موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مقدّمة
نتطرق هذا الأسبوع للدخول بعمق في قلب مسيرة استعدادنا المسيحي لسرّ التجسد. من خلال المقالين السابقين بدأنا بالتدريج التعمق في "مسيرة الخروج الإلهي" نحونا ككنيسة تتشكل لنكون نحن حقًا "كنيسة الرّبّ السينودسيّة". لذا في هذا المقال الثالث لزمن المجيء المبارك أعطيناه عنوان "الخروج من السجن الّذاتيّ" سنجد أن الشك الإيماني، الضعف والاسترخاء؛ الخوف والفزع، بمثابة صور للسجن الذاتيّ إذّ بدون صراع وبسلبيّة من جانبنا البشري يُسلّب منّا البهاء والفرحة الإلهيين بحسب كلمات سفر أشعيا (35: 1- 6). ففي هذا النص سنتوقف على الصور الّتي يستخدمها النبي ليبث فينا نسمات الأفق الجديدة الّتي تبث الفرحة والبهجة والبهاء الإلهيين في كل المخلوقات. نعم في المخلوقات الغير الناطقة، تدّب اللمسات الإلهية فيفتح، من خلالها، أمامنا طرق غير متوقعة وتُدهشنا. ثم بالعهد الجديد سنتعمق في خروج جديد ليوحنّا المعمدان، بحسب الإنجيل المتّاوي (11: 1- 11)، من سجنه ليس المادي، بل الروحي فهو قد أصابه الشَّك في هويّة المسيح، أثناء سجنه بحسب أمر هيرودس، فصار سجينًا مكانيًا وباطنيًا. قد تأملنا في شخصية المعمدان، بالمقال السابق وهو الّذي بشر بالتوبة كمفتاح "لخروج يسوع الغصن من الجذع" ليصيرنا فروع في كرمة الآب. هادفين في هذا المقال، من خلال نصي أشعيا ومتّى، أن نخرج من السجون نحن أيضًا، الّتي بنيناها بأيدينا لذواتنا أو بناها آخرين لأجلنا بجهل أو بإرادة، أرادوا أن يبنوها لنا. فنجد الإبن يأتي ليفتتح الطريق المقدس ليعبر بنا ومعنا من السجون الذاتيّة، كاشفًا عن الحياة الأبدية الّتي افتتحها في ذاته بالفرح والبهاء.
1. بهاء الله في المخلوقات (أش 35: 1- 6)
يعلن نص أشعيا رسالتين الأوّلى، تحمل الفرح بالتدخل الإلهي، الّذي يحمل العزاء لبني إسرائيل الّذي تمّ استعباده في بابل واليوم يحملها لقلوبنا كمؤمنين إذ يحررنا بمجيء ابنه من كل أنواع العبوديّة. قد أعاد هذا التدخل القدير الشعب من السبي وسيعيدنا نحن أيضًا للرحمّ الإلهي من خلال الابن. يقدم أشعيا في هذا النص الكثير من الصور الخلاصيّة الّتي تتضح في تعبيرات النبي الـُمفعمة بالبهجة والفرح والّتي يظللها الرجاء مُعلنًا فرح المخلوقات ليس فقط القلوب البشريّة: «لِتَفرَحِ البَرِّيَّةُ والقَفْر ولْتَبتَهِجَ الباديَةُ وتُزهِرْ كالنَّرجِس لِتُزهِرْ ازْهاراً وتَبتَهجِ ابتهاجاً مع هُتاف» (أش 35: 1- 2). فاذا كانت البريّة أيّ الصحراء الجرداء مدعوة للفرح فكم بالأحرىّ قلوب وحياة من يؤمن بالرّبّ! يمنح الله هذا الفرح لقلوبنا نحن الّذين نستعد لتجسّد ابنه ويغير من وضعنا المتألم والمنغلق لأي سبب. هذا هو جوهر التجسد، منح البهجة الباطنية بتحريرنا من كل ما يقيدنا في مجتمع يعطي الأهميّة للمظاهر ويفقد فضيلة الفرح بأبسط الأشياء في مخلوقات الرّبّ. الازدهار والبهجة علامات القلب البسيط الّذي يتمكن من رؤية الله في كل ما حوله ليقرأ علامات بهاء الله ومجده. الفرح هو علامة ثقة بأن الله سيأتي في حياتنا.
2. الخوف أم الفزع؟ (أش 35: 3- 6)
الكلمة النبويّة الثانّية الّتي تحملها رسالة أشعيا هي دعوتنا لاستعادة القوة الّتي تأتينا من الرّبّ من خلال تنشيط ضعفنا البشري إذ قال: «قَوُّوا الأَيدِيَ المُستَرخِيَة وشَدِّدوا الرُّكَبَ الواهِنَة. قولوا لِفَزِعي القُلوب: "تَقَوَّوا ولا تَخافوا هُوَذا إلهُكم النَّقمَةُ آتِيَة هذه مُكافَأَةُ الله هو يَأتي فيُخَلِّصُكم". [...] ويَكونُ هُناكَ مَسلَكٌ وطَريق يُقالُ لَه الطَّريقُ المُقَدَّس» (أش 35: 3-6). رسالة الله لمَن يتسم قلبه بالهشاشة والفزع، فليتقوى الرّبّ يفتح أمامه أفق جديدة بعدم فقدان الشجاعة، ولهذا السبب يتردد صدى كلمات الله على لسان النبي بشكل قاطع: "تَقَوَّوا ولا تَخافوا هُوَذا إلهُكم". الخوف، هو أحد أقوى أسلحة عدو الله. الخوف، في حد ذاته، ليس عدونا فهو يشير إلى اتجاه الطريق الصحيح، لكنه يفعل ذلك في الاتجاه المعاكس. من الضروري الاستماع إلى ما يبثه الخوف في القلب وعلينا بسلوك عكسي تمامًا. مدعوين للتنبه بأنّ الفزع هو الأسوأ إذ يظهر كرعب من كل شيء، وليس له اتجاه، يعتمد على المزاج الشخصي، فهو يُولِّد أفعالًا لا يمكن السيطرة عليها. لذلك إذا يدُعونا النبي هذا الوقت بأنّ نكون صامدين بتوجه نظرنا مباشرة إلى الرّبّ قائلين "هوذا إلهنا". فقط "العلاقة الحميمة" معه يمكن أن تعطينا مفاتيح لاكتشاف طرق جديدة تحرر من الخوف والفزع. مدعوين، في وقت الضيقات، بألّا ننظر لذواتنا وقدراتنا بل للرّبّ والرّبّ فقط فهو بيده الخلاص. في الوقت الّذي نعتمد فيه على الرّبّ فقط سينفتح أمامنا طريق مقدس لنسير فيه وتمّ تخطيطه بيد الله. الطريق المقدس الذي سنتمكن من السير فيه بأمان لأنه طريق الرّبّ. أشعيا هو نبي الصور النبويّة الّتي تُعبر في هذا المقطع عن شيء لا يمكن كبته، حدث غير متوقع يُوُلِّد الابتهاج إذ يقول على لسان الرّبّ للشكاكين وللتائهين منَّا "تشجعوا، لا تخافوا!".
3. حياة الملكوت (مت 11: 3- 5)
في ذات الإطار الّذي بشرنا به أشعيا نستكمل قرائتنا للنص المتّاوي، في قلب زمن المجيء الحاليّ من خلال عنصر جوهري وهو شكّ المعمدان مُتسائلاً: «أَأَنتَ الآتي، أَم آخَرَ نَنتَظِر؟» (مت 11: 3). يبدو أنّ هذا التساؤل يؤرق المعمدان، فجعله تائهًا باطنيًا بالرغم من سجنه الخارجي، أثناء مواجهته للأحداث الّتي يسمعها عن المسيح! هو أيضًا مثلنا، له ضعفه البشري "الشك"، الّذي يتمثل في تشكيلّ فكرته الخاصة، الّتي سجن فيها ذاته حول مَن؟ وكيف يجب أن يكون المسيح؟ لكن يفاجأ بما يسمعه، من تلاميذه بحسب النص، إذ يجد اختلاف عما توقعه فيسأل مُندهشًا: "أحقًا أهو المسيّا؟" لقد توّقع المعمدان مسيحًا يوزع المكافآت على الصالحين والعقوبات على الخاطئين. هذه هي الفكرة الّتي سجن فيها المعمدان ذاته. وأمام هذا التساؤل الّذي يحمل أزمته الإيمانيّة، لا يعطي يسوع إجابة مباشرة لتلاميذ المعمدان ليكشف عن هويّته الحقيقيّة، بل أعطي أمثلة للملكوت المُعاش والحياة المتجددة في المتألمين من خلال انعكاس أحوالهم بنعمة حضور يسوع حينما قال: «العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَئُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون» (مت 11: 5). نعم أخرج يسوع الكثيرين من سجن المرض، العمى، ... فأنعم عليهم بحياة الملكوت الحقّة. لا يجب أن يُصيبنا بالذهول بردّ فعل يسوع، نحن نخطأ حينما نتوقع أنّ الله عليه يفعل أو لا يفعل؛ لا يتوجب على الله أن يبرهن عن أفعاله لنا، فالله هو الآخر العظيم والابدي ونحن البشريين المحدودين. والمسيح اليوم كما كان في زمن المعمدان يأتي نحونا ليُخرجنا من سجون عصرنا أوجاعنا وشكوكنا متى تقدمنا ووضعنا ذاتنا أمامه كرجال ونساء عصره، ليكشف لنا الطريق الّذي هو ذاته. مدعوين لتنميّة هذه الثقة في إلهنا وفي مجيئه الأكيد ليحررنا في زمن المجيء هذا قائلين: نعم، نعلّم إنّه سيأتي حاملاً الملكوت بفتح الطريق المقدس.
4. يسوع "الّذي سيأتي" (مت 11: 1- 6)
يعلن يسوع مستكملاً حواره مع الجموع، متخذاً المعمدان مثلاً يُحتذى به، وبأنّ ملكوت السماوات هو الحالة الّتي سيكون فيها كل مَن ينتمي للرّبّ، وهنا سيصير أعظم من المعمدان. ويعلن حقيقة أخرى حول شخصية المعمدان في دوره الرائد لإتمام الخطة الإلهيّة بأنّه آخر نبي أُعلن عنه بالعهد القديم بحسب نبؤة ملاخي القائل: «هاءَنَذا أُرسِلُ رَسولي قُدَّامَكَ لِيُعِدَّ الطَّريقَ أَمامَكَ» (3 :1). واستشهد متّى الإنجيلي بذات الكلمات في هذا المقطع. المعمدان هو بمثابة الشخص الذي يختتم وقت الوعد ويقف على عتبة الاكتمال لهذا الوعد. إن قبول أو رفض رسالة التوبة يعني الدخول أو عدم الدخول في آخر فصل من تاريخ الإيمان، أيّ في تاريخ ذلك الحب الطويل بين الله والإنسان الذي بدأ مع إبراهيم وانتهى بالمعمدان. معه يُختتم وقت الانتظار لأنَّ الله، تحديداً، هو الّذي، في الابن، سيكشف وجهه للبشرية. تلاميذ المعمدان هم أولئك الذين ذهبوا لرؤية المعمدان في الصحراء بمقالنا السابق، وكأنهم يقولوا إنّ المؤمنين الحقيقيين هم أولئك الذين يتحركون، الذين يغادرون بدلاً من الوقوف منتقدين أو يتجاهلون علامات العصر ويدعونا الرّبّ للخروج من سجن الكسل والشك، التشبث بالأراء الشخصيّة والبقاء في التحيز للخروج النهائي الذي سيؤدي إلى الخلاص الأبدي. فلننطلق بالخروج من السجن الشخصي من خلال ترك مقاومتنا الشخصية التي تعوق مشاركتنا في رغبة الله وهي الحب.
الخلّاصة
لأوّل مرة أختتم إحدى مقالاتي بقصة حقيقيّة، تتناسب مع مضمون مقالنا هذا ومع زمن المجيء، إذ تساعدنا كقراء مؤمنين على توضيح مفهوم النصيّن بتعبيرات بشريّة إذّ قال جندي لرئيسه في الحرب: " سيديّ؛ صديقي لم يعد من ساحة القتال، أطلب منك الإذن بالذهاب للبحث عنه "! فأجابه الرئيس: "الإذن مرفوض، لا أُريدك أن تخاطر بحياتك من أجل رجل من المحتمل أنه قد مات". ذهب الجندي دون أن يعطي أهمية لرفض رئيسه وبعد ساعة عاد وهو مصاب بجرح مميت حاملاً جثّة صديقه. وكان الرئيس معتزاً بنفسه حينما قال له: "لقد قلت لك أنه قد مات، قل لي أكان يستحق منك كل هذه المخاطرة للعثور على جثته؟" وإذ يجيب الجندي: "بكل تأكيد، عندما وجدته كان لا يزال حيًا استطعت رؤيته وهو حيّ لآخر مرة وقال ليّ: "كنت واثقاً بأنك ستأتي". وها نحن مع كِلا الكاتبين بالعهدين أشعيا ومتّى نسمع يسوع يقول لكلاً منّا: "كنت واثقاً بأنك ستأتي" لأخرجك من سجنك، ويتجاوب قلب كلّاً منّا بثقة فيقول ليسوع في زمن المجيء هذا: "أنا واثقاً بأنك ستأتي". هذا هو الخبر السَّار الّذي يكشفه مقالنا اليوم، الرّبّ بذاته يخرج من مجده ليأتي لسجوننا الّتي سجنا ذواتنا فيها ليحررنا ويخرجنا لطريقه المقدس. مسيرة خروج مباركة، أيها القراء الأحباء، عالميّن بأن الرّبّ سيأتي ليخرجنا من سجوننا.