موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الرِّسَالَة
إِرْفَعُوا الرَّبَّ إِلَهَنَا واسْجُدُوا لِمَوْطِئِ قَدَمَيْهِ
الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ فَلْتَسْخَطِ الشُّعُوبُ
فصل من رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس (1 كو 1: 18-24)
يا إخوةُ، إنَّ كلمةَ الصَّليبِ عند الهالِكِينَ جَهَالَةٌ، وأَمَّا عِندَنَا نحنُ المُخَلَّصِينَ فهي قُوَّةُ الله. لأَنَّهُ كُتِبَ سَأُبِيدُ حكمةَ الحُكَمَاءِ وأَرْفُضُ فَهْمَ الفُهَمَاءِ، فَأَيْنَ الحَكِيمُ وأَيْنَ الكاتِبُ، وأَيْنَ مُبَاحِثُ هذا الدَّهر؟!. أَلَيْسَ اللهُ قَدْ جَهَّلَ حِكْمَةَ هذا العالم، فَإِنَّهُ إِذْ كانَ العالَمُ، وهُوَ في حكمةِ اللهِ، لم يعرِفِ اللهَ بالحِكْمَةِ، ارتَضَى اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ بجَهَالَةِ الكِرَازَةِ الَّذين يؤمنون. لأنَّ اليهودَ يَسأَلُونَ آيَةً واليونانيِّينَ يَطْلُبُونَ حكمةً، أَمَّا نحنُ فَنَكْرِزُ بالمسيحِ مصلوبًا شَكًّا لليهودِ وجَهَالَةً لليونانيِّين. أمَّا للمَدْعُوِّينَ من اليهودِ واليونانيِّينَ فالمسيحُ قوَّةُ اللهِ وحكمةُ الله.
الإنجيل
فصل شريف من بشارة القديس يوحنا (يو 19: 6-11، 13-20، 25-28، 30-35)
في ذلك الزَّمان، عَقَدَ رؤَساءُ الكهنةِ والشُّيوخُ على يسوعَ مشورَةً لِيُهْلِكُوهُ، فَأَتَوْا إلى بيلاطُسَ قائِلِينَ اصْلِبْهُ اصْلِبْهُ. فقالَ لهم بيلاطسُ خُذُوهُ أنتم واصْلِبُوهُ فإنّي لا أجِدُ فيهِ عِلَّةً. أجابَهُ اليهودُ إِنَّ لنا ناموسًا، وبحسب ناموسِنَا يجبُ أنْ يموتَ لأنَّهُ جعلَ نَفْسَهُ ابْنَ الله. فلمَّا سَمِعَ بيلاطُسُ هذا الكلامَ ازْدَادَ خوفًا، ودخلَ أيضًا إلى دارِ الوِلايَةِ وقالَ ليسوعَ مِنْ أَيْنَ أنتَ؟. فَلَمْ يَرُدَّ يسوعُ عليهِ جوابًا. قالَ لهُ بيلاطُسُ أَلَا تُكَلِّمُنِي. أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ لي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ ولي سُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ. فأجابَ يسوعُ ما كانَ لكَ عَلَيَّ مِنْ سلطانٍ لو لَمْ يُعْطَ لكَ من فوق. فلمَّا سمعَ بيلاطسُ هذا الكلامَ أَخْرَجَ يسوعَ ثمَّ جلسَ على كرسيِّ القَضَاءِ في موضِعٍ يُقَالُ لهُ لِيثُسْتْرُوتُن وبالعِبرانِيَّة جَبَّتَا. وكانت تهيئةُ الفصحِ وكانَ نحوَ السَّاعةِ السَّادِسَة. فقالَ لليهودِ هوذا ملكُكُم، أمَّا هم فصرخوا اِرْفَعْهُ ارْفَعْهُ اصْلِبْهُ. فقالَ لهم بيلاطس أَأَصْلِبَ مَلِكَكُم. فأجابَ رؤساءُ الكهنةَ ليسَ لَنَا مَلِكٌ غيرَ قيصر، حينئذٍ أَسْلَمَهُ إليهِم للصَّلْب. فأَخَذُوا يسوعَ ومَضَوْا بهِ. فخرجَ وهو حامِلٌ صليبَه إلى الموضعِ المسمَّى الجمجمةُ وبالعبرانيَّة يُسمَّى الجُلْجُلَة، حيث صَلَبُوهُ وآخَرَيْن معهُ من هنا ومن هنا ويسوع في الوَسْطِ. وكتبَ بيلاطسُ عُنْوَانًا ووضعَهُ على الصَّليبِ وكان المكتوبُ فيهِ: يسوعُ الناصِرِيُّ ملكُ اليهود، وهذا العُنْوَانُ قرأَهُ كثيرون من اليهود، لأنَّ الموضِعَ الَّذي صُلِبَ فيه يسوع كان قريبًا مِنَ المدينة. وكان مكتوبًا بالعبرانيَّة واليونانيَّة والرُّومانيَّة. وكانَتْ واقِفَةً عند صليبِ يسوعَ أُمُّهُ وأُخْتُ أُمِّهِ مريمُ الَّتي لكلاوبا ومريمُ المجدليَّةُ. فلمَّا رأى يسوعُ أُمَّهُ والتِّلميذَ الَّذي كان هو يحبُّهُ واقِفًا، قالَ لأُمِّهِ يا امرأَةُ هوذا ابنُكِ، ثمَّ قالَ للتِّلميذِ هوذا أُمُّك. ومن تلكَ السَّاعةِ أخذَهَا التِّلميذُ إلى خاصَّتِهِ. وبعد هذا رأى يسوعُ أنِّ كلَّ شيءٍ قد تَمَّ، فَأَمَالَ رَأْسَهُ وأَسْلَمَ الرُّوح. ثمَّ إذ كانَ يومُ التَّهْيِئَةِ، فَلِئَلَّا تبقَى الأجسادُ على الصَّليبِ في السَّبت، لأنَّ يومَ ذلك السَّبت كان عظيمًا، سَأَلَ اليهودُ بيلاطسَ أَنْ تُكْسَرَ سُوقُهُم ويُذْهَبَ بهم، فجاءَ الجُنْدُ وكسَرُوا سَاقَيِ الأوَّلِ والآخَرِ الَّذي صُلِبَ معهُ، وأمَّا يسوع فلَّما انتَهَوْا إليه ورَأَوْهُ قد ماتَ لم يكسِرُوا ساقَيْهِ، لكنَّ واحِدًا من الجُنْدِ طعنَ جَنْبَهُ بحَرْبَةٍ، فخرجَ للوقتِ دَمٌ وماءٌ. والَّذي عاينَ شَهِدَ وشهادتُهُ حَقٌّ.
بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين
يُعرف عيد رفع الصليب المقدس بهذا الاسم، وتحتفل به الكنيسة الأرثوذكسية في الرابع عشر من أيلول من كل عام. تفوح رائحة الريحان في الكنائس ومنازل المؤمنين.
فرح الكنيسة بهذا اليوم هو فرح محبة الله لنا وتعلقنا نحن به. "فحينما ترفع نظرك الى خشبة الصليب المعلّقة فوق الأيقونسطاس (حامل الأيقونات الذي يفصل الهيكل عن صحن الكنيسة) أُذكر مقدار الحب الذي أحبنا به الله حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به. فأينما وُجد الصليب وُجدت المحبة، لأنه هو علامة الحب الذي غلب الموت وقهر الهاوية واستهان بالخزي والعار والألم.
سر الصليب
الصليب هو أقوى حدث في حياة المسيح بالرغم من أنه أضعف موقف من مواقف الرب على الأرض كما يقول الرسول بولس "صُلِبَ من ضعف" (2 كور 13: 4). لذا فإن نظرتنا إلى الصليب اليوم، كقوة محوِّلة، حوّلت الموت إلى حياة، واللعنة إلى بركة، والظلام إلى نور. الصليب بالمفهوم الإنجيلي قوّة حاملة للإنسان وليس ثِقلاً عليه. يحوّل الموت إلى قيامة وحياة أبدية. وبه تموت النفس عن شهواتها فيتحول كل شيء إلى فرح وابتهاج. إن الصليب هو خشبة الحياة المحيية. وهذه الحقيقة انكشفت لجميع الشهداء والقديسين، فأَقبلوا حاملين الصليب بفرح من أجل ما يحمله من سرور وفرح. سرّ الصليب قوّة وُهِبناها لتسكن داخل قلبنا وأجسادنا، لتحوّل كل ما فينا لمجد الله.
سر الصليب هو إنكار الذات وهذا ما نسميه في أدبنا النسك، وما هو النسك، ليس من الضروري أن يذهب إلى البرية ولا أن يتنسك على عامود وهذه كلها طرق في النسك لكن النسك هو إنكار الذات، تفضيل الآخر وهذا هو سر الصليب أن لا أجد ذاتي إلا بإعطائها وليس بأخذها وهذا ما يقوله المسيح من أراد أن يكون لي تلميذاً فلينكر ذاته.
الرسول بولس كان لديه من المؤهِّلات ما يجعله معلم شريعة بلا عيب، فخلفيته الدينية العميقة وثقافته العامة الواسعة، إضافة إلى حيازته سلطة دينية في مجمع اليهود، كل هذه الأمور أعطته شعوراً بالتفاخر. لكن بولس عندما التقى الرب يسوع المسيح في الطريق إلى دمشق اكتشف عدمية وبطلان هذه المشاعر التي كانت مصدر فخر له. لقد تعلَّم من لقائه مع الرب يسوع بأن القيمة التي تظل خالدة في الأرض هي أن مخلصه قد مات على الصليب من أجل خطاياه، من أجل خطايا بولس. لقد فهم بولس هذا الأمر بطريقة صحيحة حتى أنّه عدَّ (كل شيء خسراناً لأجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي الذي لأجله خسرت الأشياء كلها وأعدها أقذاراً لأربح المسيح) (فيليبي 8: 3).ولذلك ففخره الوحيد الآن هو صليب السيد المسيح. ففي رسالته إلى أهل غلاطية (6: 14) يعبر عن ذلك بقوله: (أما أنا فحاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صلبت للعالم). لقد أدرك بولس أن الأهمية ليست لخلاصه بمفرده ولكن من خلال الشخص المعلق على الصليب والدم الذي أريق. هناك سيكون خلاصه الشخصي واحداً مع خلاص الذين يدعون باسم الرب يسوع. ومع أن هذا الحدث قد ظهر لأناس كثيرين بأنه غير ذي أهمية، لكن بولس عرف أنّ الصليب هو المكان الذي حقق الله عنده وعده الذي طال انتظاره بإرسال المخلص إلى العالم. ولم يكن هذا المخلص سوى ابن الله الوحيد الذي ارتضى أن يحمل خطايا العالم. لقد أشار الصليب إلى المكان واللحظة اللذين أتمَّ الله فيهما مشروعه الخلاصي وسكب رحمته بالصليب على العالم. فالخلاص قد ظهر للجميع وقوة الخطيئة كُسرت ومغفرة الخطايا مُنحت. وبواسطة موت وقيامة ودم السيد المسيح أُعطي العالمُ حياةً جديدة لكل من يتخذ السيد المسيح مخلصًا له.
كيف يتم الخلاص بصليب المسيح؟
المسيح لم يصلب لأنه كان عليه أن يصلب ولم يمت لأنه كان عليه أن يموت ولكنه أراد أن يموت من أجلنا. مثلٌ بسيط: مِثلَ الأب الذي يخدم إبنه، لا يصبح خادم له ويذل لكن ترتفع قيمة الأبوة عنده، الأب عندما يخدم إبنه يعود إلى صفته بالذات ( الأبوة، الخدمة) ولا يصير ذليل أمام إبنه، هكذا الله عندما تجسد وعندما صلب وكلما تحمله من ضعفاتنا الطبيعية، لم يمسه خطيئة خلقية لذلك نحن نرى بالعكس أن الله عندما تجسد وعندما صُلب أظهر كم هي حظوة الإنسان كبيرة في عينيه. المسيح هو قال ( ليس للإنسان حب أعظم من هذا أن يبذل نفسه عن أحباءه)، كان يقصد ذاته التي سيقدمها على الصليب، بينما اليهود الآخرون كانوا يهزأون به على الصليب، وهو من قبل آلامه كان يخبر بأن الطريق هي الصليب وأن الصليب ضروري في الحياة، صليب المسيح وقيامته شكلت النقطة الفصل في قلب معاني الصليب في حياة الشركة بينما كان عثرة وأداة تعذيب صار رمز للتضحية وللمحبة والعطاء ورمز للمسيحية بكل جوانبها ومعانيها.
الحياة الأبديّة معطاة إذاً على الصليب "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو ١٧: ١–٣). معلَّقاً بأيدي أثمة ومطعون ومضروب ولكنه قائم وغافر للذين صلبوه خطيئتهم.
هكذا يا إلهي نعرفك على الصليب أنك "أنت الإله الحقيقي وحدك"... هذا هو صليب الألوهة صليب المسيح... فنحن إذ نتّبع خطى السيّد، فإننا نصير آلهة بالنعمة وبالمثال المتّبع، إذ صار هو إنساناً كاملاً في ما عدا الخطيئة ليصيّرنا نحن آلهة على شبهه ومثاله... هذا التلاقي والاتحاد الإنساني الإلهي هو مبتغى التجسّد... ونحن كلّنا لن نعرف السيّد يسوع المسيح، إن لم نحيا مثله، كلمته ووصاياه... فالمعرفة مشابَهَةٌ كما الحبّ إتحاد ووحدة... ونحن إذا التزمنا الرب هكذا في تطبيق وصاياه ومجابهة شيطان الخطيئة الساكن فينا، فإننا نصير له الخروف الضال العائد إليه على كتفيه... هكذا نعرفه، نعرفه معلّماً وطبيباً شافياً وابناً وحيداً للآب ونعرفه مصلوباً على خطيئة الإنسانيّة بعظيم حبّه للإنسان، لذا: "فاعرفه وقوّة قيامته وشركة آلامه متشبّهاً بموته لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات" (فيليبي ٣: ١٠–١١)
كيف أرى الصليب؟
الحياة بحد ذاتها تحمل صليباً. فالصليب هو واقعٌ في حياة كل إنسان: الصعوبات والإخفاقات هي صليب. الظلم هو صليب. الآلام والمرض هي صليب. الموت هو صليب.
ويسوع كإنسان حمل صليبه، حمل الظلم والشر والآلام.
ولكن يسوع المسيح كإنسان وإله صحّح مفهوم الصليب بموته وقيامته من بين الأموات.
ومن هنا يتبين لنا أن حقيقية الإيمان المسيحي تتلخص بقول يسوع: "من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني".
لم يقل يسوع في دعوته هذه: " فليحمل صليبي" بل قال "فليحمل صليبه ويتبعني"، أي يحمل كلّ شخص أيام حياته ويتبعني إلى القيامة، وهذا هو تماماً معنى إتباعه إذ لا يمكن فصل حقيقة الصلب عن سرّ القيامة.
فإن قيامة المسيح هي اعتلان لقدرة الله وعلى ضوء القيامة نفهم معنى وهدف حياتنا ونفهم الخلاص.
أرى أنّ الصليب موجود في حياة كل منا, وبإيماننا نحمله حباً بالمسيح المصلوب.
أرى أنّ الصليب يحرّرنا من بؤسنا.
أرى أنّ الصليب يكشف لنا معايير وقيم جديدة نابعة من الحبّ الإلهي، نابعة من الله المحبة.
الطروباريات
طروباريَّة عيد رفع الصَّليب باللَّحن الأوَّل
خَلِّصْ يا رَبُّ شَعْبَكَ وبَارِكْ ميراثَك، وامنَحْ ملوكنا المؤمنينَ الغلبَةَ على البربر، واحْفَظْ بقوَّةِ صليبِكَ جميعَ المُختصِّينَ بكَ.
قنداق عيد رفع الصَّليب باللَّحن الرَّابع
يا مَنِ ارْتَفَعْتَ على الصَّليبِ مُختارًا أيُّها المسيحُ الإله، اِمْنَحْ رأفَتَكَ لشعبِكَ الجديدِ المُسمَّى بكَ، وفَرَّحْ بقوَّتِك عبيدَك المؤمنين، مانِحًا إيَّاهُمُ الغَلَبَةَ على مُحاربيهِم. ولْتَكُنْ لهم معونَتُكَ سِلاحًا للسَّلامِ وظَفَرًا غيرَ مَقْهُور.