موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٩ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢١

ماذا عليّ أن أعمل لأرث الحياة الأبدية؟

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
ماذا عليّ أن أعمل لأرث الحياة الأبدية؟

ماذا عليّ أن أعمل لأرث الحياة الأبدية؟

 

الأحد الثامن والعشرون (مر 10: 17-30)

 

الأسواق الشعبيّة كالبازارات، والأسواق الأسبوعية على الشوارع، تجذب الجماهيرأ التي تفتّش عن أشياء تنقصها، لتحصل على شيء من السّعادة. يشجّعها على اختيار هذه الأشياء أصحاب البازارات بأصواتٍ عالية تمدح كلَّ ما هو معروضٌ على طاولات البيع. كثيرا ما تسمع المديح: إقتربوا وشاهدوا، وستتحققوا بأنفسكُم من ذلك. فيزداد شوق السامعين، رافعين الرّؤوس والأعناق، وفاتحيّي الأعين والأفواه، بل ويلمسون بعض الأشياء بأيديهم، حتى يتحقّقوا من صحَّتِها. هذا وإن نقص شيءٌ في بالهم، فيقتربون بالأكثر من التاجر ويسألونه عن هذا أو ذاك، الّذي ينقصهم، فإن وجدوه، كم هو سيكونون سُعداء! إذن كل  ما هو معروض أمامهم لن يُسعِدهم، مثلما يسعدُهم وجودُ الشيء النادر الّذي في بالهم، إن وجدوه. وهذا يذكِّرُني بهذه القصّة: سائح شاب أدّت به رحلته إلى دير رهبان، فجالسهم طويلاً حتى ساعة نومهم فتركوه، وبقي بالتالي مع أحد الرهبان يستشيره ويستمع لنصائحة حتى ساعة متأخّرة، ولما نهضا للذهاب إلى غرف نومهما، كانت الأضواء قد انطفأت فسارا في ممرٍّ طويل مُعتم، حيث تمتدُّ غرف نوم الرهبان الكثيرة. فأشار الرّاهب بإصبعه، وقال: تخيّل! حياتك تشبه هذا الممر ذي الأبواب الكثيرة.لكن تذكّر أنه لا يمكنك أن تقف إلا أمام باب واحد وتدخل إلى غرفتك الأكيدة. ففكّر جيّدا يا صديقي، أيَّ بابٍ تختار. هذا ما فهمه الشاب في إنجيل اليوم. هناك باب واحد، من أبوابٍ عديدة، هو باب الجنة التي يفتّش عنها. وهذا ما قاله له يسوع

 

مُعظمُ الرّوايات والأفلام، تُقدِّم بطلها، مُنهمكاً في التّفتيش عن كنزٍ أو سِرٍّ أو شخصيّةٍ مُهمَّةٍ له، ويعني أن حياته  بدون نجاح التفتيش، لا تسوى شيئاً أو يعتبرها فاشلة. وهذا ما ظنّه بطل إنجيل اليوم عن نفسه. فهو ما أتى إلى يسوع ليسأله عن كيفية الحصول على الجياة الأبدية، إلا بعد ما فتّش طويلا، وسلك طُرقا كثيرة، لأنه كان يقدر ذلك، إذ هو كان غني وأغنى من شيوخ الخليج العربي الخيالي، لكن يبدو أنّه قد فشل في التّوصّل إلى مطلبه. وبالتّالي ذهب إلى يسوع، بحسب مَقْولة هذا: تعالوا إلي يا جميع المُتعبين والمُثقلين وأنا أُريحُكم، ليسأله عن طريقٍ يقودُه إلى السعادة الأبدية.  يسوع يتركه في البداية يتكلّم، ويُعبِّر عن رغبته، وهو متأمل أن يجد عند يسوع، ما لم يجده، لا عند الفريسيّين، ولا في تكديس وتبذير الأموال والخيرات الأرضية، التي كانت بحوزته. هو يشعر في قعر نفسه، أنَّ هناك، وراء الستار المسدول، شيئاً آخر، لم يعثر عليه. لذا فهو يسأل يسوع مباشرةً ، عمّا فَتَّش عنه ولا يزال يُفتِّش: أي كيف يحصل على الحياة الأبديّة؟ أما الحياة الأبديّةُ بالنّسبة له، فهي: أن يكون مقبولا من الله كُلِّيّاً، ليس فقط بعد موته، ولكن أيضا في هذه الدُّنيا. وهذا ما يشعر به ويحنُّ إليه في قعر نفسه. فمن سؤاله، نكتشف عجزه في إيجاد أيِّ تهدئة داخلية فيه. فهو من طرفه جرّب الكثير، ظلّ مؤمِناً وحفظ الوصايا، لكنه لم يجد الأمان الشخصي بل قد فشل، وعلى الرغم من ذلك، فهو لم يفقد الإيمان، ولذا فهو يسأل: ماذا أعمل لأرِث الحياة؟ وبهذه الطّريقة، يكسب يسوع صداقته، وبجدال هادئ، يشرح له يسوع، سبب انفصاله عن الله، فهو صاحب مال كثير. لذا فتفتيشه عن الله سيتكلّل بالنّجاح حينما يتخلّص من أمواله وأملاكه الكثيرة، إذ الإنسان لا يستطيع أن يُحبّ ويعبد ربّين. عندها فقط، يصبح حرّا متحرِّرا من الرّوابط، التي تُبعده عن الله.إذ الثقة بالمال تُفقِد الأمان والثّقة بالله. أنه معروف، أنّ التَّخلُّص من المال، لا يتمُّ بسهولة، فقد أكد يسوع ذلك بقوله: إنّه لأسهل على جَمَلٍ أن يدخل من ثُقْب إبرة من أن يدخل غنيٌّ ملكوتَ السّموات.

 

أما لثقب الإبرة فهناك تفسير غير معروف من الكل، مفاده: أنه في المدن القديمة (أورشليم، صور, صيدا، جبيل وفي الأردن جرش)، كانت تُشاد الأسوار العالية حولها، لحمايتها من هجمات الأعداء. وكان لهذه المدن بوابات كبيرة، يعبر منها الناس والزّوار، في ذهابهم وإيابهم أثناء النهار، تُفتَح صباحا وتُغلَق مساءً. أمّا إذا تأخّر أحدُهم، فيتمُّ إدخالُه من بوّابة صغيرة جانبيّة، تدعى "ثقب الإبرة"... يتعثّر على الجمال، وهي أكبر الحيوانات عرفها الشرق الأوسط. عبورُها إلاّ بعد إنزال حمولتِها، فتدخل راكعة، محشورة بصعوبة كبيرة، هذا إذا دخلت.

 

يُقال أن الجمال لمّا سمعت انّه صعب عليها كالأغنياء دخول الجنة، قد الّفت لجنة مباحثات وراحت تجتمع مع الأغنياء ليجدوا طريقة للدّخول إلى الجنة، وبما انّه ليس بالهيّن حلُّ هذه المشكلة، فاللجان لم تنحل بعد، والإجتماعات دائرة حتى اليوم.

 

يبدو أنَّ هذا الشاب إذن، كان يحمل أحمالا ثقيلة، من الأملاك والمال، نميل إلى القول، إنه جمّعه بعرق حبينه، لا وَرِثَه وراثة، لذا فهو متعلِّقٌ به، صرف منه ما صرف، ليجدَ السّعادةَ على الأرض، دون أن ينسى أنَّ هناك سعادةً أعلى، وهي كإبن إبراهيم، الدّخول إلى الجنّة، التي نشتاق جميعُنا لدخولها في نهاية حياتنا. لكن، كما يقول المثل: المال يُريح ويُحرِّر من الهموم المادّية الكثيرة، لكنه لا يُسعِد. امتلاك المال بحدِّ ذاته ليس شرّاً، إذ هو وزنات من الله بين أيدينا، علينا أن نتاجر بها، وهنا في الإستعمال تكمن قيمته. شرُّه أنَّ كثرته تُغلِق القلب وتُغني عن الإيمان. مِن هنا أحكام يسوع الصارمة على مثل هذا الغني وأصحابِه. الغني يريد أن يصبح سعيداً لكنه لا يقدر. فالشاب كان يفتش عن السعادة، ليس تلك السعادة، التي كان بإمكانه شراؤها بالمال، لكنه كان يعرف أن هناك سعادة نهائية، ولا يعرف كيف يحصل عليها، وهذا ما عناه في سؤاله ليسوع. هو كان يريد معرفة الطريق دون أن يفقد شيئا من أملاكه. يمكن كان سيدفع منها شيئا ليشتري السّعادة، إذ هكذا الأغنياءُ أيضاً يظنون أنّهم بالمال يستطيعون شراء كلِّ شيء، وهم طبعاً واهمون. فمن يا ترى يستطيع شراءَ السّعادة، راحة البال، الطُمأنينة، الحب بالمال؟؟  فنسأل. في أيِّ سوق تُباع هذه؟ وبأيِّ ثمن؟؟ أمَا يُقنعنا مثال هذا الشاب؟ فقد كان لديه كلُّ شيء. هذا وإننا نادرا ما نجد له مثيلا في عالمنا، أي غني ومتديّن في نفس الوقت، فالمال لا يمنع أن يكون الإنسان أيضاَ متديِّنا، لكنَّه عائق كبير لممارسة الإيمان عمليّا، إذ هو الباب الواسعة التي تقود إلى  الهلاك (متى 14.7) نعم ما أعسر دخول ملكوت الله للأغنياء، قال يسوع، كما سمعنا. من هنا الشعور بفراغ في نفسه، فقال له يسوع السبب، من بعد ما نظر في وجهه وأحبّه، على صِدقه: واحدة تنقصك: إذهب وبع أملاكك ووزّعها على المحتاجين! إنَّ رسالة يسوع هذه، هي لكلِّ واحد منّا، قلبُه مُتعلِّقٌ بالماديّات، أكثر من الرّوحانيّات.  اما قال يسوع عن هؤلاء الأغنياء: الويل لكم! إنه لأسهل على الجمل أن يدخل في ثقب الإبرة من أن يدخل غنيٌّ ملكوت السّموات! دون أن ننسى أنَّ الغِنى والفُقُر هما فقط مسألة مالية، إنّما طريقة تعاملهم مع المال، سواءٌ الكثير أو القليل في أيديهم، فهي الّتي تُقرِّرُ المصير. العاقل هو الّذي يعرف أنّه لا يأخذ شيئاً معه من كلِّ ما يملك ، ولا يُحسب له إلا ما عمل بملكه وهو على الأرض. هناك كتاب بعنوان: غِنى الفقير وفُقر الغني، هو بهذا المعنى. إكنزوا لكم كنوزاً في السّماء. إذ ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟

 

لقد كان جواب بسوع للشاب كسيف ذي حدّين. فبالرّغم من أنّه قد وجد آخيرا، الجواب على سؤاله وعرف كيف بوسعه أن ينال الحباة الأبدبة، إلا أنه لم يجرؤ على القيام بالخطوة الآخيرة، أي أن يتخلّى عن أمواله الكثيرة، التي كان هو يملكها، لكنها هي كانت تمتلكه، ويضعها تحت تصرّف الفُقراء والمحتاجين. فكانت نهاية اللّقاء ، آنّه ترك يسوع وذهب حزيناً. فالسؤال الآن، إلى أين سيؤدي الحزن بصاحبه؟ للحزن طريقان، فإمّا أنه يقود إلى اليأس، كمع يهوذا الخائن، فذهب وشنق نفسه. وإما إلى النّدامة الكاملة والرّجوع إلى البيت الأبوي، كما حدث مع الإبن الضائع، فحصل على الخلاص والسعادة والحياة الأبدية، التي فتّش عنها شاب اليوم في الإنجيل.

 

 إنّه لشيءٌ مُميَّز، أن يُضحي الإنسان بمُلكه وماله من أجل الفقراء والمُعوزين، فهذا لا يعني تبديل الأدوار، أي الغني يصبح فقيراً، والفقير غنيّاً، فهذا لا معنى له، وليس هو المقصود من جواب يسوع. فالمال ليس شرّاً، بل استعماله هو الشر. وحسب الإستعمال يدخل صاحبه السماء أويُرفض. اما طلب يسوع حتى استعمال مال الظلم للخير؟ إذ التضحية به يكون بمثابة تجميع كنز في السّماء لا يفنى. ربّي! هوذا نحن قد تركنا كب شيء وتبعناك، فماذا يكون نصيبنا، فأجابه يسوع: انتم الّذين تبعتموني في التجديد، متى جلس ابن البشر على عرشه، تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر كرسيا وتدينون أسباط إسرائيل (متى 28.19).

 

قال يسوع: حيث كنزك فهناك قلبك. أعطنا يا رب القدرة، على التضحية بكل ما يُعيق مسيرتنا إلى الخلاص. فلا تبخل علينا بمحبّتك الغيرِ مشروطة، التي أظهرتها للشاب، الذي رفضها، لكن إجعلنا نتجاوب مع هذه النّعمة كالقديس فرنسيس، فكما يُقال كان والده من أغنى تُجار الجلد والملابس الفاخرة في أسيزي، وكان على وشك أن يُقيم ابنه فرنسيس، الشاب المُتهوِّر، الّذي كان يتنعّم بمال والده، ولكنه لم يكن سعيدا وريثا على أمواله. وبينما كان بالُ فرنسيس مٌشوّشا: هل يقبل عَرْض والده ويرثه، سمع ما سمعناه قبل قليل في الإنجيل، يسوع يقول للشاب الّذي أيضا كان يُفتّش عن السعادة في آخر حياته: إذهب وبع كل شيء ووزّعه على المساكين ثمَّ تعال واتبعني. فانفتحت عيونه وأسرع إلى والده ورمي عليه المعطف الفاخر الذي كان يلبسه، وخرج عريانا في شوارع أسيزي، ثم صار ناسكا، وبالتالي أسس جمعية الفرنسيسكان المعروفة إلى اليوم بفقرها، تشبُّهاً بيسوع، الّذي ما كان له حجر يُلقي عليه رأسه. نعم الفقر والتّخلٌّص من المال بعمل الخير فيه، هو الّذي يجلب السّعادة على هذه الأرض وفي الآخِرة. إذ ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ آمين