موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

عيد الصليب: أهو يوم للصخب والرقص أم يوم نتأمل فيه حب المسيح؟

بقلم :
رائد ننوايا - العراق
عيد الصليب: أهو يوم للصخب والرقص أم يوم نتأمل فيه حب المسيح؟

عيد الصليب: أهو يوم للصخب والرقص أم يوم نتأمل فيه حب المسيح؟

 

في الوقت الذي تحتفل فيه الكنيسة بعيد الصليب، وتدعو أبناءها إلى التأمل في سرّ محبة المسيح وفدائه، نشهد أحيانًا مشاهد مؤسفة ومخجلة، تتحول فيها بعض الاحتفالات إلى حفلات صاخبة، وأغانٍ ورقص ودمبلة ومظاهر لا تنسجم  ولا تليق مع قدسية المناسبة.

 

ان عيد الصليب هو مناسبة مقدسة وعظيمة، لانه يذكرنا بالآم وصلب المسيح  من  أجل خلاص البشرية، لذلك ينبغي أن نحتفل به بطريقة تليق بهذه المناسبة بالصلاة والخشوع  والترانيم  والتامل في محبة المسيح  وتضحيته، وليس في المظاهر التي نشاهدها. فلنحافظ على إيماننا ولنجعل احتفالاتنا تعكس محبتنا وإيماننا  الحقيقي.

 

وهنا يحق لنا أن نتساءل بكل صراحة:

هل هذا هو التكريم الذي نقدمه للصليب؟

وهل بهذه الطريقة نعبّر عن محبتنا للمسيح؟

وأين احترامنا للصليب الذي حمل عليه المسيح آلامنا وخطايانا؟

إن الصليب ليس مجرد رمز نعلّقه على صدورنا، ولا مناسبة سنوية نحتفل بها بطريقة شكلية، بل هو سرّ محبة وفداء وتضحية.

يقول القديس بولس:

«فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ»(1 كورنثوس 1:18).

 

فكيف يمكن أن نجتمع باسم الصليب، ثم تكون تصرفاتنا بعيدة عن معناه؟

أين تقديركم للصليب؟

أين احترامكم للمسيح؟

أين الغيرة المقدسة على ما هو مقدس؟

 

إن إقامة الفرح بحد ذاته ليست خطيئة، فالفرح المسيحي موجود في إيماننا، لكن السؤال هو: أيّ فرح نعيشه؟ وكيف نعبّر عنه؟ وأين نقيمه؟ وهل يتناسب أسلوب احتفالنا مع قدسية المناسبة التي نحتفل بها؟

 

فالصليب الذي نحتفل به يذكّرنا بالمسيح الذي بذل نفسه من أجلنا، وحمل الصليب، وقَبِلَ الألم والإهانة والجلد والمسامير والموت من أجل خلاص الإنسان.

 

فهل من اللائق أن نقابل هذه التضحية بسلوكيات تسيء إلى معنى الصليب؟

 

المسيح قدّم نفسه ذبيحة من أجلنا، فهل هكذا نكرمه؟

 

إن المشكلة ليست في الفرح، بل في أن يتحول الفرح إلى صخب يفقد المناسبة معناها الروحي، وأن يصبح عيد الصليب فرصة للرقص والأغاني والمظاهر التي لا تمتّ إلى روح المناسبة بصلة.

 

نحن بحاجة حقيقية إلى التوعية والتثقيف الديني، وإلى العودة إلى الكتاب المقدس، لكي نفهم لماذا اختار المسيح طريق الصليب، ولماذا حمله، ولماذا قبل أن يتألم من أجل الإنسان.

 

اقرأوا الأناجيل، وتأملوا في آلام المسيح، وتأملوا في الجلجلة، وفي الصليب، وفي المسامير، وفي الكلمات التي قالها المسيح وهو معلّق على الخشبة.

 

عندها فقط سنكتشف أن الصليب ليس مشهدًا للاحتفال السطحي، بل دعوة إلى التوبة، والمحبة، والتواضع، وبذل الذات، وتجديد الحياة.

 

وأين دور التثقيف؟

وهنا يبرز سؤال مهم:

أين دور الأهل؟

أين دور الآباء الكهنة؟

أين دور الكنيسة في التوعية والتثقيف؟

وأين الغيرة المقدسة إن كانت موجودة؟

نحن بحاجة إلى أن نتحدث مع أبنائنا وشبابنا، لا أن نكتفي باللوم والانتقاد. نحتاج أن نعلّمهم معنى الصليب قبل أن نطلب منهم احترامه، وأن نزرع في قلوبهم الإيمان قبل أن نلومهم على بعض التصرفات.

فالجيل الذي لا يعرف معنى الصليب، قد يحمل الصليب على صدره، لكنه لا يعرف ماذا يعني.

 

 

الصليب يحتاج إلى قلوب تفهمه

 

عيد الصليب ليس مجرد مناسبة اجتماعية، وليس مهرجانًا للأغاني والرقص.

إنه تذكير بالمسيح الذي أحبنا حتى النهاية.

فحين ننظر إلى الصليب، علينا أن نسأل أنفسنا:

هل تغيّرت حياتي بسبب هذا الصليب؟

هل سامحت كما سامح المسيح؟

هل أحببت كما أحب؟

هل حملت صليبي كما دعاني؟

هل تبت عن خطاياي؟

هل أصبحت أقرب إلى الله؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يحملها المؤمن معه في عيد الصليب.

لذلك، قبل أن نحتفل، لنراجع أنفسنا.

وقبل أن نرفع أصوات الأغاني، لنتذكر صوت المسيح على الجلجلة.

وقبل أن نرقص فرحًا، لنتأمل في الطريق الذي سار فيه المسيح حاملًا الصليب.

وقبل أن نتباهى بأننا نكرّم الصليب، لنسأل أنفسنا:

هل أكرّم الصليب فعلًا بحياتي وتصرفاتي؟

 

الصليب لا يحتاج إلى احتفال صاخب بقدر ما يحتاج إلى قلب تائب، وإيمان حي، وحياة تتغير.

 

فلنعد إلى الكتاب المقدس، ولنتعلم معنى الصليب، ولنعلّم أبناءنا أن الصليب ليس زينة، وليس شعارًا، وليس مناسبة عابرة، بل هو علامة الحب الأعظم والتضحية التي قدّمها المسيح من أجل خلاصنا.

 

فلنراجع أنفسنا...

ولنحترم الصليب...

 

ولنكرّم المسيح ليس بالكلمات والمظاهر فقط، بل بحياة تليق بمن مات وقام من أجلنا.