موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يبدأ يوحنا الحبيب انجيله بنشيدٍ لكلمة الله المتجسد (يوحنا 1/ 1-18) حيث كانت الجماعة المسيحية الاولى تترنَّم به احتفاء بالمسيح، ابن الله الذي "فيه خُلِقَ كُلُّ شيَء" (قولسي 1/15) وقد "أُظهِرَ في الجَسَد"(1 طيموتاوس 3/16). واذا أمنّا به فتكون لنا الحياة الابدية (يوحنا 20 : 31). ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وأبعاده الروحية. وقائع النص الانجيلي ( يوحنا 1/ 1-18) 1 "في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله. " : عبارة "في البدء" تشير الى الزمن المطلق وليس الى زمن العالم أو زمن الخلق. فالكلمة وُجد قبل الخلق وهو كائن ازلي ، لا بداية له وهذا ما يشير اليه استعمال فعل "كان" من غير خبر. فهو يدل على الكينونة وتدل صيغته في الزمن الماضي على مدة ثابتة مستقرة يتعذر تحديدها. وهكذا جاء تأمل يوحنا حول " الكلمة" كامتداد للحكمة في الفكر اليهودي ، وهي كائن ازلي يوجد منذ الازل ويدوم مدى الازل ( أمثال 8/ 22-26، سيراخ 24: 9). فهي واقع وُجد قبل الخلق، والتي بدت شخصا حيّا لا فكرة مجردة. اما "الكلمة" فهي ترجمة عن اليونانية( ????? لوغوس) فالمسيح، بصفته الابن الازلي، هو التعبير التام عن الآب ، فهو صورة الله الذي لا يرى (قولسي 1/15) وشعاع مجد الآب (عبرانيين 1/3) وسيصبح بالتجسد تجلي الله بأسمى درجة في قلب البشرية ( 1يوحنا 1/2). أما عبارة "لدى " الحرف اليوناني ( ???? بروس) فمعناه عند او اتجاه او مع ويتضمن علاقة وتمييز. وعندما تليه صيغة المفعول به يصبح معناه ليس التعايش فقط، بل التشارك الفعّال الموجَّه. وبكلمة أخرى فهو يدلّ على ان "الكلمة" يتميّز عن الله الآب، وهو متحد به إتحادأً تاماً ، كما يدل ايضا على وجوده الازلي. واما عبارة "الكَلِمَةُ هوَ الله " ففي الاصل اليوناني كلمة الله( ???? ) جاءت في اول الجملة؛ وذلك للتأكيد وقد وردت بدون أداة تعريف. وعليه يكون (لوغوس "الكلمة") هو الله بمعنى انه مساو للآب على مستوى الطبيعة الالهية ومشترك معه في الجوهر، وبحكم هذه الصلة فهو الله. "2كانَ في البَدءِ لَدى الله": تجمع هذه الآية العبارات الثلاث في الآية الاولى في معنى كامل واحد. والفعل "كان" يدلُّ على الكينونة وليس الصيرورة. وعليه فإن وجود "الكلمة" غير مرتبط بالزمن وغير مخلوق. 3بِه كانَ كُلُّ شَيء وبِدونِه ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان. : يعبّر فعل "كان" عن خلق جميع الاشياء من العدم ( يوحنا 17/24). وإن عمل الخلق هو عمل الآب والابن كما ورد في أسفار العهد القديم التي ربطت خلق العالم بكلمة الله (مزمور 33/6) او بحكمة الله (8/ 27-30). الله خلق الكون كله بكلمته. وتدل لفظة " كل" على ان كل موجود هو عمل الله وهو صالح. وهذا التعليم يتنافى مع تعليم الغنوصيَّة الثنائية التي تتحدث عن إله خير وإله شر. 4فيهِ كانَتِ الحَياة والحَياةُ نورُ النَّاس" : تكررت لفظة "الحياة" (32) مرة في انجيل يوحنا ، و(127) مرة في اسفار العهد الجديد. "الكلمة" هو مصدر الحياة المادية والبشرية والحياة الروحية. ب"الكلمة" أعطيت الحياة للخليقة ، وبه اعطيت لنا الحياة الالهية كما صرّح المسيح " أَنا فقَد أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم" (يوحنا 10: 10)، "أنا هو الطريق والحَقُّ والحَياة." ( يوحنا 14: 6). وفي الوقت نفسه هو النور الذي يرشد البشر الى الطريق الواجب سلوكه ( يوحنا 8/12). وقد وضّح صاحب المزامير الصلة بين النور والحياة بقوله " لأنَّ يَنْبوعَ الحَياةِ عِندَكَ ونُعايِنُ النُورَ بِنورِكَ. "(مزمور 36/10). والانسان يحصل على الاستنارة الروحية من "الكلمة"، كلمة الله، كلمة الحياة. 5والنُّورُ يَشرِقُ في الظُّلُمات ولَم تُدرِكْه الظُّلُمات." : لم يفهم الناس ظهور "الكلمة" في خلق العالم كما يؤكد الرسول بولس "فلَمَّا كانَ العالَمُ بِحِكمَتِه لم يَعرِفِ اللّه..." في الخليقة (1 قور 1/21) . كذلك لم يدرك العالم نور "الكلمة" في التجسد؛ لأنه في نزاع مع الظلمة الناشئة عن عصيان الانسان وجهله. 6ظَهَرَ رَجُلٌ مُرسَلٌ مِن لَدُنِ الله اِسْمُه يوحَنَّا": "ظهر" بمعنى كان. والمقصود بيوحنا هو يوحنا المعمدان الذي يشهد بما "رأى وسمع" ( يوحنا 3: 32) 7جاءَ شاهِداً لِيَشهَدَ لِلنَّور فَيُؤمِنَ عن شَهادتِه جَميعُ النَّاس." : تكرر فعل "شهد"(31) مرة في انجيل يوحنا دلالة على اهمية الشهادة. يوحنا شهد للمسيح وكان لا يدعو التلاميذ اليه، بل الى يسوع، والى الايمان به. 8لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور. يشدد النص على التباين بين يوحنا ويسوع" : يوحنا المعمدان هو الشاهد للنور، لا النور، ويوحنا هو صديق العريس، لا العريس(يوحنا 3: 29). 9كان النُّورُ الحَقّ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم" : يسوع الكلمة هو النور الحقيقي " نُورُ العالَم" (يوحنا 8: 12) " يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم " وعليه يستطيع كل انسان ان يستنير به لتحقيق حياته. وهذا يعني شمولية الخلاص. 10"كانَ في العالَم وبِه كانَ العالَم والعالَمُ لَم يَعرِفْهُ." : وردت لفظة "العالم" 68 مرة في انجيل يوحنا وهي تشير تارة الى الكون وتارة أخرى الى البشرية، موضع حب الله ( يوحنا 3/16) وتارة الى رفض العالم للكلمة المتأنس ومخطط الله (يوحنا 12/ 31). بالرغم من ان النور كان موجوداً وجوداً خلاّقا في العالم قبل تجسده، والرغم من انه قد اعلن ذاته كمقيم في عالم وُجد بواسطته، ومع ذلك لم يعرفه العالم. "11جاءَ إِلى بَيتِه. فما قَبِلَه أَهْلُ بَيتِه." : تشير عبارة "اهل بيته " الى شعب اسرائيل الذي يمثل البشرية في التاريخ التي هي ملك الخالق. كما يمثل شعب اسرائيل البشر الذين رفضوا ان يقبلوا " الكلمة" من ايام المسيح حتى ايامنا. "12أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" : عبارة "يُؤمِنونَ بِاسمِه" أي يعترفون ويقرّون بقدرة الابن ويدعونه بثقة رباً ومخلصاً. فالإيمان هو انتماء الى المسيح بالاعتراف به على انه ابن الله الذي يكشف عن سر الآب. اما عبارة" يَصيروا أَبْناءَ الله" هو الله الذي يجعلنا أبناء له. فعلينا ان نتقبل هذه النعمة ونعيش في محبة الله و نتجنَّب محبة العالم "لا تُحِبُّوا العالَم وما في العالَم. مَن أَحَبَّ العالَم لم تَكُنْ مَحَبَّةُ اللهِ فيه "(1يوحنا2: 15). 13فهُمُ الَّذينَ لا مِن دَمٍ ولا مِن رَغبَةِ لَحْمٍ ولا مِن رَغبَةِ رَجُل بل مِنَ اللهِ وُلِدوا." : بنعمة من الله صرنا أبناء الله، لأننا ولدنا من الله كما يعلن القديس يوحنا الإنجيلي " نَعلَمُ أَنَّ كُلَّ مَن وُلِدَ للهِ لا يَخطأَ لكِنَّ المَولودَ للهِ يَحفَظُه فلا يَمَسُّه الشِّرِّير"( 1 يوحنا 5: 18). وأما عبارة "لا مِن دَمٍ ولا مِن رَغبَةِ لَحْمٍ ولا مِن رَغبَةِ رَجُل" فهي لا تشير الى ولادة بشرية بل الى ولادة روحية. 14"والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ." : لا يتحدث يوحنا الانجيلي في ميلاد المسيح عن الاماكن والاشخاص بل مباشرة عن مولده العجيب وعبوره التاريخي الذي فيه صار الكلمة الازلي بشراً، متخذا جسداً. وعليه ولد المسيح من الآب قبل الزمن بدون أم، ومن مريم البتول بدون أب في الزمن. وتدل الكلمة اليونانية (???? بشر) على الانسان المكوّن من لحم ودم الموسوم بالضعف المؤدي الى الموت، وهذا يتنافى مع تعليم البدعة الظاهرية التي تجعل من التجسد مجرد مظهر أي ان "الكلمة" تظاهر او تراءى بشكل بشري، لكنه ما كان إنسانا، ولا مات على الصليب. ( 1 يوحنا 4/2). فتجسد "الكلمة" في الواقع البشري حدثٌ يُشكل الساعة الحاسمة في تاريخ الخلاص. ومنذ اللحظة التي فيها لُفظت كلمة "بشر" إختفى لقب "الكلمة" . وأخذ يوحنا يستعمل مراراً "ابن الانسان". اما عبارة "سَكَنَ " فهي مترجمة عن اللفظة اليونانية ?????????)) أي نصب خيمته وفي هذا تلميح الى الهيكل ( يوحنا 1/51) مكان الحضور الالهي وتجلي مجد الله ( خروج 40/ 34-35). والخيمة ترمز الى مجد الله في وسط شعبه. اما عبارة "بَينَنا" فتشير الى الناس عامة ( 1/5) والتلاميذ خاصة . ولفظة "مجده" تشير في العهد القديم الى ما يكشفه الله للناس، فهو تارة بهاء نير يُلازم ما هو مقدس، وتارة أحداث تُظهر قدرة الله. أما في العهد الجديد فأعمال المسيح ومعجزاته تكشف مجده (يوحنا 2/11) خاصة حدث الفصح (يوحنا 13/31). فعبارة "فرأَينا مَجدَه " تشير الى الشهود الاصليين الذين عاينوا مجد الله. اما عبارة "أبن وحيد" فهو لقب يشير الى الطابع الفريد على بنوة المسيح. وهذه البنوة تمكّن الابن من الاشتراك في " النعمة والحق". وهذه العبارة تصف كرم الله وصلاحه الذي يهب عطاياه بسخاء لا حد له ( خروج 34/ 6). ولم يُعلن مجد الابن في الجلال والقوة ( هما مفهوما المجد في العهد القديم) فحسب ، انما ايضا في النعمة والحق. وهما ميزتان "للكلمة" الذي هو حياة ونور. فالنعمة تعطي الحياة، والنور يهدي الى الحق . ولفظة الحق تتكرر في إنجيل يوحنا (25 ) مرة وهي تشير الى يسوع الذي هو الحق ( يوحنا 14: 6). 15شَهِدَ له يوحَنَّا فهَتف: (( هذا الَّذي قُلتُ فيه: إِنَّ الآتيَ بَعْدي قد تَقَدَّمَني لأَنَّه كانَ مِن قَبْلي )). : عبارة "قَبْلي ?????? " تشير اللفظة اليونانية الى الزمان والمكان. وعليه تشير هذه اللفظة بانه بالرغم من ان يسوع جاء بعد يوحنا المعمدان في التاريخ الا انه يفوقه في اصله الالهي ورسالته وفي الوجود والكرامة . المسيح هو قبل يوحنا في الوجود، لأنه "الكلمة" المولود قبل الزمن. "16فمِن مِلْئِه نِلْنا بِأَجمَعِنا وقَد نِلْنا نِعمَةً على نِعمَة." : إن شهادة يوحنا المعمدان تؤدي الى معرفة الكلمة المتجسد وهذه المعرفة تجعل المؤمنين يشاركون في ملء الخيرات الروحية نعمة على نعمة. أي ان المؤمنين يفتحون قلوبهم يوما بعد يوم لقبول عطيّة الله التي لا حد لها. فكل بركة هي مرحلة لبركة أعظم، وكل نعمة ننالها بإيمان تصحبها نعمة اكبر. "17لأَنَّ الشَّريعَةَ أُعطِيَت عن يَدِ موسى وأَمَّا النِّعمَةُ والحَقّ فقَد أَتَيا عن يَدِ يسوعَ المسيح." : تشير الآية الى الفرق بين شريعة موسى ونعمة يسوع. فشريعة موسى تشير الى العدل وتتطلب من الإنسان الطاعة ، لكنها لا تستطيع ان تعطي حياة، اما نعمة المسيح فتشير الى الرحمة وتتطلب من الانسان المحبة وتعطيه الحياة والحق الذي يحرره من عبودية الخطيئة . وما النعمة والحق الا الله الذي وهب ذاته في شخص الكلمة المتجسد. 18"إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه". : إن عبارة" إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ" تشير ان الانسان عاجز عن الوصول بنفسه الى معرفة الله مباشرة . الانسان لا يرى الله ، ولا يقدر ان يراه مهما فعل.( تثنية الاشتراع 4/12)، انما يستطيع فقط ان يطمح الى ذلك ( يوحنا 14/8). لكن عبارة "الابن الوحيد الذي في حِضْنِ الآب" تعني بما ان يسوع الابن الوحيد فهو يشارك الآب الطبيعة الإلهية وهو وحده قادر ان يقود البشر الى معرفة الآب والاتحاد به . وقد اوحي يسوع بالله الآب وعبَّر عنه بحياته وبأعماله وتعليمه. الابعاد الروحية: نستنتج من تفسير آيات مقدمة انجيل يوحنا ( يوحنا 1/ 1-18) ان المسيح هو "كلمة" الله، الكائن الازلي الذي صار بشراً، ليجعل من البشر أبناء الله. وهو يعمل في الخليقة كما في التاريخ البشري. ومن هنا فإننا نبحث علاقة الكلمة بالوجود وبالخلق وبالتاريخ والتجسد. اولا : الكلمة والوجود: (1: 1-2) في بدء سفر التكوين نحن امام عمل الله في الخلق. " في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض" (التكوين 1/1) واما في مقدمة انجيل يوحنا فنحن امام "الكلمة: الذي كان موجوداً من الازل قبل الخلق "في البَدءِ كانَ الكَلِمَة" (يوحنا 1/ 1). كما ورد في سفر الامثال " مِنَذ الأَزَلِ أُقمتُ مِنَ الأوَلِ مِن قَبلِ أَن كانَتِ الأَرْض." (8: 23). وهو كائن غير مخلوق وهو ازلي ووجوده غير مرتبط بالزمن بصفته "كانَ لَدى الله". ثانيا :الكلمة والخلق: (1 : 1-5) : المصدر الاساسي للخلق هو الآب ولم يشترك في عملية الخلق أي عامل وسيط. فالخلق هو أول عمل ، اول تعبير لله خارج عن ذاته . اما "الكلمة " فهو اداة عمل الخلق ، لان " بِه كانَ كُلُّ شَيء" بمعنى ان "وبِه أَنشَأَ العالَمِين" ( عبرانيين 1: 2) وان كل الخليقة تقوم به وتستمد منه الحياة. كما يقول بولس الرسول "ففيه خُلِقَ كُلُّ شيَء مِمَّا في السَّمَواتِ ومِمَّا في الأَرْض ما يُرى وما لا يُرى" (قولسي 1: 16). " وبِدونِه ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان." أي لن نحصل على شيء خارجا عن المسيح . انه مصدر الوجود ونبع الحياة. ونبع الحياة هو بالضرورة نبع النور. فيسوع هو خالق الحياة، وحياته تمنح النور للبشرية. فهو ينير الطريق أمامنا لنتمكن من ان نرى كيف نحيا . وفي نوره نرى أنفسنا على حقيقتها كما هي. فنحن خطأة بحاجة الى مخلص. ومع ذلك إن نور المسيح في نزاع مع الظلمة الروحية الناشئة عن عصيان الانسان وجهله. فلنتذكر ان الله خلقنا. فبدونه وبعيد عنه لا نستطيع ان نتمم المخطط الذي وضعه من اجلنا. ثالثاً: الكلمة والتاريخ: (1/ 6-13) : بعد ان وصف يوحنا الإنجيلي "الكلمة" كائن ازلي وبه خُلق العالم، يصفه الآن في علاقته بالتاريخ. فيشير الى يوحنا المعمدان الذي بشّر بمجيئه وجاء ليشهد لنوره وبشهادته قاد الناس الى ايمان حيٍ في الشخص الآتي الى العالم. (1/6-9) مؤكدا اولوية "الكلمة" والخضوع له. واعلن "الكلمة" المتجسد نفسه تاريخيا الى شعبه اسرائيل، ولم يقبلوه ( يوحنا 1/10) والى خاصته جاء ( 1/12) وأبت خاصته ان ترحّب به. مع ان المسيح خالق العالم، لم يعرفه الناس الذين خلقهم (يوحنا 1: 10) ، بل رفضه الناس الذين اختارهم الله ليهيئوا بقية العالم لمجيئه (يوحنا 1: 11) بالرغم ممن أن العهد القديم بأكمله كان يشير الى مجيئه. وهنا تظهر مأساة الرفض. اما الذين قبلوا يسوع المسيح رباَ ومخلصاً فقد وُلدوا ثانية ولادة روحية واصبحوا ابناء الله لا عن طريق الولادة الجسدية بل عن طريق الولادة الروحية الجديدة من الله. إن هذه البداية الجديدة في الحياة متاحة لكل من يؤمن بالمسيح. لأنه جاء الى الارض ليهب البشرية رجاء حياته الابدية ونورها، الحياة التي لا يمكن ان تباع او تُشترى لكنها تُعطى كهبة لمن يريد ان يحيا على طريقة ابناء الله الذين سيعيشون مستقبلا في ملكوته الابدي. وكأبناء الله يطلب منا المسيح ان نكون شهوداً على مثال يوحنا المعمدان فنعكس نور المسيح للناس ونوجِّههم الى النور الحقيقي. رابعاً: الكلمة والتجسد: ( 1: 14-18) "الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا ". الانبياء حملوا كلمات الله، اما "الكلمة" الذي كان في البدء تجسَّد وصار إنساناً ودخل في الزمن ليجعل من البشر ابناء الله. انه لم يكن انسان تأله، بل كان الها تأنس. أي ان المسيح كان قبل تجسده ابن الله ، كلمة الله؛ وكان بعد تجسده ابن الانسان أي ابن مريم. بعد تجسده هو ابن الله وابن الانسان معا. بولادة يسوع صار الاله بشراً، وهو لم يكن جزئياً إنساناً وجزئيا الهاً، بل هو الهاً كاملا وإنساناً كاملا كما يؤكد بولس الرسول "فِيه يَحِلُّ جَميعُ كَمالِ الأُلوهِيَّةِ حُلولا جَسَدِيًّا"( قولسي 2: 9). فيسوع لم يوجد فقط عندما وُلد، لأنه ازلي الوجود. بميلاده يُعبر يسوع، كلمة الله المتجسد، عن ظهور الله السامي في قلب البشرية. فقبل مجيء المسيح لم يكن الناس يعرفون الله الا جزئيا من خلال الانبياء. أما بعد مجيء المسيح فقد كشف الله عن طبيعته وجوهره بطريقة يمكن رؤيتها ولمسها، لانه في المسيح صار الله انسانا يحيا على الارض فمكن للناس ان يعرفوا الله بالكامل لأنه صار ملموسا ومرئيا لهم في المسيح. إن المسيح هو التعبير الكامل لله في صورة بشرية. وعليه "الكلمة" الذي كان عند الله حلّ بين البشر ليعلمنا كيف يفكر الله، وبالتالي كيف ينبغي علينا ان نفكر نحن؛ جاء بيننا ليكون قدوة لِمَا ينبغي ان نصيرَ عليه، فهو يُرينا كيف نحيا ويعطينا القوة ان نحيا بنفس الطريقة "ترَكَ لَكم مِثالاً لِتقتَفوا آثارَه" ( 1بطرس 2: 21) واخيراً جاء بيننا ليقدم نفسه ذبيحة عن كل الخطايا "وقَد حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِه لِيَجعَلَنا في حَضرَتِه قِدِّيسينَ لا يَنالُنا عَيبٌ ولا لَوم"( قولسي 1: 20). فإذا كان موسى يُركز على شريعة الله وعدله، فالمسيح يركّز على رحمة الله ومحبته وغفرانه "فمِن مِلْئِه نِلْنا بِأَجمَعِنا وقَد نِلْنا نِعمَةً على نِعمَة" .وهو لا يزال يرافقنا على مر الاجيال ويتواجد في جميع مرافق حياتنا. الكلمة المتجسد هو الآن مسيح التاريخ بذاته. إنه اتخذ لنفسه جسداً بشرياً حقيقياً وليس جسدا ظاهريا فقط كما تدَّعي البدعة الظاهريّة (دوسيتيّة) التي أنكرت واقع التجسّد. إنه سكن وسط البشر اما جلاله الالهي وقوته فقد اصبحا محجوبين في جسد. وقد ادَّى يوحنا المعمدان شهادة شاهد عيان عن مجد هذا "الكلمة" المتجسد. وهكذا لم يعد الله مخفيا بل اصبح الآن معروفاً عن طريق تجسد ابنه الذي هو نور العالم. فيسوع المسيح هو التفسير الكامل لله. ومن هنا يبدأ يوحنا انجيله ويختتمه معلنا ان الكلمة المتجسد يسوع المسيح هو الله . في بدء انجيله يعلن ان "الكَلِمَةُ هوَ الله " ( يوحنا 1/1) ويؤكد ذلك في آخر إنجيله بشهادة توما أحد الاثني عشر رسولا بقوله " رَبِّي وإِلهي! " (يوحنا 20: 28). وهكذا تلخص هاتان العبارتان إنجيل يوحنا. فيسوع بصفته الابن الازلي هو التعبير التام عن الآب، " هو صُورَةُ اللهِ الَّذي لا يُرى "(قولسي 1: 15) "هو شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه" ( عبرانيين 1: 3). ولأنه ابن الله قبل ان يكون ابن الانسان، فهو الحياة، لكل من يؤمن به ويتبعه، وهو النور للكل من يعتنق طريقه ويهتدي به، عندئذ تكون قد ولدت من الله حقا. خلاصة: يُبيِّن يوحنا الانجيلي، كواحد من الاثني عشر رسولا، وشاهد عيان، الى المؤمنين في كل مكان ان يسوع المسيح هو إنسان كامل واله كامل. فبرغم أن يسوع اتخذ الناسوت كاملا وعاش كإنسان ، إلا أنه لم يكفَّ ابداً عن ان يكون الله الابدي الازلي الكائن على الدوام، وخالق الكون، ومصدر الحياة الابدية. ولأنه الله فهو قادر على ان يُخبرنا عن الله بوضوح. وعليه يمكننا ان نثق في كل ما يقوله. وبالثقة فيه نكتسب معرفة لفهم رسالة الله واتمام مخططه في حياتنا. عندئذ يتمجّد المسيح الإله بالإنسان، فكلّ إنسانٍ حيٍّ مدعوٌّ ليحقّق ذاته بكلّ أبعادها الروحية والمادّية، الثقافية والاجتماعية، الاقتصادية والوطنية، فيكون مجدَ الله. فان لم نؤمن بهذه الحقيقة الاساسية فلن يكون لدينا ثقة ان نسلم حياتنا وابديتنا اليه. وهذا ما دعا يوحنا لكتابة انجيله لنشر الايمان والثقة في يسوع المسيح، لكي نؤمن انه حقا كان الله في الجسد كما قال "وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه." (يوحنا 20 : 31).