادَةِ الحَيّة: إِنَّ وُجودَ كَثيرينَ لَم يَسمَعوا بَعدُ بِالمَسيحِ القائِم هُوَ تَحدٍّ كَبيرٌ لِلكنيسة. فَنَحنُ مَدعوّونَ لِنَحمِلَ الرَّجاء ولِنَنقُلَ الإِيمان ولِنُجَسِّدَ المَحبّة. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير:"مَن عَرَفَ الحَقَّ وَلا يُعلِنُهُ، يَصيرُ مُدانًا بِصَمتِهِ" (PL 76, 1197)..
· القِيامةُ وَالتَّحدّي التاريخي: لَمْ يُنكِرْ خُصومُ الكَنيسةِ القَبْرَ الفارِغ، بَلْ سَعَوا إِلَى تَفسيرِهِ: "قولوا إِنَّ تَلاميذَهُ سَرَقوه" (مت 28: 13). وَهٰذا يَدُلُّ أَنَّ الحَدَثَ كانَ مَعروفًا لٰكِنَّ تَفسيرَهُ كانَ مَوضِعَ جِدال. وَيَقولُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "لَمْ يَستَطيعوا إِنكارَ الحَقيقَة، فَالْتَجَأوا إِلَى تَحريفِها" (Augustinus, Contra Faustum Manichaeum, PL, vol. 42, 207–518)
· سِفرُ الأَعمال: بَشارةُ القِيامة: يُمكِنُ وَصْفُ سفر أعمال الرسل بِأَنَّهُ إِنجيلُ القِيامة فِي حَياةِ الكَنيسة. فَكُلُّ خِطابٍ رَسوليّ يَدورُ حَولَ المَسيحِ المَصلوب وَالقائِمِ مِن بَينِ الأَموات
· القِيامةُ أَساسُ وِلادةِ الكَنيسة: لَو لَم تَكُنِ القِيامة لَمَا وُجِدَتِ الكَنيسة، وَلَمَا انطَلَقَتِ الكِرازَة، وَلَمَا وُجِدَ الإِيمان. فَالقِيامةُ هِيَ: نُقطةُ التَّحوُّل فِي تاريخِ الخَلاص. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ إيريناوس: "الكَنيسةُ تَعيشُ مِن قُوَّةِ القِيامة، وَبِها تَستَمِرُّ" (Adversus Haereses III,19, 3).
· القِيامةُ قُوَّةُ الحَياةِ الجَديدة: إِنَّ القُوَّةَ الَّتي أَقامَتِ المَسيحَ قادِرَةٌ أَنْ تُحيِي الإِنسانَ رُوحيًّا، وَتُجدِّدَ القُلوب، وَتُقيمَ النُّفوسَ مِن مَوتِ الخَطيئة، كَمَا يَقولُ بولس الرسول: "المَسيحُ قد قام… بَكرُ الَّذينَ رَقَدوا" (1 قور 15: 20).
خُلاصة القول: فَالقِيامةُ هِيَ مِحْوَرُ الكِرازَة، وَقَلْبُ الإِيمان، وَقُوَّةُ الحَياة. هَلْ إِيمانُنا بِالقِيامةِ يُترجَمُ فِي شَهادَةِ حَياتِنا، أَمْ يَبقى مُجرَّدَ عَقيدةٍ نُعلِنُها؟
رابعًا: أبعادُ قيامةِ المسيحِ الكنسيَّة: قِيامةُ المَسيحِ مَركَزُ إيمانِ الكَنيسة
تَكتَشِفُ الكَنيسةُ فِي خِبرةِ الفِصحِ أَنَّ قِيامةَ يسوع المسيح لَيْسَتْ مُجرَّدَ حَدَثٍ ماضٍ، بَلْ سِرٌّ حَيٌّ تُعاشُهُ كُلَّ يَوم. فَالقائِمُ مِن بَينِ الأَمواتِ لا يَغيبُ عَن كَنيسَتِهِ، بَلْ يَحيا فِيها وَمَعَها فِي الحَياةِ اليوميّة، وفِي الشَّرِكَةِ الأَخَوِيّة، وفِي الصَّلاةِ وَاللِّيتورجيا، وَفِي كَسرِ الخُبز. وَلِذٰلِكَ تُرنِّمُ الكَنيسةُ: "المسيح قام من بين الأموات، ووطِئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور". فَالقِيامةُ لَيْسَتْ عَقيدَةً تُحفَظ، بَلْ حَياةٌ تُعاش.
· القِيامةُ أَساسُ الإِيمانِ الكَنَسيّ: يُؤَكِّدُ بولس الرسول: "إِذا لَم يَكُنِ المَسيحُ قد قام، فإِيمانُكُم باطِل" (1 قور 15: 14). فَلَولا القِيامة لَمَا وُجِدَ إِيمان وَلَمَا وُجِدَت كَنيسة وَلَمَا كانَ لِلكِرازَةِ مَعنى. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس:"القِيامةُ هِيَ أَساسُ الإِيمان، فَمَنْ يَرفُضُها يَهدِمُ كُلَّ البِناء" (Augustine, Sermones, PL 38).
· القِيامةُ سِرٌّ يُعاشُ فِي الكَنيسة: تُدرِكُ الكَنيسةُ أَنَّ القِيامةَ حُضورٌ دائِم، فالمَسيحُ يَحيا فِي وَسَطِها، ويَتَجَلّى فِي أَسرارِها، ويَعملُ فِي أَبنائِها. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ إيريناؤس: "حَيثُ الكَنيسةُ هُناكَ رُوحُ الله، وَحَيثُ رُوحُ الله هُناكَ الحَياة" (Adversus Haereses III,19, 3). فَالقِيامة تَصيرُ خِبرةً كَنَسيّةً جَماعيّة.
· القِيامةُ حُضورٌ مُستَمِرّ فِي الكَنيسة: فِي كُلِّ لِيتورجيا، وَفِي كُلِّ صَلاة، وَفِي كُلِّ شَرِكَة المَسيحُ حاضِر وَالقِيامةُ حَيَّة. وَكَمَا يُعلَنُ فِي الشَّهادةِ الكَنَسيّة: "إِنَّ الحَياةَ سَتَنتَصِر".
خُلاصة القول: القِيامةُ لَيْسَتْ ماضِيًا نَتَذَكَّرُهُ، بَلْ حاضِرًا نَعيشُهُ؛ فَالكَنيسةُ هِيَ شَعبُ القِيامة، الَّذي يَحيا بِنورِ المَسيحِ القائِم إِلَى الأَبَد. القِيامةُ هِيَ قَلبُ الكَنيسةِ النَّابِض. هَلْ نَعيشُ القِيامةَ فِي حَياتِنا كَحُضورٍ حَيّ، أَمْ كَذِكرى بَعيدة؟
خامسًا: أبعادُ قيامةِ المسيحِ الأُخْرَوِيَّةُ (الإِسْخَاتُولُوجِيّ): القِيامةُ عُربونُ قِيامَتِنا
تُعلِنُ قِيامةُ يسوع المسيح أَنَّها لَيْسَتْ حَدَثًا يَخصُّهُ وَحدَه، بَلْ هِيَ عُربونُ قِيامَتِنا نَحنُ أَيْضًا. فَبِقِيامَتِهِ، فُتِحَ أُفُقُ الحَياةِ الأَبديّة، وَصارَ المَوتُ لَيْسَ نِهايَةً بَلْ عُبورًا إِلَى المَجد. فالقِيَامَةُ لَيْسَتْ نِهَايَةً، بَلْ بِدَايَةُ الخَلِيقَةِ الجَدِيدَةِ، وَبَاكُورَةُ القِيَامَةِ العَامَّةِ.
· المَسِيحُ بَاكُورَةُ الرَّاقِدِينَ يَقُولُ بولس الرسول: ""قَدْ قَامَ المَسِيحُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ" (1كور 15: 20). فَقِيَامَتُهُ ضَمانُ قِيامَتِنا: يُؤَكِّدُ بولس الرسول: "دُفِنّا مَعَهُ… لِنَحيا نَحنُ أَيضًا حَياةً جَديدة" (رو 6: 4). فَما حَدَثَ لِلمَسيح سَيَحدُثُ لِنا، وَما بَدَأَ فيه سَيَكتَمِلُ فِينَا. لِذٰلِكَ يُدعَى المَسيحُ: "باكورةُ الراقدين" (1 قور 15: 20)، و"أوَّلُ القائمين من بين الأموات" (أع 26: 23). فَهُوَ البِدايةُ الَّتي تَضمَنُ النِّهاية. لَمْ يَعُدِ المَوْتُ نِهَايَةً، بَلْ مَمَرًّا إِلَى الحَيَاةِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس: "بِقِيَامَةِ المَسِيحِ، صَارَ المَوْتُ مَمَرًّا لَا هَاوِيَةً".
· القِيامةُ حَياةٌ جَديدةٌ تَبدَأُ الآن: القِيامةُ لَيْسَتْ وَعدًا مُستَقبَليًّا فَحَسْب، بَلْ حَياةٌ تَبدَأُ مُنذُ الآن. يقولُ بولس الرسول: "أَحيانا معَ المَسيح… وأَقامَنا معه" (أف 2: 5–6). فَبِالمَعموديّة نَموتُ عَنِ الإِنسانِ القَديم وَنَقومُ مَعَ المَسيح. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الأورشليمي: "نَزلتُم إِلَى الماءِ كَأَنَّكُم إِلَى القَبر، وَخَرَجتُم كَأَنَّكُم قُمتُم مَعَ المَسيح"(Catecheses Lect. XIV, 1).
· القِيامةُ سُلطانُ المَسيحِ عَلَى الحَياةِ وَالمَوت: بِقِيامَتِهِ، صارَ المَسيحُ رَبًّا عَلَى الأَحياءِ وَالأَموات: "سَواءٌ حَيِينا أَم مُتْنا فَإِنَّنا لِلرَّبّ" (رو 14: 8). فَالحَياةُ وَالمَوتُ لَم يَعودا مُنفَصِلَين عَنِ الله بَلْ دَخَلا فِي سُلطانِ المَسيح
· القِيامةُ رَجاءُ الحَياةِ الأَبديّة: يُعلِنُ الرَّبُّ: "أَنا القِيامةُ والحَياة… مَن آمَنَ بي فَسَيَحيا" (يوحنا 11: 25). تُؤَسِّسُ القِيَامَةُ لِرَجَاءِ الإِنْسَانِ فِي الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ وَمُشَارَكَةِ مَجْدِ اللهِ (رو 8: 11). فَالإِيمانُ بِالقِيامة يَحرِّرُ مِن خَوفِ المَوت وَيَفتَحُ أُفُقَ الأَبديّة. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ غريغوريوس النيسي: "المَوتُ لَيْسَ إِلَّا عُبورًا إِلَى الحَياةِ الحَقيقيّة".
· القِيامةُ دَعوةٌ لِعَيشِ المَجد: يَدعونا بولس الرسول: "اطلُبوا ما فَوق… حَيثُ المَسيحُ" (كو 3: 1). فَالقِيامةُ تُغَيِّرُ اتِّجاهَ الحَياة وتَرفَعُ القَلبَ إِلَى العُلى وتَجعَلُنا نَعيشُ مَا لِله.
· القِيامةُ انتصارُ المُؤمِن: يَختِمُ بولس الرسول: "الشُّكرُ للهِ الَّذي آتانا النَّصر" (1 قور 15: 57). فَالقِيامةُ غَلَبَةٌ عَلَى الخَطيئة ونُصرةٌ عَلَى المَوت ورَجاءٌ لا يَخيب.
· القِيَامَةُ تَكْشِفُ أُفُقَ الأَبَدِيَّةِ، وَتَضَعُ حَيَاةَ الإِنْسَانِ فِي مَسَارِ المَجْدِ: يُعلِنُ سفر الرؤيا: "الغالبُ سأُعطيه أن يجلس معي على عرشي" (رؤ 3: 21). فَنِهايَةُ القِيامة شَرِكَةٌ فِي مَجدِ الله.
سادسًا: أبعادُ قيامةِ المسيحِ الحَضَارِيَّة (الإِنْسَانِيّة–الثَّقَافِيّة): قِيامةُ المَسيحِ حَضارَةُ الحَياة
تُعلِنُ قِيامةُ يسوع المسيح أَنَّها لَيْسَتْ فَقط حَدَثًا لاهوتيًّا أَو تاريخيًّا، بَلْ هِيَ حَضارَةٌ جَديدةٌ لِلحَياة بَناها المَسيحُ فِي قَلبِ كَنيسَتِهِ، وَدَعانا أَنْ نُجَسِّدَها فِي العالَم.
· القِيامةُ مَشروعُ حَياةٍ لِلعالَم: بِقِيامَتِهِ، لَمْ يَترُكِ المَسيحُ العالَمَ لِلمَوت، بَلْ أَطلَقَ فِيهِ قُوَّةَ الحَياة وَدَعاهُ إِلَى التَّجدُّد وَجَعَلَهُ قادِرًا عَلَى التَّحوُّل. فَالقِيامةُ لَيْسَتْ ذِكرى، بَلْ رِسالَةٌ لِتَغييرِ العالَم والتَّارِيخَ وَالثَّقَافَةَ وَيُؤَكِّدُ البابا يوحنا بولس الثاني مِن كَنيسةِ القِيامة: "هُنا نُجَدِّدُ إِيمانَنا بِالرَّبِّ القائِم… وَنَتَجَدَّدُ فِي الرَّجاءِ لِبِناءِ عالَمٍ أَكثَرَ وَحدةً وَسَلامًا".
· كَرَامَةُ الإِنْسَان: إِذَا كَانَ المَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَالإِنْسَانُ مَدْعُوٌّ لِلْحَيَاةِ، لَا لِلْفَنَاءِ. وَمِنْ هُنَا تَنْبُعُ قِيمَةُ الجَسَدِ وَكَرَامَةُ الشَّخْصِ البَشَرِيّ.
· القِيامةُ دَعوةٌ إِلَى الشَّهادَةِ الحَيّة: إِنَّ وُجودَ كَثيرينَ لَم يَسمَعوا بَعدُ بِالمَسيحِ القائِم هُوَ تَحدٍّ كَبيرٌ لِلكنيسة. فَنَحنُ مَدعوّونَ لِنَحمِلَ الرَّجاء ولِنَنقُلَ الإِيمان ولِنُجَسِّدَ المَحبّة. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير:"مَن عَرَفَ الحَقَّ وَلا يُعلِنُهُ، يَصيرُ مُدانًا بِصَمتِهِ" (PL 76, 1197)..
· القِيامةُ فِي وَجهِ عالَمِ الأَلَم: فِي عالَمٍ مَليءٍ بِالعُنف وَالانقِسام وَاليَأس تُعلِنُ القِيامة أَنَّ الحَياةَ أَقوَى مِنَ المَوت. وَيُؤَكِّدُ البابا فرنسيس:"القِيامةُ هِيَ انتصارُ المَحبّةِ عَلَى جُذورِ الشَّر".
· القِيامةُ الحَدَثُ المِحوَريّ فِي التّاريخ: القِيامةُ هِيَ الحَدَثُ الفَريد، وَمِحوَرُ التّاريخ وَذِروَةُ التّدبيرِ الإِلٰهيّ. لَمْ يَستَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَتَنَبَّأَ بِقِيامَتِهِ وَيُتِمَّهَا إِلَّا يسوع المسيح.
· القِيامةُ رِسالَةُ رَجاءٍ شَامِل: يُؤَكِّدُ بولس الرسول "إِذا اتَّحَدْنا بِهِ… سَنَكونُ على مِثالِهِ في القِيامة" (رو 6: 5). فَالقِيامةُ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالمَسيح بَلْ مَصيرُ الإِنسان. وَيُعبِّرُ أَيْضًا: "ما لَم تَرَهُ عَين… أَعَدَّهُ الله" (1 قور 2: 9).
· القِيامةُ دَعوةٌ لِبِناءِ حَضارَةِ الحَياة: فِي عالَمٍ يَغلُبُ عَلَيه العُنف واليَأس والظُّلم تُعلِنُ القِيامةُ "حَضارَةَ الحَياة". وَيُؤَكِّدُ يوحنا بولس الثاني: "هُنا، أَمامَ القَبرِ الفارِغ، نَسمَعُ المَسيحَ يَقول: لا تَخافوا، إِنّي غَلَبتُ العالَم". القِيامةُ تَدعونا إِلَى صُنعِ السَّلام وإِقامَةِ العَدل وبَناءِ المُصالَحة وخِدمةِ الإِنسان. فَالمَسيحُ القائِم يُريدُ عالَمًا أَكثَرَ إِنسانيّةً. فَالقِيَامَةُ هِيَ تَحْوِيلُ الوُجُودِ كُلِّهِ فِي ضَوْءِ اللهِ: هِيَ الاِنْتِقالُ مِنَ المَوْتِ إِلَى الحَيَاةِ. فَالقِيَامَةُ لَيْسَتْ نِهايَةَ الصَّلِيبِ، بَلْ مَعْناهُ العَميقُ؛ وَلَيْسَتْ إِلغَاءَ الأَلَمِ، بَلْ تَحْوِيلَهُ إِلَى مَجْدٍ وَحَيَاةٍ.
· القِيامةُ مِعيارُ الحَياةِ الجَديدة: كَشَفَتِ القِيامةُ قانُونًا رُوحيًّا جَديدًا: الحَياةُ تَمرُّ بِالمَوت والمَجدُ يَعبُرُ بِالأَلَم والفَرَحُ يَخرُجُ مِنَ الحُزن. كَمَا قالَ الرَّبُّ: "إِنْ لَمْ تَمُتْ حَبَّةُ الحِنطَة… لا تُثمِر" (يوحنا 12: 24). فَالحَياةُ المَسيحيّةُ هِيَ مَسيرةُ مَوتٍ وَقِيامةٍ مُستَمِرّة. فِي القِيامةِ نَرى انتصارَ الحَياةِ عَلَى المَوت، النُّورَ عَلَى الظُّلمَة، والرَّجاءَ عَلَى اليَأس. وَيُعَبِّرُ البابا فرنسيس:"المسيح رجائي قد قام!". فَالقِيامةُ هِيَ الإِعلانُ النِّهائيّ لِانتصارِ الله. إِنَّ قِيَامَةَ المَسِيحِ هِيَ َقُوَّةٌ تُغَيِّرُ التَّارِيخ وَكَمَا يَقُولُ يوحنا الذهبي الفم: "قَامَ المَسِيحُ، فَسَقَطَ المَوْتُ، وَتَحَرَّرَ الإِنْسَان".
· بِنَاءُ الحَضَارَةِ: أَثَّرَتِ القِيَامَةُ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ: فِي الفَنِّ (الأَيْقُونَات، الكَاتِدْرَائِيَّات)، وفِي الأَخْلَاقِ (المَحَبَّة، الخِدْمَة)، وفِي القَوَانِينِ (كَرَامَةُ الإِنْسَان). القِيَامَةُ تُعِيدُ إِنْسَانِيَّةَ الإِنْسَانِ وَتُؤَسِّسُ لِحَضَارَةِ الحَيَاةِ وَالمَحَبَّةِ.
وَمِنْ هُنا يَأْتِي السُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ الَّذِي يَمَسُّ حَياتَنا: هَلْ نَعِيشُ القِيَامَةَ كَفِكْرَةٍ نُؤْمِنُ بِهَا، أَمْ كَحَيَاةٍ جَدِيدَةٍ تُحَوِّلُ قُلُوبَنَا؟ فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لا يَتَوَقَّفُ عِندَ القُبُولِ العَقْلِيِّ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى خِبْرَةٍ مَعِيشَةٍ، حَيْثُ يَقُومُ الإِنْسَانُ مَعَ المَسِيحِ كُلَّ يَوْمٍ، فَيَخْرُجُ مِنْ قُبُورِ الخَوْفِ وَالخَطِيئَةِ، وَيَسِيرُ فِي جِدَّةِ الحَيَاةِ. هَلْ نُساهِمُ فِي بِنَاءِ حَضارَةِ الحَياة، أَمْ نَبقَى مُتَفَرِّجينَ عَلَى عالَمٍ يَتَأَلَّم؟
سابعًا: أبعادُ قيامةِ المسيحِ المستقبلية: قِيامةُ المَسيحِ هَدَفُ رَجائِنا
تُعلِنُ قِيامةُ يسوع المسيح أَنَّها لَيْسَتْ فَقط حَدَثًا خَلاصيًّا، بَلْ هَدَفُ رَجائِنا وَأُفُقُ حَياتِنا. فَبِقِيامَتِهِ، أُعطِيَ لِلوُجودِ الإِنسانيِّ مَعنى جَديد، وَصارَ الرَّجاءُ مُمكِنًا فِي وَسطِ الآلامِ وَالمَآسي.
· القِيامةُ أَساسُ الرَّجاءِ المَسيحيّ: يُؤَكِّدُ بولس الرسول: "إِن كانَ رَجاؤُنا في المَسيحِ مَقصورًا على هذهِ الحَياة، فَنَحنُ أَشقى جَميعِ النّاس… كَلّا! إِنَّ المَسيحَ قد قام" (1 قور 15: 19–20). فَالقِيامةُ تُنقِذُ الرَّجاءَ مِنَ العَدَميّة وَتُحوِّلُ الحَياةَ مِن عَبَثٍ إِلَى مَعنى وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "رَجاؤُنا لَيْسَ فِي هٰذا العالَم، بَلْ فِي المَسيحِ القائِم" (Enarr. in Ps.).
· القِيامةُ وِلادَةُ رَجاءٍ حَيّ: يُعلِنُ بطرس الرسول "وُلِدنا لِرَجاءٍ حَيٍّ بِقِيامَةِ يسوع" (1 بط 1: 3). فَالرَّجاءُ المَسيحيّ لَيْسَ تَفاؤلًا بَشَريًّا بَلْ حَياةً جَديدةً مَبنيّةً عَلَى القِيامة.
· القِيامةُ ضَمانُ المُستَقبَل: يُؤَكِّدُ بولس الرسول: "سَيُغَيِّرُ جَسَدَنا… على صُورةِ جَسَدِهِ المَجيد" (في 3: 21). فَالقِيامةُ تَضْمَنُ المُستَقبَل وَتَفتَحُ أُفُقَ الأَبديّة، لِأَنَّ مَنْ قامَ، يُقِيمُ.
· القِيامةُ ثِقَةٌ فِي وُعودِ الله: بِما أَنَّ المَسيحَ "قامَ كما قال" (مت 28: 6)، فَكُلُّ وُعودِهِ صادِقَة. لِذٰلِكَ نُؤمِنُ بِالحَياةِ الأَبديّة وبِالشَّفاعَةِ الدّائِمَة بِالحُضورِ الإلهي.
· القِيَامَةُ ثَقَافَةُ الرَّجَاءِ: تُقَدِّمُ قِيَامَةُ المَسِيحِ ثَقَافَةَ الرَّجَاءِ بَدِيلًا عَنِ اليَأْسِ، وَثَقَافَةَ الحَيَاةِ بَدَلًا مِنْ ثَقَافَةِ المَوْت، وَالمَغْفِرَةَ بَدَلًا مِنَ العُنْفِ، وَالرَّجَاءَ بَدَلًا مِنَ العَدَمِيَّةِ. بِالقِيَامَةِ يَتَحَوَّلُ الخَوْفُ إِلَى شَجَاعَةٍ، وَاليَأْسُ إِلَى رَجَاءٍ، وَالمَوْتُ إِلَى حَيَاةٍ، وَالظُّلْمَةُ إِلَى نُورٍ. فَالرَّجَاءُ المَسِيحِيُّ لَمْ يُولَدْ مِنْ نَظَرِيَّةٍ فِكْرِيَّةٍ، بَلْ مِنْ حَدَثٍ خَلَاصِيٍّ حَقِيقِيٍّ: القَبْرِ الفَارِغِ.
· القِيامةُ دَعوةٌ لِلحَياةِ مَعَ المَسيح: القِيامةُ لَيْسَتْ أَنْ نَقومَ فَحَسْب، بَلْ أَنْ نَحيا مَعَ المَسيح: "سَتَكونونَ مَعي حَيثُ أَنا" (يوحنا 14: 3). فَهِيَ شَرِكَة وَحَياة وَمَجد
· القِيامةُ هَدَفُ التّاريخِ الإِنسانيّ: إِنَّ القِيامةَ لَيْسَتْ نِهايَةَ قِصَّة بَلْ غايَةَ التّاريخ. كَمَا يَقولُ بولس الرسول: "ما لَم تَرَهُ عَين… أَعَدَّهُ الله" (1 قور 2: 9).
خُلاصَةُ القَوْلِ: فِي القِيَامَةِ يَتَجَلَّى رَجَاءُ الخَلاصِ، وَيُعادُ تَعْريفُ المَوْتِ وَالحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ وَالإِيمَانِ. فَهِيَ لَيْسَتْ حَدَثًا مَاضِيًا فَقَط، بَلْ يَقِينٌ حَيٌّ يَسكُنُ قَلْبَ المُؤْمِنِ. القِيَامَةُ هِيَ رَجاؤُنا الأَكيدُ: فَمَنْ آمَنَ بِالمَسِيحِ القائِمِ، يَحمِلُ فِي داخِلِهِ نُورَ الأَبَدِيَّةِ، وَيَسِيرُ فِي التَّارِيخِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ النِّهايَةَ لَيْسَتْ مَوْتًا، بَلْ مَجْدًا. فَالقِيَامَةُ هِيَ أُفُقُ الحَيَاةِ الإِنسَانِيَّةِ وَغايَتُها، وَالمِفْتاحُ الَّذِي يُعْطِي مَعْنًى لِكُلِّ تَجْرِبَةٍ بَشَرِيَّةٍ، حَتَّى الأَلَمِ وَالمَوْتِ.
وَمِنْ هُنَا يَنبَعُ السُّؤَالُ الوُجُودِيُّ: هَلْ نَعِيشُ بِرَجَاءِ القِيَامَةِ، أَمْ نَتَصَرَّفُ كَأَنَّ المَوْتَ هُوَ النِّهايَة؟ لِأَنَّ الَّذِي يَعِيشُ القِيَامَةَ، لا يَخافُ النِّهايَةَ، بَلْ يَحْيا كُلَّ يَوْمٍ فِي نُورِ الرَّجَاءِ، وَيَشْهَدُ بِحَيَاتِهِ أَنَّ الحَيَاةَ أَقْوَى مِنَ المَوْتِ، وَأَنَّ المَجْدَ هُوَ الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ.
الخُلاصَةُ
تُجَسِّدُ خِتامُ روايةِ القِيامةِ في إنجيل يوحنا (20: 1-10) مَسيرةَ الإيمانِ مِنَ الرُّؤيةِ إِلَى التَّصديق، وَمِنَ العَلامةِ إِلَى الحَقيقة. فَقَدِ اكتَشَفَت مريم المجدلية القَبرَ مَفتوحًا، لٰكِنَّها لَم تَفهم سِرَّهُ، بَلْ أَسرَعَت تُخبِرُ بطرس الرسول وَيوحنا الرسول.
دَخَلَ بُطرُسُ أَوَّلًا، فَرَأَى وَتَعَجَّبَ (لو 24: 12)، إِلَّا أَنَّهُ لَم يَبلُغِ الإِيمانَ فِي الحال. أَمَّا التِّلميذُ الحَبيبُ، فَقَد "رَأى وَآمَنَ" (يوحنا 20: 8)، مُعلِنًا أَنَّ المَحبَّةَ تُسرِعُ إِلَى الإِيمان، وَأَنَّ الإِيمانَ يَتَجاوَزُ الرُّؤيةَ الحِسِّيّة.
وَعِندَما فَهِمَ التَّلاميذُ الكِتابَ المُقَدَّس، لَم يَعودوا يَحتاجونَ إِلَى الرُّؤيةِ أَوَّلًا، بَلْ آمَنوا بِقُوَّةِ الكَلِمَة. وَفِي هٰذا السِّياقِ يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أوغسطينوس:"الإِيمانُ بِمَوتِ المَسيحِ يَشترِكُ فيهِ كَثيرون، أَمَّا الإِيمانُ بِقِيامَتِهِ فَهُوَ خَاصِّيَّةُ المُؤمِنين" (Augustine, Sermones, PL 38.
إِنَّ قِيامةَ يسوع المسيح هِيَ خَتْمُ قَبولِ الذَّبيحة وَإِعلانُ وَفاءِ دَينِ الخَطيئة وَبِدايةُ الحَياةِ الجَديدة. فَإِنْ كانَ قَد ذُبِحَ لأَجلِنا، فَقِيامَتُهُ تُؤَكِّدُ أَنَّ الخَلاصَ قَد تَمَّ. وَإِنْ كانَ قَد صُلِبَ عَن خَطايانا، فَقِيامَتُهُ تُعلِنُ أَنَّ المَوتَ قَد غُلِبَ. يُعلِنُ الرَّبُّ: "أَنا القِيامةُ والحَياة" (يوحنا 11: 25). وَبِذٰلِكَ لا يَبقى الإِيمانُ فِكرًا بَلْ يَصيرُ حَياةً مُشتَرَكَةً مَعَ المَسيح كَمَا يُؤَكِّدُ بولس الرسول: "أَحيانا مَعَ المَسيح… وَأَقامَنا مَعَه" (أف 2: 5–6). إِنَّ الإِيمانَ بِالقِيامةِ يُعيدُ تَوجِيهَ وُجودِنا كُلِّهِ: "اطلُبوا ما فَوق… حَيثُ المَسيح" (كو 3: 1). فَالمُؤمِنُ يَعيشُ فِي العالَم لٰكِنَّهُ يَتَّجِهُ نَحوَ السَّماء.
القِيامةُ هي جَوهَرُ الإِيمانِ المَسيحيّ. تَتَجَلّى أَهمِّيَّةُ القِيامةِ فِي أَنَّها تَحقيقُ النُّبوءات وخِتامُ عَمَلِ الفِداء ومِحورُ الكِرازَةِ الرَّسوليّة وأَساسُ الإِيمانِ الكَنَسيّ. وَهِيَ الآيَةُ الحاسِمَةُ الَّتي أَعطاها المَسيحُ لِتَأكيدِ رِسالَتِهِ (مت 12: 39–40).
فِي القِيامةِ، لَم يَخرُجِ المَسيحُ مِنَ القَبرِ فَحَسْب، بَلْ أَخرَجَ الإِنسانَ مِن ظُلمَةِ المَوتِ إِلَى نُورِ الحَياة؛ فَمَنْ آمَنَ بِهِ، لا يَعودُ يَعيشُ لِذاته، بَلْ لِمَجدِ اللهِ، وَيَسيرُ فِي التّاريخِ وَهُوَ يَحمِلُ فِي داخِلِهِ بَذْرَ الأَبديّة. إِنَّ القِيامةَ لَيْسَتْ حَدَثًا ماضِيًا وَلا فِكرَةً لاهوتيّة بَلْ هِيَ حَقيقةٌ تُحَوِّلُ الحَياة، وَنُورٌ يُضِيءُ التّاريخ وَرَجاءٌ يَفتَحُ الأَبديّة. فقِيامةُ المَسيحِ مَركَزُ إيمانِ الكَنيسة، القِيامةُ عُربونُ قِيامَتِنا، قِيامةُ المَسيحِ حَضارَةُ الحَياة، قِيامةُ المَسيحِ هَدَفُ رَجائِنا. القِيَامَةُ إِذًا لَيْسَتْ حَدَثًا مَاضِيًا فَقَط، بَلْ وَاقِعًا يَتَجَدَّدُ فِينَا—إِذَا فَتَحْنَا لَهُ قُلُوبَنَا. لِأَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ يَبْلُغُ كَمَالَهُ عِندَمَا تَتَحَوَّلُ القِيَامَةُ مِنْ حَدَثٍ نُؤْمِنُ بِهِ إِلَى حَيَاةٍ نَحْيَاهَا، وَمِنْ عَقِيدَةٍ نُقِرُّ بِهَا إِلَى شَرِكَةٍ نَعِيشُهَا، فِي جَسَدِ المَسِيحِ وَدَمِهِ. هَلْ نَعيشُ كَأُناسٍ قَاموا مَعَ المَسيح، أَمْ نَزالُ نَبحثُ عَنهُ فِي القُبور؟
يا رَبَّنا يَسوعَ المَسيحَ القائِمَ مِن بَينِ الأَموات، يا مَن حَوَّلتَ ظُلمَةَ القَبرِ إِلَى نُورٍ، وَالمَوتَ إِلَى حَياة، اِمنَحنا أَن نَنتَقِلَ مِنَ الشَّكِّ إِلَى الإِيمان، وَمِنَ الإِيمانِ إِلَى اللِّقاء، وَمِنَ اللِّقاءِ إِلَى الشَّهادَة، لِكَي نَحيا قُوَّةَ قِيامَتِكَ فِينا، وَنَصيرَ شُهُودًا لَكَ فِي العالَم، لَكَ المَجدُ مَعَ الآبِ وَالرّوحِ القُدُس، الآنَ وَكُلَّ أَوانٍ، وَإِلَى دَهرِ الدَّاهِرين. آمين.
دُعاء فِصحيّ في زَمَنِ الحرب
يا إِلٰهَ الحَياةِ،
يا مَن أَشرَقتَ بِقِيامَةِ يسوع المسيح نُورًا لا يَغيب،
في زَمَنِ الفَراغِ الرُّوحيِّ وَالسِّياسيِّ وَالاِقتِصاديِّ وَالاِجتِماعيِّ النّاجِمِ عَنِ الحُروبِ وَالأَزمات،
يُضِيءُ نُورُ قِيامَتِكَ المَجيدة دُروبَنا بِالرَّجاءِ،
وَيُبَدِّدُ عَنّا ظِلالَ الخَوفِ وَكَوَابيسَ الفَناء.
لِذٰلِكَ نَرْفَعُ أَعْيُنَنا نَحوَ كنيسة القيامة،
أَمامَ القَبرِ الفارِغ،
لِنُجَدِّدَ إِيمانَنا بِأَنَّكَ أَنتَ وَحدَكَ القادِرُ أَنْ تَملَأَ كُلَّ فَراغٍ فِي قُلوبِنا وَعَالَمِنا،
لِأَنَّكَ قَدِ انتَصَرْتَ عَلَى المَوتِ،
كَمَا بَشَّرَتِ المَلائِكَة:
"إِنَّهُ لَيسَ ههُنا، بَلْ قام" (لو 24: 6).
طِلْبَات
يا رَبُّ، نَدعوكَ وَنَحنُ نُؤمِنُ أَنَّكَ حَيٌّ وَحاضِرٌ مَعَنا،
وَأَنَّكَ لا تَترُكُنا وَحدَنا فِي الضِّيق:
اُنظُرْ بِرَحمَتِكَ إِلَى شُعوبِ الأَرضِ الَّتي تَعيشُ أَصعَبَ الظُّروفِ وَالتَّحَدِّيات،
لِأَجلِ استِمرارِ الحَياةِ الإِنسانيّة.
اُنظُرْ إِلَى جِراحاتِ البَشَريّةِ المُتَأَلِّمَة،
وَإِلَى كُلِّ مَن أُصيبوا بِالأَوبِئَةِ وَالأَمراض.
اُنظُرْ إِلَى المَرضى وَالمُسِنّينَ وَالعُزَّل،
وَإِلَى كُلِّ مَن يَعيشونَ وَحدَهُم فِي الخَوف.
اُنظُرْ إِلَى الأُسَرى وَاللّاجِئينَ وَالمُشَرَّدينَ،
وَإِلَى كُلِّ مَن فَقَدوا المَأوَى وَالأَمان.
اُنظُرْ إِلَى الفُقَراءِ وَالمُحتاجين،
وَإِلَى كُلِّ مَن يُصارِعونَ صُعوباتٍ اِقتِصاديّة.
اُنظُرْ بِرَأفَتِكَ إِلَى الأَطِبّاءِ وَالمُمَرِّضين،
الَّذينَ يُضَحّونَ بِصِحَّتِهِم خِدمَةً لِلمُتَأَلِّمين.
اُنظُرْ إِلَى المَسؤولينَ وَأَصحابِ القرار،
وَأَلْهِمْهُم الحِكمَةَ لِيَخدِموا الخَيرَ العام.
اُنظُرْ إِلَى قُوى الأَمنِ وَكُلِّ مَن يَسعَونَ لِحِفظِ السَّلام.
اُنظُرْ إِلَى الَّذينَ رَحَلوا عَنّا،
وَإِلَى العائِلاتِ الَّتي تَبكي أَحبّاءَها،
وَامْنَحْهُم تَعزِيَةَ الرَّجاءِ.
مِن أَجلِ العالَم
يا رَبُّ، اُنظُرْ بِرَحمَتِكَ إِلَى:
الحُروبِ الَّتي تُدَمِّرُ الشُّعوب
وَالتَّوَتُّراتِ فِي الأَرضِ المُقَدَّسَة
وَالمُعاناةِ فِي سوريا وَاليمن وَالعراق وَلبنان
وَآلامِ النّاسِ فِي أوكرانيا
وَكُلِّ مَن يَتَعَرَّضونَ لِلعُنفِ وَالإِرهاب فِي أَنحاءِ العالَم
نَصرُخُ إِلَيكَ يا أَبانا الرَّحيم، مَعَ بولس الرسول:
"لا شِدَّةٌ ولا ضِيقٌ ولا جُوعٌ ولا خَطَرٌ يَقدِرُ أَنْ يَفصِلَنا عَن مَحبَّتِكَ… بَلْ فِي ذلِكَ كُلِّهِ نَغلِبُ غَلَبَةً تامَّةً" (رو 8: 35–37).
يا رَبّ، أَنتَ الَّذي وَحَّدتَ لاهوتَكَ بِنَاسوتِنا، وَنَاسوتَنا بِلاهوتِكَ،
وَحَياتَكَ بِمَوتِنا، وَمَوتَنا بِحَياتِكَ،
أَخَذتَ ما لَنا وَوَهَبتَنا ما لَكَ، فَأَحْيِنا وَخَلِّصْنا،
وَاجعَلنا شُهُودًا لِنُورِ قِيامَتِكَ، فِي عالَمٍ يَتَعَطَّشُ إِلَى الحَياة. آمين