موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
شهد مفهوم المواطنة تحولات متسارعة بفعل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والعالمية. فلم تعد المواطنة تقتصر على الانتماء إلى الدولة والالتزام بحقوقها وواجباتها، بل أصبحت تعبيرًا عن فاعلية الفرد وقدرته على المشاركة والمسؤولية والتأثير في مجتمعه. ومن هنا برز مفهوم المواطنة الوطنية الفاعلة التي تتجاوز المعرفة بالحقوق والواجبات إلى المشاركة المدنية، واحترام التنوع، وتحمل المسؤولية، والإسهام في الصالح العام.
وانعكس هذا التحول على فلسفة التربية والسياسات التعليمية؛ فأصبحت التربية على المواطنة تتجه من نقل المعرفة والقيم بصورة تلقينية إلى بناء المتعلم القادر على التفكير النقدي، والحوار، واتخاذ القرار، والمشاركة وتحمل المسؤولية. كما تطورت المناهج والاستراتيجيات التعليمية من التركيز على المعلومات إلى التعلم النشط، والممارسة، والمشروعات، والتعلم القائم على المشكلات، وربط التعلم بقضايا المجتمع. وأصبح المعلم ميسّرًا للتعلم ونموذجًا للمواطنة الفاعلة، وليس مجرد ناقل للمعرفة.
ومع انتقال جانب متزايد من حياة الأفراد إلى الفضاء الرقمي، تطور مفهوم المواطنة ليشمل المواطنة الرقمية. وهي لا تعني مجرد القدرة على استخدام التكنولوجيا، وإنما تشير إلى قدرة الفرد على الحضور والمشاركة والتفاعل المسؤول والآمن والأخلاقي في البيئة الرقمية. وتشمل ذلك الوعي بالحقوق والمسؤوليات الرقمية، واحترام الآخرين، وحماية الخصوصية، والتفكير النقدي في المعلومات، ومواجهة التضليل وخطاب الكراهية، والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة عبر الوسائط الرقمية.
وقد فرض ظهور المواطنة الرقمية بدوره تحولًا في فلسفة التربية والسياسات والمناهج؛ فلم يعد المطلوب تعليم استخدام الأدوات الرقمية فحسب، بل إعداد مواطن قادر على ممارسة حقوقه ومسؤولياته في الفضاء الرقمي. ولذلك اتجهت الاستراتيجيات التعليمية إلى تنمية الثقافة الرقمية، والأمن والخصوصية، والأخلاقيات الرقمية، والتفكير النقدي، والمشاركة الرقمية، مع تطوير دور المعلم ليصبح موجّهًا وميسرًا للممارسة الرقمية المسؤولة.
ثم اتسع نطاق المواطنة ليعكس تشابك المجتمعات وتجاوز القضايا المعاصرة للحدود الوطنية، فبرزت المواطنة العالمية التي تقوم على إدراك الترابط بين الشعوب، واحترام التنوع الثقافي والإنساني، وتحمل المسؤولية تجاه القضايا المشتركة مثل السلام، وحقوق الإنسان، والعدالة، والاستدامة.
وهنا تتوسع فلسفة التربية من بناء المواطن الوطني والرقمي إلى بناء إنسان واعٍ بترابط العالم ومسؤولياته المشتركة. وتنعكس هذه الرؤية في السياسات والاستراتيجيات التعليمية والمناهج من خلال إدماج حقوق الإنسان، والتنوع، والاستدامة، والسلام، وأهداف التنمية المستدامة، والتعلم بين الثقافات. كما يتطور دور المعلم ليصبح وسيطًا بين المتعلم والعالم، يساعده على فهم القضايا العالمية والمشاركة فيها بصورة نقدية ومسؤولة.
أما التطور الأحدث فيتمثل في بروز الحاجة إلى التفكير في المواطنة في عصر الذكاء الاصطناعي (AI Citizenship)؛ حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة يستخدمها المواطن، بل أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي تشارك بصورة متزايدة في تشكيل المعرفة، واتخاذ القرارات، وإنتاج المعلومات، والتواصل، والتأثير في المجال العام. ومن ثم تبرز الحاجة إلى مواطن يمتلك الوعي والقدرة على الفهم والتقييم والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على الوكالة الإنسانية والمدنية.
ويستدعي ذلك انتقالًا جديدًا في فلسفة التربية والسياسات والاستراتيجيات والمناهج؛ من مجرد إعداد مواطن رقمي قادر على استخدام التكنولوجيا إلى إعداد مواطن قادر على فهم الذكاء الاصطناعي، وتقييم مخرجاته، واستخدامه بصورة أخلاقية ومسؤولة، ومساءلة آثاره على الإنسان والمجتمع. كما يتغير دور المعلم مرة أخرى، ليصبح شريكًا في بناء الوعي النقدي بالذكاء الاصطناعي، وموجهًا لاستخدامه بما يعزز التفكير الإنساني والوكالة المدنية، لا أن يحل محلها.
وبذلك يمكن النظر إلى المسار المفاهيمي والتربوي بوصفه انتقالًا من:
المواطنة الوطنية الفاعلة -المواطنة الرقمية- المواطنة العالمية- المواطنة في عصر الذكاء الاصطناعي.
وهذا الانتقال لا يعني استبدال مفهوم بآخر، وإنما توسيع تدريجي لمجال المواطنة ومسؤوليات المواطن وقدرته على الفعل والتأثير، وبالتوازي إعادة تشكيل فلسفة التربية، والسياسات والاستراتيجيات التعليمية، والمناهج، وأدوار المعلمين بما يستجيب لتحولات المجتمع والتكنولوجيا وطبيعة الحياة المدنية الجديدة.
والفكرة المركزية التي يمكن أن نختم بها:
لم يعد السؤال التربوي المعاصر: ماذا يجب أن يعرف المواطن؟، بل أصبح: كيف نُعدّ مواطنًا قادرًا على الفعل المسؤول في الوطن، والفضاء الرقمي، والعالم، وفي بيئة يشترك فيها الإنسان والذكاء الاصطناعي في تشكيل المستقبل.