موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
منذ القدم، ارتبطت الجبال في الكتاب المقدس باللقاء بين الإنسان والله. فهي ليست مجرد تضاريس جامدة بل مساحات مقدسة ترتفع فوق الأرض العادية لتقرب الإنسان من الله، هي رمزا للصعود الروحي والاقتراب من السماء. في الكتاب المقدس، غالبًا ما يُختار الجبل مكانًا للكشف الإلهي. الصعود على الجبل يرمز إلى الابتعاد عن الضوضاء اليومية ومكانا للصمت والتأمل، الجبل يمثل توق الروح إلى الاقتراب من الله. إن كل رحلة صعود تتحول إلى ليتورجيا طبيعية، حيث يرفع الإنسان قلبه نحو السماء، ويتعلم الاحترام العميق للأرض والخليقة. وبذلك تتحول الجبال إلى مدارس روحية طبيعية، حيث يتعلم الإنسان الصبر، الثبات، والاعتماد على الله في صلاته وحياته اليومية.
الرهبان الفلسطينيون اختاروا الجبال والأودية والبراري مكانًا للصلاة والتأمل. مثل الجبل لهم انعزالا مؤقتًا عن العالم وفرصة بديعة للتأمل في الخليقة ومكانًا لاختبار الإيمان والصبر. أصبح الجبل رمزًا لتكامل الإنسان مع الخليقة وجسرا بين الأرض والسماء، حيث انه يجمع بين الأرض وما فيها من تربة، صخور، مياه والسماء التي تمثل اللقاء الإلهي، الوحي، التجلي. بهذا المعنى، كل جبل هو رمز لعلاقة الإنسان بالخليقة والله. فالارتفاع المادي يعكس ارتفاعًا روحيًا، والوقوف على القمة يصبح لحظة لقاء، شكر، وتأمل في الخليقة. في عصرنا الحديث يمكن للجبال أن تعلم الإنسان احترام الطبيعة، حيث ان كل شجرة و قطرة مياه هي جزء من الخليقة وتذكرنا بالأحداث العظيمة التي حدثت في الكتب المقدسة وان الحفاظ على الأرض ليست قضية بيئية مجردة بل فعل ايماني متجدد .
في العهد القديم ظهرت أهمية الجبال بحسب غاية الله التي أرادها ان تتحقق للإنسان، جبل أراراط والذي ارتبط بقصة الطوفان في سفر التكوين، قد استقر فلك النبي نوح عليه بعد انحسار مياه الطوفان. لذلك أصبح هذا الجبل رمزًا لبداية جديدة للبشرية بعد الكارثة. ويحمل عدة معانٍ روحية من خلاص ونجاة ويرمز إلى أن الله يقود الإنسان من الفوضى إلى الاستقرار، ومن الخطر إلى الحياة. وبعد الطوفان، أصبح الجبل علامة على رحمة الله وتجديده للخليقة، حيث تحوّل إلى علامة رجاء تؤكد أن الله لا يترك خليقته بل يجددها ويمنحها فرصة جديدة للحياة. وعلى جبل سيناء سلم الله الوصايا العشر للنبي موسى وفي هذا المكان كان عهد الله مع الانسان، الوصايا لم تكن مجرد أوامر، بل دعوة لحياة منظمة ومليئة بالمعنى. العهد الذي أُعطي لموسى يذكّرنا أن العلاقة مع الله تقوم على الالتزام والمحبة المتبادلة.
في العهد الجديد، لم تعد الجبال مجرد أماكن جغرافية، بل أصبحت مسارح لإعلانات إلهية عميقة ولقاءات حاسمة بين الله والإنسان من خلال يسوع المسيح. ففي جبل التطويبات قدم السيد المسيح له المجد واحدة من أعمق الرسائل الروحية في التاريخ وهي الموعظة على الجبل والتي لم تكن مجرد تعليم بل دعوة للحياة بمعايير السماء. وفي جبل التجلي كان اعلان المجد الإلهي للإنسان ليظهر الخلاص في شخص السيد المسيح. وفي جبل الزيتون، جبل الصلاة، والألم، والرجاء، حين صلى المسيح هناك قبل الصلب استعدادا روحانيا للخلاص، ومنه صعد الى السماء، ليعلمنا بان الطريق إلى المجد يمر عبر الألم والطاعة. في جبل الجلجثة ارتفع الصليب، وتحول الألم إلى خلاص، والموت إلى رجاء وأصبح علامة أن طريق الإنسان إلى الحياة الجديدة يمر عبر أعظم درجات المحبة وهي بذل النفس عن الأحبة.
علم السيد المسيح تعاليمه بالأمثال وقد استعان بعناصر الطبيعة لتقريب الفهم ففي بشارة القديس متى، أشار الى الجبل بقوله (لا يمكن أن تُخفى مدينة موضوعة على جبل) فالجبل في تعليم المسيح لا يرمز فقط إلى الارتفاع الجغرافي، بل إلى الارتفاع الروحي الذي يجعل حياة المؤمن شهادة حيّة للنور الإلهي في العالم. في مثل حبة الخردل (إن كان لكم إيمان كحبة خردل، تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك، فينتقل، ولا يعجزكم شيء) وهنا فإن الإيمان، حتى لو كان صغيرًا كحبة خردل، فهو قادر على تحريك الجبال، أي التغلب على العقبات والصعوبات الروحية في حياة الإنسان. القديس يوحنا الذهبي الفم يرى أن المسيح أراد أن يعلمنا أن الإيمان الحقيقي لا يقاس بحجمه أو قوته الظاهرة، بل بوجوده واستمراره. فحتى إيمان صغير لكنه حيّ وصادق يمكنه إنجاز أعمالا عظيمة عند الله. يمكن تشبيه الجبل بالكنيسة لعدة أسباب: كلاهما يمثل السمو الروحي، حيث يرفع الجبل روح المؤمن نحو الله كما ترفع الكنيسة أرواح المصلين من خلال الصلاة والقداس. كما يرمز كلاهما إلى الثبات الروحي: الجبل صلب وثابت، والكنيسة توفر الثبات في الإيمان وتعليم المسيح. بالإضافة إلى ذلك، كلاهما مكان للوحي والتجلي.
حين ترتفع الأرض نحو السماء، سواء بالصعود الجسدي إلى الجبال أو بالصعود الروحي بالإيمان والصلاة، يكتشف المؤمن أن كل جبل يحمل درسًا عميقًا: صبرًا في التجربة، ثباتًا في الإيمان، مكانًا للتأمل والتقرب من الله، ومساحة للتأمل في خلقه. الجبال بذلك تصبح أكثر من تضاريس، فهي رمز للارتقاء الروحي، والتجلي الإلهي، والوعي البيئي، حيث يلتقي الإنسان بالله وبجمال الخليقة في آن واحد، وهي دعوة للإنسان ليترك ضوضاء الحياة خلفه، ويواجه قلبه وروحه أمام الله، ويختبر جمال الخليقة.