موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٢٧ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

الشرق شرق.. والغرب غرب

د. محمد السماك

د. محمد السماك

د. محمد السماك :

 

في لقاء القمة بين الرئيسين الأميركي ترامب والصيني شي، هناك ست شخصيات وليس شخصيتين فقط. هناك الرئيس ترامب كما يرى نفسه، وهناك الرئيس ترامب كما يراه الرئيس الصيني، وهناك ثالثاً الرئيس ترامب كما هو في حقيقته. هذه الشخصيات الثلاث تواجه ثلاث شخصيات أخرى للرئيس الصيني أيضاً.


وإلى جانب هذه النظرية لعالِم النفس البريطاني وليم هاكسلي، هناك نظرية أخرى حول التباين بين الثقافة الغربية والثقافة الشرقية في تكوين الشخصية. فالشخصية الغربية تقوم على «الأنا» المفرد.. بينما تقوم الشخصية الشرقية على شخصية الجماعة. تكوّنت الشخصية الغربية في اليونان القديمة التي كانت تتألف من عدة دول - مدن. كانت الأرض صعبة للزراعة، ومع ذلك كان الإنسان يعيش على الزراعة، وخاصة زراعة الزيتون، وعلى صيد الأسماك. أنتج هذا الواقع ما يمكن أن يُطلق عليه «اقتصاد الفرد». وأنتج هذا الاقتصادُ الفردي الشخصيةَ الفرديةَ، فكان تعظيمها عبر الألعاب الأولمبية، حيث التنافس بين الأفراد. وحيث التكريم للفرد الفائز. ثم وُلدت الديمقراطية اليونانية كي تعبّر عن اختيار الفرد وعن قراره الحرّ.
 

وعلى العكس من ذلك، كان الشرق، ممثلاً بالصين، مترامي الأطراف. كانت الزراعة جماعية، وكان العيش مشتركاً بمعنى الاعتماد على الآخر والتكامل معه.
 

قامت الزراعة على العمل الجماعي وليس الفردي لأن المساحات الزراعية كانت واسعة ومترامية الأطراف، بعكس ما كانت عليه في اليونان. وبالتالي كان الاعتماد على تعاون الجماعة والعمل المشترك أساساً للنجاح في العمل والإنتاج لتأمين لوازم الحياة وللدفاع عن النفس وعن المصالح. ومن هنا جاءت فلسفة كونفوشيوس التي تسفّه التعالي الفردي، خلافاً للثقافة اليونانية، وتدعو إلى الفضيلة الجماعية. أدّى الاختلاف في طبيعة الأرض إلى الاختلاف في القيم التي قام عليها أهل تلك الأرض والتي تمسكوا بها إلى أن أصبحت أساسَ شخصيتهم الجماعية.أجرى عالِم النفس الأميركي «ريتشارد نيسبيت» تجربةً علميةً بسيطة، حيث وضع مجموعةً من الأسماك الصغيرة الملوّنة في وعاء زجاجي وطلب من أشخاص أوروبيين وصينيين تسجيل ملاحظاتهم.
 

ركّز الأوروبيون على سلوك وعلى ردود فعل سمكة محددة تتميز بألوانها وبحركاتها. فيما ركّز الصينيون على السلوك الجماعي أي الفعل وردّ الفعل، للأسماك مجتمعةً. ومن هذه التجربة العلمية البسيطة خرج عالِم النفس بالنظرية التالية، وهي أن اختلاف التفكير -انطلاقاً من اختلاف الأولويات- بين شعوب الشرق وشعوب الغرب ليس اختلافاً شكلياً. إنه اختلاف في رؤية العالم، وتالياً في طريقة مقاربة قضاياه.
 

خلق الله الإنسانَ في أحسن تقويم. ومن حُسْن التقويم أنه يخلقه ليتكامل مع نمو الدماغ الذي يمتصّ المعلومات منذ الطفولة لتكوين شخصيته ولتحديد هويته. وكأن الدماغ يسأل منذ أوائل أيامه: مَن سأكون في هذا العالم من أجل النجاح في حياتي؟ كان الجواب في الغرب (الثقافة اليونانية) مختلفاً عن الجواب في الشرق (الثقافة الصينية). في الغرب قام على الذات الفردية.. وفي الشرق قام على الذات الجماعية. ومن هنا كان الشرق شرقاً وسيبقى، وكان الغرب غرباً وسيبقى، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.