موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النص الإنجيلي (متى 2: 1-12)
1 ولمَّا وُلِدَ يسوعُ في بَيتَ لَحمِ اليَهودِيَّة، في أيَّامِ المَلِكِ هيرودُس، إِذا مَجوسٌ قدِمُوا أُورَشليمَ مِنَ المَشرِقِ 2 وقالوا: ((أَينَ مَلِكُ اليهودِ الَّذي وُلِد؟ فقَد رأَينا نَجمَه في المَشرِق، فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه)). 3 فلمَّا بلَغَ الخَبَرُ المَلِكَ هيرودُس، اِضْطَرَبَ واضطَرَبَت مَعه أُورَشليمُ كُلُّها. 4 فَجَمَعَ عُظَماءَ الكَهَنَةِ وكَتَبَةَ الشَّعْبِ كُلَّهم واستَخْبَرهم أَين يُولَدُ المسيح. 5 فقالوا له: ((في بَيتَ لَحمِ اليَهودِيَّة، فقَد أُوحِيَ إلى النَّبِيِّ فكَتب: 6 ((وأَنتِ يا بَيتَ لَحمُ، أَرضَ يَهوذا لَسْتِ أَصغَرَ وِلاياتِ يَهوذا فَمِنكِ يَخرُجُ الوالي الَّذي يَرْعى شَعْبي إِسرائيل)). 7 فدَعا هيرودُسُ الَمجوسَ سِرّاً وتَحقَّقَ مِنْهم في أَيِّ وَقْتٍ ظهَرَ النَّجْم. 8 ثُمَّ أَرْسَلَهم إلى بَيتَ لَحمَ وقال: ((اِذْهَبوا فابحَثوا عنِ الطِّفْلِ بَحْثاً دَقيقاً، فإِذا وَجَدْتُموه فأَخبِروني لأذهَبَ أَنا أَيضاً وأَسجُدَ له)). 9 فلمَّا سَمِعوا كَلامَ الَمِلكِ ذَهَبوا. وإِذا الَّنجْمُ الَّذي رأَوهُ في المَشرِقِ يَتَقَدَّمُهم حتَّى بَلَغَ المَكانَ الَّذي فيه الطِّفلُ فوَقفَ فَوقَه. 10 فلمَّا أَبصَروا النَّجْمَ فَرِحوا فَرحاً عَظيماً جِدّاً. 11 وَدخَلوا الَبيتَ فرأَوا الطِّفلَ مع أُمِّه مَريم. فجَثَوا له ساجِدين، ثُمَّ فتَحوا حَقائِبَهم وأَهْدَوا إِليه ذَهباً وبَخوراً ومُرّاً. 12 ثُمَّ أُوحِيَ إِليهِم في الحُلمِ أَلاَّ يَرجِعوا إلى هيرودُس، فانصَرَفوا في طَريقٍ آخَرَ إلى بِلادِهم.
مقدمة
نحتفل اليوم بعيد الغطاس، ويتميَّز هذا الغطاس بثلاث ظهورات: ظهور يسوع للأمم، التي يرمز إليها المَجوس الذين جاؤوا إلى بيت لحم (متى 2)، وظهوره للجموع لدى اعتماده على يد يوحنا المعمدان في نهر الاردن (متى 3: 16-17)، وظهوره في معجزة عرس قانا الجليل من خلال تحويل الماء خمرا ً (يوحنا 2: 1-12). وينفرد متى الإنجيلي بوصف قدوم المَجوس من المشرق وسجودهم ليسوع المسيح ملكا وربا والها واعترافهم. فدعوة المسيح إلى الخلاص ليست موجّهه إلى اليَهودِيَّة فحسب، إنما إلى جميع شعوب الأرض كما جاء في تعليم بولس الرسول: " أَنَّ الوَثَنِيِّينَ هم شرَكاءُ في المِيراثِ والجَسَدِ والوَعْد في المسيحِ يسوع، ويَعودُ ذلِك إلى البشارةِ "(أفسس3: 5-6)؛ وهكذا مع المَجوس بدأت دعوة الشعوب إلى الإيمان كباكورة كنيسة الأمم؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولاً: تحليل وقائع نص انجيل متى (متى 2: 1-12)
1 لمَّا وُلِدَ يسوعُ في بَيتَ لَحمِ اليَهودِيَّة، في أيَّامِ المَلِكِ هيرودُس، إِذا مَجوسٌ قدِمُوا أُورَشليمَ مِنَ المَشرِقِ
تشير عبارة " لمَّا وُلِدَ يسوعُ " إلى ميلاد يسوع في سنة 4 ق.م. إذ "ولدت مريم ابنها البكر في مدينة داود" (لوقا 2: 4-7)؛ أمّا عبارة " أيَّامِ المَلِكِ هيرودُس " فتشير إلى خلال السنة الأخيرة من حكم هيرودس، أي قبل وفاته كما ورد في إنجيل متى "فأَقامَ هُناكَ إلى وَفاةِ هيرودُس" (متى 2: 15). ثم ذهب يوسف إلى الناصرة، متجنباً بيت لحم حيث أصبح أرخلاوس، وهو أحد ابناء هيرودس، واليا (متى 2: 2). ومعروف لدى الجميع ان العصر المسيحي، كما حدَّده ديونيسيوس الأصغر في القرن السادس، يتضمن خطأ حسابياً، ويبدأ في الواقع بعد أربع سنوات من ولادة يسوع أي في أثناء حكم هيرودس الكبير وقبل وفاته. أمَّا عبارة" بَيتَ لَحمِ اليَهودِيَّة " فتشير إلى اسم عبري בֵית־לֶחֶם معناه "بيت الخبز"، ويرى البعض أنه يعني "بيت لخمو" الإله الأشوري، ولكن لا سند لهذا الرأي. والاسم الأصلي لها هو "أفراتة" אֶפְרָתָה (معناها إثمار، مُثمر) (ميخا 5: 1). وتقع مدينة بيت لحم على تل يرتفع 600 م عن سطح البحر، وتبعد 8 كم جنوبي القدس، وهي غير بيت لحم الجليل في زبولون (أشعيا 19: 15). وقد أسماها التقليد الكتابي "مدينة داود" لأنه فيها قد وُلد داود ومُسح ملكا فيها (1 صموئيل 16: 4). وبحسب نبوءة ميخا بيت لحم هي المكان الذي يُولد المسيح "وأَنتِ يا بَيتَ لَحمُ أَفْراتَة إِنَّكِ أَصغَرُ عَشائِرِ يَهوذا ولكِن مِنكِ يَخرُجُ لي مَن يَكونُ مُتَسَلِّطاً على إِسْرائيل وأُصوِلُه مُنذُ القَديم مُنذُ أَيَّامَ الأَزَل"(ميخا5: 1). لكنها لم تكن موطن يوسف ومريم بل الناصرة بلدتهما الاصلية. ولم يذكر متى الإنجيلي عن حياة يسوع في الناصرة انما أراد ان يُبرز علاقة يسوع ببيت لحم لِما لبيت لحم من صلة مع داود الملك (1صموئيل 16: 1) علما ان اليهود كانوا ينتظرون ان يُولد المسيح في بيت لحم ومن عشيرة داود كما ورد في انجيل يوحنا "أَلَم يَقُلِ الكِتابُ إِنَّ المَسيحَ هُوَ مِن نَسلِ داود وإِنَّهُ يأتي مِن بَيتَ لَحْمَ، القَريةِ الَّتي مِنها خَرَجَ داود؟" (يوحنا 7: 42). أمّأ عبارة "اليَهودِيَّة" فتشير إلى أحد مناطق فلسطين السياسية الأربعة في زمن المسيح؛ حيث كانت اليَهودِيَّة في الجنوب، والسامرة في الوسط، والجليل في الشمال، وأدوم في الشرق. أمّأ عبارة "هيرودس" فتشير إلى هيرودس الكبير الذي كتب عنه المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس، وورد اسمه في العهد الجديد تسع مرات، فهو مضطهد المسيح وقاتل أطفال بيت لحم من ابن سنتين فما دون (متى 2:16). ولم يكن هيرودس يهودي الأصل. لان أمه وأبيه أدوميان. وكان الأدوميون قد رضخوا بالقوة للمذهب اليهودي سنة 125ق.م. وكان ابن انتيبا تر، خازن يوحنا هركانس الثاني من الأسرة الحشمونية. وُلد سنة 73 ق. م. وعيّنه الرومانيون سنة 47 قز م. قائداً لحرس الجليل. ثم قائد لحرس البقاع. وفي سنة 41 ق.م عُيّن أمير الربع على اليَهودِيَّة، وفي سنة 40 ق. م. عيّنه مجلس الشيوخ الروماني ملكاً على اليَهودِيَّة. استولى على اورشليم في سنة 37 ق. م. وأباد الحشمونيين وحصل من القيصر أغسطس على مقاطعة طراخونيطس وباشان وحوران في شمال فلسطين. وعُرف بمهارته السياسية وبكثرة المدن الهلنستية التي بناها مبتدأ ببناء الهيكل سنة 19 ق. م. وقد جعله هذا العمل محبوبا عند كثيرين من اليهود. وهو الذي بني مدينة قيصرية وسمَّاها هكذا تكريماً لأوغسطس قيصر، ورمَّم مدينة السامرة بعد أن تهدَّمت وأسماها سبسطية، وبنى قلاعاً كثيرة منها مسعد وهيروديون وكبروس. وعُرف بقساوته، فقتل امرأته مريم وثلاثة من أبنائه (الإسكندر وأرسطوبولس، وأنتيباتر)؛ وفيما هو يسلّم أنفاسه الأخيرة أمر بقتل جميع عظماء أورشليم حتى يعم الحزن المدينة. وتوفي بعد قتل أطفال بيت لحم بثلاثة شهور في سنة 4 ق. م، علما ان يسوع وُلد قبل وفاته بسنتين. وانقسمت مملكته على أبنائه: انتيباس رئيس الربع على الجليل، وأرخلاوس ملك على آدوم واليَهودِيَّة والسامرة، وفيليبس رئيس الربع على قيصرية. وجعل متى الإنجيلي صلة بين هيرودس الملك ويسوع، مشيراً بذلك إلى النزاع الذي قام بين السلطات الرسمية والملك الحقيقي الذي سيُخلص شعبه (متى 1: 21). أمّأ عبارة "مَجوسٌ" فهي كلمة يونانية μάγος معرَبة عن لفظة فارسية وتعني مُفسر الرؤى، والأحلام والتنجيم. وكان المَجوس في بلاد فارس والبابليين يعتبرونهم من المنجمين، أي الذين يتنبؤون عن الأحداث بقراءة النجوم (دانيال 1: 20، 5: 11و 12؛ وارميا 39: 3و 13). واما المؤرخون اليونانيون (هيرودوت وستربو) فكانوا يستخدمون كلمة "المَجوس" للدلالة على الكهنة والمنجمين. وكان الحكام الشرقيون يستخدمون معرفة المَجوس بالتنجيم وتفسير الأحلام، للاسترشاد بها في إدارة شؤون البلاد اعتقادا منهم بأن أحداث التاريخ تنعكس على حركة النجوم وبعض الظواهر الفلكية الأخرى. أمّأ هنا في انجيل متى فتدل كلمة المَجوس على رجال حكماء منجِّمين كلدانيين من بابل، من بين النهرين لربَّما كانوا على صلة بالمسيحانيَّة اليَهودِيَّة (متى 2: 1و 7و 16). وقد اعتبرهم التقليد الشعبي ثلاثة ملوك مع ان النص الإنجيلي لم يذكر شيئا في هذا المجال. أمّأ عبارة "أُورَشليم" فتشير إلى القدس لأن الخلاص يأتي من هناك " المَكانَ الَّذي فيه يَجِبُ التَّعَبُّد هو في أُورَشَليم (يوحنا 4، 21). وأورشليم هي مقر حكومة هيرودس الكبير الذي كان ملكا على المناطق السياسية الأربعة الواردة اعلاه. وعليه فان المَجوس أتوا إلى اورشليم لأنهم كانوا بحاجةِ إلى هيرودس، ورؤساء الكهنة وكلّ الكتبة، لكي يجدوا الطفل ويتحققوا من هويته وليبيّنوا للملك هيرودس أنَّ يسوع هو الملك الحقيقي. أمَّا عبارة " المَشرِقِ " فتشير إلى البتراء، عاصمة مملكة الانباط، التي اشتهرت بما حملوا من الذهب والمر واللبان، وقد تشير أيضا إلى "مُلوكُ تَرْشيشَ والجُزُرِ ومُلوكُ شَبَأَ وسبَأَ كما جاء في المزمور " جَميعُ المُلوكِ لَه يَسجُدون كلّ الأمَمِ لَه يَخدُمون إلى مُلوكُ تَرْشيشَ والجُزُرِ الجِزيَةَ يؤدُّون ومُلوكُ شَبَأَ وسبَأَ الهَدايا يقَدِّمون. جَميعُ المُلوكِ لَه يَسجُدون كلّ الأمَمِ لَه يَخدُمون" (مزمور 72: 10-11). وقد قطع المَجوس مسافات بعيدة ليشاهدوا الملك يسوع المسيح، ونحن، هل نبحث عن الله ام ننتظر ان يأتي الله يبحث عنَّا!
2 قالوا: أَينَ مَلِكُ اليهودِ الَّذي وُلِد؟ فقَد رأَينا نَجمَه في المَشرِق، فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه.
تشير عبارة "قالوا" إلى سؤال المَجوس الذين مع أنهم كانوا من الوثنيين، رأوا في يسوع ملكاً لليهود) متى 27: 11)، فجاؤوا يسجدون له. أمّأ عبارة "أَينَ مَلِكُ اليهودِ الَّذي وُلِد؟ " فهي صدى للانتظار المسيحاني اليهودي. المَجوس كانوا بحاجة إلى إرشادات الكهنة والكتبة لدى وصولهم إلى أورشليم لمعرفة المكان المُحدَّد الذي يجب أن يذهبوا إليه أي بيت لحم، مدينة داود (متى 2: 5، 6؛ ميخا 5: 1). أمّأ عبارة "فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه" فتشير إلى ان يسوع المسيح الذي تنبذه سلطات الشعب في شخص هيرودس الملك، تسجد له الأمم الوثنية المُمثلة بالمَجوس. اما عبارة "رأَينا نَجمَه" فتشير رؤية المَجوس إلى علامة النجم. ومع أن هذه العلامة كانت في السماء على مرأى من الجميع، إلا أنهم وحدهم بدأوا المسيرة. إن الله يحدّث كل إنسان باللغة التي يفهمها، فأرسل للرعاة ملائكة، وللمَجوس نجمًا، والنجم الطالع يعتبر رمز ولادة الملك الذي أعلنه الأنبياء، أي ولادة المسيح. ويعلق القديس اوغسطينوس " أظهر الملائكة المسيح للرعاة، وأعلن النجم عنه للمَجوس. الكل تكلم من السماء...! الملائكة تسكن السماوات، والنجم يزيّنها، وخلال الاثنين تُعلن السماوات مجد الله". أمّأ عبارة "نَجمَه" فتشير إلى اعتقاد التنجيم بان كل طفل يولد في ظروف نجم معين يُسمَّى "نَجمَه "؛ ويُعلق القديس اوغسطينوس " ظهر نجم جديد في هذا الميلاد العجيب من عذراء، وعكس خدمته على المَجوس الباحثين عن امرأة، فتقدّمهم ليضيء لهم الطريق حتى قادهم إلى الموضع حيث فيه كان كلمة الرب كطفل. لم يُولد الطفل لأن النجم كان هناك، وإنما جاء النجم لأن الطفل الإلهي قد وُلد. لم يحدّد النجم مصير المسيح (كما يدَّعي المنجّمون) بل المسيح الذي حدّد مصير النجم". ويعتقد البعض الآخر ان هذه النجم عبارة عن اقتران كواكب المشتري وزحل والمريخ في سنة 6 ق. م. وفي قصائد راس شمرا في سوريا ترمز نجمة الصباح إلى الآهة. وفي نصوص قمران، يرد ذكر برج المَلك المسيحاني المنتظر. وهذا يعني انه راجت في الأوساط اليَهودِيَّة نظريات تسعى إلى تحديد النجم الذي يُولد تحته المسيح. ولذلك فإن يسوع هو أهلٌ لسجود المَجوس له بصفته ملكا مسيحيّاً إذ ان الكوكب في الشرق القديم يشير إلى الإله، وهذا تحقيق لنبوءة بلعام عن كوكب يطلع من بني يعقوب (عدد 24: 15-17)؛ وبالتالي إلى المَلك المؤله (أشعيا 14: 12). فيسوع هو نور النجم إذ قال عن نفسه: " أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة" (يوحنا 8: 12). ويختلف رأي القديس يوحنا الذهبي الفم " أنه لم يكن نجمًا حقيقيًا كسائر النجوم، إنّما هو ملاك ظهر في شكل نجم أرسله الله لهداية المَجوس العاملين في الفلك". أمّأ عبارة "مِنَ المَشرِقِ" فتشير إلى ما ورد في حزقيال النبي الذي يرى الرب يأتي من المشرق كالشمس (حزقيال 33: 21). أمّأ عبارة" لِنَسجُدَ لَه" فتشير إلى المَجوس الذين آمنوا بيسوع ملكا والهاً. ونحن أيّة نجمة تقودنا؟ باتجاه أيّ نورٍ نتجه؟ في وسط الأنوار العديدة المبهرجة الّتي قد تبهرنا وتجعلنا نضيّع طريقنا، من يقودنا؟ وأمام من نسجد؟
3 فلمَّا بلَغَ الخَبَرُ المَلِكَ هيرودُس، اِضْطَرَبَ واضطَرَبَت مَعه أُورَشليمُ كُلُّها.
تشير عبارة "اِضْطَرَبَ هيرودس" إلى قلق هيرودس الملك الذي لم يكن الوارث الشرعي لعرش داود، بل استمدَّ ملكه من الرومان. لذلك كان طاغية شديد الحذر، وكان يخشى دوما ان يُنتزع منه المُلك. وكان يتصوّر ان المؤامرات تحاك حوله، مما دفعه إلى قتل زوجته مريم وحماته وثلاثة من أولاده. وظنَّ انه إذا كان يسوع وارثا حقاً قد يصبح منافسا له على ملكه، ويقوم بانقلاب عليه. وهذا الأمر دفعه إلى قتل أولاد السنتين وما دون في بيت لحم وضواحيها (متى 2: 16-18). ويقول يوحنا ذهبي الفم في هذا الصدد: " لقد خشيَ هيرودس الملك أن ترجع المملكة إلى يهودي، فيطرده اليهود هو وذرّيته ويبعدونه عن الملوكيّة ". أمّأ عبارة "اضطَرَبَت مَعه أُورَشليمُ كُلُّها " فتشير إلى عدم استقرار وقلق الشعب اليهودي الذي كان يتوقع مجيء المسيح (لوقا 3:5) وأغلب الشعب كانوا ينتظرون المسيح محرراً سياسياً عظمياً. فليس مستغربا ان يأمر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم الأبرياء من دون سنتين، ليكون آمنا من هذا الجانب. أمّأ عبارة "أُورَشليمُ" فتشير إلى سكان اورشليم مرتبطة بالملك هيرودس.
4 فَجَمَعَ عُظَماءَ الكَهَنَةِ وكَتَبَةَ الشَّعْبِ كُلَّهم واستَخْبَرهم أَين يُولَدُ المسيح.
تشير عبارة "عُظَماءَ الكَهَنَةِ" إلى الكهنة من الصدوقيين (متى 3: 7) المسؤولين عن شعائر العبادة في هيكل اورشليم. وأمّأ عبارة "كتبة الشعب" فتشير إلى معلمي الشعب الذين كانوا يقرأون التوراة ويُفسّرونها وينسخونها. وهاتان الفئتان تُمثلان رؤساء الشعب المسؤولون الحقيقيون عن مأساة يسوع (متى 21: 15). أمّأ عبارة "المسيح" فتشير إلى المسيح المنتظر، ومكرَّس للخدمة والفداء، الذي وُعد بمجيئه حالا بعد سقوط الانسان في الخطيئة (تكوين 3: 15) والمسيح تعني الممسوح، إذ كان الملوك والكهنة اليهود يُمسحون كعلامة لتكريسهم وقد أعطتهم هذه الشعائر قداسة خاصة.
5 فقالوا له: في بَيتَ لَحمِ اليَهودِيَّة، فقَد أُوحِيَ إلى النَّبِيِّ فكَتب:
تشير عبارة "فقالوا له" إلى جواب رؤساء الكهنة والكتبة الذي به يرشدون الملك هيرودس عن الطفل يسوع، لكنهم لا يقتربون إليه. فقد تمتّع المَجوس بسرّ الحياة، وحُرم الرؤساء منه. أمَّا عبارة "بَيتَ لَحمِ" فتشير إلى إشارة جغرافية جوهرية بالنسبة إلى متى الإنجيلي، إذ ان وطن يسوع هو بيت لحم وان يوسف هو من نسل داود الذي هو ايضا من بيت لحم. وان الخوف من هيرودس أرخلاوس هو الذي حمل يوسف ومريم على الذهاب إلى الناصرة (متى 2: 22-23). أمّأ الناصرة في انجيل لوقا فهي الأساسية.
6 وأَنتِ يا بَيتَ لَحمُ، أَرضَ يَهوذا لَسْتِ أَصغَرَ وِلاياتِ يَهوذا فَمِنكِ يَخرُجُ الوالي الَّذي يَرْعى شَعْبي إِسرائيل.
هذه الآية مقتبسة من ميخا النبي (5: 1) من القرن السابع، وهنا يفكر ميخا النبي في أصول سلالة داود القديمة (1 صموئيل 17: 12) وتشير في إنجيل متى إلى نبوءة عن بيت لحم على لسان مستشاري هيرودس للدلالة على أهميتها كمكان ميلاد الرب وعلاقة يسوع ببيت داود. وقد فهم القادة الدينيون هذه الآية كتنبؤٍ عن ميلاد المسيح، وكذلك فهمتها الكنيسة الأولى. وكان الناس في أيام يسوع يتسألون في يسوع "أَلَم يَقُلِ الكِتابُ إِنَّ المَسيحَ هُوَ مِن نَسلِ داود وإِنَّهُ يأتي مِن بَيتَ لَحْمَ، القَريةِ الَّتي مِنها خَرَجَ داود؟"(يوحنا 7: 42).
7 فدَعا هيرودُسُ الَمَجوس سِرّاً وتَحقَّقَ مِنْهم في أَيِّ وَقْتٍ ظهَرَ النَّجْم.
تشير عبارة "ظهَرَ النَّجْم" إلى ظاهرة خارقة، خارجة عن المألوف، قصد الله منها إرشاد المَجوس إلى مِذود المسيح الطفل، كتتمة لنبوءة بلعام التي كانوا يعرفونها (عدد 24: 17). ويُعلق العلامة أوريجانوس" أنه نجم حقيقي لكنه نجم جديد ليس كالنجوم العاديّة... لكنّه يُحسب في عداد المذنبات التي تشاهد في أحيان كثيرة، أو النيازك، أو النجوم التي على شكل الجرار، أو أي اسم ممّا يصف به اليونانيّون أشكالها المختلفة". وأمَّا القديس ايرونيموس يجيب على سؤال لماذا استخدم الله النجم وذلك "لكي يعرف اليهود بنبأ ميلاد المسيح من الوثنيّين حسب نبوّة بلعام أحد جدودهم، بأن نجمه يظهر من المشرق. وإذ أرشد النجم المَجوس حتى اليَهودِيَّة وتساءل المَجوس عنه، لن يبقَ لكهنة اليهود عذر من جهة مجيئه".
8 ثُمَّ أَرْسَلَهم إلى بَيتَ لَحمَ وقال: اِذْهَبوا فابحَثوا عنِ الطِّفْلِ بَحْثاً دَقيقاً، فإِذا وَجَدْتُموه فأَخبِروني لأذهَبَ أَنا أَيضاً وأَسجُدَ له
تشير عبارة " لأذهَبَ أَنا أَيضاً وأَسجُدَ له" إلى كذب هيرودس الخادع، لأنه في الواقع يريد أن يرجع إليه المَجوس ويكشفوا له عن المكان الذي يوجد فيه الملك المولود ليقتله. كما أراد فرعون ان يقتل موسى، هكذا هيرودس أراد ان يقتل يسوع الذي هو موسى الجديد في نظر متى الإنجيلي (متى 5: 7). ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" لكي يُغري هيرودس المَجوس تظاهر بالتقوى، مخفيًا السيف وراءها. هذا هو طريق كل فاعلي الشرّ الذين يُخطّطون في الخفاء ليجرحوا الآخرين، ويتظاهرون بالبساطة والصداقة". قادة الامة يبحثون عن المسيح ليقتلوه، والمَجوس، طليعة الأمم يبحثون عن المسيح ليسجدوا له.
9 فلمَّا سَمِعوا كَلامَ الَمِلكِ ذَهَبوا. وإِذا الَّنجْمُ الَّذي رأَوهُ في المَشرِقِ يَتَقَدَّمُهم حتَّى بَلَغَ المَكانَ الَّذي فيه الطِّفلُ فوَقفَ فَوقَه"
تشير عبارة "وإِذا الَّنجْمُ الَّذي رأَوهُ في المَشرِقِ يَتَقَدَّمُهم" إلى رؤية النجم مجدداً كتأكيد على التناغم المثالي بين البحث البشري والحقيقة الإلهية، التناغم الذي ملأ قلوب هؤلاء المَجوس الحكماء فرحاً (متى 2: 10). وتتوج بحثهم بوقوفهم أمام "الصبي مع أمه مريم" (متى 2: 11). ويعلق يقول القديس توما الأكويني "ربّ الكون الّذي كشف نجمة بيت لحم للمَجوس القادمين من الشرق كي يأتوا ويسجدوا ليسوع، أمير السلام وملك الملوك، الذي يمنح كلّ فرد منّا ذات نور الوحي كي نعرف يسوع ونقبله ربأ ومخلّصاً. امَّا عبارة "بَلَغَ المَكانَ الَّذي فيه الطِّفلُ فوَقفَ فَوقَه" فتشير إلى تأدية النجم مهمته فقاد المَجوس من موطنهم إلى بلاد الفرس إلى اورشليم إلى بيت لحم. ولم يذهب تعب المَجوس سدى لأن أملهم لم يفتر، ورجاءهم لم يمت بل اكتشفوا في النهاية من خلال ظواهر الطبيعة الطفل يسوع. البحث هو دليل على الإيمان. والرغبة للوصول إلى اليقين وقد يكون امتحان لإيمان المَجوس واختبار لجديتهم. فما هو النجم الذي يقود حياتنا ويرشد طريقنا؟
10 فلمَّا أَبصَروا النَّجْمَ فَرِحوا فَرحاً عَظيماً جِدّاً. 11وَدخَلوا الَبيتَ فرأَوا الطِّفلَ مع أُمِّه مَريم. فجَثَوا له ساجِدين، ثُمَّ فتَحوا حَقائِبَهم وأَهْدَوا إِليه ذَهباً وبَخوراً ومُرّاً".
تشير عبارة "الَبيتَ" إلى البيت التي تقيم فيه العائلة وليس اسطبل كما كان الوضع لما زار الرعاة يسوع في المذود. أمّأ عبارة "فرأَوا الطِّفلَ مع أُمِّه مَريم" فتشير إلى المَجوس الذين وجدوا الطفل مع امه مريم حيث يُذكر الطفل أولا ثم تُذكر امه. اللقاء مع الطفل الإلهي هو الوحيد القادر على أن يُعطي معنى لوجودنا. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "قبل رؤيتّهم الطفل كانت المخاوف والمتاعب تضغط عليهم من كل جانب، أمّأ بعد السجود فحلّ عليهم الهدوء والأمان". أمّأ عبارة "الطِّفلَ " باليونانية παιδίον فتشير إلى عمر الطفل يسوع الذي كان يبلغ عاما او عامين تقريباً آنذاك عندما وجده المَجوس. وكانت مريم ويوسف مقيمان آنذاك في بيتٍ في بيت لحم (لوقا 2: 39). أمّأ عبارة "فجَثَوا له ساجِدين" فتشير إلى جوهر العبادة الحقيقية بتكريم المسيح لشخصه والاستعداد لإعطائه كل ما هو ثمين وذلك تتميما لنبوءة أشعيا "ويَكونُ المُلوكُ لَكِ مُرَبِّين وأَميراتُهم لَكِ مُرضِعات وعلى وُجوهِهم إلى الأَرض يَسجُدونَ لَكِ ويَلحَسونَ تُرابَ قَدَمَيكِ فتَعلَمينَ أَنِّي أنا الرَّبّ الَّذي لا يَخْزى مُنتظِروه. (أشعيا 49: 23). اقترب المَجوس من يسوع وآمنوا، وسجدوا فكانوا من المؤمنين من طليعة الأمم. ويستشهد مجمع ترانت الكنسي بهذا النص عن سجود المَجوس في تعليمه العبادة الواجبة للمسيح في سرّ القربان الأقدس. أمّأ عبارة "ذَهباً وبَخوراً ومُرّاً " فتشير إلى نبوءة أشعيا "كَثرَةُ الإِبِلِ تُغَطِّيكِ بُكْرانُ مِديَنَ وعيفَة كُلُّهم مِن شَبَأَ يَأتون حامِلينَ ذَهَباً وبَخوراً يُبَشِّرونَ بِتَسابيحِ الرَّبّ (أشعيا 60: 6). وهذه التقدمات الثلاثة تبرِّز الحديث عن ثلاثة اشخاص وهداياهم تعتبر رمزاً لوظائف المسيح الثلاثة: ملك وكاهن ونبي. فالذهب هدية للملك، والبخور هدية للإله، وأمّأ المُر إشارة لآلامه حيث انه يستخدم في تحنيط الموتى وإشارة لأنه نبي. ولعل تلك الهدايا ساعدت العائلة المقدسة لتدبير المال اللازم لرحلتها إلى مصر والعودة منها. .أمّأ عبارة "بَخوراً ومُرّاً" فتشير إلى الثروات والعطور التقليدية في جزيرة العرب (التكوين 37: 25). ويمكننا أيضًا بهذه العلامات أن نفهم شيئًا آخر. الذهب يرمز للحكمة كما يشهد سليمان: " في مَنزِلِ الحَكيمِ كَنزٌ شَهِيُّ" (أمثال 21: 20). والبخور الذي يُحرق أمام الله يرمز لقوة الصلاة كقول المزمور: "لِتَكُنْ صَلاتي بَخورًا أَمامَكَ" (مزمور 141: 2)، والمرّ يرمز لإماتة أجسادنا، حيث تقول الكنيسة المقدّسة لعامليها الذين يعملون فيما لله حتى الموت: " يَدايَ تَقطُرانِ مرًّاً" (نشيد الأناشيد 5:5). وكان اليهود الذين ينتظرون مجيء المسيح يرجون أن يتلقى الملك المنتظر إكرام جميع الأمم وتقادمهم (أشعيا 60: 6). وجد المَجوس في يسوع الملك وابن الله. وبهذه تمَّت النبوءات المسيحية التي تعلن تسبيح الأمم ليسوع الملك. ونحن، ماذا نقدّم لهذا الطفل؟ هل نقدّم له ذهب محبتنا وبخور عبادتنا ومُر تضحياتنا؟
12 ثُمَّ أُوحِيَ إِليهِم في الحُلمِ أَلاَّ يَرجِعوا إلى هيرودُس، فانصَرَفوا في طَريقٍ آخَرَ إلى بِلادِهم.
تشير عبارة "أُوحِيَ إِليهِم" إلى إبلاغ الحق الإلهي للمَجوس؛ أن الوحي الإلهي وحده يمكن أن يفتح عقول وقلوب الناس كي يعرفوا المسيح ويقبلوه ملكاً ومخلّصاً. أمّأ عبارة " الحُلمِ " فتشير إلى أفكار تخطر للعقل أثناء النوم يستخدمها الله كوسيلة للتكلم مع الانسان عن مقاصد ملكوته. أمّأ عبارة " فانصَرَفوا في طَريقٍ آخَرَ إلى بِلادِهم" فتشير إلى عودة المَجوس إلى بلادهم بناء على تحذير من الله. ويرى البابا غريغوريوس الكبير "إن هذا الطريق الجديد إنّما هو طريق الفردوس، الذي تلتزم النفس أن تسلكه خلال لقائها مع ربّنا يسوع." اختار المَجوس الطفل كملك لهم، فأرادوا حمايته سراً على مثال مريم. ومثلما ظهروا، اختفوا بصمت، شاعرين بالرضى وإنما أيضاً بالتبدل بعد اللقاء مع الحقيقة. لقد اكتشفوا وجهاً جديداً لله، مُلكاً جديداً هو ملك المحبة.
ثانياً: تطبيقات نص الإنجيلي (متى 2: 1-12)
بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (متى 2: 1-12) نستنتج انه يتمحور على ظهور المسيح للأمم المُتمثِّلة بالمَجوس. ان يسوع المسيح المخلص لم يأت لليهود فقط بل لجميع الأمم. ومن هنا نتناول سؤالين: ما هو مفهوم الأمم في الكتاب المقدس والمَجوس؟ وما هي الحقائق من وراء سجود المَجوس ليسوع الطفل في بيت لحم؟
1) ما هو مفهوم الأمم في الكتاب المقدس؟
تُطلق اسفار العهد القديم على الأمم لفظة عبرية הַגּוֹיִם والتي تشمل معاً "من لا يعرفون الله" أي الوثنيين، ومن لا يشتركون في حياة شعبهم أي الغرباء المقيمون الذين يمارسون الختان (خروج 12: 48). أمّأ شعب الله فيطلق عليه "إسرائيل" ويختص بالاختيار، والعهد، والوعود الإلهية.
أمّأ في العهد الجديد فإن مفهوم شعب الله قد تطور وانفتح على كل البشر. إذ جاء المسيح ليجمع شمل إسرائيل والأمم في إنسان واحد جديد كما جاء في تعليم بولس الرسول " فإِنَّه سَلامُنا، فقَد جَعَلَ مِنَ الجَماعتَينِ جَماعةً واحِدة وهَدَمَ في جَسَدِه الحاجِزَ الَّذي يَفصِلُ بَينَهما " (أفسس 2: 14).
ويركز إنجيل متى اهتمامه على خلاص الأمم من خلال قدوم المَجوس وسجودهم ليسوع (متى 2: 1-12) وبدء رسالة يسوع العلنية في "جليل الأمم" (متى 4: 15-16) وتوصيته لتلاميذه ببشارة الأمم "فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، " (متّى 28: 19-20).
2) من هم المَجوس في إنجيل متى؟
يصف إنجيل متى المَجوس "حكماء" (متى 2: 1و 7و 16). وأنهم جاءوا من "المشرق" (2: 1و 2). فهم كهنة وفي نفس الوقت ملوك كلدانيون أو فارسيون يقضون جُل وقتهم في دراسة الظواهر الفلكية والتكهن بالحوادث المقبلة. وفي هذا الصدد يقول القديس أوغسطينوس: "من هم هؤلاء المَجوس إلاَّ باكورة الشعوب الأممية الذين قبلوا المسيح. لقد كان الرعاة يهود والمَجوس أمميّين. كان الأوّلون ملاصقين له، والآخرون جاءوا إليه من بعيد. لقد أسرع الكل إلى حجر الزاوية". وقد أوضح البابا بندكتس السادس عشر هذه الحقيقة "يشكل مَجوس الشرق، الذين وبإتباعهم للنجم وجدوا الطريق نحو مغارة بيت لحم، بداية مسيرة كبيرة تجتاح التاريخ. وكما أن الرعاة، أول ضيوف للطفل المضجع في المذود يجسّدون فقراء إسرائيل، أي النفوس المتواضعة التي تعيش بقرب داخليٍّ من يسوع، فهؤلاء الرجال القادمين من الشرق يجسدون الشعوب الأخرى، كنيسة الأمم، الرجال الذين، ومنذ عصور يسيرون نحو طفل بيت لحم ويكرمون فيه ابن الله ويسجدون له" (عظة عيد الدنح 1/7/1/2013).
وقال بعض الآباء إنهم جاءوا من البتراء او جنوبي الجزيرة العربية، وذلك بناء على الهدايا التي قدموها "الذهب واللبان والمرّ"، وكانت تشتهر بها هذه البلاد. لكن جنوب الجزيرة العربية لا تعتبر "مشرقاً" بالنسبة لفلسطين، لذلك قال آخرون إنهم جاءوا من ميديا أو فارس. الأرجح أنهم جاءوا من فارس، حيث كان هذا الاسم يطلق على كهنتهم. اما الكتَّاب المسيحيون الأوائل فقد جعلوا من المَجوس يأتون من بلاد العرب كيتينس، أو من بلاد فارس كما ورد لدى كليمنضوس الإسكندري، أو من بابل كما ورد في كتابات أوريجانوس. وبكلمة أخرى فالمَجوس هم وثنيون.
واما النجم الذي هداهم إلى موضع ميلاد الطفل يسوع فهو نجم حقيقي جديد. ويُعلق العلامة أوريجانوس" أنه نجم حقيقي لكنه نجم جديد ليس كالنجوم العاديّة... يُحسب في عداد المذنبات التي تشاهد في أحيان كثيرة، أو النيازك، أو النجوم التي على شكل الجرار، أو أي اسم ممّا يصف به اليونانيّون أشكالها المختلفة. ويقول القديس ايرونيموس مجيباً على سؤال لماذا استخدم الله النجم "لكي يعرف اليهود بنبأ ميلاد المسيح من الوثنيّين حسب نبوّة بلعام أحد جدودهم، بأن نجمه يظهر من المشرق. وإذ أرشد النجم المَجوس حتى اليَهودِيَّة وتساءل المَجوس عنه، لم يبقَ لكهنة اليهود عذر من جهة مجيئه". لقد جاء النجم يكمّل شهادة الطبيعة للسيّد المسيح بلغتها الخاصة. يقول القديس أوغسطينوس: "شهدت له السماوات بالنجم، وحمله البحر إذ مشى عليه (متى 14: 25)، وصارت الرياح هادئة ومطيعة لأمره (متى 23: 27)، وشهدت له الأرض وارتعدت عند صلبه (متى 27: 51).
وقد ظهر النجم مبكرًا قبل الميلاد ربّما بحوالي سنتين، حيث قاد المَجوس ليبلغوا بيت لحم في وقت الميلاد كما يقول القديس يوحنا لذهبي الفم. ويرى البعض أنه ظهر عند ميلاده، وقد أخذ المَجوس بعض الوقت حتى بلغوا بيت لحم، لهذا إذ تحقّق هيرودس الأمر أمر بقتل الأطفال من سنتين فما دون، إذ حسب المدّة بناءً على ظهور النجم.
ولم يذكر متى الإنجيلي أسماء المَجوس، ولكن التقليد يقول أنَّ أسماءهم، هي "جسبار وهو ملك الهند وملكيور (ملكون) هو ملك فارس، وبلتازار" ملك لبلاد العرب. ولم يذكر انجيل متى أيضا كم كان عدد المَجوس الذين جاءوا ليروا الطفل يسوع. لكن الكنيسة الشرقية تعتقد أنهم كانوا 12 مَجوسيا، ولعل ذلك ناتج عن أهمية العدد "12" في الكتاب المقدس (كما في 12 سبطاً، 12 تلميذاً). وتقول الكنيسة الغربية إنهم كانوا ثلاثة رجال حكماء، بافتراض أن كل واحد منهم قدَّم نوعاً من الهدايا الثلاث المذكورة.
وتعتبر هداياهم رمزاً لوظائف المسيح الثلاثة: ملك وكاهن ونبي، حيث ان الذهب هدية للطفل الملك، والبخور هدية الطفل الإله، وأمّأ المُر فهو إشارة للنبي وإلى العبد المتألم الذي تكلم عنه أشعيا لان المّر يقدَّم لشخص عند موته دلالة على ان هذا الطفل سيتألم ويموت. وفي هذه دلالة واضحة لهويته الملوكية والإلهية ورسالته الخلاصية.
واما في أي مكان تُحي الكنيسة ذكرى المَجوس؟ يروي تقليد قديم ان هناك مغارتين لذكرى المَجوس. مغارة في دير كاتمسا بالقرب من دير مار الياس الواقع على الطريق بين القدس وبيت لحم حيث استراح المَجوس في زيارتهم إلى بيت لحم. وهناك مغارة بالقرب من كنيسة دير مار ثيوّذسيوس في بيت ساحور حيث دفن القديس ثيوّذسيوس هو ووالدته، ووالدة القديس سابا، حيث لجأ المَجوس في عودتهم إلى بلادهم تفادياً للقاء مع هيرودس الملك.
وأخيرا نحتفل بعيد المَجوس في عيد الغطاس. وعيد الغطاس يحيي ليس فقط ذكرى اعتماد الرب يسوع في نهر الاردن من يوحنا المعمدان، وانما ايضا ظهوره العلني لكل الأمم، الذين يُمثلهم المَجوس القادمون للسجود للطفل الاله المولود في بيت لحم. يدعى هذا العيد بالسريانية عيد الدِّنحُ أي الظهورَ والإعلان والإشراق، وفي اليونانية إبيفانيا "ἐπιφάνεια أي الظهور الإلهي على أساس أن الميلاد والغطاس (المَجوس) والعماد ومعجزة قانا الجليل يؤدُّون معا مضموناً واحداً وهو: "إعلان لاهوت السيد المسيح".
3) ما هي الحقائق الذي يعلنها سجود المَجوس ليسوع؟ (متى 2: 1-12)
الحقيقة الأولى: يسوع هو المسيح الملك المنتظر
تعلن زيارة المَجوس حقيقة شخصية الطفل المولود باعتباره "المسيح الملك المنتظر" تحقيقاً للنبوءات العديدة.
وجد متى الإنجيلي في النجم الذي استهدى به المَجوس (متى 2: 2) الكوكب الذي استهدى به الشعب في العهد القديم حيث تنبأ بلعام عن المسيح " َخرُجُ كَوكَبٌ مِن يَعْقوب ويَقومُ صَولَجانٌ مِن إِسْرائيل فيُحَطمُ صُدغَي موآب وجُمجُمةَ جَميعِ بَني شِيت " (العدد 24: 17) ويقول أوريجانوس بان المَجوس قد احتفظوا بنبوءة بلعام واعترفوا بانها تحققت لدى رؤيتهم النجم الطالع. والنجم يرمز إلى المسيح الملك. لقد تبع المَجوس النجم ووصلوا إلى يسوع، النور الكبير الذي أتى إلى العالم و" يُنيرُ كُلَّ إِنْسان" (يوحنا 1: 9). وكحجاج إيمان، أصبح المَجوس نجوما ساطعة في سماء التاريخ يرشدوننا إلى الطريق.
كما أن الحوار بين المَجوس وهيرودس ورؤساء الكهنة والكتبة، يُعلن أن يسوع كان تحقيقاً لنبوءة ميخا عن ميلاد المسيح الملك في بيت لحم " أَنتِ يا بَيتَ لَحمُ أَفْراتَة إِنَّكِ أَصغَرُ عَشائِرِ يَهوذا ولكِن مِنكِ يَخرُجُ لي مَن يَكونُ مُتَسَلِّطاً على إِسْرائيل وأُصوِلُه مُنذُ القَديم مُنذُ أَيَّامَ الأَزَل"(ميخا 5: 2). فالهدف من النبوءة هو إظهار يسوع داود الجديد الملك الذي يرعى شعبه فآمن به المَجوس وسجدوا له، في حين اورشليم الممثلة في رؤسائها منذ البدء قد رفضته.
ويشير قدوم المَجوس إلى اورشليم إلى أن يسوع كان منذ طفولته ملكاً للأمم (متى 2: 1-11). فيتعلموا ناموس الله، ويلتقوا بأمير السلام ربنا يسوع المسيح، كي يحملوا سلامه إلى العالم؛ وبهذا يؤكد متى الإنجيلي نبوءة أشعيا ان يسوع يحكم بين الأمم للسلام. "تَنطَلِقُ شُعوبٌ كَثيرةٌ وتَقول: هَلُمُّوا نَصعَدْ إلى جَبَلِ الرَّبّ إلى بَيتِ إِلهِ يَعْقوب وهو يُعَلِّمُنا طُرُقَه فنَسيرُ في سُبُلِه لأَنَّها مِن صِهْيونَ تَخرُجُ الشَّريعَة ومِن أُورَشَليمَ كَلِمَةُ الرَّبّ. وبَحكُمُ بَينَ الأُمَم ويَقْضي لِلشُّعوبِ الكَثيرة فيَضرِبونَ سُيوفَهم سِكَكاً ورِماحَهم مَناجِل فلا تَرفَعَ أُمَّةٌ على أُمَّةٍ سَيفاً"(أشعيا 2: 2-4).
ويستحضر المَجوس للذهن أيضا الوعود النبوية الواردة في مزمور "َحمِلُ المُلوكُ إِلَيكَ الهَدايا" (مزمور 68: 29) والوعد النبوي الوارد في مزمور “مُلوكُ تَرْشيشَ والجُزُرِ الجِزيَةَ يؤدُّون ومُلوكُ شَبَأَ وسبَأَ الهَدايا يقَدِّمون" (مزمور 72: 10). فيدعى المَجوس ملوكا (أشعيا 60: 3) ويظهرون مسافرين على الإبل والجمال (أشعيا 60: 6).
أمّأ تقديمات المَجوس ليسوع "ذَهب وبَخور ومُرّ " (متى 2: 10) فتشير إلى تتميم نبوءة أشعيا في يسوع الرب "كُلُّهم مِن شَبَأَ يَأتون حامِلينَ ذَهَباً وبَخوراً يُبَشِّرونَ بِتَسابيحِ الرَّبّ" (أشعيا 60: 5-6). رأَى المَجوس ولم يناقشوا، بل آمنوا، واعترفوا به بالهدايا الرمزيّةِ التي قدَّمُوها: بالبخورِ اعترفوا به إلهًا، وبالذهبِ قَبِلُوه مَلِكًا، وباللُبانِ آمنوا بموتِه. وفي هذا الصدد يقول البابا غريغوريوس الكبير "يقدّم الذهب كجزية الملك، ويقدّم البخور تقدمة لله، ويستخدم المرّ في تحنيط أجساد الموتى. لهذا أعلن المَجوس بعطاياهم السرّيّة للذين يسجدون له بالذهب أنه الملك، وبالبخور أنه الله، وبالمرّ أنه يقبل الموت.
الحقيقة الثانية: دعوة الأمم الوثنية إلى الإيمان والخلاص
تعلن زيارة المَجوس أن يسوع المسيح لم يأت لليهود فقط بل للأمم أيضاً (ممثلين في "المَجوس من المشرق"). وهكذا تتحقق نبوءة أشعيا النبي الذي لمَّحَ إلى جمهور الوثنيين الذين يدخلون اورشليم المستنيرة بمجد الله "فتَسيرُ الأُمَمُ في نورِكِ والمُلوكُ في ضِياءِ إِشْراقِكِ" (أشعيا 60: 3). إن الأمم الممثلة بالمَجوس تتّجه نحو الله الحي (أشعيا 45: 14-17)، وتشترك في عبادته (أشعيا 60: 1-16). وقالَ أيضًا موجِّهاً كلامَه إلى الله: "هَا إنَّكَ تَدعُو أُمَّةً لَم تَكُنْ تَعرِفُهَا، وَإلَيكَ تَسعَى أُمَّةٌ لَم تَكُنْ تَعرِفُكَ" (أشعيا 55: 5). ويعلق القديس البابا لاون الكبير "نعرفُ أنَّ هذا كلَّه تَمَّ لمّا جاءَ المَجوس الثلاثة، وقد دعاهم اللهُ من بلادِهم البعيدة، وقادَهم بالنجمِ، ليَعرِفوا ويسجدوا لمَلِكِ السماءِ والأرض. ويحملُنا النجمُ نحن أيضًا على الطاعةِ نفسِها، أي أن نُصغِيَ بقدرِ ما نستطيعُ إلى النعمةِ التي تدعو الجميعَ إلى المسيح" (العظة 3 في عيد ظهور الرب، 1-3 و5: PL 54، 240-244).
وجمع الله حوله الأمم وكل الألسن (أشعيا 66: 18-21). وجميع الشعوب تعترف به ملكاً، وكلهم يجتمعون مع شعب إبراهيم (مزمور 47)، والجميع ينعتون صهيون بلقب الأم (مزمور 87). وهكذا فلا بدَّ وأن يجتمع مجدداً في اليوم الأخير، شعب واحد لله سوف يستعيد العالمية الشاملة الأولى. إن النبوءة تعود إلى السر الأصلي بتطلعات واسعة الآفاق.
كما كان سجود هؤلاء الأمم صورة مسبقة للإرسالية العظمي للكرازة بالإنجيل لجميع الامم "اذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم" (متى 28: 19). يعلق البابا بندكتس السادس عشر "رأى المَجوس علامة النجم، وساروا ليجدوا ذلك الملك الذي أسّس ملوكيّة جديدة ليس لشعب إسرائيل فقط بل للبشرية بأسرها"(عظة عيد الدنح 1/7/1/2013).
ان وحدة الانسانية تتوثَّق في يسوع المسيح كما يقول بولس الرسول "فلَيسَ هُناكَ يَهودِيٌّ ولا يونانِيّ، لأَنَّكم جَميعًا واحِدٌ في المسيحِ يسوع" (غلاطية 3: 28). فهناك بشرية جديدة واحدة، بناء واحد، حجر زاويته المسيح، جسد واحد راسه المسيح (أفسس 2: 11-22). فإنه مات ليس فقط من أجل أمته، لكن حتى يجمع في الوحدة كل ابناء الله المشتتين كما تنبأ عنه قَيافا رئيس الكهنة" إَنَّ يسوعَ سيَموتُ عَنِ الأُمَّة، ولاعنِ الأُمَّةِ فَقَط، بل لِيَجمَعَ أيضاً شَمْلَ أَبناءِ اللهِ المُشَتَّتين" (يوحنا 11: 50-52). ها هي البشرية الجديدة التي خلصها يسوع، حمل الله بدمه: انها جمهرة من جميع الأمم والأجناس والشعوب والألسنة “رَأَيتُ بَعدَ ذلِكَ جَمعًا كَثيرًا لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يُحصِيَه، مِن كُلِّ أُمَّةٍ وقَبيلَةٍ وشَعبٍ ولِسان، وكانوا قائمينَ أَمامَ العَرشِ وأَمامَ الحَمَل" (رؤيا 7: 9-17)، تحييّ في الله ملك الأمم بقولها " عَظيمَةٌ عَجيبَةٌ أَعْمالُكَ أَيُّها الرَّبُّ الإِلهُ القدير وعدل وحَقٌّ سُبُلُكَ، يا مَلِكَ الأُمَم. مَن تُراه لا يَخافُ اسمَكَ ولا يُمَجِّدُه يا رَبّ؟ فأَنتَ وَحدَكَ قُدُّوس. وستَأتي جَميعُ الأُمَمِ فتَسجُدُ أَمامَكَ لأَنَّ أَحْكامَكَ قد ظَهَرَت" (رؤيا 15: 3).
الحقيقة الثالثة: إيمان المَجوس ورفض اليهود
منذ زيارة المَجوس للملك هيرودس قام صراع قام بين الملك هيرودس ومن يحيط به من زعماء اورشليم الدينيين، وبين يسوع الملك الذي أبصر النور والمَجوس المؤمنين به. اليهود يرفضونه، والوثنيون يسجدون له، لأنَّ إيمانَ المَجوس هو بمثابةِ إيمانِ الشعوبِ الوثنيّةِ. فبينما قدّم هؤلاء المَجوس الغرباء الإكرام والسجود للمسيح المولود، فإن هيرودس ورؤساء الكهنة دبّروا مؤامرة لقتل الطفل يسوع (متى 2: 3-6)، وقتل أطفال بيت لحم الأبرياء خوفا على فقدان كرسي ملكه. " ويعلق الاب رفيق " ان محاولات هيرودس ما زالت مستمرة لقتل الطفل، ولكن إرادة الحياة والانتصار في المسيح يسوع أقوى من رغبة الموت والدمار". وهكذا نجد الأمم يؤمنون وينالون الخلاص، بينما لم يؤمن غالبية الشعب اليهودي (متى 8: 5-13، 15: 21-28، 27: 19و 54).
الخلاصة
يقرأ متى الإنجيلي طفولة يسوع على ضوء حياته العلنية وموته وقيامته. إنَّ المَجوس لم يجدوا المسيح الا بعد ان تركوا من أجله بلادهم وتحررَّوا من قيودهم. وقد كلّفوا أنفسهم مشقة البحث عنه. لم يردهم عن مقصدهم لا مال، ولا منصب ولا خوف ولا عناء ولا خدعة الناس او الملك. اقبلوا وآمنوا وسجدوا وقدَّموا للطفل هداياهم معترفين بان هذا الطفل هو ملك، وإله ومخلص لجميع البشر.
وفي الوقت نفسه عرف الرؤساء اين يولد المسيح، وحاربته السلطة الرومانية في شخص هيرودس، وهي التي ستحكم عليه بالموت في شخص بيلاطس، رفض اليهود بأكثريتهم ان يستقبلوا يسوع، فجاء إليه الوثنيون في شخص المَجوس.
أدرك المَجوس أيضا أنّ هيرودس الملك الطاغية ظنّ أنّ يسوع الملك سوف يخلعه عن عرشه الملكيّ، لكن لم يكن يسوع كذلك. فالرّب يسوع المسيح لم يُولد ليتعدّى على مجد الآخرين، بل ليعطينا مجده. لم يُولد ِ ليستولي على مملكة أرضيّة، بل ليهبنا ملكوت السماوات. لم يُولد ليسرق مناصب، بل ليتألّم من خلال الشتائم وسوء المعاملة والعنف التي عاناها. لم يُولد لتُكلّل هامتُه المقدّسة بتاج مرصّع بالأحجار الكريمة، بل بإكليل من شوك. لم يوُلد الرّب يسوع المسيح ليجلس على العروش، بل لكي يُهان ويُصلب. وعليه ليس بالعنف بل بالإيمان يجب أن نبحث عن سيدنا يسوع المسيح الذي يحيا ويملك إلى دهر الدهرين. فنحن مَجوس هذا الزّمان ونفتّش عن طريق خلاصنا المسيح الذي هو نور العالم ونجم يضيء لنا طرق حياتنا فلا نسير في الظلام (يوحنا 8: 12).
مع المَجوس لنُقدّم لطفل بيت لحم المولود الجديد ذهبًا، ونعترف أنه يملك في كل موضع، ونقدّم له البخور. ونحن نؤمن أنه هو الله الذي ظهر في الزمان، مع أنه قبل كل زمان. ولنقدّم له المرّ، مؤمنين أنه وإن كان في لاهوته غير قابل للألم، فقد صار قابلًا للموت في جسدنا.
دعاء
يا ربنا، إنَّ عيد الغطاس، هو بدءِ دَعوتك للشعوبِ إلى الإيمان والخلاص. "هَا إنَّكَ تَدعُو أُمَّةً لَم تَكُنْ تَعرِفُهَا، وَإلَيكَ تَسعَى أُمَّةٌ لَم تَكُنْ تَعرِفُكَ" (أشعيا 55: 5). "كَشَفَتُّ خَلاصَكُ وبِرَكَ لِعُيُونِ الأُمَمِ" (مزمور 97: 2). اننا نشكرك يا الهنا الرحيمَ، من أجل حمل الخلاص لجميع الشعوب ولأنّك "جعلَتنا أهلاً لأن نشاطرَ القدِّيسِين ميراثَهم في النورِ، هو الذي نجَّانا من سلطانِ الظُّلُماتِ ونقلَنا إلى ملكوتِ ابنِ محبَّتِه" (قولسي 1: 12-13). ولنترنم مع صاحب المزاميرِ "جَمِيعُ الأمَمِ الَّتِي صَنَعْتَهَا تَأتِي وَتَسجُدُ أمَامَكَ، أيُّهَا السَّيِّدُ، وَتُمَجِّدُ اسمَكَ" (مزمور 85: 9)، و َلْيَكُنِ اللهُ معروفًا ليسَ فقط في اليَهودِيَّة، بل وفي المسكونةِ كلِّها، ليكونَ اسمُ الربِّ عظيمًا في كلِّ الأُممِ (مزمور 75: 2).