موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ثَمّة موضوعان تُقدِّمهما كلمة الله لتأمّلنا في هذا الأحد. الأول: شروط اتّباع السيد المسيح: التجرّد، والصليب، والجهوزية التامّة؛ والثاني: الاستقبال والضيافة باسم يسوع.
اتّباع المسيح هو قبول الصليب
في مقطع الرسالة إلى أهل رومة الذي يتناول فيه موضوع المعمودية، لا يصف بولس مجرّد رتبة طقسية، بل يؤكد أن حركة الرتبة دالة على إدخال مَن ينال السر في حالة كينونة معموديّة. إنّ المسيحي يُمدِّد، في كلّ لحظة من حياته، معنى المعمودية وواقعها، في الديناميكية الفصحية للموت والقيامة. إنه يموت باستمرار عن الخطيئة والأنانية والجسد والإنسان القديم، ليقوم لحياة جديدة من النعمة والمحبة في الروح القدس، فيكون خليقة جديدة متحولة باستمرار إلى صورة معلمه. وبناءً على ذلك، يقوم الوجود المسيحي على توتّر جدلي وصراع لا ينقطع بين الـ "نَعَم" لمتطلبات النعمة ونداءات الروح المستمرة، والـ "لا" لإغراءات الجسد وثقل الأنانية والكسل. وكل هذا هو الصليب. إنّ حمل الصليب، والقيام بفك مؤلم لارتباطات مكبِّلة، والتخلي عن الذات، هي مرادفات للموت عن الخطيئة والانفتاح على نداءات النعمة. إنّ اتّباع يسوع ينطوي على عدم تقديم أي شخص أو أي شيء على محبّته. من هنا، فإنّ التشبّث بالحياة كخير مطلَق، ك"كنز" تجب حمايته، يعني خطأً في الرؤية والتقدير. فالحياة وُهبت لكي تُوهَب، وفقدانها من أجل واهبها هو خلاصها. مَن يستثمر مع الله سيكون رابحاً عاجلاً أم آجلاً. إنّ "المسيحية الفصحية" ليست مرادفة للسهولة والهروب من المعاناة، فبهاء صباح الفصح تسبقه دائماً ظلمة الجمعة العظيمة... لكي نتبع يسوع، لا بدّ من المرور عبر الطريق الضيق (راجع لوقا 13، 24). ولكن فقط بالسيّر على هذا الطريق نصل إلى الحياة، لأنّ وحده مَن يبذل حياته من أجل المسيح يجدها (راجع متى 10، 33).
وكما أنّ قبول الصليب هو شرط أساس لاتباع السيد، كذلك فإنّ استقبال الآخرين، سواء كانوا رسلا، أم فقراء أم صغارا، بقلب مفتوح وضيافة سخية، هو علامة أمانة للوصية الجديدة، وصية المحبة، التي لا تعرف حدوداً. ليس المقصود استقبال أقاربنا أو أصدقائنا أو مَن نرتاح إليهم فقط -ألا يفعل الوثنيون ذلك أيضاً؟- بل فتح القلب ومد البد إلى الغريب، والبعيد، والفقير، ومَن لا يستطيع الردّ بالمثل (راجع لوقا 14، 12-14) وألى مَن لا يحبنا. هو استقبالٌ يدعو إلى التخلّي عن الذات ويتطلب الجهوزية والمجانية، لأنه يرى في الضيف والغريب والفقير "الغريب الإلهي" الذي ليس له مكان يسند إليه رأسه (راجع متى 8، 20).
إنّ الأنبياء المرسَلين من الله والتلاميذ الذين يرسلهم يسوع –بمن فيهم كهنتنا– يحتاجون إلى الصداقة والمودة أكثر من حاجتهم إلى المساعدة المادية، لا سيما في المحن التي تفرضها الرسالة. وراديكالية اتّباع السيّد من قِبل المكرّسين يجب أن يقابلها قُرب المؤمنين ودعمهم: مَن يقبل تلميذاً يقبل يسوع (راجع متى 10، 40). وكذلك من خلال الجائع، والعطشان، والغريب، والعريان، والمريض، والسجين... هو دائماً يسوع الذي يقرع بابنا ويطلب منا المعونة والضيافة (راجع متى 25، 31-46).
استقبال قائم على الحوار والتعاطف
إنّ الاستقبال الحقيقي يتجلى ويخاطبنا أيضاً في مواقف أخرى: في الانتباه إلى الآخر بمودة، وفي القدرة على الإصغاء إليه والدخول في حوار معه، وفي السعي لفهم وجهة نظره ومبرراته.
إنه موقف وتوجّه أساسي يعرف كيف يستقبل دون نقد مفرط، ودون نفس مشكِّكة ومسيئة الظنّ، بل باهتمام ومحبة للناس جميعهم. نحن مدعوون إلى أن نتعلم كيف نصغي ونقرأ علامات الأزمنة وأن لا نطفئ الروح في تجلياته المتنوع والحاضرفي تعليم الكنيسة وعملها، على الرغمن من حدودها أو جوانب القصور فيها.
الضيافة: مقياس مسيحيتنا
كانت الضيافة موضع تقدير كبير عند القدماء. وبالنسبة للرهبان، وخاصة أبناء القديس بندكتس منهم، فإنّ الضيف مقدّس. توصي الرسالة إلى العبرانيين بما يلي: "لا تنسوا الضيافة فإنها جعلت بعضهم يُضيفون الملائكة وهم لا يدرون" (13، 2). وحتى اليوم، لدى الشعوب الشرقية على وجه الخصوص، يُستقبل الضيف ويُحترم بعفوية وإنسانية. ومع ذلك، فيحدث، ولا سيما في الغرب، أن يُعامَل الأجنبي كدخيل. ومع أنّ الضيافة لا تزال تُمارس هناك، لكنها مرتبطة أحيانا بالمصالح، إذ تتحول إلى "صناعة" ومصدر للربح. والسائح يُستقبل لا كضيف، بل لأنه يأتي بالثراء.
ويجد العمال الأجانب، والمهاجرون من مناطق أخرى في الدولة نفسها، يجدون مكاناً في بعض المجتمعات لكونهم يوفّرون اليد العاملة المطلوبة. وفي كثير من الحالات يعيشون في أحياء معزولة في ظروف غير إنسانية وبشروط عمل غالباً ما تكون جائرة. وعندما يبدأ وجودهم في إقلاق أمن المناطق المضيفة، أو مساس الامتيازات المكتسبة، فعندئذٍ يُنبذون ويُعادون إلى الحدود إن أمكن.
ويظل صحيحاً أنّ الضيافة والاستقبال هما مؤشران لقياس الأمانة الفعلية للإنجيل لدى الأفراد والجماعات المسيحية. إنّ مظاهر الخوف من الأجانب وبوادر رفضهم تكشف عن وجه معاد للروح المسيحية ومناف للإنجيل، ويصبح الأمر مصدر شك أكبر إذا صدر عن أفراد وجماعات يَظهرون كمسيحيين ويواظبون على حضور الطقوس الدينية. يجب أن يكون هذا لنا سبباً لفحص ضمير جدي.
ويمكننا أن نختم بدعاء، متذكرين توصية يسوع بمن يرسلهم إلينا من كهنة وغيرهم: "أيها الرب يسوع، اجعلنا تلاميذ أحرارا وكرماء. هبنا أن نعضد رعاتنا بمحبتنا وصلاتنا، لإننا بقبولهم نقبلك، أنت الذي تستمر في زيارتنا من خلالهم".
ملحق
نحن نبشر بالمسيح في الأرض كلها
من خطابات البابا بولس السادس (مانيلا، 29 تشرين الثاني 1970)
"الويل لي إن لم أبشّر!" (1 قورنتس 9، 16). أنا مرسَل منه، مِن المسيح نفسه لأجل هذا. أنا رسول، أنا شاهد. وبقدر ما يكون الهدف بعيداً، وبقدر ما تكون رسالتي صعبة، بقدر ما تكون المحبة التي تدفعني إلى ذلك مُلحّة. يجب عليّ أن أعترف باسمه: يسوع هو المسيح، ابن الله الحي (راجع متى 16، 16). هو مُعلِن الله غير المنظور، وهو بكر كل خليقة (راجع قولسي 1، 15). هو أساس كل شيء (راجع قولسي 1، 12). هو معلّم البشرية، والفادي. لقد وُلد، ومات، وقام من أجلنا. إنه مركز التاريخ والعالم. هو الذي يعرفنا ويحبنا. هو صديقنا ورفيق حياتنا. هو رجل الأوجاع والرجاء. هو الآتي والذي سيكون يوماً دياننا، وكما نرجو، ملء وجودنا وسعادتنا. لن أنتهي أبداً من التحدث عنه. هو النور، هو الحق، بل هو "الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14، 6). هو الخبز، وينبوع الماء الحي لجوعنا وعطشنا، هو الراعي، قائدنا، ومثالنا، وعزاؤنا، وأخونا. ومِثْلنا، بل وأكثر منا، كان صغيراً، فقيراً، ووديعاً، وعاملاً، وصبوراً في المعاناة. من أجلنا تكلم، وصنع المعجزات، وأسس ملكوتاً جديداً، حيث يُطوَّب الفقراء، وحيث السلام هو مبدأ العيش المشترك، وحيث أنقياء القلوب والباكون يُرفعون ويُعزّون، وحيث يجد الطامحون إلى العدالة إنصافاً، وحيث يمكن للخطأة أن ينالوا المغفرة، وحيث الجميع إخوة.
يسوع المسيح: لقد سمعتم عنه، بل إنكم، في غالبيتكم العظمى بالتأكيد، تنتمون إليه بالفعل، أنتم مسيحيون. حسنًا، لكم أيها المسيحيون أكرر اسمه، وللجميع أعلنه: يسوع المسيح هو البداية والنهاية؛ الألف والياء. هو ملك العالم الجديد. هو سر التاريخ. هو مفتاح مصائرنا. هو الوسيط، الجسر بين الأرض والسماء؛ هو ابن الإنسان بامتياز، لأنه ابن الله، الأزلي، غير المحدود؛ وهو ابن مريم، المباركة بين النساء، أمه بالجسد، وأمنا بالمشاركة في روح الجسد السري.
يسوع المسيح! تذكّروا: هذا هو إعلاننا الدائم، هذا هو الصوت الذي نجعله يتردد في الأرض كلها، وإلى دهر الداهرين.