موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٣ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

الذكاء الفائق بدلاً من الاصطناعي

د. حسام حداد

د. حسام حداد

د. حسام حداد :

 

خلال الأيام القليلة الماضية، أثار تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلاً واسعاً بإعلانه تبني مصطلح الذكاء الفائق (Superintelligence) بدلاً من الذكاء الاصطناعي، وهو المصطلح الذي يُعرّفه الأكاديميون والباحثون بأنه مرحلة مستقبلية تتجاوز فيها الآلة كافة القدرات الذهنية والإدراكية للبشر. إن قرار إدارة ترامب بإصدار الأمر التنفيذي رقم 14434 لإلغاء استخدام مصطلح الذكاء الاصطناعي (AI) واستبداله رسمياً بالذكاء الفائق" (SI) في المؤسسات الفيدرالية له أبعاد وتأثيرات واسعة تتجاوز مجرد تغيير في المسميات.

 

فمن الناحية الاقتصادية يُعيد القرار تشكيل بوصلة الاستثمار في الأسواق المالية، إذ يُعطي إشارة خضراء لضخ مئات الملايين من الدولارات نحو مشاريع البنية التحتية ومراكز البيانات وتطوير الرقائق الإلكترونية مما يمنح عمالقة وادي السيليكون هيمنة أكبر على عقود المشتريات الحكومية، ويضيق الخناق على الشركات الناشئة التي تعجز عن مجاراة كلفة هذا التوصيف الجديد. وعلى الصعيد الاجتماعي تسعى الإدارة الأمريكية إلى نزع الانطباع المرتبط بكلمة اصطناعي بوصفها دلالة على الشيء المقلد، وإحلال مفهوم الفائق بما يعكس السيطرة والتفوق، غير أن هذا المسعى ينطوي على مبالغة تقنية قد تكرس حالة من الهوس أو التخوف المبكر من استبدال البشر، فضلاً عن تحويل المفاهيم التقنية إلى ساحات للسجال السياسي.

 

وعلى الرقعة الجيوسياسيةوالعلاقات الدولية، تتجلى هذه الخطوة كأداة للردع التكنولوجي ضمن صراع النفوذ بين القوى العظمى،لا سيما في مواجهة التمدد الصيني المتسارع في مجالات التقنية المتقدمة. يهدف إعلان واشنطن لتبني مفهوم الفوقية أي (الفائق) إلى إرسال رسائل حازمة مفادها أن الولايات المتحدة تفرض مفاهيمها وأطرها المصطلحية على العالم أجمع، مع توجيه المؤسسات الدفاعية والعلمية الفيدرالية للالتزام بهدف وطني موحد يمنع التشريعات المعرقلة.إلا أن هذا الخطاب الحاد يهمّش النقاش العلمي حول المخاطر الحقيقية للتكنولوجيا، ويسعى إلى فرض سيادة رقمية أحادية تجعل من التسمية الجديدة أداة للضغط السياسي داخل الولايات المتحدة وخارجها.

 

أما على المستوى القانوني والتنظيمي، فإن هذا القرار يفتح باباً واسعاً من الإرباك والتعقيد التشريعي، نتيجة الفجوة العميقة بين الواقع التقني الحالي للنماذج التنبؤية والتعريف العلمي الصارم للذكاء الفائق. إن إلزام الوكالات الفيدرالية بتعديل المصطلحات في العقود والمناقصات والمطالبة بإعادة صياغة القوانين الفيدرالية السابقة لتتناسب مع المسمى الجديد يفرضان ضغوطاً إدارية هائلة قد تُضعف أطر الحوكمة، إذ يصعب تطبيق التنظيمات المُصممة لضبط مخاطر الذكاء الاصطناعي الحالية إذا جرى تأطيرها قانونياً تحت مسمى فضفاض. وينجم عن هذا التضارب ضبابية تشريعية في تحديد المسؤوليات ومساءلة مطوري النماذج عند حدوث الأخطاء، مما يهدد بتأخير قوانين حماية البيانات ويتيح للشركات الكبرى الالتفاف على الرقابة.برأيي، رغم التجاذب حول جاذبية مصطلح الذكاء الفائق ودخوله المفاجئ على القاموس العالمي الرسمي فإن هذا التحول يبعث برسالة فرض نفوذ أميركية جليّة مفادها أن واشنطن هي من يملك سلطة إعادة صياغة التشريعات وتحديد الأطر العلمية والمهنية للتكنولوجيا وتصديرها للعالم كمعايير ملزمة للجميع.