موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يقدّم لنا الإنجيل بحسب القدّيس متّى رواية القيامة لا كحدثٍ تاريخي فحسب، بل كسرٍّ إلهيّ عميق يهزّ أركان الوجود ويعيد خلق الإنسان والعالم. فالقيامة ليست مجرّد عودة يسوع إلى الحياة الأرضية، بل هي عبورٌ جذريّ إلى حياة الله، وبداية زمنٍ جديدٍ يفيض نورًا ورجاءً. ومن خلال هذا النصّ (متى 28: 1-10)، يكشف لنا الإنجيليّ عن معنى الفصح كحدثٍ خلاصيّ يطال كلّ إنسان، ويدعوه للدخول في مسيرة القيامة.
يخبرنا القدّيس متّى أنّه: "وبعد السبت، عند فجر اليوم الأوّل من الأسبوع، جاءت مريم المجدليّة ومريم الأخرى لتنظرا القبر" (متى 28: 1).
إنّ هذا المشهد يبدأ في لحظةٍ فاصلة بين الظلام والنور: انقضى السبت، وطلع الفجر. إنّه انتقال من ليل الموت الذي طبع قلوب التلاميذ بعد صلب المعلّم، إلى فجر يومٍ جديد يحمل في طيّاته بداية خلقٍ جديد. يذكّرنا هذا الفجر ببداية الخليقة: "وكان مساء وكان صباح: يوم واحد" (تكوين 1: 5). وهكذا، فإنّ "اليوم الأوّل من الأسبوع" (متى 28: 1) ليس مجرّد بداية زمنٍ عادي، بل هو انطلاقة أسبوعٍ جديد، بل تاريخٍ جديد، يشرق فيه نور القيامة.
تأتي مريم المجدليّة ومريم الأخرى، ويذكر متّى امرأتين فقط، رغم أنّه سبق وذكر ثلاث نساء عند الصليب:
"وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد... منهنّ مريم المجدليّة، ومريم أمّ يعقوب ويوسف، وأمّ ابني زبدى" (متى 27: 55-56).
ويغيب هنا ذكر أمّ ابني زبدى، تلك التي كانت قد اقتربت من يسوع طالبةً مجدًا أرضيًّا لابنيها: "قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابناي هذان، واحدٌ عن يمينك والآخر عن شمالك في ملكوتك" (متى 20: 21).
إنّها صورة للإنسان الذي ما زال يفكّر بمنطق المجد الدنيوي، لا بمنطق الصليب والقيامة. أمّا النسوة اللواتي يأتين إلى القبر، فيمثّلن بداية تحوّلٍ نحو فهمٍ أعمق لسرّ الله.
وقد جاءتا "لتنظرا القبر" (متى 28: 1)، لا لتطييب الجسد كما يذكر إنجيليون آخرون، بل ليتأكّدا من واقع الموت. لكنّ المفاجأة الإلهيّة تقطع هذا الصمت: "وإذا زلزلة عظيمة حدثت" (متى 28: 2).
يتميّز متّى عن سائر الإنجيليين بذكره هذه الزلزلة، التي ليست تفصيلاً عابرًا، بل علامة لاهوتيّة عميقة. إنّها تعبّر عن تدخّل الله الحاسم في التاريخ، عن ثورة إلهيّة تغيّر وجه العالم. لقد اهتزّت الأرض كما في مخاض الولادة، لتلد عالمًا جديدًا.
وهذه ليست الزلزلة الأولى في إنجيل متّى، إذ سبق أن ذكر زلزلة عند موت يسوع: "وإذا حجاب الهيكل قد انشقّ إلى اثنين... وزلزلت الأرض، وتصدّعت الصخور، وتفتّحت القبور، وقام كثير من أجساد القدّيسين الراقدين" (متى 27: 51-52).
هنا تتحقّق نبوءة النبي: "ها أنا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم يا شعبي" (حزقيال 37: 12). إنّها لغة لاهوتيّة تعلن أنّ موت المسيح وقيامته يفتحان قبور الإنسان كلّها، ويقودانه إلى حياة الله.
ويتابع متّى: "فإنّ ملاك الربّ نزل من السماء، وجاء ودحرج الحجر وجلس عليه" (متى 28: 2). إنّ الملاك هو علامة تدخّل الله. فالحجر الذي وضعه البشر كختمٍ نهائيّ للموت، يُدحرج الآن بقدرة إلهيّة. لا ليُخرج يسوع من القبر، بل ليُظهر أنّ القبر قد فُتح وأنّ الموت لم يعد الكلمة الأخيرة. وجلوس الملاك على الحجر هو إعلان نصرٍ: لقد انتصر الله على الموت، ذلك العدوّ الذي يسرق الأحبّة ويُغلق الأفق.
"وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج" (متى 28: 3). إنّها صورة كتابيّة لحضور الله، نورٌ لا يُقاوَم. أمّا الحرس: "فارتعد الحرس خوفًا منه وصاروا كالأموات" (متى 28: 4). هنا مفارقة لاهوتيّة عميقة: الذين يحرسون الموت صاروا كالأموات، أمّا الذي مات فقد قام. إنّ متّى يبرز هذا التفصيل ليبيّن أنّ من يتمسّك بعالم الموت يعيش في الخوف، بينما من ينفتح على الله يدخل في الحياة.
ويقول الملاك للمرأتين: "لا تخافا أنتما. فإنّي أعلم أنّكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لأنّه قام كما قال" (متى 28: 5-6). "لا تخافا": إنّها كلمة موجّهة لكلّ مؤمن. فالإيمان يبدأ حين يتلاشى الخوف. ويشدّد الملاك على أنّه "المصلوب"، لأنّ الحبّ الذي بذل ذاته على الصليب هو نفسه الذي انتصر في القيامة (يوحنا 15: 13).
"ليس هو ههنا": إنّه لم يبقَ في حدود الموت، بل دخل في حالة جديدة، في عالم الله. ثمّ يدعوهنّ: "هلمّ انظرن الموضع الذي كان الربّ مضطجعًا فيه" (متى 28: 6). إنّها دعوة لمواجهة القبر، لا للهروب منه. فالإيمان لا يتجاهل الموت، بل ينظر إليه على ضوء القيامة، فيكتشف أنّه فارغ. ويضيف: "واذهبا سريعًا وقولا لتلاميذه: إنّه قام من الأموات" (متى 28: 7). القيامة تقود دائمًا إلى الرسالة. فالإيمان ليس تأمّلًا صامتًا، بل شهادة حيّة.
ويحدّد اللقاء في "الجليل" (متى 28: 7)، والجليل هو مكان البداية، حيث انطلقت رسالة يسوع (متى 4: 12-17). إنّه رمز للحياة اليومية، حيث يُدعى التلميذ ليعيش خبرة القيامة وسط عالم متنوّع، فيه من يوافقه ومن يعارضه. وعندما تتحقق هذه الرسالة الموكلة من المسيح للتلاميذ تنفتح العيون، وهنا علينا أن نتوقّف عند فعل "النظر". فالإنجيل، في لغته اليونانية، يميّز بين نوعين من الرؤية: الفعل βλέπω (blépō)، الذي يدلّ على النظر الخارجي، الإدراك الحسّي السطحي، مجرّد رؤية ما هو أمام العين والذي يملكه الجميع؛ ولكن ليس هذا هو فعل الرؤية للمؤمن، هناك فعل آخر وهو الفعل ὁράω (horáō)، الذي يشير إلى رؤية أعمق، إدراك داخلي وروحي، معاينة الحقيقة في عمقها. والذي ميتلكه فقط انقياء القلوب الذين لهم القدرة على رؤية غير المرئي "طوبى لأنقياء القلوب، لأنّهم يعاينون الله" (متى 5: 8). وهذا ما يقوله الملاك: بينما تبشرون أن القبر فارغ وتتذكروا كلمات المعلم وتعيشون له ستمتعون بالرؤية العميقة حيث ترون ماوراء الأحداث، ماوراء القبر، يرى مصير المؤمن الذي يشابه مصير الرب القائم من بين الأموات.
وفي الطريق، "إذا يسوع لاقاهما وقال: سلام لكما... فتقدّمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له" (متى 28: 9). لماذا الأقدام؟ لأنّها علامة المسيرة. إنّها الأقدام التي لم تتوقّف عند الجلجلة، بل تابعت طريقها إلى الآب. فالقيامة ليست نهاية الطريق، بل اكتمالها في الله. ومن يتبع المسيح، يصل حيث وصلت قدماه: إلى حضن الآب (يوحنا 14: 2-3).
إنّ قيامة المسيح، كما يقدّمها إنجيل متّى، ليست حدثًا نحتفل به فحسب، بل طريقًا نسلكه. هي زلزلة تهزّ داخلنا كلّ حجرٍ ثقيل، كلّ يأسٍ أو خوفٍ أو خطيئة، لتفتح أمامنا أفق الحياة الجديدة.
نحن مدعوّون أن ننتقل من رؤية βλέπω (blépō)، التي تكتفي بظاهر القبر، إلى رؤية ὁράω (horáō)، التي تعاين حضور الله في عمق الحياة. أن نخرج من منطق المجد الدنيوي، كما طلبت أمّ ابني زبدى، إلى منطق البذل الذي يقود إلى القيامة.
القبر الفارغ يدعونا ألا نخاف من ظلماتنا، بل أن ندخلها بنور الكلمة، فنكتشف أنّ الله سبقنا إليها. والمسيح القائم ينتظرنا في "جليل" حياتنا اليومية، حيث تتحوّل عيوننا وقلوبنا، فنصير شهودًا للحياة.
فلنسرْ وراءه، ولنثبت نظرنا على قدميه القائمتين، لأنّ حيث وصل هو، سنصل نحن أيضًا.
فصحٌ مبارك، وليكن قلبك قبرًا مفتوحًا يفيض حياةً ونورًا.