موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣١ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

دون بوسكو يروي قصته: البهلوان الصغير

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
محطات من حياة القديس يوحنا بوسكو مع زوادة تربوية روحية

محطات من حياة القديس يوحنا بوسكو مع زوادة تربوية روحية

 

المحطة الخامسة: البهلوان الصغير

 

كنتُ دائمًا فتىً مفعمًا بالحيويّة، ويومي مليء بآلاف الأنشطة. وفي إحدى الليالي، ألقيتُ بنفسي على القشّ المجعَّد، فغفوتُ على الفور؛ لم أكن بحاجة إلى كوب من البابونج لأنام! راودتني آنذاك فكرة ذلك الحلم الغامض الذي حدّثتك عنه، وأدركتُ أنّ دوري هو الاعتناء برفاقي.

 

عندما كنتُ صبيًّا، تعلّمتُ العديد من الألعاب والمهارات البهلوانيّة وخفّة اليد، وكنتُ متيقّنًا أنّني، بقليل من المرح، سأتمكّن من جمع مجموعة جيّدة من الصبية. وبإذنٍ من والدتي، ذهبتُ لمشاهدة العروض البهلوانيّة التي كانت تصل، بين الحين والآخر، إلى القرى المجاورة لإحياء الأعياد الدينيّة والمعارض الشعبيّة. كنتُ أتابع خدعهم بانتباه، وأراقب بدقّة حركات أيديهم السريعة، وأحفظ الكلمات الغامضة التي كانوا ينطقونها عبثًا. ثمّ أعود لأكرّر الحركات نفسها، وأتمرّن عليها طويلًا في البيت.

 

وهكذا تعلّمتُ كيف أجعل الأرانب تخرج من القبّعة، وكيف أقفز بالعصا من إصبع إلى آخر، ثم أضعها على كتفي وأوازنها بهزّة خفيفة على طرف أنفي. وكان المشهد الذي أثار أكبر قدر من الدهشة هو أن أُري الجميع قطعة نقديّة، ثم أُخفيها فجأة من يدي، قبل أن أستخرجها وسط الضحكات، من خلف الأذن أو من جيب أحد المتفرّجين. كما اندهش الحاضرون حين قدّمتُ لأحدهم كوبًا من الماء ليشربه، فإذا به، عند سكبه، يجد بين يديه كأسًا من نبيذ جيّد.

 

غير أنّ العرض الأكثر انتظارًا وتقديرًا، والذي كان يختتم ترفيه بعد ظهر الأحد بختام مهيب، هو تسلّقي حبلًا مشدودًا بين شجرتين. كنتُ أقفز، وأتشقلَب، وأمشي وعيناي مغمضتان، وفي يدي عصا بسيطة للتوازن. وكي أصل إلى هذه المرحلة، لا أُحصي عدد السقطات التي تعرّضت لها! لكن بما أنّني كنتُ فلاحًا عنيدًا، وليس من طبعي الاستسلام عند أوّل صعوبة، نجحتُ في أن أصير بهلوانًا متمرّسًا.

 

شعرتُ حينها أنّني بهلوان في خدمة الله. فكنتُ أستهلّ لحظات المرح والتهريج، وأحيانًا أختِمها، بتلاوة المسبحة الورديّة. وفي أحيان أخرى، كنتُ أصعد على أحد المقاعد “لأنّني كنتُ صغير القامة” وبفضل ذاكرتي القويّة، أستعيد العظة التي سمعتها صباحًا خلال القدّاس.

 

كانت هذه هي الطريقة التي ابتكرتها، والتي تابعتها لاحقًا ككاهن: أن أقدّم للأولاد متعًا صحيّة، من دون أن أنسى شكر الربّ الصالح.

 

 

الزوادة 1 : الفرح طريق إلى الله

 

لم يرَ دون بوسكو في الفرح عدوًّا للإيمان، بل جسرًا يقود إليه. عرف بفطرته أنّ قلب الشاب يُفتح بالضحكة قبل العظة، وباللعب قبل التوجيه. فالفرح الصادق لا يُلهي عن الله، بل يهيّئ النفس للقائه.

 

حين تتحوّل المواهب البسيطة إلى وسيلة خدمة، يصبح اللعب رسالة، والضحك صلاة، والبهلوانيّة بشارة. الله لا يطلب منّا أن نكفّ عن الفرح، بل أن نجعله ممرًّا للحبّ، ومدخلًا للإيمان، وطريقًا للقداسة.

 

الفرح هو الخط البياني الذي يخترق كل الانجيل بحسب القديس لوقا، ويؤكد ويلح على هذا القديس بولس في رسالته إلى فيليبي "افرحوا بالرب دائماً وأكرر إفراحوا" (فل4،4).

 

 

الزوادة 2: الخدمة بتفانٍ وإيمان

 

حوّل دون بوسكو مهاراته وموهبته في الألعاب البهلوانية إلى وسيلة لخدمة الله وإسعاد الآخرين. هذه الفكرة تعكس غيرته الرسولية لله وومحبته للآخرين.

 

أحيانًا ما تكون الخدمة وسيلة لتحقيق الذات والشعور بالرضا الداخلي، ولكن عندما يكون لخدمتنا معنى وهدفًا ساميًا تصبح إنعكاس لمحبة الله النابع من الايمان به. "الحقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئًا مِن ذٰلك لِواحِدٍ مِن إِخوَتي هٰؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متى 25، 40)

 

عرف دون بوسكو منذ صغره كيف يستغل مواهبه ووزناته موجهاً نظر وفكر اقرانه إلى الله معطي كل خير. هذه الانشطة كانت تعبيرًا صادقًا عن امتنانه للآب السماوي: "فكُلُّ عَطِيَّةٍ صالِحَةٍ وكُلُّ هِبَةٍ كامِلَةٍ تَنزِلُ مِن عَلُ مِن عِندِ أَبي الأَنوار" (يع 1، 7).