موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
فيما يلي نص الكلمة التي ألقاها الأب بشار فواضلة خلال الاحتفال بالقداس الإلهي الأول للأب لويس غسان سلمان في كنيسة قلب يسوع الأقدس في منطقة تلاع العلي، غرب العاصمة عمّان. يُشار إلى أن الأب سلمان قد اختار الأب فواضلة اشبينًا له في رسامته الكهنوتيّة:
نحتفل في هذا اليوم المبارك بعيد انتقال أمنا مريم العذراء بالنفس والجسد إلى السماء.
فكل عام ونحن جميعا مباركين مثل مريم ومصغيين على مثالها...
ابونا لويس، إنَّ الرسامة التي نلتها قبل ثلاثة أيام، تدل على أنك أصبحت كاهنًا للرب ووسمت بوسم الروح القدس... وهذا حدثٌ كنسي أسراري ولاهوتي عظيم جدا... ولكن، عليك أن لا تتوقف هنا عند هذه الرسامة، وإنما عليك أن تجتهد وتكافح وتعمل من أجل تحقيق الرسالة! فكما يقول الرب لحننيا عن شاول في سفر أعمال الرسل: "سأريه ما يجب عليه أن يعاني في سبيل البشارة باسمي". وهنا مربط الفرس إذ يبدأ كلُّ شيء! فالبشارة بالرب يسوع هي فرح ممزوجًا بألم يصل بنا إلى حد الموت والاستشهاد.
في هذه الكلمة البسيطة أريد أن أوصيك واذكّر نفسي ببعض النقاط التي يجب على الكاهن أن يتحلّى بها لكي تكون خدمته تحت ظلّ الصليب، أهمها:
1. التعب
اتعب واشتغل واجتهد واعمل قد ما بتقدر... فيقول سفر العبرانين: "لقد أتيتُ لأعملَ بمشيئتك يا رب" وهذا توجه واضح لما يريده الرب منك في حقل الدعوة الكهنوتية، أن تحرث وتتعب وتجتهد... أن تحمل المنجل وتحصد ما تتعب به... أن ترافق من هو تائه إلى دروب الرب، وأن تكون مع من هو محتاج إلى بصيص أمل، وأن تمنحه ذاتك ونور الله الذي فيك.
وما تنسى تتعب وتجتهد لحتى يوصل الرب مش أنتَ... لانه حضورك اليوم في قلب العالم هو حضور الله من خلالك، وهذا لتمجيد الرب وليس نفسك.
الكهنوت الذي تحمله اليوم يعني بأنك مسيح آخر، ويعني بأنك شخص ترك كل شيء وتبع المعلم...
اتعب وكافح على قدرِ ما كنت تكافح لكي تُعيد علاقتك الروحية التي كانت تُقطع بينك وبين الرب في فترة التنشئة، وكنت تعاتب الرب بحب: لماذا تركتني! أين أنت! شو بدك مني؟ وليش بس أنا؟
أن تعيش الكهنوت في عالم اليوم هو صعب وصعب جدا، وهذا يتطلب من أن تقتدي الذي دعاك، من ترك سماه وصار شبيها بك، إنسانا لا بد عبدا لانه يحبك... عانى الالام والقلب والجلد والموت وقبل ذلك عانى شدة هذا العالم ومرضه وحره وبرده... ولكن وصل إلى هدفه بأن حقق مشيئة من أرسله مخلصا وفاديا للبشرية.
2. أن تكون وفيًّا
أن لا تنسى في يوم من الأيام حبة الخردل التي تكونت فيك واليوم نمت، وهي نفسها ستعشش عليها طيور العالم... لا تنسى تلك الحبة الصغيرة جدًا، ولا تنسى كل إنسان كبّر وعلّم وأنضج ونمّى تلك الحبّة روحيًا وثقافيًا وانسانيا ولاهوتيًا وحُبًّا... كن وفيًّا مع كل إنسان وكن وفيًا مع ذاتك، وكن وفيا لحب الله لك، واعكسه وفاءً بعلاقتك مع الآخرين.
2. الإيمان
لا تنسى كم عانيت من ظلمة الإيمان في سنوات التنشئة، فكل مرة كان الصليب ثقيل، كان الوصول إلى الهدف والقيامة والخلاص مليء بالتحديات والسرور، فياما بكيت في السر، بينك وبين يسوع الحاضر في سر القربان، وخصوصا في كنيسة السمينير! ولكن، كان الإيمان حليفك ولم تتخلى عن حلمك، ولا يأست ولا تراجعت في طريق الوصول لهذا اليوم، فنمى الإيمان وكبر وعلَّا، واليوم تقطف تعب سنواتٍ طويلة، فتستمر مغامرة الرب التي يبدأ فيها فصلٌ جديد من حياتك.
4. الحب
ما تنسى تحب، على قدرِ ما أحبك المعلم... فقد: "أحبَّ خاصته الذين هم في العالم أحبهم إلى أقصى حدود الحب" (يوحنا١٣) وهذا يعني محبة تصل إلى غاية الصليب والتضحية. حِبّ الفقير والمحتاج.... حِبّ الصغير والكبير... حِبّ من كلِّ قلبك ولا تكُن سطحيًا بل سر إلى عمق الحب، وخلّي الحب المتجسد في قلبك منارةً للكل. ولا تنسى تحب لما تكون تعبان... حب لما تكون حزين ومتألم...
حب وقت الشدة، وما تخلّي شي يفصلك عن الحب، وردّد كلمات مار بولس وعيشها: "مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رومة 8: 35-39). وهنا تصل في "أن تُقيم المسيح في قلبك بالإيمان، حتى إذا ما تأصلت في المحبة وأُسستَ عليها، أمكنك أن تدرك مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعلو والعمق، وتعرف محبة المسيح التي تفوق كلّ معرفة، فتمتلئ بكل ما في الله من كمال".
5. خادم متواضع
مكننا اعتبار هذه النقطة مسيرة الحياة، في ضوء مسيرة أمنا مريم العذراء، تلك المسيرة التي مشتها من الناصرة إلى عين كارم. هنا أساس كل شيء، هنا مبدأ كل خير، وهنا الالف باء تاء في حياة الكهنوت، أن تعمل اشياء خلاقة فهذا جميل جدا ولكن ان لم تكن هذه الامور بخدمة متواضعة فسيُمسي كهنوتُك بعيدًا كل البعد عن الكاهن الأعظم، وهنا يسبق حضوري ووجودي حضور يسوع وجوده، ووستكون النتيجة أني أنا الهدف النهائي لا يسوع!
ولذلك يترتب عليك تحديد أولويات مختلفة عن ماهية حياتك الكهنوتية... وأولها أن تكون خادم متواضع على مثال أمنا مريم العذراء تلك التي أعطت كل ما عندها من أجل حياة ابنها فكانت حياة وخلاص للعالم. فتصل بالنهاية إلى أن تأتزر بالمنديل وتغسل أرجل الناس، وعندها تردد مع لوقا الانجيلي:" نحن خدمٌ لا خيرَ فبهم، نعمل سوا ما يطلب منه، ونقول بطالون" (لوقا10:17)
في الختام، الكاهن يتبنى قضايا رعيته بشكل خاص ويتبنى قضايا كل الشعب بشكلٍ عام، تماما مثلما فعل يسوع! لقد أتى يسوع من أجل العالم واهتم بتلاميذه لكي يكونوا صورته في العالم، وبتعبيرٍ اخر أن يكونوا مسيح آخر! وأنت ككاهن اليوم فأنت مسيح آخر، فعليك أن تكون مثل يسوع مهتمًا بقضايا رعيتك وهمومهم وحياتهم، وأيضا أن تكون كاهن الناس جميعهم: فكن يسوع معهم... وكن يسوع من أجلهم... وكن يسوع فيهم... فالكاهن هو كاهن الشعب وخادمهم!