موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٨ يناير / كانون الثاني ٢٠٢١

عمّاد يسوع

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
الرّوح نفسه يشهد لأرواحنا أنّنا أولاد الله. فإن كنّا أولاداً فإنّا ورثة. ورثةُ الله، ووارثون مع المسيح

الرّوح نفسه يشهد لأرواحنا أنّنا أولاد الله. فإن كنّا أولاداً فإنّا ورثة. ورثةُ الله، ووارثون مع المسيح

 

أنت ابني (لوقا 1 :7-11)

 

بعيد عمّاد المسيح اليوم، ينتهي زمن الميلاد، الّذي منذ تجديد الطقوس بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، وترتيب الرّزنامة الليتورجية الجديد، صار قصيرًا بعدما كان أربعين يومًا، وينتهي بعيد تقدمة الطفل إلى الهيكل. فاليوم تعيّد الكنيسة عيد ميلاد مؤسِّسها، قبل ما يبدأ حياته العلنية، والتي ستدوم ثلاث سنوات. العماد هو السّر الوحيد، الّذي نقبله بحياتنا بدون مشاركتنا الشخصية وبدون ذكريات خاصّة، عن طقوس هذا السّر الكثيرة والجميلة. فإن كنّا قد اعتمدنا، فهذا يعني أن أهلَنا، نابوا عنّا في تقرير مصير مستقبلنا كمؤمنين. وهم قانونيّاً المسؤولون عن تمثيل الطفل، ليس فقط لحاجاته المادية، بل وأيضا الرّوحية والدّينية والثّقافيًة والأخلاقيّة. هذا، ونحن شكورين لأهلِنا، أنّهم فعلوا ذلك، إذ صرنا، ليس فقط تلاميذاً ليسوع منذ بداية حياتنا، بل إخوة له، كما نسمع في طقس العماد. من يتعمّد يُصبح ابنَ الله: "الرّوح نفسه يشهد لأرواحنا أنّنا أولاد الله. فإن كنّا أولاداً فإنّا ورثة. ورثةُ الله، ووارثون مع المسيح" (روم 8. 17).

 

ماذا يعني، بالنّسبة لنا، ما قام به أهلُنا لنا، والأهم بدون سُؤالِنا؟ هل هو فقط  خجل من الجيران والمعارف، إذ جرت العادة أن كلَّ طفلٍ، بعد ولادته الطبيعية، أن يُمنح له سرُّ المعموديّة؟ أو أنّهم ينتظرون شيئا من هذا السرّ؟ إن الكنيسة تستطيع أن تفتخر، إذ الأهل يُسْأَلون دائما عن سبب طلب المعمودية لابنهم أو ابنتهم، بعد بعض الأسابيع أو الأشهر فقط من ولادتهم، فإنَّ الجوابات عالية، التي تدلُّ على أنَّ الإيمان، لا يزال في مُقدّمة الأسباب التي تدفعهم لطلب عمّاد أبنائهم. فهم لا يريدون حرمانهم من هذا الشّرف، بل أن ينموا ويترعرعوا في نفس الإيمان، كما أن أفراد العائلة يعيشون سويّة في بيت واحد. طلب المعمودية هو كبداية التسجيل في المدارس أو الجامعات في بداية السنة الدراسية. فلا أحد يريد أن يُضيّع فرصة التسجيل والقبول الرسمي.

 

حفلة العماد هي بديل لحفلة تقديم الطفل الإلزامية في العهد القدبم بعد 40 يومًا من مولده، لتكريسه لله، ولخدمة الهيكل، عندما يصل السن القانوني. من هنا قانون العماد للأطفال.

 

كذلك في كل ديانة حفلة قبول المولود الجديد في عشيرته، أو في المنظّمة السّياسية(وقت الشيوعية) والوعد لخدمة الوطن. المعمودية تعني الإنتساب إلى جماعة المؤمنين، والإندماج الكامل، قلبا وقالبا، في شراكة المؤمنين، وبالتالي الحصول على الخلاص. وهذا يعني للأهل أنفسهم، تجديدَ إيمانهم هم، بمتطلبات هذا السرّ، لتربية ابنهم الدّينية وتفهيمه حقائف الإيمان.

 

علما بأن فكرة مجتمع أوروبا اليوم اختلفت كثيرا. لذا يجب أن نميّر بين مسيحيي الشرق، المتناقِلين للإيمان التقليدي أباً عن جِد، وبين مسيحيي الغرب الذين تحرّروا من الضغط الجماعي في مسألة ممارسة الدّين. لذا فقد راح الكثيرون منهم، الّذين يُمانعون تعميد ابنائهم في سنِّ الطّفوله، بحجَّةِ الحرِّيّة الدّينية، وعليهم هم، أي الأطفال، أن يُقرِّروا إن كانوا يريدون أن يتعمّدوا أم لا. نقدر أن نقول: هذا تملُّص من مسؤولية الأهل بالذّات، فهم في حفلة العمّاد، وتجديد المواعيد، يعدون أن يُربوا أبناءهم يالإيمان. فإذا ما كان الأطفال نشأوا في شيء وعرفوا أصوله وفوائده، إذا ما لقوا مثالا واقتناعا حيّاً عند أهلهم، فهم أيضا لن يشعروا بالحاجة له. وللأسف لقد عُدْنا نلاقي عدداً لا يُستهان به من طلاب المدارس لا يزال غير معمّدٍ، بالرّغم من أنَّ أهله، هم معمّدون وينتسبون إلى كنيسة. لكن كما يقول المثل إيمانهم ليس فعّالا ولا يظهر، هذا إذا ظهر، إلاّ في بعض المناسبات، كعيد الميلاد وعيد الفصح وفي خلال السنة كفي جناز أو عرس لأحد الأقارب أو الأصحاب. فبهذا المعنى تقول الإحصائيات، إن ثلث العائلات لا يذهب بتاتا إلى الصلاة، وكل ثلث ثاني العائلات يذهب على المناسبات الّتي ذكرتها فوق، وثلثاً واحداً فقط يذهب بانتظام دائم إلى الكنيسة. وبما أنّنا بصدد الإحصائيات، فهي تقول أيضاً أنَّ كل تاسع مُتعمِّد يترك الكنيسة.

 

ما ينقصنا اليوم، هو التربية الدّينية العميقة، وإلا لما حدث هذا التهاون، بل هذا التّلاعب والتعامل للإيمان في مُجتمعِنا، والتي سببها الثّقافة الدينية السطحية، أو ما يُسمّى بالجهل الدّيني، حيث عاد الإيمانُ وتعليمه غيرَ مُلزِمٍ للحياة اليومية، وذلك لأنه غير قائم على أساس متين. درس الدين في مدارس أوروبا، عاد درسا كباقي الدّروس، يمكن اختباره ويمكن تبديله باختصاصٍ آخر، أو أيضا يتوقّف تعليمه في سن الرابعة عشر من عمر الطفل، فلا يعود له تأثير على حياة الفرد، إذ كثيراً ما يعني ترك دراسة الدّين، وهذا يعني أيضا ترك ممارسته. وهذا هو وضع عالمنا اليوم، الّذي أصبح عِلْمانيّاً. واحدةً لا يجوز نسيانها: أن غرس الإيمان في الطفولة، هو كفيل لأن يؤثّر على حياتنا وحياة مجتمعنا وقراراته الإجتماعية فيما بعد. الإيمان لا يُقارَن بلغة، يمكن الإبتداء بتعليمها في كل عمر. لا. الإيمان للحياة هو كحليب الأم للرّضيع.

 

الكنيسة تحتفل اليوم بعيد معموديّة يسوع بالماء على يد يوحنّا المعمدان. هذا وهو سينهي حياته بالمعمودية الحقيقية: أي معمودية الدم على الصليب). مرقس يبتدئ الإنجيل بهذا الحدث ويذكر أيضا مكان حدوثه: في نهر الأردن وعلى يد يوحنا. من هنا هذا اللقب المُشرِّف ليوحنّا: أي يوحنا المعمدان. مرقس لا يذكر شيئا عن ميلاد يسوع ولا عن بيت لحم ولا عن طفولة يسوع، إذ ما يهمُّه بالأكثر، هو أن الخلاص المنتظر أتى على يد يسوع. ويريد أن يثبّت إيماننا بحقائق،  سنسمعها أحداً بعد أحد في هذه السنة، من إنجيله، تهم كل البشر وكل الأزمنة، إذ كما يقول بولس لتلميذة تيموتاوس: "إن الله يريد أنَّ جميع البشر يخلصون، وإلى معرفة الحق يُقبلون" (1 تيمو 2: 4). وبما أن الخلاص يهمَّ فئة النّاضجين لا الأطفال، فهو يبتدئ يإنجيله عن يسوع بالعماد. وهو يكتب إلى هذه الفئة من السامعين أو القارئين، الذين بيدهم القرار، قبول الخلاص أو رفضه، ويرسل بالتالي مبشّرين ناضجين لينشروا رسالة الخلاص التي قدّمها لهم(مر 16:16).

 

لكن السؤالان: لماذا تعمّد يسوع؟ هل كان بحاجة لهذا السرّ، الّذي هو أهمّ سرّ لكلِّ إنسان، يريد أن يصير عُضواً في الكنيسة؟ الجواب البسيط والبديهي هو: يسوع ما كان بحاجة للعمّاد، سوى أنّه أراد أن يُعطينا درسا، نمارسه نحن ونقتدي به. فهو ما علّم شيئا إلا وكان قد مارسه بنفسه، ليكون المثال الكامل لكلِّ تلاميذه. مثلا هو ما قال فقط: صلّوا ولا تملّوا، بل كانت الصلاة والإتصال مع أبيه هي خبزه اليومي. هذا وكم ذكرتْ الأناجيل عنه، أنه كان مساءً يختلي للصلاة: وأمضى ليلته بالصلاة، وفي الصباح، كان ينضمُّ إلى جوق تلاميذه، ليعلِّمهم طُرُق التبشير من بعده، وكيف عليهم أن ينشروا هذا التعليم في العالم.

 

ومن يقرأ إنجيل مرقس كاملاً، يكتشف طريقة مشاركة، بل مقاسمة الله الكاملة لنا في حياتنا، نحن البشر، كيف أراد أن يكون قريباً منّا، وذلك عن طريق ابنه، الذي صار إنساناً، وأصبح واحداً، ليس فقد مثلنا، بل مِنّا. هو كان غيرَ منظور، لكن بابنه صار إنساناً منظوراً. في عالمنا. متّى لا يُحاول أنْ يُفسِّر لنا، كيف كان ذلك ممكناً، بل هو مقتنع بإيمانه من هذا الحدث، ويقصد فقط أن يُبشِّرنا به، بيسوع الّذي جاب معه الخلاص للعالم. يريد أن يقدّم لنا هذا الشخص، المُسمَّى يسوعُ ابنُ الله. وأمّا ما يريد منّا هذا الشخص، فهو نفسه سيطلِعُنا عليه، وهذا يأتي في آخر فصل وفي آخر أيات الإنجيلي متّى: إذهبوا وبشّروا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والإبن والرّوح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به (متى 28: 19). وفي مرقس بتعبير آخر، حيث يرسل التّلاميذ: "وقال لهم: إذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلِّها. من آمن واعتمد خلص"(مر 16:16). هذا وقد مارس الرّسل أمر يسوع فورا، الّذي كان يُثبِّت أقوالهم بالعجائب. ففي يوم العنصرة، يُخبِرنا كتاب أعمال الرُّسل (2: 38)، أنّه بعد وعظة بطرس، سأله السامعون والمشاهدون: ماذا نصنع، أيها الرّجال الأُخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا! وليعتمد كلُّ واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح"، فانضمَّ إليهم أكثر من ثلاثة آلاف شخص، عمّدوهم على الفور. من هذا الكلام، نفهم أنَّ المعمودية هي حجر الأساس للخلاص. فهي تنقل الخاطئ رأساً إلى حالة النّقاوة، التي كان فقدها، ككلٍّ إبنٍ لآدم، بالخطيئة الأصلية. فالمعمودية تمحو الخطيئة الأصلية وتضع في نفسه بذور الفضائل والخير، فعلينا في حياتنا أن نجعلها تُثمر. إنسان الخطيئة يموت ويُبّدَّل بإنسان النعمة

 

وهذ نص المجمع التريدنتيني (1545-1563) "إنَّ آدم بسبب مخالفته لوصايا الله، قد فقد فضيلتي القداسة والعدالة، اللّتين جلبهما معه، ثمّ قطع علاقته مع الله وصار مُستعبداً من إبليس، هو لم يصبح شريرا جذربّا، إنما جسده ونفسه قد تلطَّختا بالضعف. فهذه الخطيئة، المسمّاة الأصلية، قد انتقلت إلى كلِّ الذرّيّة البشريّة، لا بالتقليد ولكن بالتناسل، وهذا يعني أنها تدخل فيه قبل ولادته لا بعده(الكاتب الفرنسي جورج بيرنانوس قال. ثلاثة أشياء فقط لم تلمسها الخطيئة ألأصلية، وهي النجوم والأطفال والورود) فبسبب اسستحقاقات يسوع المسيح، تُمحى الخطيئة الأصلية بسرّ العمّاد. إذ المعموديّة هي ولادة جديدة ، كما نسمع من بولس:هي إخلع الإنسان العتيق وإبداله بالإنسان الجديد"(أفس 4: 22). هذا ويجب أن نعرف أن الميول إلى الشرّ، الذي نشعر به بعد العمّاد، هو ليست الخطيئة الأصلية بالذّات، لكن جذوعها وعواقبها، الّتي تبقى تجذبنا للشر"من هذا النص نفهم، أنّه قبل الوقوع في الخطيئة كانت النفس والجسد متلاحمان في الخير. ما كان من ظلام في عقل الإنسان. كان فرحا وفي عمله مُخلصاً. ما كان من موت بل الآن صار يخاف من الموت، إذ الموت دخل بالخطيئة، حسب قول بولس(روم 5: 12). كان سيحصل على الحياة الأبدية دون المرور في الموت.

 

هذه المهمّة العالمية، توضع بِذرتُها في نفس كلِّ طفلٍ، ساعة يقبل سرَّ العمّاد، الذي هو ليس فقط، الإنظمام السّلبي مع جماعة المعمّدين في العالم، بل الإشتراك الحقيقي والفعلي في مهمة التبشير، ونشر ملكوت الله على الأرض. يقول المثل العام: كلُّ مُعمَّد هو مبشّر فعلي رسمي، لا تمثيلي أو شَرَفي فقط كما السفير يمثّل بلده مدة إشغاله هذه الوظيفة.

 

من يتصفّح الأناجيل، يجد أن يسوع، بالإضافة إلى موته على الصليب من أجل خلاصنا، قد أسّس في الكنيسة سبعة أسرار، سبعة ينابيع نعم، لمراحل حياتنا، حتى نقوم بالمهمّة الّتي يفتكرها لكلِّ واحدٍ منّا، حين يُرسلُنا على الأرض. فهناك مشابهات في الحياة الطبيعية. للفقر دواء، وهو أن يجد طريقا للخروج منه وهو العمل واستحقاق المال الضرروري. للأمراض العديدة كذلك الأدوية الكثيرة. وهكذا ضد الخطيئة، التي تسيطر على حياتنا، هناك سر المعمودية والتوبة. هذا هو الله، إنه يعتني بنا بكلّ الطّرق حتي نصل إلى الخلاص.

 

 أوَّل هذه الأسرار هو سرُّ المعمودية، وهي بالمشابهة، عيد الميلاد بطريقة ثانية، إذ هي تعني الله يسكن بروحه في هذه النفس، فنصير مكرّسين له، كما يقول النشيد: أنا معمّدٌ ومُكرَّسٌ لله! هذا السرّ هو باب الدخول لباقي الأسرار، أي فقط المُعمَّد يصير بوسعه قبول أيَّ سرٍّ من الأسرار الباقية. كل سرّ هو درجة سلّمٍ أعلى، يقرّبنا إلى الحياة الأبدية وهذا يعني، أنّه بدون العماد والدُّخول في الكنيسة، أي جماعة المؤمنين، لا يحق له قبول أيِّ سرٍّ آخر. فالمعمودية هي الخطوة الأولى للقبول في الكنيسة، فيها نكتشف قُرْب الله ومحبّته

 

كلُّ الشّعوب القديمة كان عندها حفلة إنتماء الطفل لحمولته وفتح المجال له لإشغال منصب في الحياة العامة. ففي بداية سنٍّ الرّجولة، كانت تجري حفلة إنضمام رسميّة، فيها يتسلَّم علامات الإنضمام بوظيفة رسمية. مثلا تسليمُه سلاحا بمعنى أنه من الآن، يصبح من مجموعة المُكلَّفينَ والمسؤولين، للدّفاع عن أهله ووطنه. وكذلك كانت حفلة مُميَّزة للفتاة، التي تبلغ سنَّ النُّضوج، قتنضمَّ إلى فئة النّساء وعلى لائحة سنِّ الزّواج. للمعمودية لا يوجد عُمْرٌ مُحَدَّد ولا حرمان من الحقوق التي يستحقُّها المعمّد رأسا، فهو يصبح ابن الله، هذا هو ابني الحبيب، الّذي به سُرِرت" (مر 1: 11). فما يسوع لأبيه، هكذا كلُّ معمَّدٍ هو ابن الله وعُضوٌ كامِلَ الحقوق بين جماعة المُعمَّدين. إذ كما جاء في الرسالة على لسان بطرس هو الأكيد، أي أنَّ الله يدعو أبناءه من جميع الأمم. إنَّ بطرسَ كيهودي متأَصِّل سابقا ومخلِصاً ليسوع بعد دعوته، لوجد صعوبة في قبول الأوثان في هذه الدّيانة إلى أن رأى رؤيا، وهي عبارة عن سلّةِ مأكولات، هو لا يحق له أن يأكل منها لأنها مُحرّمة عليه، لكن صوتاً أمره أن يذبح ويأكل إذ لا تحريم عند الله عن أكلها وبالتالي فهم التفسير أن ديانة يسوع هي للكلّ (اعمال10: 9...) والكنيسة ليست لفئة مُعيّنة). من هنا التفسير أيضا للتبشير فهو ليس فقط لمجموعة معيّنة بل للجميع.

 

أمّا ما يحدث في نفس المعمّد بقبوله هذا السرّ  فلا يمكن وصفه بكلمة واحدة. لكننا نجد الكثير موصوفا عند بولس عن العمّاد ومفاعيله. فهو قبل كلِّ شيء ميلاد جديد أو خلق حديد. كما يبدأ المولود حياة جديدة ساعة يولد، كذلك المُعمَّد يبدأ حياة جديدة. القُدامى شبّهوا العمّاد بتطعيم الشجرة، فهي من شجرة برّية وثمارٍ لا تُؤكل، تُصبح شجرة مثمرة (روم 11: 15-24). ويتابع بولس مفاعيل المعمودية بقوله: المُعمَّد يُصبح ابنا لله "الرّوح نفسه يشهد لأرواحنا أنّنا أولاد الله. فإن كنّا أولاداً فإنّا ورثة. ورثةُ الله، ووارثون مع المسيح"(روم 8. 17). كما وإنّ نفس المُعمَّد تصبح هيكلا لله. ومع المسيح أحيا، لا أنا، بل المسيح فيَّ(غلاط 2: 20). فبهذا المعنى نفهم هذا التقدير الكبير، الّذي يحصل عليه المُعمَّد، عبّر عنه البابا القديس أمبروزيس، مطران ميلانو، ليلة عيد الفصح بعد ما عمّد الّذين تهيّاؤا أثناء الصوم الأربعيني وعمّدهم ليلة سبت النور، قال في موعظته: يا مُعمَّد! أنت أصبحت ملكاً ونبيّاً، فقدِّر قيمتك. لقد أصبحت إبناً لله، فلا ترجع إلى بُهتان حياتك السابق. إذ المعمودية ليست فقط شرف بل أيضا عبئً كبيرا، يتطلب من صاحبة اليقظة والشجاعة. المعمودية تجعل من كلِّ واحد منّا مبشِّرا، لا للسفر إلى الأوثان البعيدين، وإنّما للشهادة حيثما نعيش، بحيث نُظهِر في حياتنا ما يدلُّ على أنّنا ابناء الله، بالمحافظة على وصاياه، والسعي لنشر السلام في محيطنا، إذ الحروب تأتي من الحكام وإنتاج أسلحتهم، فهم سيحاكمون عليها أمام الله، الدّيان العادل والمصالحة والعدالة والدّفاع عن الحقوق المهضومة "بهذا يعرف العالم أنكم تلاميذي إن كنتم تحبّون بعضكم بعض".

 

 نحن نعرف كيف أنّ الصُحفيّين والمُصوِّرين يترقّبون الشخصيّات سرًّا وعلنًا حتى يمسكوا عليهم ممسكًا وينشروه في الحرائد، فتبدأ الفضائح. فالمسيحي هو الشخصية المرموقة في العالم، إذ هو يحمل لقب إبنَ الله. ألا نخجل من تلطيخ سمعتنا؟

 

إن الإنتماء إلى الدّيانة وأن يُسجِّل الإنسان أن يكون عضواً فيها، هو غير الإنتماء إلى حزب سياسي والإنتماء إليه، حيث يمكن للمنتمي ولأيّ سبب من ترك هذا الحزب في أيِّ وقتٍ يريد. بينما الإنتماء إلى الكنيسة، فهو انتماء حاسم مؤبّد، لا مُؤقّت، كالختم على ورقة، لا يمكن حذفه. هو كالجنسية التي يولد الإنسان فيها. لذا فهو يفتخر أن يحمل جواز سفر بجنسيّة بلده، ولا يحق له تغييرها كما يرغب. نحن لا نولد مسيحيين، حتّى وإنْ وُلِدْنا في عائلة مسيحية. نحن نصبح مسيحيّين، (كما أننا لا نلد قديسين، بل نصبح بجهودنا قديسين) وذلك بالمعمودية، حيث نلد ولادة جديدة ونحصل على جواز سفر بجنسية الوطن السّماوي. بالمعموديّة تُصبِح الكنيسة بلد جنسيتنا الجديدة، حيث نكتشف محبّة الله الآب لنا، ونعمة ربِّنا يسوع المسيح وشركة الرّوح القدس، هكذا قال بولس (2 كور 13:13).

 

أمّا كيف يُصيح الغير مؤمنا مسيحيّاً، فهذه أولا نعمة من الله. نهو يدعو من يشاء للإرتداد والإنتماء إلى هذه الديانة. هذا وإلى جانب التربية نجد مثال حياتنا هو أيضا سبب لقبول الإيمان. لمّا سُؤِل القديس كليمنس ألإسكندري: ماذا تعمل حتى تجذب إنساناً إلى الإيمان، قال: أدعوه ليسكن معي وفي بيتي.

 

 

المعمودية

 

قال صاحبُ المزاميرِ بالخطايا وَلَدَتْنِي أمّي

إذِ ارْتِباطي بآدَمَ وحوّاءَ ثابتٌ فِعْلاً في دمي

 

هذا ما أَسْمَتْهُ الكنيسةُ بالخطيئةِ الأصلية

فهِيَ أُوْلى ما اقْتَرَفَ أدمُ وحواءُ بالعَمَلية

 

نَحْنُ نَسْلُهُمْ نُولَدُ في العالَمِ مِنْها مصابين

عِلاجُها عند الله لا عِنْدَنا نحنُ المساكين

 

هذا العلاجُ هُوَ سِرٌّ مِنْ أسرارِ الله السبعة

مفعولُهُ تَنْظيفُ نَّفْسِناِ مِنَ الخطيئةِ روعة

 

الإنتقال من خطيئة أبوينا يُشَبِّهُه بولسُ بالتطعيم

فَمِنْ شَجْرَةٍ بَرِّيَةٍ تُصْبُحُ شَجْرَةً تٌعطي ثَمَراً سليم

 

المعموديَّةُ إِسْمُ هذا السرِّ يملأُ قَلْبٍنا حُبّاً ونور

فيَجْعَلُنا رُسْلاً لِلأحياءِ لا لِمَنْ هُمْ في القبور

 

نِعْمَةُ الله الّتي تَحِّلَّ علينا بهذا السِّرِّ تُعطينا قوّة

لِنُقاوِمَ الشَّرَّ وتَحْمِي سُقوطَنا مُجَد!َداً فِيْ الهوّة

 

بِها نَنْتَمي للعائِلَةِ الكبيرَةِ عائِلَةِ أخينا يسوع

وِهْيِ كالسُّلَّمِ نَسْتعينُ بِهِ للطُّلوعِ والرجوع

 

فيها يَكْفُرُ المُعمَّدُ بالعالَمِ وبِإِبْليسَ وأباطيلِه

ويَعِدُ أَنْ يَعيشَ للربِّ ويُحافِظَ على أقاويلِه

 

رُمُوزُها كثيرةٌ أَوَّلُها تَطْهيرُ الجبينِ بِماءِ العُمّاد

الجبينُ كَمَرْكِزِ الإِرادَةِ والتَّطْهيرُ منه هُوَ سماد

 

تُلْبِسُهُ الكنيسةُ ثَوْباً أبْيضاً رَمْزَ النَّقاوَةِ مِنَ الأساس

الَّتي تَمْلأُ قَلْبَهُ فلا يَعودُ إِبْليسُ قادِراً على المساس

 

ثُمَّ المَسْحُ بِزَيْتٍ مُقَدَّسٍ يَحْعَلُ مِنْهُ كاهِناً ومَلِكا

لا لِلْحُكْمِ بَلْ لِلْخِدْمَةِ وَهْيَ مُهِمَّةٌ شريفَةٌ لِيْ ولكَ

 

يا مُعمَّد أنت تُصبح إبنَ أبيكَ الّذي في السّماء

وتبقى إبنَ أبيك هُنا على الأرْض سواءً بسواء

 

هذا ولا نَنْسى تَسْليمَ المُعمَّدِ شَمْعَةً مُضاءَةً لمّاعة

يَحْمِلُها أَهْلُهُ نِيابَةً عَنْهُ ِكُلَّ طَريقِ حَياتِهِ لا لساعة

 

وأخِرُها رَسْمُ إشارَةِ الصّليبَ على أُذُنَيِّ المُعَمَّدِ وفمه

لِفَتْحِمَها لِسَماعِ كَلِمةِ الله والتّبشيرِ بها جَهْراً لا بقلمه

 

هذي الإشاراتُ هِيَ عَلامَةُ قُرْبِنا لِجماعَةِ المؤمنين

تَجْعَلُ مِنّا هيكلاً مُقدّساً وبهِ نَصيرُ وُرَثاءَ القديسين

 

إلى جانَبِ الأَهْلِ هُناكَ دورٌ كبيرٌ للأشابينِ فعّال

فَهُمْ وأَهْلُهُ يَحمِلونَ مَسؤولِيَّةَ التَّرْبِيَةِ وهُمُ العمال

 

بَيْنَ الأَسْرارِ السَبْعَةِ الّتي نَحْتاجُها في هذي الحياة

تبقى المعمودِيَّةُ أوّلَها إذِ الحياةُ تَأْتِي نَعَمْ مِنَ المياه

 

فلولاها لَما اسْتَطَعْنا التَّعَرُّفَ على الله بسهولة

وما عَرَفْنا بِوجودِ حَياةٍ أَبَدِيَّةً لَنا عِنْدَهُ معقولة