موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
هبت رياح الزمن وحطت رحالها في "الواحة السوداء"، فتعانق مجد الماضي مع الحاضر في مشهد أعاد لسمراء الصحراء الأردنيّة ألق الزمن الغابر.
هنا.. في هذا المكان، حيث اندثر تاريخ وولد من جديد من رحم أرض زُلزلت في غفلة من الزمن، تجد آثار أقدام الرومان والأنباط مختبئة بين الحجارة السوداء. وبينما يشدك الزمن إلى الوراء، يأتيك صوت هدير الجمال وضجيج الماضي ليوقظ فيك عبق تاريخ وأمجاد "جميلة الصحراء"، فتقف أمام بوابة الأيام تسترق النظر إلى بيوت وكنائس وقلاع ومراكز تجارية جال فيها يومًا إخوة لنا في المكان والإيمان، أصبحوا اليوم من سابق الأجداد، هم الذين تركوا للأجيال أرث حضارة وكنوز حياة.
هنا.. في هذه البقعة من أرض الأردن المقدسة، يذكر التاريخ تدشين كاتدرائية المدينة في عام 557 للميلاد. فاليوم وفي عام اليوبيل، جئنا نحن "حجّاج الرجاء" من قلب عاصمة أرض المعمدان لنرى بعيون القلب ما شيدته الأيادي في سابق الأيام، ولنخبر الأجداد بأننا قد دشنا قبل شهر ونيف من الزمان "قلعة المعمودية" في برية يوحنا لنعيد الحياة إلى بقعة تقدست بأقدام المسيح
جئنا إلى هنا.. لنرفع الصلوات من "القلب" من أجل الوطن وقائده رجل السلام، ومن أجل خليفة بطرس لكي يهبه أمير السلام نعمة الشفاء، ومن أجل المرضى والمتألمين والحزانى. جئنا في زمن الصوم الأربعيني المقدّس ووطئت أقدامنا "الواحة السوداء" لنشارك المسيح في تجربة الصوم، لنسمع في صحراء نفوسنا الدعوة إلى الصلاة والتوبة والصدقة.
هنا.. في "أم الجمال"، وضعنا بين ركام الحجارة السوداء رسائل للأجيال القادمة ونقشنا على أعمدة كنائسها طلبات وابتهالات رفعت من قلوب جاءت لتعزف على قيثارة الروح ترانيم الرجاء والمحبة. وفي غفلة من الزمن، غازلت أشعة الشمس وجه "السوداء الجميلة"، فتمايلت خجلاً وأغمضت جفونها على وقع أقدام حجاج اليوبيل الذين أيقظوا بصلواتهم البراكين النائمة، فتناثرت الدعوات حممًا متقدة بالمحبة والدعاء.
هنا.. حيث آثار الكنائس السبع عشرة، تمضي قدمًا لتستنشق روح الماضي وفي الأفق صدىً لترانيم وصلوات بلغات عدة علت يومًا في هذا المكان، تطرق الصمت الذي يلف أجران المعمودية ومذابح الكنائس. واليوم.. تقف في بقعة أرادت البقاء من جديد، حيث تلتقط إشارات الحياة التي شهدت أسرار الكنيسة، وها هي تعزف على ربابة الزمن لتبقى شاهدة على "واحة سوداء" تغزًل بجمالها كل من مرّ بها يومًا.