موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣١ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

التطويبات الإنجيلية: طريق إلى القداسة

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحَد الحَادي والثَّلاثون: التَّطْوِيبَاتُ الْإِنْجِيلِيَّةُ طَرِيقٌ إِلَى الْقَدَاسَةِ (مَتَّى 5: 1-12)

الأحَد الحَادي والثَّلاثون: التَّطْوِيبَاتُ الْإِنْجِيلِيَّةُ طَرِيقٌ إِلَى الْقَدَاسَةِ (مَتَّى 5: 1-12)

 

النَّص الإنْجيلي (متى 5: 1 -12)

 

 1 فلمَّا رأَى الجُموع، صَعِدَ الجَبَل وَجَلَسَ، فدَنا إِلَيه تَلاميذُه 2 فشَرَعَ يُعَلِّمُهم قال: 3 ((طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. 4 طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض. 5 طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون. 6 طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إلى البِرّ فإِنَّهم يُشبَعون. 7 طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون. 8 طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله. 9 طوبى لِلسَّاعينَ إلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون. 10 طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. 11 طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، 12 اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم.

 

 

الْمُقَدِّمَةُ

 

تُشَكِّلُ التَّطْوِيبَاتُ الْإِنْجِيلِيَّةُ، الَّتِي أَعْلَنَهَا السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي مُسْتَهَلِّ عِظَتِهِ عَلَى الْجَبَلِ (مَتَّى 5: 1-12)، دُسْتُورَ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَمِيثَاقَ الْقَدَاسَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ، وَالطَّرِيقَ الَّذِي يَقُودُ الْإِنْسَانَ إِلَى السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَعَالِيمَ أَخْلَاقِيَّةٍ أَوْ وَصَايَا سُلُوكِيَّةٍ، بَلْ إِعْلَانٌ عَنْ مَلَكُوتِ اللهِ، وَدَعْوَةٌ إِلَى تَجْدِيدِ الْقَلْبِ، وَرَسْمٌ لِصُورَةِ الْإِنْسَانِ الْجَدِيدِ الَّذِي يَعِيشُ بِحَسَبِ رُوحِ الْمَسِيحِ (أَفَسُس 4: 22-24).

 

وَتَكْشِفُ التَّطْوِيبَاتُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَيْسَتِ امْتِيَازًا مَحْصُورًا بِفِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْمُعَمَّدِينَ، كُلٍّ بِحَسَبِ دَعْوَتِهِ وَحَالَتِهِ وَرِسَالَتِهِ فِي الْكَنِيسَةِ وَالْعَالَمِ. وَهَذَا مَا أَكَّدَهُ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي فِي الدُّسْتُورِ الْعَقَائِدِيِّ "نُورُ الْأُمَمِ"، إِذْ أَعْلَنَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ مَدْعُوُّونَ إِلَى كَمَالِ الْمَحَبَّةِ وَمِلْءِ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ (نُورُ الْأُمَمِ، عَدَد 40).  وَتَنْبَعُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنْ تَعْلِيمِ يَسُوعَ: «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ كَامِلٌ» (مَتَّى 5: 48).

 

وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَدَاسَةَ فِي ضَوْءِ التَّطْوِيبَاتِ لَيْسَتِ انْفِصَالًا عَنِ الْعَالَمِ، بَلْ حُضُورًا فِيهِ بِرُوحِ الْمَسِيحِ؛ وَلَيْسَتْ هُرُوبًا مِنَ الْأَلَمِ، بَلْ تَحْوِيلًا لَهُ إِلَى مَحَبَّةٍ وَرَجَاءٍ؛ وَلَيْسَتْ حِفْظًا خَارِجِيًّا لِلْوَصَايَا فَحَسْبُ، بَلْ تَشَبُّهًا بِالْمَسِيحِ الَّذِي عَاشَ التَّطْوِيبَاتِ قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَهَا (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، عَدَد 1717).

 

يُؤَكِّدُ الْعَلَّامَةُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الْعِظَةَ عَلَى الْجَبَلِ تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ الْمَبَادِئِ السَّامِيَةِ اللَّازِمَةِ لِبِنَاءِ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ الْكَامِلَةِ، وَأَنَّهَا تُقَدِّمُ النَّمُوذَجَ الْأَمْثَلَ لِلسُّلُوكِ الْمَسِيحِيِّ (PL 34: 1230-1231).

 

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تُشَكِّلُ التَّطْوِيبَاتُ الْإِنْجِيلِيَّةُ كَمَالَ الشَّرِيعَةِ فِي بُعْدِهَا الرُّوحِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ، وَتَكْشِفُ جَوْهَرَ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الْمَسِيحُ، وَهِيَ، فِي جَوْهَرِهَا، بَرْنَامَجُ حَيَاةِ الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى السَّيْرِ فِيهِ، لِأَنَّهُ هُوَ "الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ"(يُوحَنَّا 14: 6). فتَضَعُ التَّطْوِيبَاتُ شَخْصَ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِثَالًا أَعْلَى وَمَرْجِعًا أَسَاسِيًّا لِكُلِّ حَيَاةٍ مَسِيحِيَّةٍ أَصِيلَةٍ، فَهِيَ تَرْسُمُ مَلَامِحَ وَجْهِهِ، وَتَكْشِفُ مَحَبَّتَهُ، وَتُوَضِّحُ الْمَوَاقِفَ وَالْأَعْمَالَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُمَيِّزَ حَيَاةَ الْمُؤْمِنِ (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، عَدَد 1717).

 

وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْبَحْثِ فِي دِرَاسَةِ النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ لِلتَّطْوِيبَاتِ (مَتَّى 5: 1012). وَتَحْلِيلِ وَقَائِعِهِ التَّارِيخِيِّ وَالْأَدَبِيِّ وَاللَّاهُوتِيِّ، وَاسْتِجْلَاءِ مَعَانِيهِ الرُّوحِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ، ثُمَّ اسْتِخْلَاصِ تَطْبِيقَاتِهِ الْعَمَلِيَّةِ فِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْعَائِلِيَّةِ وَالْكَنَسِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَيَهْدِفُ الْبَحْثُ إِلَى إِظْهَارِ أَنَّ التَّطْوِيبَاتِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَثَلٍ أَخْلَاقِيٍّ سَامٍ، بَلْ هِيَ مَنْهَجٌ مُتَكَامِلٌ لِلتَّنْشِئَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَدَعْوَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِالْمَسِيحِ، وَمَسِيرَةٌ نَحْوَ الْقَدَاسَةِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.

 

 

أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 5: 1-12)

 

1. "فَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ، صَعِدَ الْجَبَلَ وَجَلَسَ، فَدَنَا إِلَيْهِ تَلَامِيذُهُ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "رَأَى الْجُمُوعَ" إِلَى الْجَمَاهِيرِ الَّتِي تَبِعَتْ يَسُوعَ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْمُدُنِ الْعَشْرِ وَأُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَعِبْرِ الْأُرْدُنِّ (مَتَّى 4: 24-25). وَقَدِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ حَوْلَهُ بَعْدَ أَنْ ذَاعَ صِيتُهُ بِسَبَبِ تَعْلِيمِهِ وَشِفَاءَاتِهِ وَأَعْمَالِهِ الْعَجَائِبِيَّةِ. وَلَا يَعْنِي اتِّبَاعُ هَذِهِ الْجُمُوعِ لِيَسُوعَ أَنَّ جَمِيعَ أَفْرَادِهَا قَدْ أَصْبَحُوا تَلَامِيذَ نَاضِجِينَ فِي الْإِيمَانِ؛ فَقَدْ تَنَوَّعَتْ دَوَافِعُهُمْ بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي الشِّفَاءِ، وَمُشَاهَدَةِ الْعَجَائِبِ، وَالِاسْتِمَاعِ إِلَى تَعْلِيمِهِ. وَتَحْمِلُ رُؤْيَةُ يَسُوعَ لِلْجُمُوعِ بُعْدًا رَعَوِيًّا عَمِيقًا، يَتَّضِحُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ إِنْجِيلِ مَتَّى، حَيْثُ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتْعَبِينَ وَمُهْمَلِينَ كَخِرَافٍ لَا رَاعِيَ لَهَا (مَتَّى 9: 36؛ حِزْقِيَال 34: 5-6).

عِبَارَةُ "صَعِدَ" تُذَكِّرُ صُعُودُ يَسُوعَ إِلَى الْجَبَلِ بِصُعُودِ مُوسَى النَّبِيِّ إِلَى جَبَلِ سِينَاءَ لِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ (خُرُوج 19: 3، 20؛ 24: 12-18). فَكَمَا تَلَقَّى مُوسَى شَرِيعَةَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ، كَذَلِكَ أَعْلَنَ يَسُوعُ، فِي الْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ، تَعْلِيمَ الْمَلَكُوتِ الَّذِي يَكْشِفُ الْمَعْنَى الْكَامِلَ لِلشَّرِيعَةِ. غَيْرَ أَنَّ الْفَارِقَ الْجَوْهَرِيَّ يَكْمُنُ فِي أَنَّ مُوسَى تَلَقَّى الشَّرِيعَةَ مِنَ اللهِ، أَمَّا يَسُوعُ فَيُعَلِّمُ بِسُلْطَانِهِ الْخَاصِّ، كَمَا يَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ الْمُتَكَرِّرِ: "أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" (مَتَّى 5: 22، 28، 32، 34، 39، 44)، إِذْ يُقَدَّمُ يَسُوعُ بِوَصْفِهِ مُوسَى الْجَدِيدَ، وَالْمُعَلِّمَ الَّذِي يُعْلِنُ مِلْءَ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ.  وَيُؤَكِّدُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي دَوَّتْ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي سُمِعَتْ فِي شَخْصِ يَسُوعَ عَلَى جَبَلِ التَّطْوِيبَاتِ، مَعَ الْفَارِقِ أَنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ صَارَتْ جَسَدًا (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، عَدَد 581؛ يُوحَنَّا 1: 14). وَهَكَذَا، يُمَثِّلُ الصُّعُودُ إِلَى الْجَبَلِ الِانْتِقَالَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الْأَلْوَاحِ إِلَى شَرِيعَةِ الْمَحَبَّةِ الْمَنْقُوشَةِ فِي الْقُلُوبِ (إِرْمِيَا 31: 31-33؛ 2 قُورِنْثُس 3: 3-6). وَيَتَأَمَّلُ الرَّاهِبُ السِّسْتِرْسِيَانِيُّ إِسْحَقُ النَّجْمَةِ فِي مَشْهَدِ صُعُودِ يَسُوعَ إِلَى الْجَبَلِ، مُبْرِزًا الْبُعْدَ الرُّوحِيَّ لِلِارْتِقَاءِ مَعَ الْمَسِيحِ وَالِابْتِعَادِ عَنْ تَشَتُّتِ الْحَيَاةِ، بِهَدَفِ الِانْفِتَاحِ عَلَى تَعْلِيمِهِ (الْعِظَةُ الْأُولَى فِي عِيدِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ).

يُشِيرُ "الْجَبَلُ"، بِحَسَبِ التَّقْلِيدِ الْمَسِيحِيِّ، إِلَى الْمِنْطَقَةِ الْمَعْرُوفَةِ حَالِيًّا بِاسْمِ «جَبَلِ التَّطْوِيبَاتِ»، الْوَاقِعَةِ قُرْبَ الطَّابِغَةِ وَكَفْرَنَاحُومَ، فِي الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. وَتَحْتَفِظُ هَذِهِ الْمِنْطَقَةُ بِذَاكِرَةٍ مَسِيحِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَرْتَبِطُ بِتَعْلِيمِ يَسُوعَ لِلتَّطْوِيبَاتِ، وَتَشْهَدُ لَهَا تَقَالِيدُ الْحَجِّ الْمَسِيحِيِّ وَبَقَايَا مَزَارٍ بَيْزَنْطِيٍّ قَرِيبٍ مِنَ الطَّابِغَةِ.  وَقَدْ رَبَطَ تَقْلِيدٌ آخَرُ مَوْقِعَ الْعِظَةِ بِـ"قُرُونِ حِطِّينَ"، غَرْبِيَّ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. إِلَّا أَنَّ النَّصَّ الْإِنْجِيلِيَّ لَا يُحَدِّدُ اسْمَ الْجَبَلِ أَوْ مَوْقِعَهُ الدَّقِيقَ؛ وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ التَّقْلِيدِ الْحَجِّيِّ وَالْإِثْبَاتِ التَّارِيخِيِّ وَالْأَثَرِيِّ.  أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، فَيَحْمِلُ الْجَبَلُ دَلَالَةً رَمْزِيَّةً عَمِيقَةً، إِذْ يُشِيرُ فِي التَّقْلِيدِ الْكِتَابِيِّ إِلَى مَكَانِ اللِّقَاءِ بِاللهِ وَتَلَقِّي الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، كَمَا فِي سِينَاءَ وَحُورِيبَ (خُرُوج 19: 20؛ 1 مُلُوك 19: 8-13). وَيَرَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الْجَبَلِ رَمْزًا لِلتَّعَالِيمِ السَّامِيَةِ لِلْبِرِّ، فِي مُقَابِلِ الْمَرْتَبَةِ التَّرْبَوِيَّةِ السَّابِقَةِ الَّتِي اتَّسَمَتْ بِهَا وَصَايَا الشَّرِيعَةِ. وَبِذَلِكَ يَكُونُ صُعُودُ الْمَسِيحِ إِلَى الْجَبَلِ تَعْبِيرًا عَنْ سُمُوِّ التَّعْلِيمِ الْإِنْجِيلِيِّ وَدَعْوَتِهِ إِلَى كَمَالِ الْبِرِّ (الْكِتَابُ الْأَوَّلُ، 1، 2).

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَجَلَسَ" إِلَى وَضْعِيَّةِ الْمُعَلِّمِ فِي التَّقْلِيدِ الْيَهُودِيِّ، حَيْثُ كَانَ الْجُلُوسُ مِنَ الْأَوْضَاعِ الْمَأْلُوفَةِ عِنْدَ إِلْقَاءِ التَّعْلِيمِ وَتَفْسِيرِ الشَّرِيعَةِ (مَرْقُس 4: 1؛ لُوقَا 4: 20). وَيُبْرِزُ الْإِنْجِيلِيُّ مَتَّى سُلْطَانَ يَسُوعَ التَّعْلِيمِيَّ، إِذْ لَا يَتَكَلَّمُ بِوَصْفِهِ مُفَسِّرًا لِلشَّرِيعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ بِوَصْفِهِ الِابْنَ الَّذِي يَكْشِفُ إِرَادَةَ الْآبِ، وَيُعْلِنُ كَمَالَ الْوَصِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ (مَتَّى 5: 17-48؛ 11: 27). وَتَظْهَرُ خُصُوصِيَّةُ هَذَا السُّلْطَانِ فِي الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ مُوسَى وَالْمَسِيحِ؛ فَمُوسَى هُوَ الْوَسِيطُ الَّذِي تَلَقَّى الشَّرِيعَةَ وَأَبْلَغَهَا إِلَى الشَّعْبِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ كَلِمَةُ اللهِ الْمُتَجَسِّدَةُ، الَّذِي يُعْلِنُ الْحَقَّ بِسُلْطَانِهِ الْإِلَهِيِّ (يُوحَنَّا 1: 17-18). وَيَتَّضِحُ هَذَا الْبُعْدُ فِي خَاتِمَةِ الْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ، عِنْدَمَا دُهِشَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِ يَسُوعَ، لِأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ، لَا مِثْلَ كَتَبَتِهِمْ (مَتَّى 7: 28-29). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ جُلُوسَ يَسُوعَ عَلَى الْجَبَلِ لَا يُعَبِّرُ عَنْ وَضْعِيَّةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ يَكْشِفُ أَيْضًا عَنْ سُلْطَانِ الْمَسِيحِ الَّذِي يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى التَّتَلْمُذِ لَهُ وَالْعَيْشِ وَفْقَ تَعْلِيمِهِ.

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَدَنَا إِلَيْهِ" إِلَى اقْتِرَابِ التَّلَامِيذِ مِنْ يَسُوعَ لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى تَعْلِيمِهِ. وَالْفِعْلُ "َدَنَا " يالْيُونَانِيُّ προσῆλθον ، الْمُشْتَقُّ مِنَ الْفِعْلِ προσέρχομαι ، يَعْنِي "اقْتَرَبُوا" أَوْ "دَنَوْا". وَفِي السِّيَاقِ الْمَتَّاوِيِّ، يَتَّخِذُ الِاقْتِرَابُ مِنْ يَسُوعَ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً، لِأَنَّهُ يَرْتَبِطُ بِالتَّتَلْمُذِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِسَمَاعِ كَلِمَتِهِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا (مَتَّى 13: 10؛ 17: 19). وَيُمْكِنُ فَهْمُ هَذَا الِاقْتِرَابِ عَلَى مُسْتَوَيَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ: مُسْتَوًى جَسَدِيٍّ، يَتَمَثَّلُ فِي الدُّنُوِّ مِنَ الْمُعَلِّمِ لِسَمَاعِهِ؛ وَمُسْتَوًى رُوحِيٍّ، يَتَحَقَّقُ فِي قَبُولِ كَلِمَتِهِ وَالْعَمَلِ بِوَصَايَاهُ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُبْرِزُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَهَمِّيَّةَ اقْتِرَابِ التَّلَامِيذِ مِنَ الْمَسِيحِ، مُتَأَمِّلًا فِي دَلَالَةِ الْقُرْبِ مِنَ الْمُعَلِّمِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِتَلَقِّي تَعْلِيمِهِ (شَرْحُ عِظَةِ الرَّبِّ عَلَى الْجَبَلِ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ، 1، 2). وَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَحِقُّ الِاقْتِرَابَ مِنَ اللهِ بِقُدْرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ بِكَمَالِهِ الْأَخْلَاقِيِّ، بَلْ إِنَّ نِعْمَةَ اللهِ هِيَ الَّتِي تَدْعُوهُ إِلَى الْقُرْبِ، وَتُطَهِّرُ قَلْبَهُ، وَتُؤَهِّلُهُ لِلِاسْتِجَابَةِ لِلْكَلِمَةِ الْإِلَهِيَّةِ (أَفَسُس 2: 8-10؛ يَعْقُوب 4: 8).

تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَلَامِيذُهُ" إِلَى الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ يَسُوعَ وَاخْتَارُوا السَّيْرَ وَرَاءَهُ. وَيُظْهِرُ السِّيَاقُ أَنَّ الْعِظَةَ مُوَجَّهَةٌ إِلَى التَّلَامِيذِ بِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ، وَلَكِنَّ الْجُمُوعَ لَمْ تَكُنْ مُسْتَبْعَدَةً مِنْ سَمَاعِهَا، إِذْ يُؤَكِّدُ مَتَّى فِي خَاتِمَتِهَا أَنَّ الْجُمُوعَ قَدْ دُهِشَتْ مِنْ تَعْلِيمِ يَسُوعَ (مَتَّى 7: 28). وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ التَّطْوِيبَاتِ تُحَدِّدُ مَعَالِمَ الْحَيَاةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَعِيشَهَا تِلْمِيذُ الْمَسِيحِ، وَتَرْسُمُ لَهُ طَرِيقَ السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ وَتَبْلُغُ كَمَالَهَا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَقَدْ أَشَارَ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ، فِي تَعْلِيمِهِ عَنِ التَّطْوِيبَاتِ بِتَارِيخِ 29 كَانُونِ الثَّانِي 2020، إِلَى أَنَّ الرِّسَالَةَ وُجِّهَتْ إِلَى التَّلَامِيذِ، وَلَكِنَّ الْجُمُوعَ بَقِيَتْ حَاضِرَةً فِي الْمَشْهَدِ، مِمَّا يُبْرِزُ أَنَّ دَعْوَةَ التَّطْوِيبَاتِ تَتَّسِعُ لِتَشْمَلَ الْبَشَرِيَّةَ جَمْعَاءَ.

تَكْشفُ الآية أَنَّ التَّطْوِيبَاتِ تَنْطَلِقُ مِنْ مُبَادَرَةِ يَسُوعَ إِلَى رُؤْيَةِ الْجُمُوعِ، ثُمَّ صُعُودِهِ إِلَى الْجَبَلِ، وَجُلُوسِهِ لِلتَّعْلِيمِ، وَاقْتِرَابِ تَلَامِيذِهِ مِنْهُ. فَرُؤْيَةُ الْجُمُوعِ تُعَلِّمُنَا الرَّحْمَةَ وَالِاهْتِمَامَ بِحَاجَاتِ الْآخَرِينَ؛ وَالصُّعُودُ إِلَى الْجَبَلِ يَدْعُونَا إِلَى السُّمُوِّ الرُّوحِيِّ وَالْبَحْثِ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ؛ وَجُلُوسُ يَسُوعَ يُذَكِّرُنَا بِضَرُورَةِ الْإِصْغَاءِ إِلَى تَعْلِيمِهِ؛ وَاقْتِرَابُ التَّلَامِيذِ يَدْعُونَا إِلَى الدُّخُولِ فِي عَلَاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ وَعَمِيقَةٍ مَعَهُ. وَبِالتَّالِي، فَإِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْقَدَاسَةِ يَبْدَأُ بِالِاقْتِرَابِ مِنَ الْمَسِيحِ، وَالْإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَتِهِ، وَقَبُولِ تَعْلِيمِهِ، وَتَجْسِيدِ التَّطْوِيبَاتِ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.

 

2. "فَشَرَعَ يُعَلِّمُهُمْ قَالَ"

 

تُقَابِلُ عِبَارَةَ "فَشَرَعَ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ ἀνοίξας τὸ στόμα αὐτοῦ، وَمَعْنَاهَا الْحَرْفِيُّ "فَتَحَ فَاهُ". وَالْفِعْلُ ἀνοίξας هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ فِعْلِيٌّ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْبَسِيطِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ ἀνοίγω، أَيْ "فَتَحَ". وَتُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الصِّيغَةُ فِي الْأُسْلُوبِ الْكِتَابِيِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى بَدْءِ خِطَابٍ ذِي أَهَمِّيَّةٍ خَاصَّةٍ (أَيُّوب 3: 1؛ أَعْمَالُ الرُّسُلِ 8: 35؛ 10: 34).  فَالْمَسِيحُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى نَقْلِ تَعْلِيمٍ تَسَلَّمَهُ مِنَ الْمُعَلِّمِينَ السَّابِقِينَ، بَلْ يُعْلِنُ كَلِمَةَ اللهِ بِسُلْطَانِهِ الْخَاصِّ، لِأَنَّهُ الْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ الَّتِي صَارَتْ جَسَدًا (يُوحَنَّا 1: 1، 14). وَتَتَّضِحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ فِي مُقَدِّمَةِ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ، الَّتِي تُؤَكِّدُ أَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ قَدِيمًا بِوَاسِطَةِ الْأَنْبِيَاءِ، أَمَّا فِي الْأَزْمِنَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ كَلَّمَنَا بِالِابْنِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَبِهِ أَنْشَأَ الْعَالَمِينَ (عِبْرَانِيِّينَ 1: 1-2).  وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى تَعْبِيرِ "فَتَحَ فَاهُ" بِأَنَّهُ قَدْ يُشِيرُ إِلَى أَهَمِّيَّةِ الْخِطَابِ وَطُولِهِ، وَيَقْتَرِحُ أَيْضًا مَعْنًى لَاهُوتِيًّا أَعْمَقَ: فَاللهُ الَّذِي كَانَ يَفْتَحُ أَفْوَاهَ الْأَنْبِيَاءِ لِيَتَكَلَّمَ بِوَاسِطَتِهِمْ، يَتَكَلَّمُ الْآنَ مُبَاشَرَةً فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ (PL 34). وَمِنْ هُنَا، يَكْشِفُ تَعْبِيرُ "فَشَرَعَ" عَنْ لَحْظَةٍ حَاسِمَةٍ فِي إِعْلَانِ الْمَلَكُوتِ، إِذْ يَتَكَلَّمُ الْمَسِيحُ بِسُلْطَانِ الِابْنِ الَّذِي يَكْشِفُ لِلْبَشَرِ مَشِيئَةَ الْآبِ وَطَرِيقَ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ (يُوحَنَّا 14: 6؛ مَتَّى 11: 27).

تَرِدُ عِبَارَةُ "يُعَلِّمُهُمْ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِالْفِعْلِ ἐδίδασκεν، الْمُشْتَقِّ مِنَ الْفِعْلِ διδάσκω، وَمَعْنَاهُ "عَلَّمَ" أَوْ "كَانَ يُعَلِّمُ". وَقَدْ جَاءَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي النَّاقِصِ (Imperfect)، الَّتِي تُصَوِّرُ فِعْلَ التَّعْلِيمِ فِي امْتِدَادِهِ أَوِ اسْتِمْرَارِهِ فِي الْمَاضِي. وَهَذَا يُنَاسِبُ طَبِيعَةَ الْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ بِوَصْفِهَا خِطَابًا تَعْلِيمِيًّا مُتَكَامِلًا، وَلَا يَعْنِي بِحَدِّ ذَاتِهِ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ نَحْوِيًّا عَلَى تَعْلِيمٍ مُسْتَمِرٍّ بِلَا انْقِطَاعٍ فِي كُلِّ الْأَزْمِنَةِ.  لَا يَكْتَفِي يسوع بِإِعْلَانِ اقْتِرَابِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، بَلْ يُنَشِّئُ تَلَامِيذَهُ عَلَى الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا هَذَا الْمَلَكُوتُ (مَتَّى 4: 17، 23؛ 5: 1-12) . ويَتَّضِحُ مِنْ سِيَاقِ الْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ أَنَّ يَسُوعَ لَا يُقَدِّمُ مَجْمُوعَةً مِنَ الْمَعَارِفِ الدِّينِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ يَضَعُ أَمَامَ تَلَامِيذِهِ بَرْنَامَجًا رُوحِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا يَقُودُهُمْ إِلَى كَمَالِ الْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ. وَيُؤَكِّدُ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي أَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ مَدْعُوُّونَ إِلَى كَمَالِ الْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ، كُلٌّ بِحَسَبِ دَعْوَتِهِ وَرِسَالَتِهِ (الدُّسْتُورُ الْعَقَائِدِيُّ "نُورُ الْأُمَمِ"، عَدَد 40). وَيُبَيِّنُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ التَّطْوِيبَاتِ تَرْسُمُ وَجْهَ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَتُظْهِرُ دَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي حَيَاتِهِ (عَدَد 1717). فَالتَّعْلِيمُ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْقَدَاسَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُسْمَعُ، بَلْ حَقِيقَةٌ تُؤْمَنُ، وَحَيَاةٌ تُعَاشُ، وَمَحَبَّةٌ تُتَرْجَمُ إِلَى أَعْمَالٍ. تُشَكِّلُ هَذِهِ الْآيَةُ مُقَدِّمَةً رَسْمِيَّةً لِلتَّطْوِيبَاتِ الْإِنْجِيلِيَّةِ، وَتَكْشِفُ عَنْ سُلْطَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِوَصْفِهِ الْمُعَلِّمَ الْإِلَهِيَّ الَّذِي يُعْلِنُ لِتَلَامِيذِهِ مَبَادِئَ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَهَكَذَا، فَإِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْمُعَلِّمُ وَالْقُدْوَةُ وَالطَّرِيقُ إِلَى الْقَدَاسَةِ؛ فَمَنْ يُصْغِي إِلَى تَعْلِيمِهِ وَيَسِيرُ عَلَى خُطَاهُ يُصْبِحُ تِلْمِيذًا حَقِيقِيًّا لِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.

 

3. "طُوبَى لِفُقَرَاءِ الرُّوحِ، فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "طُوبَى" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ μακάριοι، وَمُفْرَدُهَا μακάριος، وَتَعْنِي "الْمَغْبُوطِينَ" أَوِ "السُّعَدَاءَ" أَوِ "الْمُبَارَكِينَ". وَهِيَ صِيغَةٌ تُسْتَعْمَلُ لِلْإِعْلَانِ عَنْ حَالَةِ السَّعَادَةِ وَالْغِبْطَةِ، لَا لِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي بِهَا. وَتُقَابِلُهَا فِي الْعِبْرِيَّةِ الْكِتَابِيَّةِ كَلِمَةُ אַשְׁרֵי، وَهِيَ صِيغَةٌ شَائِعَةٌ فِي الْمَزَامِيرِ وَالْأَدَبِ الْحِكْمِيِّ، وَتُعْلِنُ غِبْطَةَ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَسْلُكُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ (مَزْمُور 1: 1؛ 32: 1-2؛ أَمْثَال 3: 13). وَتُقَابِلُهَا فِي التَّقْلِيدِ الْآرَامِيِّ وَالسُّرْيَانِيِّ صِيَغٌ مِنْ جِذْرِ "طُوب"، وَمِنْهَا ܛܘܒܝܗܘ، أَيْ "طُوبَى لَهُمْ". وَهَذَا تَقَابُلٌ لُغَوِيٌّ وَدَلَالِيٌّ، وَلَا يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَةَ الْيُونَانِيَّةَ مُشْتَقَّةٌ اشْتِقَاقًا مُبَاشِرًا مِنَ الْآرَامِيَّةِ.  وَتَتَّخِذُ كَلِمَةُ "طُوبَى" فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ مَعْنًى خَلَاصِيًّا، إِذْ تُعْلِنُ السَّعَادَةَ الَّتِي تَنْبَعُ مِنَ الِانْتِمَاءِ إِلَى اللهِ وَقَبُولِ وَعْدِهِ. فَيَصِفُ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ بِالْمَغْبُوطِينَ لِأَنَّ عُيُونَهُمْ تُبْصِرُ وَآذَانَهُمْ تَسْمَعُ مَا اشْتَهَى الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ أَنْ يَرَوْهُ وَيَسْمَعُوهُ (مَتَّى 13: 16-17)، وَيُطَوِّبُ سِمْعَانَ بُطْرُسَ لِأَنَّ الْآبَ السَّمَاوِيَّ كَشَفَ لَهُ هُوِيَّةَ الْمَسِيحِ (مَتَّى 16: 17). كَمَا يُعْلِنُ غِبْطَةَ مَنْ لَا يَعْثُرُ بِهِ (مَتَّى 11: 6). وَيَبْدَأُ يَسُوعُ تَعْلِيمَهُ بِوَعْدِ السَّعَادَةِ، لَا بِالتَّهْدِيدِ بِالْعِقَابِ، لِيَكْشِفَ أَنَّ الْحَيَاةَ الْفَاضِلَةَ لَيْسَتْ عِبْئًا يُفْرَضُ عَلَى الْإِنْسَانِ، بَلْ طَرِيقٌ يَقُودُهُ إِلَى الْخَيْرِ الْأَسْمَى وَالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُهُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عِنْدَمَا يَرَى فِي التَّطْوِيبَاتِ مَرَاتِبَ رُوحِيَّةً تَقُودُ الْإِنْسَانَ تَدْرِيجِيًّا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالسَّعَادَةِ الْكَامِلَةِ (PL 34).  

تَرِدُ عِبَارَةُ "فُقَرَاءِ الرُّوحِ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ ب οἱ πτωχοὶ τῷ πνεύματι ، وَتَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلَاثَةِ عَنَاصِرَ رَئِيسِيَّةٍ:  πτωχοί: جَمْعُ الصِّفَةِ πτωχός ، وَتَعْنِي "الْفُقَرَاءَ" أَوِ "الْمُعْوِزِينَ"، وَتُشِيرُ فِي أَصْلِ اسْتِعْمَالِهَا إِلَى الْإِنْسَانِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى مَوَارِدِ الِاكْتِفَاءِ. العنصر الثاني τῷ πνεύματι  "الروح" َيُحَدِّدُ مَجَالَ الْفَقْرِ، أَيْ "فُقَرَاءُ مِنْ جِهَةِ الرُّوحِ". - πνεῦμα: يَعْنِي "الرُّوحَ" أَوِ "النَّفَسَ"، وَيُشِيرُ هُنَا، فِي سِيَاقِ الْتَّطْوِيبَةِ، إِلَى الْبُعْدِ الدَّاخِلِيِّ لِلْإِنْسَانِ وَمَوْقِفِهِ أَمَامَ اللهِ. وَيَرْتَبِطُ هَذَا الْمَعْنَى بِالتَّقْلِيدِ الْعِبْرِيِّ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمُتَوَاضِعِينَ وَالْمَسَاكِينِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِاسْمِ עֲנָוִים، أَيْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَضَعُونَ رَجَاءَهُمْ فِي اللهِ وَيَنْتَظِرُونَ خَلَاصَهُ (صَفَنْيَا 2: 3؛ 3: 12؛ مَزْمُور 37: 11). وَلَا يَدُلُّ الْفَقْرُ بِالرُّوحِ عَلَى الْفَقْرِ الْمَادِّيِّ وَحْدَهُ، وَلَا عَلَى ضَعْفِ الشَّخْصِيَّةِ أَوْ فَقْرِ الْعَقْلِ، بَلْ عَلَى مَوْقِفٍ رُوحِيٍّ يَنْبَعُ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالِاعْتِرَافِ بِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى اللهِ ((إِشَعْيَاء 57: 15، أَفَسُس 2: 8-10). وَيَشْرَحُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النِّيصِيُّ هَذِهِ التَّطْوِيبَةَ بِالْقَوْلِ، إِنَّ الْفَقْرَ بِالرُّوحِ هُوَ التَّوَاضُعُ الطَّوْعِيُّ الَّذِي يَخْتَارُهُ الْإِنْسَانُ لِيَتَشَبَّهَ بِالْمَسِيحِ. وَيَرَى أَنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَدَّمَ أَعْظَمَ مِثَالٍ لِهَذَا الِافْتِقَارِ بِتَجَسُّدِهِ وَاتِّضَاعِهِ، مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلِ بُولُسَ الرَّسُولِ عَنْ غِنَى الْمَسِيحِ وَافْتِقَارِهِ مِنْ أَجْلِنَا (PG 44: 1199-1200). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ الْمَلَكُوتَ لَا يُمْنَحُ بِسَبَبِ قِلَّةِ الْمَالِ فِي ذَاتِهَا، بَلْ لِمَنْ يَتَّصِفُ بِتَوَاضُعِ الرُّوحِ، لِأَنَّ الْفَقْرَ الْمَادِّيَّ قَدْ يَقْتَرِنُ بِالْكِبْرِيَاءِ، كَمَا أَنَّ الْغِنَى قَدْ يَقْتَرِنُ بِالرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ. وَبِذَلِكَ تَكُونُ فَضِيلَةُ الْفَقْرِ بِالرُّوحِ مُمْكِنَةً لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ عَلَى السَّوَاءِ (PL 54: 461-462). وَيُشَدِّدُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى أَنَّ الْفَقْرَ بِالرُّوحِ يَعْنِي التَّوَاضُعَ وَمَخَافَةَ اللهِ، لَا الِانْتِفَاخَ بِالْكِبْرِيَاءِ؛ فَالْكِبْرِيَاءُ يُغْلِقُ الْقَلْبَ عَنِ الْحِكْمَةِ، أَمَّا التَّوَاضُعُ فَيُهَيِّئُهُ لِقَبُولِهَا (؛ PL 34: 1231-1232).

تَرِدُ كَلِمَةُ "الرُّوحِ" فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ πνεύματι، وَهِيَ تَدُلُّ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَلَى الْبُعْدِ الدَّاخِلِيِّ لِلْإِنْسَانِ، أَيْ عَلَى مَوْقِفِ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ أَمَامَ اللهِ. وَيَرْتَبِطُ هَذَا الْمَعْنَى بِالتَّقْلِيدِ الْمَزْمُورِيِّ الَّذِي يُعْلِنُ قُرْبَ الرَّبِّ مِنْ مُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ وَمُنْسَحِقِي الْأَرْوَاحِ (مَزْمُور 34: 19)، وَبِقَوْلِ صَاحِبِ الْمَزْمُورِ إِنَّهُ بَائِسٌ وَمِسْكِينٌ، وَلَكِنَّ السَّيِّدَ يَهْتَمُّ بِهِ (مَزْمُور 40: 18). وَهَكَذَا، فَالْفَقِيرُ بِالرُّوحِ هُوَ مَنْ أَدْرَكَ، مِنْ خِلَالِ تَجَارِبِ الْحَيَاةِ وَمِحَنِهَا، أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْمَكَانَةَ وَالْقُدْرَةَ الْبَشَرِيَّةَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْنَحَهُ الْخَلَاصَ، فَيَضَعُ رَجَاءَهُ النِّهَائِيَّ فِي اللهِ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ هَذَا الْفَقْرِ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ قَبُولٍ سَلْبِيٍّ بِالْحِرْمَانِ أَوِ الظُّلْمِ؛ فَالْفَقْرُ الْإِنْجِيلِيُّ يَتَطَلَّبُ أَيْضًا التَّضَامُنَ مَعَ الْمُعْوِزِينَ وَمُشَارَكَتَهُمْ الْخَيْرَاتِ، كَمَا يُعَلِّمُ يَسُوعُ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى إِعْطَاءِ الْفُقَرَاءِ وَاتِّبَاعِهِ (مَتَّى 19: 21).  َيُوَضِّحُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ التَّجَرُّدَ مِنَ الْغِنَى وَتَوْجِيهَ الْقَلْبِ نَحْوَ اللهِ أَمْرَانِ أَسَاسِيَّانِ لِلدُّخُولِ فِي الْمَلَكُوتِ، وَأَنَّ الْفَقْرَ بِالرُّوحِ يَكْشِفُ نِظَامًا جَدِيدًا لِلسَّعَادَةِ وَالنِّعْمَةِ وَالسَّلَامِ (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، الْأَعْدَادُ 2544-2547).

تَرِدُ عِبَارَةُ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِالصِّيغَةِ ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν، وَتَتَكَوَّنُ مِنْ كَلِمَتَيْنِ رَئِيسِيَّتَيْنِ: βασιλεία: وَتَعْنِي "الْمُلْكَ" أَوْ "الْمَلَكُوتَ" أَوْ "السِّيَادَةَ الْمَلَكِيَّةَ"، وَتُشِيرُ، فِي سِيَاقِ الْبِشَارَةِ، إِلَى سُلْطَانِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ وَحُكْمِهِ الْفَعَّالِ فِي التَّارِيخِ وَحَيَاةِ الْإِنْسَانِ. وοὐρανῶν: وَهِيَ صِيغَةُ الْجَمْعِ مِنْ οὐρανός، وَتَعْنِي "السَّمَاوَاتِ". وَيَنْسَجِمُ تَعْبِيرُ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" مَعَ الْأُسْلُوبِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي يَسْتَعْمِلُ لَفْظَ "السَّمَاوَاتِ" لِلْإِشَارَةِ إِلَى اللهِ. وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ فِي السَّمَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى مُلْكِ اللهِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِحُضُورِهِ وَنِعْمَتِهِ وَعَمَلِهِ الْخَلَاصِيِّ. وَيُؤَكِّدُ النَّصُّ الْيُونَانِيُّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ بِالْعِبَارَةِ ὅτι αὐτῶν ἐστιν ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν، أَيْ "لِأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ". وَالْفِعْلُ ἐστιν هُوَ فِعْلٌ فِي زَمَنِ الْحَاضِرِ، وَهَذَا يَحْمِلُ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً مُهِمَّةً، إِذْ يُعْلِنُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ بِالرُّوحِ يَشْتَرِكُونَ مُنْذُ الْآنَ فِي بَرَكَةِ الْمَلَكُوتِ، مَعَ انْتِظَارِ اكْتِمَالِهِ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ. وَيُسَاعِدُ التَّأَمُّلُ اللَّاهُوتِيُّ لِلْكَرْدِينَالِ كَارْلُو مَارْتِينِي عَلَى فَهْمِ الْمَلَكُوتِ بِوَصْفِهِ ظُهُورًا لِمَحَبَّةِ اللهِ الْأَبَوِيَّةِ الْفَعَّالَةِ، الَّتِي تُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْخَطِيئَةِ وَالْأَنَانِيَّةِ، وَتَقُودُهُ إِلَى الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ فِي الْمَسِيحِ. لَا يَقْتَصِرُ يَسُوعُ عَلَى تَطْوِيبِ فُقَرَاءِ الرُّوحِ، بَلْ يُجَسِّدُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةَ فِي حَيَاتِهِ وَرِسَالَتِهِ. فَهُوَ الَّذِي اخْتَارَ طَرِيقَ التَّجَسُّدِ وَالِاتِّضَاعِ، وَأَخْلَى ذَاتَهُ آخِذًا صُورَةَ الْعَبْدِ، وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتِ عَلَى الصَّلِيبِ (فِيلِبِّي 2: 6-8). وَيُشِيرُ بُولُسُ الرَّسُولُ إِلَى هَذَا السِّرِّ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْمَسِيحَ، مَعَ غِنَاهُ، افْتَقَرَ مِنْ أَجْلِنَا لِنَغْتَنِيَ بِفَقْرِهِ (2 قُورِنْثُس 8: 9). وَتُقَدِّمُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ مِثَالًا بَارِزًا لِلْفَقْرِ بِالرُّوحِ، إِذْ تَعْتَرِفُ فِي نَشِيدِهَا بِأَنَّ اللهَ يُنْزِلُ الْأَقْوِيَاءَ عَنِ الْعُرُوشِ وَيَرْفَعُ الْوُضَعَاءَ (لُوقَا 1: 51-52). فَتَوَاضُعُ مَرْيَمَ هُوَ انْفِتَاحٌ كَامِلٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ وَاسْتِعْدَادٌ لِلْمُشَارَكَةِ فِي تَدْبِيرِهِ الْخَلَاصِيِّ (لُوقَا 1: 38). وَبِهَذَا الْمَعْنَى، يَصِيرُ الْفَقْرُ بِالرُّوحِ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي طَرِيقِ الْقَدَاسَةِ، لِأَنَّهُ يُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ وَيَفْتَحُ قَلْبَهُ أَمَامَ عَمَلِ النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ الْفَقْرَ الْمَغْبُوطَ هُوَ ذَلِكَ الَّذِي لَا تَسْتَعْبِدُهُ مَحَبَّةُ الْخَيْرَاتِ الزَّمَنِيَّةِ، بَلْ يَسْعَى إِلَى الْغِنَى بِالْخَيْرَاتِ السَّمَاوِيَّةِ (PL 54: 461-462). وَتَتَمَيَّزُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ بِأَنَّ وَعْدَهَا يَرِدُ فِي زَمَنِ الْحَاضِرِ "فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ". وَبِهَذَا يُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّ السَّعَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَبْدَأُ مُنْذُ الْآنَ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَضَعُ رَجَاءَهُ فِي اللهِ، وَتَجِدُ كَمَالَهَا فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ.

 

4. "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ الْأَرْضَ"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "الْوُدَعَاءِ" فِي الْيُونَانِيِّ οἱ πραεῖς، وَهِيَ جَمْعُ الصِّفَةِ πραΰς، وَتَعْنِي "الْوَدِيعَ" أَوِ "الْحَلِيمَ" أَوِ "اللَّطِيفَ"، أَيْ مَنْ يَتَّصِفُ بِالْهُدُوءِ وَضَبْطِ النَّفْسِ وَالِاعْتِدَالِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِينَ. الْوَدَاعَةُ قُوَّةٌ دَاخِلِيَّةٌ وَلَيْسَتْ ضَعْفًا. وَتُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْيُونَانِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اللُّطْفِ وَاعْتِدَالِ الطَّبْعِ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهَا الْإِنْجِيلِيَّ يَتَحَدَّدُ بِسِيَاقِ التَّوَاضُعِ وَالْحِلْمِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى اللهِ، لَا بِصُورَةِ التَّرْوِيضِ وَحْدَهَا. وَتَرْتَبِطُ الْوَدَاعَةُ فِي التُّرَاثِ الْعِبْرِيِّ بِكَلِمَةِ עֲנָוִים، أَيْ "الْمُتَوَاضِعِينَ" أَوِ "الْمَسَاكِينَ"، وَهُمْ الَّذِينَ يَتَّكِلُونَ عَلَى اللهِ وَيَنْتَظِرُونَ خَلَاصَهُ. وَهَذَا الِارْتِبَاطُ يُفَسِّرُ الْعَلَاقَةَ الْوَثِيقَةَ بَيْنَ تَطْوِيبَةِ فُقَرَاءِ الرُّوحِ وَتَطْوِيبَةِ الْوُدَعَاءِ (مَتَّى 5: 3-4؛ مَزْمُور 37: 11). وَالْوَدَاعَةُ لَا تَعْنِي الْخُنُوعَ أَوِ الِاسْتِسْلَامَ لِلظُّلْمِ، بَلْ تَعْنِي امْتِلَاكَ قُوَّةٍ رُوحِيَّةٍ تُمَكِّنُ الْإِنْسَانَ مِنَ السَّيْطَرَةِ عَلَى غَضَبِهِ، وَمُوَاجَهَةِ الْإِسَاءَةِ دُونَ الِانْقِيَادِ إِلَى رُوحِ الِانْتِقَامِ. فَالْوُدَعَاءُ هُمْ أَصْحَابُ الْقُلُوبِ الْوَاسِعَةِ الَّذِينَ يَحْتَمِلُونَ إِسَاءَاتِ الْآخَرِينَ بِصَبْرٍ وَحِكْمَةٍ، وَلَا يُقَابِلُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، بَلْ يَسْعَوْنَ إِلَى التَّغَلُّبِ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ (رُومِيَة 12: 17-21). وَقَدْ سَبَقَ صَفَنْيَا النَّبِيُّ فَدَعَا وُدَعَاءَ الْأَرْضِ إِلَى الْتِمَاسِ الرَّبِّ وَطَلَبِ الْبِرِّ وَالتَّوَاضُعِ (صَفَنْيَا 2: 3)، وَأَعْلَنَ أَنَّ اللهَ سَيُبْقِي فِي وَسَطِ شَعْبِهِ جَمَاعَةً وَضِيعَةً وَفَقِيرَةً تَعْتَصِمُ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَلَا تَرْتَكِبُ الظُّلْمَ وَلَا تَنْطِقُ بِالْكَذِبِ (صَفَنْيَا 3: 12-13). وَيُوَجِّهُ الْقِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ الْأَنْطَاكِيُّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُوَاجَهَةِ الْغَضَبِ بِالْوَدَاعَةِ، وَالتَّبَاهِي بِالتَّوَاضُعِ، وَالْإِسَاءَةِ بِالصَّلَاةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ التَّلَمْذَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْمَسِيحِ تَظْهَرُ فِي السُّلُوكِ قَبْلَ الْكَلَامِ (PG 5).  وَيُوَضِّحُ هَذَاِ الشَّاهِدَ ُمِنَ التَّقْلِيدِ الْمَسِيحِيِّ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَدَاعَةَ لَمْ تَكُنْ فَضِيلَةً نَظَرِيَّةً، بَلْ سُلُوكًا شَهَادِيًّا يُمَيِّزُ الْجَمَاعَةَ الْمَسِيحِيَّةَ فِي عِلَاقَتِهَا بِالْمُجْتَمَعِ وَبِالَّذِينَ يُخَالِفُونَهَا أَوْ يُسِيئُونَ إِلَيْهَا. تَظْهَرُ الْوَدَاعَةُ فِي قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى ضَبْطِ انْفِعَالَاتِهِ وَتَوْجِيهِ قُوَاهُ نَحْوَ الْخَيْرِ. فَلَيْسَ الْوَدِيعُ مَنْ يَخْلُو مِنَ الْمَشَاعِرِ وَالْغَضَبِ، بَلْ مَنْ لَا يَسْمَحُ لِلْغَضَبِ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى قَرَارَاتِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ الِاعْتِدَالَ الدَّاخِلِيَّ يَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ فِي كَلَامِ الْإِنْسَانِ وَحَرَكَاتِهِ وَمَلَامِحِهِ وَطَرِيقَةِ مَشْيِهِ، لِأَنَّ السُّلُوكَ الْخَارِجِيَّ يُمْكِنُ أَنْ يَعْكِسَ حَالَةَ النَّفْسِ. وَتَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ هُنَا خُصُوصًا عَنْ فَضِيلَةِ الِاحْتِشَامِ وَالْوَقَارِ (modestia)، الَّتِي تَرْتَبِطُ بِالْوَدَاعَةِ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ مُطَابِقَةً لَهَا فِي الْمَعْنَى (PL 16: 43B-47B). وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الْوَدَاعَةَ تَتَطَلَّبُ تَرْبِيَةَ الْإِرَادَةِ، وَتَنْقِيَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحِقْدِ، وَتَحْوِيلَ الْقُوَّةِ إِلَى وَسِيلَةٍ لِلْخِدْمَةِ وَالْبِنَاءِ، لَا لِلسَّيْطَرَةِ وَالْإِيذَاءِ. وَيَتَّفِقُ هَذَا التَّعْلِيمُ مَعَ دَعْوَةِ الرَّسُولِ يَعْقُوبَ إِلَى الْإِبْطَاءِ فِي الْغَضَبِ، لِأَنَّ غَضَبَ الْإِنْسَانِ لَا يُحَقِّقُ بِرَّ اللهِ (يَعْقُوب 1: 19-20). يَبْلُغُ مَعْنَى الْوَدَاعَةِ كَمَالَهُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي لَمْ يَكْتَفِ بِالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، بَلْ جَسَّدَهَا فِي تَعْلِيمِهِ وَأَعْمَالِهِ. وَبْلُغُت وَدَاعَتُهُ ذُرْوَتَهَا فِي آلامِهِ، إِذْ لَمْ يُقَابِلِ الْإِهَانَةَ بِالْإِهَانَةِ، وَلَا الْعَذَابَ بِالتَّهْدِيدِ، بَلْ أَسْلَمَ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ الْعَادِلِ (1 بُطْرُس 2: 21-23). فهو النَّمُوذَجُ الْأَكْمَلُ لِلْوَدَاعَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ. وَلَيْسَتْ وَدَاعَةُ الْمَسِيحِ تَنَازُلًا عَنِ الْحَقِّ أَوْ سُكُوتًا عَنِ الظُّلْمِ، فَقَدْ وَاجَهَ الرِّيَاءَ وَدَافَعَ عَنْ قَدَاسَةِ بَيْتِ اللهِ (مَتَّى 21: 12-13؛ 23: 1-36). وَهَذَا يُظْهِرُ أَنَّ الْوَدَاعَةَ الْإِنْجِيلِيَّةَ تَتَّحِدُ بِالشَّجَاعَةِ وَالْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ. فَقَدْ أَعْلَنَ يَسُوعُ أَنَّهُ الْمُعَلِّمُ الْوَدِيعُ وَالْمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، وَدَعَا تَلَامِيذَهُ إِلَى حَمْلِ نِيرِهِ وَالتَّتَلْمُذِ لَهُ، لِيَجِدُوا الرَّاحَةَ لِنُفُوسِهِمْ (مَتَّى 11: 29).  وَتَتَجَلَّى وَدَاعَتُهُ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ فِي دُخُولِهِ الْمَسِيحَانِيِّ إِلَى أُورُشَلِيمَ، حَيْثُ يَسْتَحْضِرُ الْإِنْجِيلِيُّ مَتَّى نُبُوءَةَ زَكَرِيَّا عَنِ الْمَلِكِ الْوَدِيعِ الَّذِي يَأْتِي رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ (زَكَرِيَّا 9: 9؛ مَتَّى 21: 4-5). َيَسْتَحْضِرُ بُولُسُ الرَّسُولُ وَدَاعَةَ الْمَسِيحِ وَحِلْمَهُ عِنْدَمَا يُخَاطِبُ أَهْلَ قُورِنْثُسَ (2 قُورِنْثُس 10: 1)، وَيَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ فِي قُولُسِّي إِلَى الِاتِّصَافِ بِالْحَنَانِ وَاللُّطْفِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْوَدَاعَةِ وَالصَّبْرِ (قُولُسِّي 3: 12). وَهَكَذَا، فَإِنَّ الْوَدَاعَةَ لَيْسَتْ فَضِيلَةً ثَانَوِيَّةً، بَلْ هِيَ مِنْ ثِمَارِ الرُّوحِ الْقُدُسِ الَّتِي تُظْهِرُ حُضُورَ الْمَسِيحِ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ (غَلَاطِيَة 5: 22-23). بكلمة

تَرِدُ عِبَارَةُ "يَرِثُونَ الْأَرْضَ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ κληρονομήσουσιν τὴν γῆν، وَتَتَضَمَّنُ مَفْهُومَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ: κληρονομήσουσιν: فِعْلٌ فِي زَمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، مِنَ الْفِعْلِ κληρονομέω، أَيْ "يَرِثُ" أَوْ "يَنَالُ نَصِيبًا بِالْمِيرَاثِ". وَيُشِيرُ فِي السِّيَاقِ الْكِتَابِيِّ إِلَى عَطِيَّةٍ تَأْتِي مِنَ اللهِ، لَا إِلَى امْتِلَاكٍ يُفْرَضُ بِالْقُوَّةِ.  والمفهوم الآخرγῆν : صِيغَةُ النَّصْبِ مِنَ الِاسْمِ γῆ (gē)، وَتَعْنِي "الْأَرْضَ"، وَقَدْ تَدُلُّ، بِحَسَبِ السِّيَاقِ، عَلَى الْأَرْضِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ أَرْضِ الْمِيعَادِ أَوِ الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ. وَيَسْتَنِدُ وَعْدُ يَسُوعَ إِلَى الْمَزْمُورِ 37: 11، الَّذِي يَرْبِطُ بَيْنَ الْوَدَاعَةِ وَمِيرَاثِ الْأَرْضِ وَوَفْرَةِ السَّلَامِ. وَفِي سِيَاقِهِ الْأَصْلِيِّ، يَدْعُو الْمَزْمُورُ الْمُؤْمِنَ إِلَى عَدَمِ الْغَيْرَةِ مِنَ الْأَشْرَارِ، وَإِلَى الثِّقَةِ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يُثَبِّتُ حَقَّ الْأَبْرَارِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ عَلَى هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ بِأَنَّ مِيرَاثَ الْأَرْضِ مَوْعُودٌ لِلْوُدَعَاءِ وَالْحُلَمَاءِ وَالْمُتَوَاضِعِينَ، وَلِلَّذِينَ يَحْتَمِلُونَ الْإِهَانَاتِ بِصَبْرٍ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا الْمِيرَاثَ لَيْسَ خَيْرًا أَرْضِيًّا زَائِلًا، بَلْ يَرْتَبِطُ بِالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالْقِيَامَةِ الْمَجِيدَةِ (PL 54: 462-464).  

وَيَحْمِلُ وَعْدُ مِيرَاثِ الْأَرْضِ ثَلَاثَ دَلَالَاتٍ مُتَكَامِلَةٍ.

أَوَّلًا: الدَّلَالَةُ الْعَهْدِيَّةُ. يَرْتَبِطُ الْمِيرَاثُ بِوَعْدِ اللهِ لِإِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ بِأَرْضِ الْمِيعَادِ (تَكْوِين 12: 7؛ 15: 18؛ 17: 8). وَيَكْتَسِبُ هَذَا الْوَعْدُ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ أُفُقًا مَسِيحَانِيًّا يَتَّصِلُ بِمَلَكُوتِ اللهِ.

ثَانِيًا: الدَّلَالَةُ الرُّوحِيَّةُ. تُشِيرُ الْأَرْضُ إِلَى الِاسْتِقْرَارِ وَالسَّلَامِ اللَّذَيْنِ يَمْنَحُهُمَا اللهُ لِلْمُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ. وَالْوَدِيعُ لَا يَجْعَلُ مِنَ الْخِصَامِ وَالِانْتِقَامِ أَسَاسًا لِحَيَاتِهِ، بَلْ يَسْكُنُ فِي السَّلَامِ النَّابِعِ مِنْ ثِقَتِهِ بِاللهِ. وَيَفْهَمُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ الْأَرْضَ الْمَوْعُودَةَ لِلْوُدَعَاءِ فِي ضَوْءِ "أَرْضِ الْأَحْيَاءِ"، (مَزْمُور 27: 13)، أَيْ مِيرَاثِ الْحَيَاةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي تَسْتَرِيحُ فِيهَا النَّفْسُ بِالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ (PL 34).  

ثَالِثًا: الدَّلَالَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ. يَتَّسِعُ مَعْنَى الْمِيرَاثِ لِيَشْمَلَ الْخَلَاصَ النِّهَائِيَّ وَالْخَلِيقَةَ الْمُتَجَدِّدَةَ، حَيْثُ يَنْتَظِرُ الْمُؤْمِنُونَ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ (2 بُطْرُس 3: 13؛ رُؤْيَا 21: 1-4). وَيُقَدِّمُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ تَفْسِيرًا آبَائِيًّا مُمَيَّزًا لِهَذَا الْوَعْدِ، إِذْ يَرْبِطُ مِيرَاثَ الْأَرْضِ بِقِيَامَةِ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ. فَالْجَسَدُ الَّذِي كَانَ خَاضِعًا لِلضَّعْفِ وَالْفَسَادِ سَيَصِيرُ، فِي الْقِيَامَةِ، مُتَّحِدًا بِالنَّفْسِ فِي سَلَامٍ وَمَجْدٍ، حِينَ يَلْبَسُ الْفَانِي عَدَمَ الْفَنَاءِ (1 قُورِنْثُس 15: 53) (PL 54: 462-464). وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ وَعْدَ مِيرَاثِ الْأَرْضِ لَا يَعْنِي أَنَّ الْوُدَعَاءَ سَيَفْرِضُونَ سَيْطَرَتَهُمْ عَلَى الْعَالَمِ بِالْقُوَّةِ، بَلْ إِنَّهُمْ سَيَنَالُونَ عَطِيَّةَ اللهِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالسَّلَامِ الرُّوحِيِّ وَتَكْتَمِلُ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ. فالْوَدَاعَةُ طَرِيقٌ إِلَى الْقَدَاسَةِ وَالسَّلَامِ. وتُشَكِّلُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ امْتِدَادًا لِلتَّطْوِيبَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ الْوَدَاعَةَ هِيَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلِيَّةُ لِلتَّوَاضُعِ وَالْفَقْرِ بِالرُّوحِ. فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَضَعُ ثِقَتَهُ فِي اللهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْعُنْفِ أَوِ الْكِبْرِيَاءِ لِإِثْبَاتِ ذَاتِهِ، بَلْ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ.

 

5. "طُوبَى لِلْمَحْزُونِينَ، فَإِنَّهُمْ يُعَزَّوْنَ"

 

تَرِدُ عِبَارَةُ "الْمَحْزُونِينَ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِالصِّيغَةِ οἱ πενθοῦντες، وَهِيَ اسْمُ فَاعِلٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ وَزَمَنِ الْحَاضِرِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ πενθέω، الَّذِي يَعْنِي "حَزِنَ" أَوْ "نَاحَ" أَوْ "بَكَى عَلَى فَقْدٍ أَوْ مُصِيبَةٍ" وعلى الْمَوْتِ وَالْفِرَاقِ وَالْآلَامِ وَالْمَصَائِبِ الْإِنْسَانِيَّةِ. أَمَّا تَفْسِيرُهُ بِالْحُزْنِ عَلَى الْخَطِيئَةِ، فَهُوَ مِنْ أَهَمِّ التَّفْسِيرَاتِ الرُّوحِيَّةِ وَالْآبَائِيَّةِ لِلتَّطْوِيبَةِ. وَيُمْكِنُ تَمْيِيزُ ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ مُتَكَامِلَةٍ لِلْحُزْنِ الْإِنْجِيلِيِّ: الْحُزْنُ عَلَى الْخَطَايَا الشَّخْصِيَّةِ، وَالْحُزْنُ عَلَى شُرُورِ الْعَالَمِ وَخَطَايَا الْآخَرِينَ، وَالْحُزْنُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الْأَلَمِ وَالْفَقْدِ وَالظُّلْمِ، وَيَحْمِلُهُ الْمُؤْمِنُ فِي الرَّجَاءِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُمَيِّزُ بُولُسُ الرَّسُولُ بَيْنَ الْحُزْنِ الَّذِي هُوَ بِحَسَبِ اللهِ وَالْحُزْنِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْمَوْتِ، فَالْأَوَّلُ يُثْمِرُ تَوْبَةً تُؤَدِّي إِلَى الْخَلَاصِ، أَمَّا الثَّانِي فَيَنْغَلِقُ عَلَى ذَاتِهِ دُونَ انْفِتَاحٍ عَلَى الرَّجَاءِ (2 قُورِنْثُس 7: 10). وَيَظْهَرُ هَذَا التَّمْيِيزُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ، حَيْثُ يَسْتَعْمِلُ بُولُسُ تَعْبِيرَ ἡ κατὰ θεὸν λύπη أَيْ "الْحُزْنُ بِحَسَبِ اللهِ"، فِي مُقَابِلِ ἡ τοῦ κόσμου λύπη ، أَيْ "حُزْنِ الْعَالَمِ". وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ عَلَى هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ بِأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي يَنَالُ التَّعْزِيَةَ الْأَبَدِيَّةَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَحْزَانِ الْحَيَاةِ الزَّمَنِيَّةِ، بَلْ يَشْمَلُ الْبُكَاءَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ خَطِيئَةَ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ أَمْ خَطَايَا الْآخَرِينَ. فَالْمُؤْمِنُ الْحَقِيقِيُّ يَحْزَنُ عَلَى الشَّرِّ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ خُطُورَةَ الِابْتِعَادِ عَنِ اللهِ وَعَوَاقِبَ الْخَطِيئَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ (PL 54: 462-464). وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ الْحُزْنَ الْمُقَدَّسَ لَا يَنْبَعُ مِنْ مَزَاجٍ مُتَشَائِمٍ أَوْ نَظْرَةٍ سَلْبِيَّةٍ إِلَى الْحَيَاةِ، بَلْ مِنْ قَلْبٍ أَصْبَحَ أَكْثَرَ حَسَاسِيَّةً لِلْخَطِيئَةِ وَالظُّلْمِ وَالْأَلَمِ الْبَشَرِيِّ. وَقَدْ رَبَطَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ بَيْنَ هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ وَالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يُطَوِّبِ الْحُزْنَ بِمَعْنَاهُ الْعَامِّ فَحَسْبُ، بَلْ خُصُوصًا الْحُزْنَ الَّذِي يَنْبَعُ مِنَ الْإِحْسَاسِ بِالْخَطِيئَةِ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا الْحُزْنَ يُسَاعِدُ الْإِنْسَانَ عَلَى ضَبْطِ أَهْوَائِهِ وَالتَّحَرُّرِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِمَجْدِ الْعَالَمِ وَمَلَذَّاتِهِ (PG 57). وَيُعَبِّرُ الْمَزْمُورُ 55 عَنْ هَذِهِ الرُّوحِ التَّائِبَةِ، إِذْ يَلْتَمِسُ صَاحِبُهُ رَحْمَةَ اللهِ وَمَحْوَ مَعَاصِيهِ (مَزْمُور 51: 3). وَيَنْسَجِمُ هَذَا التَّعْلِيمُ مَعَ نُبُوءَةِ زَكَرِيَّا الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ النَّوْحِ وَالِانْسِحَاقِ أَمَامَ الْمَطْعُونِ (زَكَرِيَّا 12: 10)، وَالَّتِي يَقْرَؤُهَا التَّقْلِيدُ الْمَسِيحِيُّ فِي ضَوْءِ آلامِ الْمَسِيحِ (يُوحَنَّا 19: 37). وَيُقَدِّمُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ مِثَالًا لِلْحُزْنِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى التَّوْبَةِ، إِذْ بَكَى بُكَاءً مُرًّا بَعْدَ إِنْكَارِهِ لِيَسُوعَ (مَتَّى 26: 75). غَيْرَ أَنَّ دُمُوعَهُ لَمْ تَكُنْ نِهَايَةَ رِسَالَتِهِ، بَلْ أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ مَسِيرَةِ عَوْدَتِهِ إِلَى الْمَحَبَّةِ وَالْخِدْمَةِ (يُوحَنَّا 21: 15-19). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْحُزْنَ عَلَى الْخَطِيئَةِ لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ طَرِيقٌ إِلَى التَّوْبَةِ، وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ اللهِ، وَاسْتِعَادَةِ فَرَحِ الْخَلَاصِ. لَا يَقْتَصِرُ الْحُزْنُ الْمُقَدَّسُ عَلَى الْخَطَايَا الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ يَشْمَلُ الْحُزْنَ عَلَى الشُّرُورِ الَّتِي تُصِيبُ الْإِنْسَانَ وَالْمُجْتَمَعَ، وَعَلَى الْخَطَايَا الَّتِي تُفْسِدُ عَلَاقَةَ الْبَشَرِ بِاللهِ وَبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وَيُشِيرُ بُولُسُ الرَّسُولُ إِلَى هَذَا الْحُزْنِ عِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ عَنْ غَمِّهِ الشَّدِيدِ وَأَلَمِهِ الْمُتَوَاصِلِ مِنْ أَجْلِ إِخْوَتِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (رُومِيَة 9: 1-3). كَمَا يُعَبِّرُ عَنْ أَلَمِهِ الرَّعَوِيِّ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ قُورِنْثُسَ، حِينَ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِمْ بِحُزْنٍ وَضِيقِ قَلْبٍ وَدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، لِيُظْهِرَ عِمْقَ مَحَبَّتِهِ لَهُمْ (2 قُورِنْثُس 2: 4). وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَدْعُونَا إِلَى الْحُزْنِ لَا عَلَى خَطَايَانَا وَحْدَهَا، بَلْ أَيْضًا عَلَى خَطَايَا الْآخَرِينَ، وَيَذْكُرُ مُوسَى وَدَاوُدَ وَبُولُسَ أَمْثِلَةً لِلَّذِينَ تَأَلَّمُوا مِنْ أَجْلِ شَعْبِهِمْ وَإِخْوَتِهِمْ (PG 57). وَيَتَجَلَّى هَذَا الْحُزْنُ الرُّوحِيُّ فِي شَخْصِ يَسُوعَ نَفْسِهِ، الَّذِي بَكَى عَلَى أُورُشَلِيمَ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْرِفْ زَمَنَ افْتِقَادِهَا وَطَرِيقَ سَلَامِهَا (لُوقَا 19: 41-44). وَقَدْ بَكَى أَيْضًا عِنْدَ قَبْرِ لِعَازَرَ، مُظْهِرًا مَحَبَّتَهُ وَمُشَارَكَتَهُ الْبَشَرَ أَلَمَ الْفِرَاقِ وَالْمَوْتِ (يُوحَنَّا 11: 33-35). وَبِذَلِكَ، يَكْشِفُ الْحُزْنُ الْإِنْجِيلِيُّ عَنْ قَلْبٍ رَحِيمٍ يَرْفُضُ اللَّامُبَالَاةَ، وَيَشْعُرُ بِآلَامِ الْآخَرِينَ، وَيُصَلِّي مِنْ أَجْلِ خَلَاصِهِمْ وَتَجْدِيدِ حَيَاتِهِمْ.

تَرِدُ عِبَارَةُ "يُعَزَّوْنَ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِالْفِعْلِ παρακληθήσονται، وَهُوَ فِعْلٌ فِي صِيغَةِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ παρακαλέω، الَّذِي يَعْنِي "عَزَّى" أَوْ "شَجَّعَ" أَوْ "وَاسَى" أَوْ "حَثَّ". وَيَحْمِلُ الْفِعْلُ فِي هَذَا السِّيَاقِ مَعْنَى وَعْدِ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي يَمْنَحُهَا اللهُ. وَيُمْكِنُ فَهْمُ صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ هُنَا فِي ضَوْءِ الْأُسْلُوبِ الْكِتَابِيِّ الَّذِي يُشِيرُ إِلَى عَمَلِ اللهِ دُونَ التَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ مُبَاشَرَةً، وَهُوَ مَا يُسَمَّى فِي الدِّرَاسَاتِ الْكِتَابِيَّةِ «الْمَبْنِيَّ لِلْمَجْهُولِ الْإِلَهِيَّ" (Divine Passive). وَتَجِدُ هَذِهِ التَّعْزِيَةُ جُذُورَهَا فِي نُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ عَنْ تَعْزِيَةِ صِهْيَوْنَ وَجَمِيعِ النَّائِحِينَ (إِشَعْيَاء 40: 1؛ 61: 2-3). وَفِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يُعْلِنُ يَسُوعُ تَحَقُّقَ هَذَا الْوَعْدِ الْخَلَاصِيِّ بِمَجِيئِهِ وَرِسَالَتِهِ (لُوقَا 4: 18-21).

وَتَتَجَلَّى التَّعْزِيَةُ الْإِلَهِيَّةُ فِي بُعْدَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ:

أَوَّلًا: التَّعْزِيَةُ الْحَاضِرَةُ. يَخْتَبِرُ الْمُؤْمِنُ تَعْزِيَةَ اللهِ مِنْ خِلَالِ غُفْرَانِ الْخَطَايَا، وَالْمُصَالَحَةِ مَعَهُ، وَالطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي يَمْنَحُهَا الرُّوحُ الْقُدُسُ. وَيُعْلِنُ صَاحِبُ الْمَزْمُورِ غِبْطَةَ الْإِنْسَانِ الَّذِي غُفِرَتْ مَعْصِيَتُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيئَتُهُ (مَزْمُور 32: 1-2). وَيُعَبِّرُ الْمَزْمُورُ 126 عَنْ تَحَوُّلِ الْحُزْنِ إِلَى فَرَحٍ بِصُورَةٍ زِرَاعِيَّةٍ بَلِيغَةٍ، إِذْ يَرْبِطُ بَيْنَ الزَّرْعِ بِالدُّمُوعِ وَالْحَصَادِ بِالتَّهْلِيلِ (مَزْمُور 126: 5-6). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ تَعْزِيَةَ اللهِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَيَاةِ الْآتِيَةِ، بَلْ تَبْدَأُ فِي الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ، حِينَ يَمْنَحُ اللهُ الْخَاطِئَ الْمُتَابَ غُفْرَانَهُ، وَيُحَوِّلُ نَدَامَتَهُ إِلَى رَجَاءٍ وَسَلَامٍ (PG 57).

ثَانِيًا: التَّعْزِيَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ. يَتَّجِهُ وَعْدُ الْمَسِيحِ نَحْوَ اكْتِمَالِ الْخَلَاصِ، حَيْثُ يُزِيلُ اللهُ الْأَلَمَ وَالْبُكَاءَ وَالْمَوْتَ، وَيُشْرِكُ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَيَاتِهِ الْأَبَدِيَّةِ (رُؤْيَا 7: 13-17؛ 21: 1-4). وَتَتَّضِحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ فِي وَعْدِ يَسُوعَ لِتَلَامِيذِهِ بِأَنَّ حُزْنَهُمْ سَيَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَسْلُبَهُ مِنْهُمْ (يُوحَنَّا 16: 20-22). وَهَكَذَا، فَإِنَّ التَّعْزِيَةَ الْمَسِيحِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَخْفِيفٍ نَفْسِيٍّ لِلْأَلَمِ، بَلْ هِيَ عَطِيَّةٌ خَلَاصِيَّةٌ تَنْبَعُ مِنْ حُضُورِ اللهِ وَوَعْدِهِ بِالْقِيَامَةِ وَالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ. يَبْلُغُ وَعْدُ التَّعْزِيَةِ كَمَالَ مَعْنَاهُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي جَاءَ لِيَكْشِفَ رَحْمَةَ الْآبِ وَيُعْلِنَ اقْتِرَابَ مَلَكُوتِ اللهِ. وَتَتَجَلَّى هَذِهِ الْحَقِيقَةُ فِي شَخْصِ سِمْعَانَ الشَّيْخِ، الَّذِي كَانَ رَجُلًا بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ (لُوقَا 2: 25). وَعِنْدَمَا حَمَلَ الطِّفْلَ يَسُوعَ فِي الْهَيْكَلِ، أَدْرَكَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ قَدْ تَحَقَّقَ، فَأَعْلَنَ أَنَّ عَيْنَيْهِ رَأَتَا خَلَاصَ اللهِ (لُوقَا 2: 28-32).

تُشَكِّلُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ دَعْوَةً إِلَى اكْتِشَافِ الْمَعْنَى الرُّوحِيِّ لِلْحُزْنِ فِي ضَوْءِ الْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ الْمَسِيحِيَّيْنِ. فَيَسُوعُ لَا يُمَجِّدُ الْحُزْنَ فِي ذَاتِهِ، وَلَا يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى الْكَآبَةِ وَالْيَأْسِ، بَلْ يُعْلِنُ غِبْطَةَ الَّذِينَ يَحْزَنُونَ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالشَّرِّ، وَالَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ الْأَلَمَ بِإِيمَانٍ وَرَجَاءٍ، مُنْتَظِرِينَ تَعْزِيَةَ اللهِ.

 

6. "طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ فَإِنَّهُمْ يُشْبَعُونَ"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "الْجِيَاعِ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ πεινῶντες، مِنَ الْفِعْلِ πεινάω، الَّذِي يَعْنِي "جَاعَ" أَوْ "اشْتَهَى الطَّعَامَ". فَالْجُوعُ الْمَقْصُودُ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَاجَةٍ جَسَدِيَّةٍ إِلَى الطَّعَامِ، بَلْ هُوَ اشْتِيَاقُ الْإِنْسَانِ كَلِمَةِ اللهِ وَالْغِذَاءِ الرُّوحِيِّ أي مَعْرِفَةِ اللهِ وَالْحَيَاةِ بِحَسَبِ كَلِمَتِهِ. وَقَدْ أَعْلَنَ يَسُوعُ فِي تَجْرِبَتِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْيَا بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ (تَثْنِيَة 8: 3؛ مَتَّى 4: 4). وَيَتَّضِحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي صَلَاةِ يَسُوعَ الْكَهَنُوتِيَّةِ، حَيْثُ يَرْبِطُ الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ بِمَعْرِفَةِ الْآبِ الْإِلَهِ الْحَقِّ وَيَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي أَرْسَلَهُ (يُوحَنَّا 17: 3). وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ لَيْسَتْ مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ شَرِكَةٌ حَيَّةٌ مَعَ اللهِ، تَتَجَلَّى فِي الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالطَّاعَةِ لِوَصَايَاهُ. وَيُشِيرُ عَامُوسُ النَّبِيُّ إِلَى جُوعٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ، حِينَ يُنْذِرُ بِمَجِيءِ أَيَّامٍ يَكُونُ فِيهَا الْجُوعُ لَا إِلَى الْخُبْزِ وَلَا الْعَطَشُ إِلَى الْمَاءِ، بَلْ إِلَى اسْتِمَاعِ كَلِمَةِ الرَّبِّ (عَامُوس 8: 11). وَيُظْهِرُ هَذَا النَّصُّ أَنَّ الْحِرْمَانَ مِنَ الْكَلِمَةِ الْإِلَهِيَّةِ يُشَكِّلُ مَأْسَاةً رُوحِيَّةً، لِأَنَّهَا مَصْدَرُ الْهُدَى وَالْحَيَاةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ عَلَى هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ، مُوَضِّحًا أَنَّ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ الْمَقْصُودَيْنِ لَا يَطْلُبَانِ خَيْرًا جَسَدِيًّا أَوْ أَرْضِيًّا، بَلْ يَتَوَقَانِ إِلَى الْغِذَاءِ الصَّالِحِ الَّذِي هُوَ الْبِرُّ، وَإِلَى الدُّخُولِ فِي أَسْرَارِ الْمَلَكُوتِ، وَالِامْتِلَاءِ مِنَ الرَّبِّ نَفْسِهِ " (PL 54, 464-465). وَهَكَذَا، فَإِنَّ الْجُوعَ إِلَى الْبِرِّ يَعْنِي أَنْ تَصِيرَ كَلِمَةُ اللهِ غِذَاءَ الْإِنْسَانِ الْيَوْمِيَّ، وَأَنْ يَبْحَثَ عَنْ مَشِيئَةِ الرَّبِّ بِالْحَمَاسَةِ نَفْسِهَا الَّتِي يَبْحَثُ بِهَا الْجَائِعُ عَنْ طَعَامِهِ.

تَرِدُ كَلِمَةُ "الْعِطَاشِ" فِي الْيُونَانِيِّ διψῶντες، مِنَ الْفِعْلِ διψάω، الَّذِي يَعْنِي "عَطِشَ" أَوْ "اشْتَاقَ بِشِدَّةٍ ". وَيَجْمَعُ يَسُوعُ بَيْنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ لِيُعَبِّرَ عَنْ شِدَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْبِرِّ وَعُمْقِهَا. وَصِيغَةُ الْحَاضِرِ فِي الْفِعْلَيْنِ πεινῶντες وَδιψῶντες تُصَوِّرُ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ بِوَصْفِهِمَا حَالَةً قَائِمَةً، وَتَنْسَجِمُ مَعَ فِكْرَةِ الشَّوْقِ الْمُسْتَمِرِّ إِلَى الْبِرِّ. وَقَدْ عَبَّرَ صَاحِبُ الْمَزْمُورِ عَنْ هَذَا الشَّوْقِ بِصُورَةٍ شِعْرِيَّةٍ بَلِيغَةٍ، إِذْ شَبَّهَ اشْتِيَاقَ نَفْسِهِ إِلَى اللهِ بِاشْتِيَاقِ الْأَيِّلِ إِلَى مَجَارِي الْمِيَاهِ (مَزْمُور 42: 2). وَيَدُلُّ هَذَا التَّشْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجِدَ رَاحَتَهُ النِّهَائِيَّةَ فِي الْخَيْرَاتِ الْمَادِّيَّةِ، بَلْ فِي اللهِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ الْحَيَاةِ وَالسَّعَادَةِ. وَيَتَّضِحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي حِوَارِ يَسُوعَ مَعَ الْمَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ، حِينَ أَعْلَنَ أَنَّهُ يَمْنَحُ مَاءً حَيًّا يَصِيرُ فِي الْإِنْسَانِ يَنْبُوعًا يَفِيضُ بِالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ (يُوحَنَّا 4: 10-14). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ النَّفْسَ الَّتِي ذَاقَتْ حَلَاوَةَ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ تَشْتَاقُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الِامْتِلَاءِ بِهِ. وَلِذَلِكَ يَسْتَحْضِرُ دَعْوَةَ الْمَزْمُورِ إِلَى تَذَوُّقِ طِيبِ الرَّبِّ، (مَزْمُور 34: 9) مُؤَكِّدًا أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ مَحَبَّةِ الْبِرِّ (PL 54: 464-465). وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَطَشَ إِلَى الْبِرِّ هُوَ الشَّوْقُ الرُّوحِيُّ إِلَى حُضُورِ اللهِ، وَرَغْبَةٌ فِي أَنْ تَتَطَابَقَ أَفْكَارُ الْإِنْسَانِ وَأَقْوَالُهُ وَأَعْمَالُهُ مَعَ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ.

تَرِدُ كَلِمَةُ "الْبِرِّ" فِي الْيُونَانِيِّ δικαιοσύνην، وَتَعْنِي "لْبِرَّ" أَوِ "الْعَدَالَةَ" أَوِ "الِاسْتِقَامَةَ". وَيَحْمِلُ هَذَا الْمُصْطَلَحُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى مَعْنًى لَاهُوتِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا وَاسِعًا، فَهُوَ يَشْمَلُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ وَفْقَ مَشِيئَةِ اللهِ، وَأَمَانَتَهُ لِوَصَايَاهُ، وَسُلُوكَهُ فِي الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ وَالْعَدَالَةِ. وَتَكْتَسِبُ كَلِمَةُ δικαιοσύνη أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، إِذْ تَرِدُ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي هَذَا الْإِنْجِيلِ (مَتَّى 3: 15؛ 5: 6، 10، 20؛ 6: 1، 33؛ 21: 32)، مِنْهَا خَمْسُ مَرَّاتٍ فِي الْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ (مَتَّى 5–7). فالبر هو الِاسْتِقَامَةُ أَمَامَ اللهِ وَالْعَدَالَةُ مَعَ الْقَرِيبِ. لذلك لَا يَقْتَصِرُ الْبِرُّ الْإِنْجِيلِيُّ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ يَشْمَلُ الْأَمَانَةَ لِمَشِيئَةِ اللهِ، وَالْحَيَاةَ الْقَائِمَةَ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَالِالْتِزَامَ بِالْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَالرَّحْمَةِ.

  وَيَتَجَلَّى هَذَا الْبِرُّ فِي أَبْعَادٍ مُتَكَامِلَةٍ:

أَوَّلًا: الْبِرُّ بِوَصْفِهِ أَمَانَةً لِمَشِيئَةِ اللهِ. يَدْعُو يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ إِلَى طَلَبِ مَلَكُوتِ اللهِ وَبِرِّهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ (مَتَّى 6: 33). وَهَذَا يَعْنِي جَعْلَ الْعَلَاقَةِ بِاللهِ الْمِحْوَرَ الْأَسَاسِيَّ لِلْحَيَاةِ.

ثَانِيًا: الْبِرُّ بِوَصْفِهِ اسْتِقَامَةً دَاخِلِيَّةً. يُحَذِّرُ يَسُوعُ مِنْ مُمَارَسَةِ الْبِرِّ بِقَصْدِ الظُّهُورِ أَمَامَ النَّاسِ، وَيَدْعُو إِلَى أَنْ تَنْبَعَ الصَّدَقَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ مِنْ قَلْبٍ مُخْلِصٍ لِلْآبِ (مَتَّى 6: 1-18).

ثَالِثًا: الْبِرُّ بِوَصْفِهِ عَدَالَةً اجْتِمَاعِيَّةً. لَا يَقْتَصِرُ الْبِرُّ عَلَى الْعَلَاقَةِ الشَّخْصِيَّةِ بِاللهِ، بَلْ يَتَجَسَّدُ فِي الْإِنْصَافِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْمَظْلُومِينَ وَاحْتِرَامِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ (إِشَعْيَاء 1: 16-17؛ مِيخَا 6: 8).

رَابِعًا: الْبِرُّ بِوَصْفِهِ شَهَادَةً لِلْمَسِيحِ. يَرْبِطُ يَسُوعُ بَيْنَ الْبِرِّ وَالِاضْطِهَادِ، فَيُطَوِّبُ الْمُضْطَهَدِينَ عَلَى الْبِرِّ (مَتَّى 5: 10)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمَانَةَ لِلْحَقِّ قَدْ تَتَطَلَّبُ التَّضْحِيَةَ وَالثَّبَاتَ.

وَيُقَدِّمُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ مِثَالًا عَلَى هَذَا الْبِرِّ، إِذْ يَصِفُهُ يَسُوعُ بِأَنَّهُ جَاءَ سَالِكًا طَرِيقَ الْبِرِّ (مَتَّى 21: 32). وَتَتَجَلَّى أَمَانَتُهُ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى التَّوْبَةِ وَفِي شَهَادَتِهِ لِلْحَقِّ، حَتَّى عِنْدَمَا أَدَّتْ إِلَى اضْطِهَادِهِ. وَيَبْلُغُ الْبِرُّ كَمَالَهُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ لَنَا حِكْمَةً وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً (1 قُورِنْثُس 1: 30). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْجُوعَ إِلَى الْبِرِّ يَحْمِلُ أَيْضًا بُعْدًا مَسِيحَانِيًّا، لِأَنَّهُ اشْتِيَاقٌ إِلَى الِاتِّحَادِ بِالْمَسِيحِ وَالتَّشَبُّهِ بِحَيَاتِهِ. وَيُؤَكِّدُ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ أَنَّ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ إِلَى الْبِرِّ يُعَبِّرَانِ عَنْ حَاجَةٍ عَمِيقَةٍ إِلَى الْخَيْرِ وَالْحَقِّ، وَأَنَّ الْبِرَّ الَّذِي يَقْصِدُهُ يَسُوعُ أَوْسَعُ مِنَ الْعَدَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَحْدَهَا، لِأَنَّهُ يَنْبَعُ مِنْ قَلْبِ اللهِ وَيَتَجَلَّى فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ (الْبَابَا فَرَنْسِيسُ، الْمُقَابَلَةُ الْعَامَّةُ، 11 آذَارَ 2020).

تَرِدُ عِبَارَةُ "يُشْبَعُونَ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِالْفِعْلِ χορτασθήσονται، وَهُوَ فِعْلٌ فِي صِيغَةِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ χορτάζω ، الَّذِي يَعْنِي "أَشْبَعَ" أَوْ "أَطْعَمَ حَتَّى الِاكْتِفَاءِ". وَتَحْمِلُ صِيغَةُ الْمُسْتَقْبَلِ هُنَا وَعْدًا إِلَهِيًّا بِأَنَّ الَّذِينَ يَجُوعُونَ وَيَعْطَشُونَ إِلَى الْبِرِّ سَيَجِدُونَ إِشْبَاعَهُمْ الْحَقِيقِيَّ فِي اللهِ. وَيُمْكِنُ فَهْمُ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ عَلَى أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى اللهِ الَّذِي يَتَوَلَّى إِشْبَاعَ هَذَا الْجُوعِ.  وَيَجِدُ هَذَا الْوَعْدُ جُذُورَهُ فِي نُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ الَّتِي تُعْلِنُ أَنَّ الْمَفْدِيِّينَ لَنْ يَجُوعُوا وَلَنْ يَعْطَشُوا، لِأَنَّ الرَّبَّ الرَّحِيمَ سَيَهْدِيهِمْ إِلَى يَنَابِيعِ الْمِيَاهِ (إِشَعْيَاء 49: 10).

وَيَتَّخِذُ الْإِشْبَاعُ الْإِنْجِيلِيُّ بُعْدَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ:

أَوَّلًا: الْإِشْبَاعُ الْحَاضِرُ. يَخْتَبِرُ الْمُؤْمِنُ مُنْذُ الْآنَ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ خِلَالِ الْإِيمَانِ، وَكَلِمَتِهِ، وَالْحَيَاةِ الْأَسْرَارِيَّةِ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي رِسَالَةِ الْمَسِيحِ. وَقَدْ أَعْلَنَ يَسُوعُ أَنَّهُ خُبْزُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْإِقْبَالَ إِلَيْهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ يُشْبِعَانِ جُوعَ الْإِنْسَانِ وَعَطَشَهُ الرُّوحِيَّيْنِ (يُوحَنَّا 6: 35). وَيَكْتَسِبُ هَذَا الْمَعْنَى بُعْدًا إِفْخَارِسْتِيًّا، لِأَنَّ الْمَسِيحَ يُقَدِّمُ ذَاتَهُ غِذَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَعِدُهُمْ بِالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ (يُوحَنَّا 6: 51-58).

ثَانِيًا: الْإِشْبَاعُ الْأُخْرَوِيُّ. يَبْلُغُ وَعْدُ الْمَسِيحِ كَمَالَهُ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، حَيْثُ يَنْتَهِي جُوعُ الْإِنْسَانِ وَعَطَشُهُ إِلَى الْبِرِّ بِالْمُشَارَكَةِ الْكَامِلَةِ فِي حَيَاةِ اللهِ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ هَذَا الْوَعْدَ فِي شَرْحِهِ لِإِنْجِيلِ يُوحَنَّا، مُبَيِّنًا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجُوعُ وَيَعْطَشُ إِلَى الْبِرِّ فِي الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ، أَمَّا الْإِشْبَاعُ الْكَامِلُ فَيَتَحَقَّقُ فِي الْقِيَامَةِ. وَهُنَاكَ يُعَايِنُ الْإِنْسَانُ مَا كَانَ يُؤْمِنُ بِهِ دُونَ أَنْ يَرَاهُ، وَيَنَالُ مَا كَانَ يَرْجُوهُ وَيَشْتَاقُ إِلَيْهِ (PL 35). وَهَكَذَا، فَإِنَّ الْإِشْبَاعَ الْمَوْعُودَ لَا يَعْنِي زَوَالَ الْحَاجَاتِ الْجَسَدِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ يَعْنِي بُلُوغَ الْإِنْسَانِ غَايَتَهُ النِّهَائِيَّةَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالِاتِّحَادِ بِهِ. لَا يَنْفَصِلُ الْجُوعُ إِلَى الْبِرِّ عَنِ الِالْتِزَامِ الْعَمَلِيِّ بِحَاجَاتِ الْآخَرِينَ، لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلهِ تَتَجَسَّدُ فِي مَحَبَّةِ الْقَرِيبِ وَالرَّحْمَةُ وَالْعَدَالَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ. وَفِي مَثَلِ الدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ، يَرْبِطُ يَسُوعُ بَيْنَ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالِاهْتِمَامِ بِالْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ وَالْغُرَبَاءِ وَالْمَرْضَى وَالْمَسْجُونِينَ (مَتَّى 25: 31-46). وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ إِلَى الْبِرِّ فِي مَتَّى 5: 6 يُطَابِقَانِ مُبَاشَرَةً الْجُوعَ وَالْعَطَشَ الْجَسَدِيَّيْنِ فِي مَتَّى 25: 35، بَلْ إِنَّ النَّصَّيْنِ يَتَكَامَلَانِ لَاهُوتِيًّا؛ فَالشَّوْقُ إِلَى بِرِّ اللهِ يَنْبَغِي أَنْ يُثْمِرَ أَعْمَالَ رَحْمَةٍ وَعَدَالَةٍ. وَيُبْرِزُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ هَذِهِ الْعَلَاقَةَ، مُؤَكِّدًا أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ وَالْبِرِّ تَرْتَبِطُ بِالِاهْتِمَامِ بِالْقَرِيبِ، وَأَنَّ الرَّحْمَةَ تَأْتِي مُتَّصِلَةً بِالشَّوْقِ إِلَى الْعَدَالَةِ (PL 54: 464-465). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَجُوعُ إِلَى الْبِرِّ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْقَى غَيْرَ مُبَالٍ أَمَامَ الْفَقْرِ وَالْجُوعِ وَالظُّلْمِ، بَلْ يَكُونُ مَدْعُوًّا إِلَى الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ.

تُعْلِنُ تَطْوِيبَةُ الْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الِامْتِنَاعِ عَنِ الشَّرِّ، بَلْ هِيَ اشْتِيَاقٌ دَائِمٌ إِلَى الْخَيْرِ وَالْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَالِاتِّحَادِ بِاللهِ. فَالْمُؤْمِنُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَكْتَفِي بِمَا بَلَغَهُ مِنَ الْفَضِيلَةِ، بَلْ يَبْقَى مُتَعَطِّشًا إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْأَمَانَةِ لِمَشِيئَةِ اللهِ. وَيَكْشِفُ وَعْدُ الْإِشْبَاعِ أَنَّ اللهَ لَا يَتْرُكُ هَذَا الشَّوْقَ دُونَ اسْتِجَابَةٍ، بَلْ يُعْطِي الْمُؤْمِنَ نِعْمَتَهُ فِي الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَيَعِدُهُ بِكَمَالِ الْحَيَاةِ وَالسَّعَادَةِ فِي الْمَلَكُوتِ الْأَبَدِيِّ. وَبَيْنَمَا يَبْحَثُ الْعَالَمُ كَثِيرًا عَنْ إِشْبَاعِ الرَّغَبَاتِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْحَاجَاتِ الْمَادِّيَّةِ، يَدْعُو يَسُوعُ الْإِنْسَانَ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ الْبِرَّ وَالْقَدَاسَةَ وَالْعَدَالَةَ أَوْلَوِيَّةَ حَيَاتِهِ. وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: الْجُوعُ وَالْعَطَشُ إِلَى الْبِرِّ هُمَا شَوْقُ الْقَلْبِ إِلَى اللهِ، وَالْأَمَانَةُ لِمَشِيئَتِهِ، وَالِالْتِزَامُ بِالْعَدَالَةِ وَالْمَحَبَّةِ؛ أَمَّا الْإِشْبَاعُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ عَطِيَّةُ اللهِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالنِّعْمَةِ وَتَكْتَمِلُ فِي الْمَلَكُوتِ الْأَبَدِيِّ.

 

7. "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُرْحَمُونَ"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "الرُّحَمَاءِ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ ἐλεήμονες، وَهِيَ جَمْعُ الصِّفَةِ ἐλεήμων، الَّتِي تَعْنِي "الرَّحِيمَ" أَوِ "الشَّفُوقَ" أَوْ "الَّذِي يُظْهِرُ الرَّحْمَةَ". وَتَرْتَبِطُ هَذِهِ الصِّفَةُ بِالِاسْمِ ἔλεος، أَيْ "الرَّحْمَةِ"، وَبِالْفِعْلِ ἐλεέω، أَيْ "رَحِمَ" أَوْ "أَشْفَقَ عَلَى". وَتَحْمِلُ الرَّحْمَةُ فِي الْمَفْهُومِ الْكِتَابِيِّ مَعْنًى أَعْمَقَ مِنَ الشَّفَقَةِ الْعَاطِفِيَّةِ؛ فَهِيَ مَحَبَّةٌ تَتَحَرَّكُ أَمَامَ بُؤْسِ الْإِنْسَانِ وَأَلَمِهِ، وَتَتَحَوَّلُ إِلَى مُسَاعَدَةٍ وَغُفْرَانٍ وَمُوَاسَاةٍ وَخِدْمَةٍ. فهي فَضِيلَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْعَمَلِ، وَتَرْتَبِطُ الرَّحْمَةُ الْإِنْجِيلِيَّةُ بِمَفْهُومَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ: רַחֲמִים، الَّذِي يُعَبِّرُ عَنِ الْحَنَانِ وَالرَّأْفَةِ الْعَمِيقَةِ، وَחֶסֶד الَّذِي يَدُلُّ فِي كَثِيرٍ مِنَ السِّيَاقَاتِ عَلَى الْمَحَبَّةِ الْأَمِينَةِ وَالرَّحْمَةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِالْعَهْدِ. وَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّ كَلِمَةَ ἐλεήμονες تُقَابِلُ حَصْرًا إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ الْعِبْرِيَّتَيْنِ، بَلْ إِنَّ الْمَعَانِيَ تَتَقَاطَعُ فِي الْحَقْلِ اللَّاهُوتِيِّ لِلرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَالرُّحَمَاءُ، بِحَسَبِ تَعْلِيمِ يَسُوعَ، لَيْسُوا الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ الْمَالَ لِلْمُحْتَاجِينَ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا الَّذِينَ يَرْحَمُونَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ وَعَلَاقَاتِهِمْ بِالْآخَرِينَ. فَقَدْ يُظْهِرُ الْإِنْسَانُ رَحْمَتَهُ بِإِطْعَامِ جَائِعٍ، أَوْ بِمُوَاسَاةِ حَزِينٍ، أَوْ بِمُسَاعَدَةِ مَرِيضٍ، أَوْ بِمُسَامَحَةِ مُسِيءٍ، أَوْ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ إِدَانَةِ أَخِيهِ بِقَسْوَةٍ. وَقَدْ أَكَّدَ الْمَزْمُورُ أَنَّ الْإِنْسَانَ الرَّحِيمَ يُحْسِنُ وَيُقْرِضُ (مَزْمُور 112: 5)، وَأَنَّ الْبَارَّ يَرْأَفُ وَيُقْرِضُ طَوَالَ النَّهَارِ (مَزْمُور 37: 26). وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هِيَ مَوْقِفٌ رُوحِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يُشَارِكُ الْآخَرِينَ آلامَهُمْ وَيَسْعَى إِلَى تَخْفِيفِهَا.  وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النَّازِيَنْزِيُّ عَلَى هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ ، فَيَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ إِلَى اغْتِنَامِ بَرَكَةِ الرَّحْمَةِ، وَمُبَادَرَةِ الْمُحْتَاجِينَ بِالْمُسَاعَدَةِ، وَعَدَمِ تَأْجِيلِ عَمَلِ الْخَيْرِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْبَغِي أَنْ تُمارَسَ بِفَرَحٍ وَسَخَاءٍ، لَا بِتَذَمُّرٍ أَوْ إِكْرَاهٍ؛ فَالْإِحْسَانُ الْحَقِيقِيُّ يَنْبَعُ مِنْ قَلْبٍ يُحِبُّ الْمُحْتَاجَ وَيَعْتَرِفُ بِكَرَامَتِهِ (PG 35).  تَكْشِفُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْآبَائِيَّةُ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَكْتَمِلُ بِالشُّعُورِ بِالْأَلَمِ، بَلْ تَتَطَلَّبُ مُبَادَرَةً وَعَمَلًا وَاسْتِعْدَادًا لِتَقْدِيمِ الْعَوْنِ. وَتَتَّفِقُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مَعَ تَعْلِيمِ الرَّسُولِ يَعْقُوبَ، الَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي لَا يُتَرْجَمُ إِلَى أَعْمَالٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسُدَّ حَاجَةَ الْجَائِعِ وَالْمُحْتَاجِ (يَعْقُوب 2: 14-17).

يَتَجَلَّى بُعْدُ الْغُفْرَانِ فِي تَطْوِيبَةِ الرُّحَمَاءِ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَثَلِ الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ يَرْحَمْ رَفِيقَهُ (مَتَّى 18: 23-35). فَالْمَلِكُ فِي هَذَا الْمَثَلِ يُسَامِحُ عَبْدًا مَدِينًا لَهُ بِمَبْلَغٍ ضَخْمٍ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ نَفْسَهُ يَرْفُضُ أَنْ يَرْحَمَ رَفِيقَهُ الَّذِي يَدِينُ لَهُ بِمَبْلَغٍ أَصْغَرَ بِكَثِيرٍ. وَيُوَاجِهُهُ سَيِّدُهُ بِسُؤَالٍ يَكْشِفُ الْمَبْدَأَ الْجَوْهَرِيَّ لِلْمَثَلِ: أَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْحَمَ رَفِيقَهُ كَمَا رَحِمَهُ سَيِّدُهُ؟ (مَتَّى 18: 33). وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَثَلُ أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي يَنَالُهَا الْإِنْسَانُ مِنَ اللهِ تَدْعُوهُ إِلَى مُمارَسَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ الْآخَرِينَ. فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَطْلُبَ الْغُفْرَانَ الْإِلَهِيَّ وَيُصِرَّ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى رَفْضِ الْمُسَامَحَةِ. وَيَرْتَبِطُ هَذَا الْمَعْنَى بِالصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ، حَيْثُ يُعَلِّمُ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ أَنْ يَطْلُبُوا مَغْفِرَةَ خَطَايَاهُمْ فِي إِطَارِ اسْتِعْدَادِهِمْ لِمُسَامَحَةِ الْآخَرِينَ (مَتَّى 6: 12، 14-15). وَلَا يَعْنِي الْغُفْرَانُ إِنْكَارَ الْإِسَاءَةِ أَوْ إِلْغَاءَ الْعَدَالَةِ، بَلْ يَعْنِي التَّحَرُّرَ مِنْ رُوحِ الْحِقْدِ وَالِانْتِقَامِ، وَالسَّعْيَ إِلَى الْمُصَالَحَةِ حَيْثُمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، مَعَ احْتِرَامِ الْحَقِّ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ ضَعْفًا أَمَامَ الشَّرِّ، بَلْ قُوَّةٌ رُوحِيَّةٌ تَتَغَلَّبُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَتَفْتَحُ الْقَلْبَ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْمُصَالَحَةِ.

لَا تَقْتَصِرُ الرَّحْمَةُ الْمَسِيحِيَّةُ عَلَى الْغُفْرَانِ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا مُسَاعَدَةَ الْمُحْتَاجِينَ وَالِاهْتِمَامَ بِالْمُتَأَلِّمِينَ وَالضُّعَفَاءِ. وَيَتَّضِحُ هَذَا الْبُعْدُ فِي مَثَلِ الدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ (مَتَّى 25: 31-46)، حَيْثُ يَجْعَلُ يَسُوعُ الْمَحَبَّةَ الْعَمَلِيَّةَ مِعْيَارًا أَسَاسِيًّا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ. فَإِطْعَامُ الْجَائِعِ، وَسَقْيُ الْعَطْشَانِ، وَإِيْوَاءُ الْغَرِيبِ، وَكِسْوَةُ الْعُرْيَانِ، وَزِيَارَةُ الْمَرِيضِ وَالسَّجِينِ، كُلُّهَا أَعْمَالٌ يَعْتَبِرُهَا الْمَسِيحُ مُوَجَّهَةً إِلَيْهِ شَخْصِيًّا (مَتَّى 25: 35-40). وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ فَضِيلَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَكَنَسِيَّةٌ تُلْزِمُ الْمُؤْمِنَ بِالِاهْتِمَامِ بِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَحَاجَاتِهِ. وَيُؤَكِّدُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ أَهَمِّيَّةَ التَّضَامُنِ مَعَ الْمَسْجُونِينَ وَالْمُتَأَلِّمِينَ، دَاعِيًا الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَنْ يَذْكُرُوا الْمَسْجُونِينَ كَأَنَّهُمْ مَسْجُونُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُضْطَهَدِينَ كَأَنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ آلامَهُمْ (عِبْرَانِيِّينَ 13: 3). وَيَكْتَسِبُ هَذَا الْمَوْقِفُ بُعْدًا خَاصًّا فِي تَعْلِيمِ الْقِدِّيسِ غْرِيغُورِيُوسَ النَّازِيَنْزِيِّ، الَّذِي يَدْعُو إِلَى مُبَادَرَةِ الْفُقَرَاءِ بِالْمُسَاعَدَةِ، وَإِلَى تَقْدِيمِ الْخَيْرِ بِسَخَاءٍ وَفَرَحٍ، مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ أَوْ تَرَدُّدٍ (PG 35). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تَتَطَلَّبُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَاتِهِ لِيَلْتَقِيَ الْآخَرَ فِي حَاجَتِهِ وَأَلَمِهِ، وَلِيَرَى فِيهِ أَخًا يَسْتَحِقُّ الْمَحَبَّةَ وَالِاحْتِرَامَ.

تَتَجَلَّى الرَّحْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ بِصُورَةٍ كَامِلَةٍ فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي جَاءَ لِيَكْشِفَ مَحَبَّةَ الْآبِ وَيُقَرِّبَ الْإِنْسَانَ مِنْ خَلَاصِهِ. وَتَظْهَرُ رَحْمَةُ يَسُوعَ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى خُصُوصًا تِجَاهَ الْمَرْضَى وَالْخُطَأَةِ وَالْمُهَمَّشِينَ. فَقَدْ أَشْفَقَ عَلَى الْأَعْمَيَيْنِ وَشَفَاهُمَا (مَتَّى 20: 29-34)، وَاسْتَجَابَ لِصُرَاخِ الْمُحْتَاجِينَ إِلَى رَحْمَتِهِ (مَتَّى 9: 27؛ 15: 22؛ 17: 15)، وَجَالَ يُعَلِّمُ وَيُبَشِّرُ وَيَشْفِي الْمَرْضَى (مَتَّى 9: 35-36). وَلَمْ تَكُنْ رَحْمَتُهُ مُجَرَّدَ اسْتِجَابَةٍ لِلْمَرَضِ الْجَسَدِيِّ، بَلْ شَمِلَتْ غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَدَعْوَةَ الْإِنْسَانِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ. وَفِي دَعْوَتِهِ لِمَتَّى الْعَشَّارِ، يَكْشِفُ يَسُوعُ أَنَّ الْمَرْضَى هُمُ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّبِيبِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِيَدْعُوَ الْأَبْرَارَ بَلِ الْخَاطِئِينَ (مَتَّى 9: 9-13). وَفِي السِّيَاقِ نَفْسِهِ، يَسْتَحْضِرُ قَوْلَ هُوشَعَ النَّبِيِّ عَنْ أَوْلَوِيَّةِ الرَّحْمَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ (هُوشَع 6: 6؛ مَتَّى 9: 13؛ 12: 7). وَتَكْشِفُ هَذِهِ الْمَوَاقِفُ أَنَّ رَحْمَةَ الْمَسِيحِ هِيَ رَحْمَةٌ خَلَاصِيَّةٌ تُعَالِجُ الْإِنْسَانَ فِي وَحْدَةِ جَسَدِهِ وَنَفْسِهِ وَرُوحِهِ، وَتَدْعُوهُ إِلَى اسْتِعَادَةِ عِلَاقَتِهِ بِاللهِ وَبِالْآخَرِينَ. وَقَدْ أَكَّدَ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ، فِي عِظَتِهِ بِمُنَاسَبَةِ اخْتِتَامِ سِينُودُسِ الْأَسَاقِفَةِ حَوْلَ الْعَائِلَةِ فِي 25 تِشْرِينِ الْأَوَّلِ 2015، أَنَّ ظُرُوفَ الْأَلَمِ وَالصِّرَاعِ تُمَثِّلُ فُرَصًا لِظُهُورِ رَحْمَةِ اللهِ، وَأَنَّ تَلَامِيذَ الْمَسِيحِ مَدْعُوُّونَ إِلَى تَقْرِيبِ الْبَشَرِ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُخَلِّصُ، عَلَى مِثَالِ يَسُوعَ الَّذِي تَوَقَّفَ عِنْدَ صُرَاخِ بَرْطِيمَاوُسَ الْأَعْمَى (مَرْقُس 10: 46-52؛ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ، عِظَةُ اخْتِتَامِ السِّينُودُسِ، 25 تِشْرِينِ الْأَوَّلِ 2015). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْمَسِيحِيَّ الَّذِي يَقْتَدِي بِيَسُوعَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْقَى غَيْرَ مُبَالٍ أَمَامَ آلامِ الْبَشَرِ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَاهِدٍ لِلرَّحْمَةِ الَّتِي تَشْفِي وَتُصَالِحُ وَتُجَدِّدُ الْحَيَاةَ.

تَرِدُ عِبَارَةُ "يُرْحَمُونَ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ ἐλεηθήσονται، وَهِيَ فِعْلٌ فِي زَمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، بِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، وَالْجَمْعِ الْغَائِبِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ ἐλεέω ، أَيْ "رَحِمَ". وَتُشِيرُ الصِّيغَةُ إِلَى أَنَّ الرُّحَمَاءَ سَيَنَالُونَ الرَّحْمَةَ، وَيُفْهَمُ اللهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ بِوَصْفِهِ مَصْدَرَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ؛ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ يَنْسَجِمُ مَعَ مَا يُعْرَفُ فِي التَّفْسِيرِ الْكِتَابِيِّ بِـ"الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ الْإِلَهِيِّ". وَتَحْمِلُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ خُصُوصِيَّةً لَاهُوتِيَّةً، إِذْ تَتَطَابَقُ الْفَضِيلَةُ مَعَ الْوَعْدِ: فَالرُّحَمَاءُ يُرْحَمُونَ. وَلَا يَعْنِي وَعْدُ "فَإِنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" أَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَرِي رَحْمَةَ اللهِ بِأَعْمَالِهِ، بَلْ أَنَّهُ، بِانْفِتَاحِهِ عَلَى الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى مُمارَسَتِهَا وَالشَّهَادَةِ لَهَا. وَقَدْ لَفَتَ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ الِانْتِبَاهَ إِلَى هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ فِي تَعْلِيمِهِ عَنِ التَّطْوِيبَاتِ بِتَارِيخِ 18 آذَارَ 2020، مُؤَكِّدًا أَنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ سَبَبُ الْغِبْطَةِ وَثَمَرَتُهَا.  َلَكِنْ لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الرَّحْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ أُجْرَةٌ يَسْتَحِقُّهَا الْإِنْسَانُ بِأَعْمَالِهِ، أَوْ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْرِضَهَا عَلَى اللهِ. فَالرَّحْمَةُ تَنْبَعُ أَوَّلًا مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ الْمَجَّانِيَّةِ، وَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَقْبَلُهَا يَصِيرُ قَادِرًا، بِفِعْلِ النِّعْمَةِ، عَلَى مُمَارَسَتِهَا مَعَ الْآخَرِينَ (رُومِيَة 5: 8؛ أَفَسُس 2: 4-10). وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ يَعْقُوبُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالدَّيْنُونَةِ الْإِلَهِيَّةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ مَنْ يَرْفُضُ الرَّحْمَةَ لِلْآخَرِينَ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِدَيْنُونَةٍ بِلَا رَحْمَةٍ، وَأَنَّ الرَّحْمَةَ تَتَغَلَّبُ عَلَى الدَّيْنُونَةِ (يَعْقُوب 2: 13). وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ الْمَبْدَأَ نَفْسَهُ فِي تَعْلِيمِهِ عَنِ الْغُفْرَانِ، حِينَ يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى أَنْ يَكُونُوا رُحَمَاءَ عَلَى مِثَالِ الْآبِ السَّمَاوِيِّ (لُوقَا 6: 36-38). وَبِهَذَا، يَصِيرُ الْغُفْرَانُ الَّذِي يَمْنَحُهُ الْإِنْسَانُ لِلْآخَرِينَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ قَدْ قَبِلَ رَحْمَةَ اللهِ وَسَمَحَ لَهَا بِتَغْيِيرِ قَلْبِهِ. وَتَتَّخِذُ هَذِهِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالدَّيْنُونَةِ بُعْدًا أُخْرَوِيًّا، لِأَنَّ الْحَيَاةَ الْمَسِيحِيَّةَ تَتَّجِهُ نَحْوَ اللِّقَاءِ النِّهَائِيِّ بِاللهِ، الَّذِي يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي عَاشَهَا الْإِنْسَانُ (مَتَّى 25: 31-46).

 

8 "طُوبَى لِأَطْهَارِ الْقُلُوبِ، فَإِنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ اللهَ"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "أَطْهَارِ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ ب καθαροί، وَهِيَ جَمْعُ الصِّفَةِ καθαρός، وَتَعْنِي "النَّقِيَّ" أَوِ "الطَّاهِرَ" أَوِ "الْخَالِيَ مِنَ الشَّوَائِبِ". وَتُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْيُونَانِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى النَّظَافَةِ الْمَادِّيَّةِ، كَمَا تَرِدُ فِي السِّيَاقَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الطَّهَارَةِ وَالنَّقَاوَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.  وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ ِلطَّهَارَةِ الطَّقْسِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، بِحَسَبِ السِّيَاقِ. أَمَّا فِي تَطْوِيبَةِ أَطْهَارِ الْقُلُوبِ، فَإِنَّ النَّقَاوَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْإِنْسَانِ الدَّاخِلِيِّ، أَيْ بِتَحْرِيرِ الْقَلْبِ مِنَ الْخِدَاعِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْحِقْدِ وَالشَّهَوَاتِ غَيْرِ الْمُنَظَّمَةِ، لِيَصِيرَ مُنْفَتِحًا عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَالْقَرِيبِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ ثِيُوفِيلُسُ الْأَنْطَاكِيُّ أَنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ تُشْبِهُ الْمِرْآةَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نَقِيَّةً لِتَعْكِسَ الصُّورَةَ بِوُضُوحٍ؛ فَكَمَا أَنَّ الصَّدَأَ يَحْجُبُ الصُّورَةَ عَنِ الْمِرْآةِ، كَذَلِكَ تَحْجُبُ الْخَطِيئَةُ عَنْ عَيْنِ النَّفْسِ مَعْرِفَةَ اللهِ وَمُشَاهَدَتَهُ. وَلِذَلِكَ، تَقْتَضِي مُشَاهَدَةُ اللهِ تَطْهِيرَ النَّفْسِ مِنَ الشَّرِّ وَتَجْدِيدَ بَصِيرَتِهَا الرُّوحِيَّةِ (PG 6). وَيُظْهِرُ هَذَا التَّشْبِيهُ الْآبَائِيُّ أَنَّ الْخَطِيئَةَ لَا تُغَيِّرُ حَقِيقَةَ اللهِ وَلَا تُطْفِئُ نُورَهُ، بَلْ تُظْلِمُ بَصِيرَةَ الْإِنْسَانِ، وَتُضْعِفُ قُدْرَتَهُ عَلَى التَّعَرُّفِ إِلَى حُضُورِهِ وَعَمَلِهِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ طَهَارَةَ الْقَلْبِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الِامْتِنَاعِ عَنْ بَعْضِ الْأَفْعَالِ الْخَاطِئَةِ، بَلْ هِيَ تَحَوُّلٌ شَامِلٌ فِي نِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ.

تَرِدُ كَلِمَةُ "الْقُلُوبِ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ καρδίᾳ. وَالْعِبَارَةُ الْكَامِلَةُ هِيَ οἱ καθαροὶ τῇ καρδίᾳ، أَيْ "أَطْهَارُ الْقَلْبِ" أَوْ " الانقياء مِنْ جِهَةِ الْقَلْبِ". وَفِي الْمَفْهُومِ الْكِتَابِيِّ، لَا يَقْتَصِرُ الْقَلْبُ عَلَى الْمَشَاعِرِ وَالْعَوَاطِفِ، بَلْ يُشِيرُ إِلَى مَرْكَزِ الْإِنْسَانِ الدَّاخِلِيِّ، حَيْثُ تَتَكَامَلُ الْأَفْكَارُ وَالذَّاكِرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالنِّيَّاتُ وَالْقَرَارَاتُ. بعبارة أخرى، القلب مَرْكَزُ الْفِكْرِ وَالْإِرَادَةِ وَالْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ. وَيَتَّفِقُ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ الْمُصْطَلَحِ الْعِبْرِيِّ לֵב أَوْ לֵבָב، اللَّذَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى الْقَلْبِ بِوَصْفِهِ مَرْكَزًا لِلْحَيَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ. وَقَدْ أَبْرَزَ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ هَذَا الْمَعْنَى فِي رِسَالَتِهِ إِلَى الشَّبَابِ لِلسَّنَةِ 2015، مُوَضِّحًا أَنَّ الْقَلْبَ، فِي الثَّقَافَةِ الْعِبْرِيَّةِ، هُوَ مَرْكَزُ الْعَوَاطِفِ وَالْأَفْكَارِ وَالْخِبْرَاتِ، وَأَنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ وَحْدَةِ الْإِنْسَانِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَقَبُولِهَا (الْبَابَا فَرَنْسِيسُ، رِسَالَةُ الْيَوْمِ الْعَالَمِيِّ الثَّلَاثِينَ لِلشَّبَابِ، 31 كَانُونِ الثَّانِي 2015، الْقِسْمُ الثَّانِي). وَتَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ الْقَلْبِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ يُؤَكِّدُ الرَّبُّ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى الظَّوَاهِرِ كَالْإِنْسَانِ، بَلْ إِلَى الْقَلْبِ (1 صَمُوئِيل 16: 7). وَيُعْلِنُ حِزْقِيَالُ النَّبِيُّ وَعْدَ اللهِ بِتَجْدِيدِ قَلْبِ الْإِنْسَانِ، وَنَزْعِ الْقَلْبِ الْحَجَرِيِّ وَمَنْحِهِ قَلْبًا جَدِيدًا وَرُوحًا جَدِيدَةً (حِزْقِيَال 36: 25-27). وَيَتَحَقَّقُ هَذَا التَّجْدِيدُ، فِي الْمَنْظُورِ الْمَسِيحِيِّ، بِعَمَلِ النِّعْمَةِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي يُطَهِّرُ الْإِنْسَانَ وَيَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَالْقَرِيبِ. وَفِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يُؤَكِّدُ يَسُوعُ أَنَّ الشَّرَّ الْحَقِيقِيَّ يَنْبَعُ مِنْ قَلْبِ الْإِنْسَانِ، حَيْثُ تَنْشَأُ الْمَقَاصِدُ السَّيِّئَةُ وَالْقَتْلُ وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَالشَّتَائِمُ (مَتَّى 15: 18-20). وَلِذَلِكَ، تَتَطَلَّبُ طَهَارَةُ الْقَلْبِ نَقَاوَةَ الْفِكْرِ وَصِدْقَ النِّيَّةِ وَاسْتِقَامَةَ الْإِرَادَةِ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الْخَارِجِيَّةَ تُعَبِّرُ عَمَّا يَحْمِلُهُ الْإِنْسَانُ فِي دَاخِلِهِ. وَيَرْبِطُ بُولُسُ الرَّسُولُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَسُكْنَى الْمَسِيحِ فِي الْقَلْبِ، إِذْ يُصَلِّي لِكَيْ يُقِيمَ الْمَسِيحُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ، وَيَتَأَصَّلُوا فِي الْمَحَبَّةِ (أَفَسُس 3: 16-17). يَرْبِطُ الْمَزْمُورُ 24 بَيْنَ نَقَاوَةِ الْيَدَيْنِ وَطَهَارَةِ الْقَلْبِ، مُبَيِّنًا أَنَّ الْقُرْبَ مِنَ اللهِ يَتَطَلَّبُ وَحْدَةً بَيْنَ الْحَيَاةِ الدَّاخِلِيَّةِ (الايمان) وَالسُّلُوكِ الْخَارِجِيِّ (مَزْمُور 24: 3-4). وَيُؤَكِّدُ يَعْقُوبُ الرَّسُولُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ عِنْدَمَا يَدْعُو الْخَاطِئِينَ إِلَى تَطْهِيرِ أَيْدِيهِمْ، وَذَوِي النَّفْسَيْنِ إِلَى تَنْقِيَةِ قُلُوبِهِمْ، وَالِاقْتِرَابِ مِنَ اللهِ الَّذِي يَقْتَرِبُ مِنَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ (يَعْقُوب 4: 8). وَتُشِيرُ الْيَدَانِ إِلَى الْأَعْمَالِ، فِي حِينِ يُشِيرُ الْقَلْبُ إِلَى الْأَفْكَارِ وَالنِّيَّاتِ وَالْإِرَادَةِ؛ وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَقْتَضِي الِاتِّسَاقَ بَيْنَ مَا يُؤْمِنُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَمَا يَفْعَلُهُ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ تَطْوِيبَةَ أَطْهَارِ الْقُلُوبِ بِأَنَّهَا تَشْمَلُ الَّذِينَ بَلَغُوا مَرْتَبَةً عَالِيَةً مِنَ الْفَضِيلَةِ، وَلَا يَحْمِلُونَ فِي ضَمَائِرِهِمْ شَرًّا، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي الْعِفَّةِ وَضَبْطِ النَّفْسِ. وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ نَقَاوَةَ الْقَلْبِ شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ لِلِاسْتِعْدَادِ لِمُشَاهَدَةِ اللهِ (PG 57). وَهَذِهِ النَّقَاوَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِالطُّقُوسِ الْخَارِجِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِيمَانِ وَعَمَلِ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَمِنَ الْمُهِمِّ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الطَّهَارَةِ الطَّقْسِيَّةِ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَالطَّهَارَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي يُؤَكِّدُهَا يَسُوعُ؛ فَهُوَ لَا يَرْفُضُ كُلَّ رَمْزٍ طَقْسِيٍّ لِلطَّهَارَةِ، بَلْ يَرْفُضُ الِاعْتِقَادَ أَنَّ الْغَسْلَ الْخَارِجِيَّ يَكْفِي لِتَنْقِيَةِ قَلْبٍ يَبْقَى مُتَعَلِّقًا بِالْخَطِيئَةِ (مَرْقُس 7: 14-23؛ مَتَّى 23: 25-28). وَتَتَجَلَّى هَذِهِ الطَّهَارَةُ أَيْضًا فِي سِرِّ الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّذِي يُدْخِلُ الْمُؤْمِنَ فِي الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ، وَفِي مَسِيرَةِ التَّوْبَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الَّتِي تُنَقِّي الْقَلْبَ مِنْ تَعَلُّقَاتِهِ وَخَطَايَاهُ (تِيطُس 3: 5؛ 1 يُوحَنَّا 1: 7-9). وَيُشَدِّدُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ الطَّاهِرَ هُوَ الْقَلْبُ الْبَسِيطُ وَالْمُوَحَّدُ فِي تَوَجُّهِهِ نَحْوَ اللهِ؛ فَكَمَا أَنَّ الْعَيْنَ الْجَسَدِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى النَّقَاوَةِ لِرُؤْيَةِ النُّورِ، كَذَلِكَ تَحْتَاجُ الْعَيْنُ الرُّوحِيَّةُ إِلَى الطَّهَارَةِ لِمَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ الْأَبَدِيَّةِ (PL 34). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ طَهَارَةَ الْقَلْبِ لَيْسَتْ فَضِيلَةً مَعْزُولَةً عَنْ بَقِيَّةِ الْفَضَائِلِ، بَلْ تَشْمَلُ نَقَاوَةَ الْمَحَبَّةِ وَاسْتِقَامَةَ الضَّمِيرِ وَالصِّدْقَ فِي الْعَلَاقَاتِ وَالْبُعْدَ عَنِ الْخِدَاعِ وَالْأَنَانِيَّةِ.

تَرِدُ عِبَارَةُ "يُشَاهِدُونَ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ ὄψονται ، وَهُوَ فِعْلٌ فِي زَمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، مِنَ الْفِعْلِ ὁράω ، الَّذِي يَعْنِي "رَأَى" أَوْ "شَاهَدَ" أَوْ "أَدْرَكَ". وَتَرِدُ الْعِبَارَةُ الْيُونَانِيَّةُ الْكَامِلَةُ: ὅτι αὐτοὶ τὸν θεὸν ὄψονται، وَمَعْنَاهَا: "لِأَنَّهُمْ هُمْ سَيَرَوْنَ اللهَ". وَيَحْمِلُ وَعْدُ مُشَاهَدَةِ اللهِ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا، إِذْ يُعْلِنُ أَنَّ غَايَةَ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الِالْتِزَامِ بِالْوَصَايَا، بَلْ بُلُوغَ الشَّرِكَةِ الْكَامِلَةِ مَعَ اللهِ. فمشاهدة الله تعني الرُّؤْيَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالْمُعَايَنَةُ الطُّوبَاوِيَّةُ.

 وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ هُنَا بَيْنَ بُعْدَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ لِلْمُشَاهَدَةِ:

أَوَّلًا: مُشَاهَدَةُ اللهِ بِالْإِيمَانِ فِي الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ. يَتَعَرَّفُ الْمُؤْمِنُ إِلَى حُضُورِ اللهِ مِنْ خِلَالِ كَلِمَتِهِ وَأَعْمَالِهِ وَالصَّلَاةِ وَالْأَسْرَارِ الْمُقَدَّسَةِ وَمَحَبَّةِ الْقَرِيبِ. وَهَذِهِ مُعْرِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَلَكِنَّهَا لَا تَزَالُ مَعْرِفَةً بِالْإِيمَانِ، وَلَمْ تَبْلُغْ بَعْدُ كَمَالَ الْمُعَايَنَةِ.  وَيُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّ مَنْ رَآهُ قَدْ رَأَى الْآبَ (يُوحَنَّا 14: 9)، لِأَنَّ الِابْنَ الْمُتَجَسِّدَ هُوَ الْمُعْلِنُ الْكَامِلُ لِلْآبِ (يُوحَنَّا 1: 18).

ثَانِيًا: مُشَاهَدَةُ اللهِ وَجْهًا لِوَجْهٍ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ. يَعِدُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ سَيَرَوْنَ اللهَ فِي كَمَالِ الْخَلَاصِ. وَيُؤَكِّدُ يُوحَنَّا الرَّسُولُ أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ سَيُصْبِحُونَ، عِنْدَ ظُهُورِ الْمَسِيحِ، أَشْبَاهَهُ لِأَنَّهُمْ سَيَرَوْنَهُ كَمَا هُوَ (1 يُوحَنَّا 3: 2). وَيُوَضِّحُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ مَعْرِفَتَنَا الْحَالِيَّةَ هِيَ مَعْرِفَةٌ غَيْرُ كَامِلَةٍ، أَمَّا فِي الْحَيَاةِ الْآتِيَةِ فَسَتَصِيرُ رُؤْيَتُنَا وَجْهًا لِوَجْهٍ (1 قُورِنْثُس 13: 12). وَتَتَجَلَّى هَذِهِ الْمُشَاهَدَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا، حَيْثُ يَصِفُ يُوحَنَّا أَوْرُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا عَرْشُ اللهِ وَالْحَمَلِ، وَيَعْبُدُهُ خُدَّامُهُ وَيُشَاهِدُونَ وَجْهَهُ (رُؤْيَا 22: 3-4). وَتُسَمِّي الْكَنِيسَةُ هَذِهِ الْحَالَةَ "الرُّؤْيَةَ الطُّوبَاوِيَّةَ" (Visio beatifica)، أَيْ مُشَاهَدَةَ اللهِ مُشَاهَدَةً مُبَاشِرَةً فِي مَجْدِهِ، بِالنِّعْمَةِ الَّتِي يَمْنَحُهَا لِلْمُخَلَّصِينَ (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، الْأَعْدَادُ 1023-1028؛ 2519). وَلَا تَعْنِي هَذِهِ الرُّؤْيَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُحِيطُ بِجَوْهَرِ اللهِ إِحَاطَةً كَامِلَةً، لِأَنَّ اللهَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، بَلْ تَعْنِي أَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِي حَيَاتِهِ وَيَنَالُ سَعَادَتَهُ الْأَبَدِيَّةَ بِنِعْمَتِهِ.  يَرَى الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النِّيصِيُّ أَنَّ الْوَعْدَ بِمُشَاهَدَةِ اللهِ يَفُوقُ قُدْرَةَ الْإِنْسَانِ الطَّبِيعِيَّةَ عَلَى الْإِدْرَاكِ، لِأَنَّ اللهَ غَيْرُ مَنْظُورٍ فِي ذَاتِهِ وَغَيْرُ مَحْدُودٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ يَعِدُ الْقَلْبَ الطَّاهِرَ بِالْمُشَاهَدَةِ، لِأَنَّ تَطْهِيرَ الْإِنْسَانِ يُمَكِّنُهُ مِنَ التَّعَرُّفِ إِلَى حُضُورِ اللهِ وَجَمَالِهِ وَصُورَتِهِ الْمَنْطَبِعَةِ فِي النَّفْسِ (ُ؛ PG 44: 1263-1278). وَيَرْبِطُ إِيرِينِيُوسُ بَيْنَ مُشَاهَدَةِ اللهِ وَالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَرَى اللهَ بِقُوَّتِهِ، بَلْ بِمَا يَسْمَحُ بِهِ اللهُ وَيَهَبُهُ مِنْ نِعْمَةٍ، وَأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي نُورِ اللهِ هُوَ اشْتِرَاكٌ فِي حَيَاتِهِ (PG 7).  وَيُسَاعِدُ هَذَا التَّعْلِيمُ الْآبَائِيُّ عَلَى فَهْمِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ قَوْلِ اللهِ لِمُوسَى إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ مُشَاهَدَةَ وَجْهِهِ وَالْبَقَاءَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ (خُرُوج 33: 20)، وَبَيْنَ وَعْدِ الْمَسِيحِ لِأَطْهَارِ الْقُلُوبِ بِمُشَاهَدَتِهِ. فَالرُّؤْيَةُ الْمَوْعُودَةُ لَيْسَتْ قُدْرَةً طَبِيعِيَّةً يَمْتَلِكُهَا الْإِنْسَانُ مُسْتَقِلًّا عَنِ اللهِ، بَلْ هِيَ عَطِيَّةٌ فَائِقَةٌ لِلطَّبِيعَةِ يَمْنَحُهَا اللهُ لِلْمُخَلَّصِينَ. وَبِذَلِكَ، تُصْبِحُ طَهَارَةُ الْقَلْبِ اسْتِعْدَادًا رُوحِيًّا لِلْقَاءٍ أَعْمَقَ بِاللهِ، وَتُصْبِحُ الْمُشَاهَدَةُ الْأَبَدِيَّةُ كَمَالَ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ. يَرْبِطُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ بَيْنَ الْقَدَاسَةِ وَمُشَاهَدَةِ اللهِ، فَيَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَلَبِ السَّلَامِ مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ وَالْقَدَاسَةِ الَّتِي بِغَيْرِهَا لَا يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ (عِبْرَانِيِّينَ 12: 14).

 

9. "طُوبَى لِلسَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ، فَإِنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ"

 

تَرِدُ عِبَارَةُ "السَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ οἱ εἰρηνοποιοί، وَهِيَ جَمْعُ الصِّفَةِ εἰρηνοποιός، الَّتِي تَعْنِي "صَانِعَ السَّلَامِ" أَوِ "الْعَامِلَ عَلَى إِقَامَتِهِ". وَتَتَكَوَّنُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ عُنْصُرَيْنِ: εἰρήνη السلام وποιέω فَعَلَ أَوْ صَنَعَ أَوْ أَنْجَزَ. وَبِذَلِكَ، لَا يَدُلُّ الْمُصْطَلَحُ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِنْسَانِ الْمُسَالِمِ الَّذِي يَتَجَنَّبُ الْخُصُومَاتِ، بَلْ عَلَى الْإِنْسَانِ الَّذِي يَعْمَلُ بِصُورَةٍ إِيجَابِيَّةٍ عَلَى إِزَالَةِ أَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ وَإِعَادَةِ الْعَلَاقَاتِ إِلَى الِانْسِجَامِ. وَتَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الصِّفَةَ εἰρηνοποιός لَا تَرِدُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ الْيُونَانِيِّ إِلَّا فِي مَتَّى 5: 9، فِي حِينِ يَرِدُ الْفِعْلُ الْمُرْتَبِطُ بِهَا εἰρηνοποιέω فِي قُولُسِّي 1: 20، حَيْثُ تَرْتَبِطُ الْمُصَالَحَةُ بِدَمِ صَلِيبِ الْمَسِيحِ.  وَيُشِيرُ هَذَا الِارْتِبَاطُ اللُّغَوِيُّ وَاللَّاهُوتِيُّ إِلَى أَنَّ صُنْعَ السَّلَامِ لَيْسَ عَمَلًا سَلْبِيًّا، بَلْ يَتَطَلَّبُ مُبَادَرَةً وَتَضْحِيَةً وَمُثَابَرَةً وَاسْتِعْدَادًا لِبَذْلِ الذَّاتِ مِنْ أَجْلِ الْمُصَالَحَةِ. وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةَ عِنْدَمَا يَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى وَحْدَةِ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلَامِ (أَفَسُس 4: 3). وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَكْتَسِبُ صُنْعُ السَّلَامِ ثَلَاثَةَ أَبْعَادٍ مُتَكَامِلَةٍ: مُصَالَحَةَ الْإِنْسَانِ مَعَ اللهِ، وَإِقَامَةَ السَّلَامِ فِي قَلْبِهِ، وَالْعَمَلَ عَلَى مُصَالَحَةِ الْبَشَرِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ. وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يُبْعِدَ عَنْ تَلَامِيذِهِ الْخُصُومَةَ وَالْكَرَاهِيَةَ، بَلْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَسْعَوْا أَيْضًا إِلَى الْمُصَالَحَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ يُشْبِهُ رِسَالَةَ الِابْنِ الْوَحِيدِ الَّذِي وَحَّدَ الْمُنْقَسِمِينَ وَصَالَحَ الْمُتَبَاعِدِينَ (PG 57). وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ صَانِعَ السَّلَامِ لَا يَعِيشُ لِنَفْسِهِ وَحْدَهَا، بَلْ يَحْمِلُ هَمَّ الْآخَرِينَ، وَيَسْعَى إِلَى تَخْفِيفِ الْعَدَاوَةِ وَالْخُصُومَةِ وَالْعُنْفِ، وَيَعْمَلُ مِنْ أَجْلِ الْمُصَالَحَةِ وَالْوَحْدَةِ.

تُقَابِلُ كَلِمَةَ "السَّلَامِ" فِي الْيُونَانِيَّةِ كَلِمَةُ εἰρήνη، وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَعَانِي الْكَلِمَةِ الْعِبْرِيَّةِ שָׁלוֹם. وَيَحْمِلُ مُصْطَلَحُ "شَالُوم" مَعْنًى وَاسِعًا يَشْمَلُ السَّلَامَ وَالسَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ وَالْخَيْرَ وَالِاسْتِقْرَارَ وَاكْتِمَالَ الْحَيَاةِ فِي عَلَاقَةٍ صَحِيحَةٍ مَعَ اللهِ وَالْقَرِيبِ. وَلَا يَعْنِي السَّلَامُ الْكِتَابِيُّ مُجَرَّدَ غِيَابِ الْحَرْبِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ الْعَدَالَةَ وَالْحَقَّ وَالْأَمَانَةَ وَاحْتِرَامَ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ. وَقَدْ وَعَدَ الْأَنْبِيَاءُ بِمَجِيءِ الْمَسِيحِ الَّذِي يُؤَسِّسُ مَلَكُوتَ السَّلَامِ، وَيَصِفُ إِشَعْيَاءُ الْمَوْلُودَ الْمَسِيحَانِيَّ بِأَنَّهُ "رَئِيسُ السَّلَامِ" (إِشَعْيَاء 9: 5). وَيُعْلِنُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يَتَمَيَّزُ بِالْبِرِّ وَالسَّلَامِ وَالْفَرَحِ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ (رُومِيَة 14: 17)، وَيَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِإِعْلَانِ بِشَارَةِ السَّلَامِ (أَفَسُس 6: 15). وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يَجُوزُ الْخَلْطُ بَيْنَ السَّلَامِ الْإِنْجِيلِيِّ وَأَيِّ اتِّفَاقٍ أَوْ تَفَاهُمٍ بَشَرِيٍّ؛ فَقَدْ يَتَّفِقُ النَّاسُ عَلَى الظُّلْمِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ الْأَنَانِيَّةِ، وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا الِاتِّفَاقِ لَا يُحَقِّقُ سَلَامَ اللهِ. وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ غِبْطَةَ صَانِعِي السَّلَامِ لَا تَشْمَلُ كُلَّ أَشْكَالِ الِاتِّفَاقِ وَالِانْسِجَامِ، بَلْ ذَلِكَ السَّلَامَ الْمُتَّفِقَ مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ وَشَرِيعَتِهِ. فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الشَّرِّ لَا يَصِيرُ فَضِيلَةً بِمُجَرَّدِ غِيَابِ الْخِصَامِ؛ أَمَّا السَّلَامُ الْحَقِيقِيُّ فَيَقُومُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْبِرِّ وَالطَّاعَةِ لِلْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ (PL 54). وَبِهَذَا، فَإِنَّ السَّلَامَ الْمَسِيحِيَّ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْعَدَالَةِ، وَلَا يُطَالِبُ الْمَظْلُومَ بِالتَّخَلِّي عَنْ حُقُوقِهِ، بَلْ يَدْعُو إِلَى مُعَالَجَةِ الظُّلْمِ بِوَسَائِلَ تَحْتَرِمُ الْحَقَّ وَالْكَرَامَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ.

يَبْلُغُ مَعْنَى السَّلَامِ كَمَالَهُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي لَمْ يَكْتَفِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى السَّلَامِ، بَلْ جَعَلَ مِنْ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ أَسَاسًا لِلْمُصَالَحَةِ بَيْنَ اللهِ وَالْإِنْسَانِ. فهُوَ سَلَامُنَا وَمَصْدَرُ الْمُصَالَحَةِ. وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ سَلَامُنَا، لِأَنَّهُ أَزَالَ حَاجِزَ الْعَدَاوَةِ، وَجَمَعَ الْمُنْقَسِمِينَ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ بِالصَّلِيبِ (أَفَسُس 2: 14-18). وَتَتَجَلَّى هَذِهِ الْمُصَالَحَةُ فِي رِسَالَةِ بُولُسَ إِلَى أَهْلِ قُولُسِّي، حَيْثُ يَرْبِطُ بَيْنَ سَلَامِ الْمَسِيحِ وَدَمِ صَلِيبِهِ، الَّذِي بِهِ تَحَقَّقَتِ الْمُصَالَحَةُ (قُولُسِّي 1: 19-20). وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ السَّلَامَ الْمَسِيحِيَّ لَيْسَ حِيلَةً دِبْلُومَاسِيَّةً أَوْ تَسْوِيَةً سَطْحِيَّةً لِلْخِلَافَاتِ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ الْمَحَبَّةِ الَّتِي تَبْذُلُ الذَّاتَ وَتَتَحَمَّلُ التَّضْحِيَةَ مِنْ أَجْلِ الْمُصَالَحَةِ. وَقَدْ أَكَّدَ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ، فِي تَعْلِيمِهِ عَنْ تَطْوِيبَةِ السَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ بِتَارِيخِ 15 نَيْسَانَ 2020، أَنَّ سَلَامَ الْمَسِيحِ هُوَ ثَمَرَةُ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ، وَأَنَّ صَانِعِي السَّلَامِ يُوَاجِهُونَ الْعَدَاوَةَ بِالْمُصَالَحَةِ، وَيَعْمَلُونَ عَلَى بِنَاءِ السَّلَامِ بِالتَّضْحِيَةِ وَالْمُثَابَرَةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ.  وَبِذَلِكَ، يَكُونُ الْمَسِيحُ هُوَ مَصْدَرَ السَّلَامِ وَمِثَالَهُ الْأَعْلَى، وَيَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ مَدْعُوِّينَ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي رِسَالَتِهِ الْمُصَالِحَةِ (2 قُورِنْثُس 5: 18-20).

لَا يَقْتَصِرُ صُنْعُ السَّلَامِ عَلَى إِصْلَاحِ الْعَلَاقَاتِ الْخَارِجِيَّةِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ أَيْضًا سَلَامًا دَاخِلِيًّا يَنْبَعُ مِنْ الِانْسِجَامُ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْإِرَادَةِ وَالرُّوحِ ومن خُضُوعِ الْإِنْسَانِ لِلْحَقِّ وَمَشِيئَةِ اللهِ. وَيُقَدِّمُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ تَفْسِيرًا عَمِيقًا لِهَذَا الْبُعْدِ، إِذْ يَرَى أَنَّ كَمَالَ السَّلَامِ يَتَحَقَّقُ حِينَ يَزُولُ التَّنَازُعُ الدَّاخِلِيُّ، وَتَنْتَظِمُ حَرَكَاتُ النَّفْسِ وَأَهْوَاؤُهَا تَحْتَ قِيَادَةِ الْعَقْلِ الْمُسْتَنِيرِ بِالْحَقِّ الْإِلَهِيِّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحْسِنَ تَدْبِيرَ مَا هُوَ دُونَهُ إِنْ لَمْ يُخْضِعْ نَفْسَهُ لِمَنْ هُوَ أَسْمَى مِنْهُ، أَيْ لِلهِ. وَبِذَلِكَ، يَكُونُ صَانِعُ السَّلَامِ هُوَ الَّذِي يَسْعَى إِلَى تَرْتِيبِ حَيَاتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ وَفْقَ الْحِكْمَةِ وَالْحَقِّ، لِيَصِيرَ قَلْبُهُ مَلَكُوتًا لِلهِ (؛ PL 34). وَهَذَا السَّلَامُ الدَّاخِلِيُّ لَا يَعْنِي انْعِدَامَ الصِّرَاعَاتِ النَّفْسِيَّةِ أَوِ التَّجَارِبِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ يَعْنِي أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْحَقِّ وَالنِّعْمَةِ مَبْدَأً لِتَوْجِيهِ حَيَاتِهِ. وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ ثِمَارِ الرُّوحِ الْقُدُسِ (غَلَاطِيَة 5: 22)، وَأَنَّ سَلَامَ اللهِ يَفُوقُ كُلَّ إِدْرَاكٍ بَشَرِيٍّ وَيَحْفَظُ الْقُلُوبَ وَالْأَفْكَارَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ (فِيلِبِّي 4: 7). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ صَانِعَ السَّلَامِ الْحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ بِالسَّعْيِ إِلَى الْمُصَالَحَةِ مَعَ اللهِ وَتَنْقِيَةِ قَلْبِهِ مِنَ الْحِقْدِ وَالْأَنَانِيَّةِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ إِلَى الْعَمَلِ عَلَى مُصَالَحَةِ الْآخَرِينَ.

تَرِدُ عِبَارَةُ "أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ υἱοὶ θεοῦ κληθήσονται وَتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ ثَلَاثَةَ مُصْطَلَحَاتٍ أَسَاسِيَّةً: υἱοί   جَمْعُ υἱός ، أَيْ "الِابْنُ"، وَيَحْمِلُ هُنَا دَلَالَةَ الِانْتِمَاءِ إِلَى اللهِ وَالتَّشَبُّهِ بِصِفَاتِهِ ، θεοῦ، أَيْ "اللهُ"  وκληθήσονται  فِعْلٌ فِي زَمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، بِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ καλέω، أَيْ "دَعَا" أَوْ "سَمَّى". وَمَعْنَاهُ هُنَا "سَيُدْعَوْنَ" أَوْ "سَيُسَمَّوْنَ ". وَفِي السِّيَاقِ الْكِتَابِيِّ، لَا يَعْنِي "الِاسْمُ" مُجَرَّدَ لَقَبٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنِ الْهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ وَالرِّسَالَةِ. وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ وَعْدَ يَسُوعَ لِلسَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ يَكْشِفُ أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ فِي حَيَاتِهِمْ صِفَاتِ الْآبِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي يُرِيدُ الْمُصَالَحَةَ وَالْخَلَاصَ. وَلَا تَعْنِي هَذِهِ الْبُنُوَّةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَصِيرُ ابْنًا لِلهِ بِالطَّبِيعَةِ عَلَى نَحْوِ الِابْنِ الْوَحِيدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، بَلْ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنَالُونَ بِالنِّعْمَةِ بُنُوَّةَ التَّبَنِّي، وَيُظْهِرُونَهَا بِالِاقْتِدَاءِ بِمَحَبَّةِ اللهِ (يُوحَنَّا 1: 12؛ رُومِيَة 8: 14-17؛ غَلَاطِيَة 4: 4-7). وَيَتَّضِحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنِ مَحَبَّةِ الْأَعْدَاءِ، حَيْثُ يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى الْمَحَبَّةِ وَالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ مُضْطَهِدِيهِمْ، لِيُظْهِرُوا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ أَبِيهِمُ السَّمَاوِيِّ (مَتَّى 5: 44-45). وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ السَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ، الَّذِينَ يَتَّفِقُونَ فِي الْخَيْرِ وَيَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّةِ اللهِ وَالْقَرِيبِ، يُدْعَوْنَ أَبْنَاءَ اللهِ وَوَرَثَةً مَعَ الْمَسِيحِ (رُومِيَة 8: 17)، لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي رِسَالَتِهِ وَيَنْتَظِرُونَ كَمَالَ سَلَامِهِ الْأَبَدِيِّ (PL 54). وَهَكَذَا، فَإِنَّ صُنْعَ السَّلَامِ يَصِيرُ عَلَامَةً عَلَى الْبُنُوَّةِ الْإِلَهِيَّةِ، لِأَنَّ الِابْنَ يَتَشَبَّهُ بِأَبِيهِ، وَالْمُؤْمِنَ يَتَشَبَّهُ بِاللهِ الَّذِي يُحِبُّ وَيَغْفِرُ وَيُصَالِحُ. وَتَكْشِفُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ أَنَّ السَّعَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِالْبَحْثِ عَنْ رَاحَةٍ شَخْصِيَّةٍ مُنْعَزِلَةٍ عَنْ مَصِيرِ الْآخَرِينَ، بَلْ بِالْعَمَلِ عَلَى إِقَامَةِ السَّلَامِ وَالْمُصَالَحَةِ وَحِفْظِ وَحْدَةِ الْجَمَاعَةِ الْبَشَرِيَّةِ.

 

 10.  "طُوبَى لِلْمُضْطَهَدِينَ عَلَى الْبِرِّ، فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "الْمُضْطَهَدِينَ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ δεδιωγμένοι ، وَهِيَ اسْمُ مَفْعُولٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ διώκω ، الَّذِي يَعْنِي، بِحَسَبِ السِّيَاقِ، "سَعَى وَرَاءَ" أَوْ "طَارَدَ" أَوِ "اضْطَهَدَ". وَتَرِدُ الصِّيغَةُ هُنَا فِي زَمَنِ الْمَاضِي التَّامِّ الْيُونَانِيِّ (Perfect Participle)، وَبِالْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، فَتُصَوِّرُ أُنَاسًا تَعَرَّضُوا لِلِاضْطِهَادِ وَتَبْقَى آثَارُهُ أَوْ حَالَتُهُ حَاضِرَةً فِي حَيَاتِهِمْ. وَلَا تَعْنِي هَذِهِ الصِّيغَةُ أَنَّ الِاضْطِهَادَ قَدِ انْتَهَى بِالضَّرُورَةِ، بَلْ تُبْرِزُ حَالَةَ الَّذِينَ عَانَوْا مِنْهُ.  وَيُمْكِنُ أَنْ يَشْمَلَ الِاضْطِهَادُ أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً، مِنْهَا التَّعْيِيرُ وَالتَّشْهِيرُ وَالْإِقْصَاءُ وَالتَّهْدِيدُ وَالْحِرْمَانُ وَالسَّجْنُ وَالتَّعْذِيبُ، وَقَدْ يَصِلُ إِلَى الْقَتْلِ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ أَوِ الشَّهَادَةِ لِلْحَقِّ. وَتَتَّضِحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ فِي حَيَاةِ التَّلَامِيذِ الَّذِينَ حَذَّرَهُمُ الْمَسِيحُ مِنَ الْبُغْضِ وَالِاضْطِهَادِ، لِأَنَّ الْعَالَمَ الَّذِي رَفَضَ الْمُعَلِّمَ قَدْ يَرْفُضُ تَلَامِيذَهُ أَيْضًا (يُوحَنَّا 15: 18-20). وَلَكِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَعِدْ تَلَامِيذَهُ بِحَيَاةٍ خَالِيَةٍ مِنَ التَّجَارِبِ، بَلْ دَعَاهُمْ إِلَى الثِّقَةِ بِهِ وَالثَّبَاتِ فِي مَحَبَّتِهِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي رِسَالَتِهِ. وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ عِنْدَمَا يُعْلِنُ أَنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْيَوْا حَيَاةَ التَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ سَيُوَاجِهُونَ الِاضْطِهَادَ (2 طِيمُوثَاوُس 3: 12). وَيَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الْمَسِيحَ يُعِدُّ تَلَامِيذَهُ بِهَذِهِ التَّطْوِيبَةِ لِمُوَاجَهَةِ الْعَدَاوَةِ وَالتَّعْيِيرِ وَالِاضْطِهَادِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْحَيَاةَ الْفَاضِلَةَ لَا تَتَحَقَّقُ دَائِمًا دُونَ صِرَاعٍ أَوْ تَضْحِيَةٍ (PG 57). يدعو يسوع تلاميذه الى الثَّبَاتِ فِي الْإِيمَانِ أَمَامَ الْمُعَارَضَةِ وَالْأَلَمِ.

تَرِدُ عِبَارَةُ "عَلَى الْبِرِّ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ بِالصِّيغَةِ ἕνεκεν δικαιοσύνης (وَتَتَكَوَّنُ مِنْ مُصْطَلَحَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ: ἕνεκεν حَرْفُ جَرٍّ يَعْنِي "بِسَبَبِ" أَوْ "مِنْ أَجْلِ"، وَيُحَدِّدُ الدَّافِعَ أَوِ السَّبَبَ الَّذِي يَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَجْلِهِ لِلِاضْطِهَادِ، وδικαιοσύνης   مِنَ الِاسْمِ δικαιοσύνη، وَتَعْنِي "الْبِرَّ" أَوِ "الْعَدَالَةَ" أَوِ "الِاسْتِقَامَةَ". فعِبَارَةَ ἕνεκεν δικαιοσύνης تُحَدِّدُ سَبَبَ الِاضْطِهَادِ، لَا مُجَرَّدَ حُدُوثِهِ. وَقَدْ جَرَى التَّمْيِيزُ بَيْنَ مُجَرَّدِ الْمُعَانَاةِ وَالِاضْطِهَادِ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، وَبَيْنَ الْمُعَانَاةِ وَالشَّهَادَةِ الْمَسِيحِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ.

وَيَحْمِلُ "الْبِرُّ" فِي إِنْجِيلِ مَتَّى مَعْنًى وَاسِعًا، يَشْمَلُ الْأَمَانَةَ لِمَشِيئَةِ اللهِ، وَمُمَارَسَةَ الْفَضِيلَةِ، وَالْعَيْشَ بِحَسَبِ الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ وَالْعَدَالَةِ (مَتَّى 5: 6، 20؛ 6: 33). وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الِاضْطِهَادَ "مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ" يَعْنِي الِاضْطِهَادَ مِنْ أَجْلِ الْفَضِيلَةِ، وَمُسَاعَدَةِ الْآخَرِينَ، وَالتَّقْوَى؛ لِأَنَّ الْمَسِيحَ يَسْتَعْمِلُ مَفْهُومَ الْبِرِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مُجْمَلِ الْحَيَاةِ الْفَاضِلَةِ وَالْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ (PG 57). وَهُنَا يَظْهَرُ تَمْيِيزٌ لَاهُوتِيٌّ أَسَاسِيٌّ: لَيْسَ كُلُّ أَلَمٍ اضْطِهَادًا مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَعَرَّضَ لِلرَّفْضِ أَوِ الْعُقُوبَةِ يُعَدُّ شَهِيدًا. فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِالْأَلَمِ وَحْدَهُ، بَلْ بِالسَّبَبِ الَّذِي يُحْتَمَلُ الْأَلَمُ مِنْ أَجْلِهِ، وَبِالْأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ وَالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ. وَيُؤَكِّدُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ هَذَا التَّمْيِيزَ عِنْدَمَا يَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَلَّا يَتَأَلَّمُوا بِسَبَبِ أَعْمَالِ الشَّرِّ، بَلْ إِنْ تَأَلَّمُوا بِصِفَتِهِمْ مَسِيحِيِّينَ، فَلَا يَخْجَلُوا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ لِيُمَجِّدُوا اللهَ (1 بُطْرُس 4: 12-16). وَتَكْمُنُ قِيمَةُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ فِي أَنَّهَا تَرْبِطُ الْقَدَاسَةَ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ، حَتَّى عِنْدَمَا يَكُونُ ذَلِكَ مُكْلِفًا مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّخْصِيَّةِ أَوِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُضْطَهَدَ عَلَى الْبِرِّ هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَرْفُضُ التَّخَلِّيَ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ، وَيُوَاصِلُ فِعْلَ الْخَيْرِ، وَيَتَحَمَّلُ نَتَائِجَ أَمَانَتِهِ بِالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ. لَا يَنْفَصِلُ الِاضْطِهَادُ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ عَنْ شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي تَعَرَّضَ لِلرَّفْضِ وَالْإِهَانَةِ وَالْآلَامِ وَالْمَوْتِ عَلَى الصَّلِيبِ. وَقَدْ حَذَّرَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ مِنْ أَنَّ أَمَانَتَهُمْ لَهُ قَدْ تَجْعَلُهُمْ مَوْضِعَ بُغْضٍ وَاضْطِهَادٍ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ (يُوحَنَّا 15: 18-20). وَتَتَّضِحُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الِاضْطِهَادِ وَالْمَسِيحِ فِي الْآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ، حَيْثُ يَنْتَقِلُ يَسُوعُ مِنْ صِيغَةِ الْغَائِبِ إِلَى صِيغَةِ الْمُخَاطَبِ، فَيُطَوِّبُ تَلَامِيذَهُ عِنْدَمَا يَتَعَرَّضُونَ لِلشَّتِيمَةِ وَالِاضْطِهَادِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِهِ (مَتَّى 5: 11-12). وَهُنَا يَتَكَامَلُ التَّعْبِيرَانِ "مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ" (مَتَّى 5: 10) وَ"مِنْ أَجْلِي" (مَتَّى 5: 11)، لِأَنَّ الْبِرَّ الْإِنْجِيلِيَّ يَبْلُغُ كَمَالَهُ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الْحَقِّ وَالْحَيَاةِ (يُوحَنَّا 14: 6). وَيَرَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ التَّطْوِيبَةَ الثَّامِنَةَ تُمَثِّلُ اكْتِمَالَ مَسِيرَةِ الْفَضَائِلِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي ثَبَتَ فِي الْبِرِّ يَصِيرُ مُسْتَعِدًّا لِاحْتِمَالِ التَّجَارِبِ وَالِاضْطِهَادَاتِ مِنْ أَجْلِهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَاتِ التَّالِيَةَ لَا تُقَدِّمُ تَطْوِيبَةً مُنْفَصِلَةً تَمَامًا، بَلْ تُوَسِّعُ مَعْنَى التَّطْوِيبَةِ الثَّامِنَةِ وَتُوَجِّهُهَا مُبَاشَرَةً إِلَى التَّلَامِيذِ (PL 34). وَتَجِدُ هَذِهِ الْمُشَارَكَةُ فِي الصَّلِيبِ مَعْنَاهَا فِي تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ، الَّذِي يَرْبِطُ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ فِي آلامِ الْمَسِيحِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي مَجْدِهِ (رُومِيَة 8: 17؛ فِيلِبِّي 3: 10-11). وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْعَى إِلَى الِاضْطِهَادِ أَوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْخَطَرِ دُونَ ضَرُورَةٍ، بَلْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّاتِ إِنْ فُرِضَتْ عَلَيْهِ بِسَبَبِ أَمَانَتِهِ لِمَشِيئَةِ اللهِ.

يَرْتَبِطُ احْتِمَالُ الِاضْطِهَادِ بِالدَّعْوَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ إِلَى مَحَبَّةِ الْأَعْدَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ الْمُضْطَهِدِينَ. فَقَدْ دَعَا يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ إِلَى مَحَبَّةِ أَعْدَائِهِمْ وَالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ مُضْطَهِدِيهِمْ، لِيَتَشَبَّهُوا بِأَبِيهِمُ السَّمَاوِيِّ الَّذِي يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الْأَشْرَارِ وَالْأَخْيَارِ (مَتَّى 5: 44-45). وَهَكَذَا، فَإِنَّ الِاضْطِهَادَ لَا يُعْفِي الْمَسِيحِيَّ مِنْ وَصِيَّةِ الْمَحَبَّةِ، بَلْ يَضَعُهُ أَمَامَ امْتِحَانٍ جِدِّيٍّ لِأَمَانَتِهِ لِلْمَسِيحِ. وَلَا يَعْنِي مَحَبَّةُ الْأَعْدَاءِ الْمُوَافَقَةَ عَلَى الظُّلْمِ أَوِ التَّنَازُلَ عَنِ الْحَقِّ، بَلْ تَعْنِي رَفْضَ تَحْوِيلِ الْأَلَمِ إِلَى حِقْدٍ وَانْتِقَامٍ، وَالِامْتِنَاعَ عَنْ مُقَابَلَةِ الشَّرِّ بِالشَّرِّ. وَيُقَدِّمُ يَسُوعُ نَفْسُهُ أَسْمَى مِثَالٍ لِهَذِهِ الْمَحَبَّةِ، إِذْ صَلَّى مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ صَلَبُوهُ (لُوقَا 23: 34). وَاقْتَدَى بِهِ اسْتِفَانُسُ، أَوَّلُ الشُّهَدَاءِ الْمَسِيحِيِّينَ، حِينَ صَلَّى مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ رَجَمُوهُ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 7: 59-60). وَتَكْشِفُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَنَّ الْمَسِيحِيَّ لَا يَنْتَصِرُ بِالِانْتِقَامِ مِنْ مُضْطَهِدِيهِ، بَلْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ وَالْغُفْرَانِ. وَتَرْتَبِطُ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ بِالْبُنُوَّةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَنَالُهَا الْمُؤْمِنُونَ بِالنِّعْمَةِ فِي الْمَسِيحِ؛ فَهُمْ يُظْهِرُونَ بُنُوَّتَهُمْ لِلهِ بِقَدْرِ مَا يَتَشَبَّهُونَ بِمَحَبَّةِ الْآبِ وَالِابْنِ (رُومِيَة 8: 14-17). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الِاضْطِهَادَ لَا يَمْنَحُ الْبُنُوَّةَ الْإِلَهِيَّةَ بِذَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَصِيرُ مِجَالًا لِإِظْهَارِهَا وَالنُّضْجِ فِيهَا، عِنْدَمَا يُوَاجِهُ الْمُؤْمِنُ الْعَدَاوَةَ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ. وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ غِبْطَةَ الْمُضْطَهَدِينَ لَا تَنْبَعُ مِنْ مُجَرَّدِ تَعَرُّضِهِمْ لِلْإِسَاءَةِ، بَلْ مِنْ ثَبَاتِهِمْ عَلَى الْبِرِّ وَالشَّهَادَةِ لِلْمَسِيحِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَعِدْ تَلَامِيذَهُ بِإِزَالَةِ كُلِّ اضْطِهَادٍ عَنْهُمْ، بَلْ دَعَاهُمْ إِلَى الصُّمُودِ فِيهِ وَدَحْضِ الِافْتِرَاءِ بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ (PG 57). وَتَتَّضِحُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ فِي تَعْلِيمِ بُطْرُسَ الرَّسُولِ، الَّذِي يَرْبِطُ بَيْنَ التَّأَلُّمِ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ وَالرَّجَاءِ الْمَسِيحِيِّ، وَيَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الشَّهَادَةِ لِإِيمَانِهِمْ بِالْوَدَاعَةِ وَالِاحْتِرَامِ وَالضَّمِيرِ الصَّالِحِ (1 بُطْرُس 3: 14-17). وَلَا تَقْتَصِرُ الشَّهَادَةُ لِلْمَسِيحِ عَلَى الِاسْتِشْهَادِ بِالدَّمِ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا الثَّبَاتَ الْيَوْمِيَّ فِي الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ وَمَحَبَّةِ الْقَرِيبِ، وَلَوِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ خَسَارَةَ بَعْضِ الْمَصَالِحِ وَالِامْتِيَازَاتِ الشَّخْصِيَّةِ.

تَرِدُ عِبَارَةُ "فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: ὅτι αὐτῶν ἐστιν ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν وَتَعْنِي: "لِأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ". وَيَكْتَسِبُ الْفِعْلُ ἐστιν، "يَكُونُ"، أَهَمِّيَّةً لَاهُوتِيَّةً خَاصَّةً، لِأَنَّهُ يَرِدُ فِي زَمَنِ الْحَاضِرِ، كَمَا فِي التَّطْوِيبَةِ الْأُولَى (مَتَّى 5: 3). وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَثْبُتُونَ فِي الْبِرِّ يَشْتَرِكُونَ مُنْذُ الْآنَ فِي بَرَكَاتِ الْمَلَكُوتِ، وَإِنْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ اكْتِمَالَ هَذَا الْمَلَكُوتِ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ. وَيُظْهِرُ تَكْرَارُ هَذَا الْوَعْدِ فِي التَّطْوِيبَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّامِنَةِ بِنْيَةً أَدَبِيَّةً تُسَمَّى الْإِطَارَ الْأَدَبِيَّ (Inclusio)، حَيْثُ تُفْتَتَحُ مَجْمُوعَةُ التَّطْوِيبَاتِ وَتُخْتَتَمُ بِالْوَعْدِ نَفْسِهِ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ تَكْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فِي بِدَايَةِ التَّطْوِيبَاتِ وَنِهَايَتِهَا يُبْرِزُ وَحْدَتَهَا وَتَكَامُلَهَا؛ فَالْفَقْرُ بِالرُّوحِ هُوَ الْبِدَايَةُ، أَمَّا الثَّبَاتُ فِي الْبِرِّ وَاحْتِمَالُ الِاضْطِهَادِ فَيُمَثِّلَانِ نُضْجَ هَذِهِ الْمَسِيرَةِ الرُّوحِيَّةِ (PL 34). وَلَا يَعْنِي الْوَعْدُ بِالْمَلَكُوتِ أَنَّ اللهَ يُكَافِئُ الْإِنْسَانَ عَلَى الْأَلَمِ بِاعْتِبَارِهِ خَيْرًا فِي ذَاتِهِ، بَلْ أَنَّهُ يُثَبِّتُ رَجَاءَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَظَلُّ أَمِينًا لِلْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ، وَإِنْ عَجَزَ الْعَالَمُ عَنْ مُكَافَأَتِهِ. وَبِهَذَا، يَصِيرُ الْمَلَكُوتُ غَايَةَ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَيَصِيرُ الثَّبَاتُ فِي الْبِرِّ شَهَادَةً لِأَنَّ الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ أَسْمَى مِنَ الْمَصَالِحِ الزَّائِلَةِ.

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِلْمَسِيحِ فِي جَمِيعِ الظُّرُوفِ، وَأَلَّا يَجْعَلَ مِنْ قَبُولِ النَّاسِ لَهُ أَوْ رِضَاهُمْ عَنْهُ مِعْيَارًا لِلْحَقِّ وَالْخَيْرِ. فَفِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، تَتَجَلَّى الْأَمَانَةُ لِلْبِرِّ فِي الصِّدْقِ وَاسْتِقَامَةِ الضَّمِيرِ وَرَفْضِ الْكَذِبِ وَالْخِدَاعِ، حَتَّى عِنْدَمَا يَكُونُ الِالْتِزَامُ بِهَذِهِ الْمَبَادِئِ مُكْلِفًا. وَفِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، تَظْهَرُ هَذِهِ الْأَمَانَةُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ، وَفِي تَجَنُّبِ الْمُسَاوَمَةِ عَلَى الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ بِسَبَبِ الضُّغُوطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَفِي الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، يُدْعَى الْكَاهِنُ إِلَى إِعْلَانِ كَلِمَةِ اللهِ بِالْأَمَانَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَإِلَى الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ دُونَ خَوْفٍ أَوْ رُوحِ عَدَاوَةٍ. وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، يَتَطَلَّبُ الِاسْتِعْدَادُ لِلْكَهَنُوتِ تَرْبِيَةَ الطَّالِبِ عَلَى الشَّجَاعَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، وَالْأَمَانَةِ لِلضَّمِيرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الصُّعُوبَاتِ، وَعَدَمِ التَّرَاجُعِ عَنِ الْخَيْرِ بِسَبَبِ النَّقْدِ أَوِ الرَّفْضِ. وَفِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، تَتَجَلَّى الشَّهَادَةُ لِلْبِرِّ فِي رَفْضِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ وَالْعُنْفِ، وَفِي الدِّفَاعِ عَنِ الْمَظْلُومِينَ وَالْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ، بِوَسَائِلَ سِلْمِيَّةٍ تَحْتَرِمُ الْحَقَّ وَكَرَامَةَ الْإِنْسَانِ. وَيَبْقَى الْمَبْدَأُ الْأَسَاسِيُّ أَنَّ الْمَسِيحِيَّ لَا يَبْحَثُ عَنِ الْعَدَاوَةِ، وَلَا يُثِيرُ الِاضْطِهَادَ، بَلْ يَسْعَى إِلَى السَّلَامِ مَعَ الْجَمِيعِ، وَيَثْبُتُ فِي الْحَقِّ إِنْ تَعَرَّضَ لِلرَّفْضِ بِسَبَبِهِ (رُومِيَة 12: 18-21).

تُعْلِنُ تَطْوِيبَةُ الْمُضْطَهَدِينَ عَلَى الْبِرِّ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى مُمَارَسَةِ الْفَضَائِلِ فِي أَوْقَاتِ الرَّاحَةِ وَالسَّلَامِ، بَلْ تَظْهَرُ خُصُوصًا فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ عِنْدَ مُوَاجَهَةِ الْمُعَارَضَةِ وَالِاضْطِهَادِ. فَالْمُضْطَهَدُ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ لَيْسَ إِنْسَانًا يَبْحَثُ عَنِ الْأَلَمِ، بَلْ مُؤْمِنٌ يَرْفُضُ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ، وَيَخْتَارُ الْأَمَانَةَ لِلْمَسِيحِ حَتَّى عِنْدَمَا تَتَطَلَّبُ هَذِهِ الْأَمَانَةُ تَضْحِيَاتٍ شَخْصِيَّةً. وَيَكْشِفُ وَعْدُ الْمَلَكُوتِ أَنَّ الْأَمَانَةَ لِلْبِرِّ لَا تَضِيعُ أَمَامَ اللهِ، وَأَنَّ الِاضْطِهَادَ لَا يَمْلِكُ الْكَلِمَةَ الْأَخِيرَةَ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ وَالْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ.

 

11. "طُوبَى لَكُمْ، إِذَا شَتَمُوكُمْ وَاضْطَهَدُوكُمْ وَافْتَرَوْا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَذِبٍ مِنْ أَجْلِي"

 

تَرِدُ عِبَارَةُ "طُوبَى لَكُمْ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ μακάριοί ἐστε، وَتَتَكَوَّنُ مِنْ μακάριοι صِفَةٍ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ، وَتَعْنِي "مَغْبُوطِينَ" أَوْ "سُعَدَاءَ" أَوْ "مُبَارَكِينَ". وἐστε   فِعْلٍ فِي زَمَنِ الْحَاضِرِ، بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ الْجَمْعِ، مِنَ الْفِعْلِ εἰμί، أَيْ "كَانَ" أَوْ "وَجَدَ"، وَمَعْنَاهُ هُنَا "أَنْتُمْ". وَتَدُلُّ هَذِهِ الصِّيغَةُ عَلَى إِعْلَانٍ مُبَاشِرٍ لِغِبْطَةِ التَّلَامِيذِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ تَمَنِّي السَّعَادَةِ لَهُمْ. وَيَكْتَسِبُ انْتِقَالُ يَسُوعَ مِنَ الْغَائِبِ إِلَى الْمُخَاطَبِ أَهَمِّيَّةً أَدَبِيَّةً وَلَاهُوتِيَّةً؛ فَبَعْدَ أَنْ قَالَ: "طُوبَى لِلْمُضْطَهَدِينَ عَلَى الْبِرِّ" (مَتَّى 5: 10)، يَقُولُ الْآنَ: "طُوبَى لَكُمْ". وَبِهَذَا يَنْتَقِلُ الْخِطَابُ مِنْ وَصْفِ فِئَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى تَوْجِيهِ الْكَلَامِ شَخْصِيًّا إِلَى الَّذِينَ يَسْمَعُونَهُ، وَخُصُوصًا تَلَامِيذِهِ الَّذِينَ دَنَوْا إِلَيْهِ عَلَى الْجَبَلِ (مَتَّى 5: 1-2). وَيُشِيرُ هَذَا الِانْتِقَالُ إِلَى أَنَّ الِاضْطِهَادَ لَيْسَ احْتِمَالًا نَظَرِيًّا بَعِيدًا، بَلْ وَاقِعٌ قَدْ يُوَاجِهُهُ التَّلَامِيذُ بِسَبَبِ أَمَانَتِهِمْ لِرِسَالَةِ الْمَسِيحِ. وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الْمَسِيحَ، بِتَوْجِيهِ هَذَا الْكَلَامِ إِلَى تَلَامِيذِهِ، يَكْشِفُ أَنَّ سَعَادَةَ الْمُؤْمِنِ لَا تَقُومُ عَلَى الْخَيْرَاتِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْمَجْدِ الزَّمَنِيِّ، بَلْ عَلَى الْخَيْرِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي يَمْنَحُهُ اللهُ لِلَّذِينَ يَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِهِ، رَغْمَ التَّعْيِيرِ وَالِاضْطِهَادِ (PL 34).

تَرِدُ عِبَارَةُ "شَتَمُوكُمْ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ ὀνειδίσωσιν ، الْمُشْتَقِّ مِنَ الْفِعْلِ ὀνειδίζω ، الَّذِي يَعْنِي "عَيَّرَ" أَوْ "وَبَّخَ بِإِهَانَةٍ" أَوْ "شَهَّرَ بِشَخْصٍ". وَالتَّعْيِيرُ هُوَ الْإِسَاءَةُ إِلَى كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ بِالْكَلَامِ الْجَارِحِ وَالْأَلْقَابِ الْمُهِينَةِ وَالِاتِّهَامَاتِ الَّتِي تَهْدِفُ إِلَى تَحْقِيرِهِ أَوْ تَشْوِيهِ سُمْعَتِهِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ يَسُوعُ نَفْسُهُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّعْيِيرِ، حِينَ وَجَّهَ إِلَيْهِ بَعْضُ مُعَاصِرِيهِ اتِّهَامَاتٍ مُهِينَةً وَسَعَوْا إِلَى التَّقْلِيلِ مِنْ شَأْنِهِ وَرِسَالَتِهِ (يُوحَنَّا 8: 48). وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ "التَّعْيِيرَ" بِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمُهِينُ الَّذِي يُوَجَّهُ إِلَى الشَّخْصِ مُبَاشَرَةً، وَيُمَيِّزُهُ عَنْ تَشْوِيهِ السُّمْعَةِ الَّذِي قَدْ يَحْدُثُ فِي غِيَابِهِ. وَيَسْتَشْهِدُ بِمَا تَعَرَّضَ لَهُ يَسُوعُ مِنْ إِهَانَاتٍ مُبَاشِرَةٍ وَاتِّهَامَاتٍ نُشِرَتْ عَنْهُ بَيْنَ النَّاسِ (PL 34). وَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّ كُلَّ نَقْدٍ يُوَجَّهُ إِلَى الْمُؤْمِنِ هُوَ اضْطِهَادٌ دِينِيٌّ، لِأَنَّ النَّقْدَ الصَّادِقَ وَالْمُحَاسَبَةَ الْعَادِلَةَ قَدْ يَكُونَانِ ضَرُورِيَّيْنِ لِتَصْحِيحِ الْأَخْطَاءِ. أَمَّا التَّعْيِيرُ الَّذِي يُطَوِّبُ الْمَسِيحُ مَنْ يَحْتَمِلُهُ، فَهُوَ ذَلِكَ الَّذِي يُوَجَّهُ إِلَى التَّلْمِيذِ بِسَبَبِ أَمَانَتِهِ لِلْمَسِيحِ وَالْحَقِّ والْإِيمَانِ. وَيُؤَكِّدُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ هَذَا الْمَعْنَى، حِينَ يُطَوِّبُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلتَّعْيِيرِ مِنْ أَجْلِ اسْمِ الْمَسِيحِ (1 بُطْرُس 4: 14).

تَرِدُ عِبَارَةُ "اضْطَهَدُوكُمْ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ διώξωσιν، مِنَ الْفِعْلِ διώκω، الَّذِي يَعْنِي "لَاحَقَ" أَوْ "طَارَدَ" أَوِ "اضْطَهَدَ". وَيُشِيرُ الْفِعْلُ هُنَا إِلَى الْأَذَى الَّذِي يُوَجَّهُ إِلَى الْمُؤْمِنِ بِسَبَبِ انْتِمَائِهِ إِلَى الْمَسِيحِ وَشَهَادَتِهِ لِلْإِنْجِيلِ. وَقَدْ يَتَّخِذُ الِاضْطِهَادُ أَشْكَالًا مُخْتَلِفَةً، مِثْلَ الْإِقْصَاءِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْحِرْمَانِ وَالسَّجْنِ وَالتَّعْذِيبِ وَالْقَتْلِ، وَقَدْ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ فِي سُمْعَتِهِ وَمَالِهِ وَحُرِّيَّتِهِ وَحَيَاتِهِ. وَتُعْلِنُ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمَسِيحِيَّةَ لَيْسَتْ مَضْمُونَةَ الْقَبُولِ وَالرَّاحَةِ، بَلْ قَدْ تَتَطَلَّبُ تَضْحِيَاتٍ كَبِيرَةً مِنْ أَجْلِ الْإِيمَانِ وَالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ. وَقَدْ حَذَّرَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ مِنْ أَنَّ الْعَالَمَ الَّذِي رَفَضَهُ قَدْ يَرْفُضُهُمْ أَيْضًا، وَأَنَّ مَنْ اضْطَهَدَهُ قَدْ يَضْطَهِدُ تَلَامِيذَهُ (يُوحَنَّا 15: 18-20). وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الِاضْطِهَادَ يَتَجَاوَزُ الْإِهَانَةَ اللَّفْظِيَّةَ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْعُنْفِ أَوِ التَّهْدِيدِ أَوِ الْمَكَائِدِ، كَمَا حَدَثَ فِي خِيَانَةِ يَسُوعَ وَآلامِهِ وَصَلْبِهِ (PL 34). وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْمَسِيحِ وَالِاشْتِرَاكَ فِي آلامِهِ يَرْتَبِطَانِ فِي الْحَيَاةِ الرَّسُولِيَّةِ، إِذْ يَذْكُرُ أَنَّهُ أُنْعِمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالْمَسِيحِ وَأَنْ يَتَأَلَّمُوا مِنْ أَجْلِهِ (فِيلِبِّي 1: 29).

تَرِدُ عِبَارَةُ "وَافْتَرَوْا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَذِبٍ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ καὶ εἴπωσιν πᾶν πονηρὸν καθ’ ὑμῶν ψευδόμενοι وَتَتَضَمَّنُ الْمُصْطَلَحَاتِ الْأَسَاسِيَّةَ الْآتِيَةَ: εἴπωσιν مِنَ الْفِعْلِ λέγω، أَيْ "قَالَ" أَوْ "تَكَلَّمَ"، مصطلح πᾶν πονηρόν أَيْ "كُلَّ شَرٍّ" أَوْ "كُلَّ قَوْلٍ سَيِّئٍ"، وَيُشِيرُ إِلَى أَنْوَاعِ الِاتِّهَامَاتِ وَالْأَقْوَالِ الْمُسِيئَةِ الَّتِي قَدْ تُوَجَّهُ إِلَى التَّلَامِيذِ. والمصطلح ψευδόμενοι اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْفِعْلِ ψεύδομαι، أَيْ "كَذَبَ" أَوِ "افْتَرَى"، وَيُوَضِّحُ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْمُسِيئَةَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ عَنْهَا يَسُوعُ تَقُومُ عَلَى الْكَذِبِ وَتَزْيِيفِ الْحَقَائِقِ. والِاتِّهَامَاتُ الْبَاطِلَةُ وَتَشْوِيهُ السُّمْعَةِ. وَيَجْدُرُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ التَّعْيِيرِ وَالِافْتِرَاءِ؛ فَالتَّعْيِيرُ يُرَكِّزُ عَلَى الْإِهَانَةِ وَالِازْدِرَاءِ، فِي حِينِ أَنَّ الِافْتِرَاءَ يَتَضَمَّنُ نَشْرَ اتِّهَامَاتٍ كَاذِبَةٍ لِتَشْوِيهِ سُمْعَةِ الْإِنْسَانِ. وَقَدْ يَحْدُثُ كِلَاهُمَا فِي حُضُورِ الشَّخْصِ أَوْ غِيَابِهِ، وَإِنْ كَانَ أُوغُسْطِينُوسُ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِهَانَةِ الْمُبَاشِرَةِ وَالطَّعْنِ فِي السُّمْعَةِ فِي الْغِيَابِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ يَسُوعُ نَفْسُهُ لِاتِّهَامَاتٍ بَاطِلَةٍ وَشَهَادَاتِ زُورٍ أَثْنَاءَ مُحَاكَمَتِهِ (مَتَّى 26: 59-61)، وَأَصْبَحَ ذَلِكَ جُزْءًا مِنْ خِبْرَةِ الْآلَامِ الَّتِي دُعِيَ تَلَامِيذُهُ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِمُوَاجَهَتِهَا. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ يَسُوعَ وَضَعَ شَرْطَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ لِغِبْطَةِ الَّذِينَ تَتَعَرَّضُ سُمْعَتُهُمْ لِلْإِسَاءَةِ: أَنْ تَكُونَ الِاتِّهَامَاتُ كَاذِبَةً، وَأَنْ تَكُونَ الْمُعَانَاةُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ. فَلَيْسَ مُجَرَّدُ التَّعَرُّضِ لِلشَّتْمِ أَوِ التَّشْهِيرِ سَبَبًا لِلتَّطْوِيبِ، بَلِ الْأَمَانَةُ لِلْحَقِّ الَّتِي تَقُودُ إِلَى احْتِمَالِ الظُّلْمِ (PG 57). وَيَنْسَجِمُ هَذَا التَّعْلِيمُ مَعَ تَحْذِيرِ بُطْرُسَ الرَّسُولِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُتَأَلِّمًا بِسَبَبِ الْقَتْلِ أَوِ السَّرِقَةِ أَوْ فِعْلِ الشَّرِّ، فِي حِينِ أَنَّ الَّذِي يَتَأَلَّمُ لِأَنَّهُ مَسِيحِيٌّ مَدْعُوٌّ إِلَى تَمْجِيدِ اللهِ (1 بُطْرُس 4: 15-16).

تَرِدُ عِبَارَةُ "مِنْ أَجْلِي" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ἕνεκεν ἐμοῦ  ἕνεκεν (héneken وَيَعْنِي "مِنْ أَجْلِي أَنَا" أو "بسببي". وَتُشَكِّلُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مِفْتَاحًا لَاهُوتِيًّا لِفَهْمِ الْآيَةِ، لِأَنَّ يَسُوعَ يَجْعَلُ مِنْ عَلَاقَةِ التَّلْمِيذِ بِشَخْصِهِ سَبَبًا لِلْغِبْطَةِ، حَتَّى فِي وَسَطِ الْمُعَانَاةِ. فَفِي مَتَّى 5: 10، كَانَ الِاضْطِهَادُ "عَلَى الْبِرِّ"، أَمَّا فِي مَتَّى 5: 11، فَيُصْبِحُ "مِنْ أَجْلِي". وَهَذَا الِانْتِقَالُ يُظْهِرُ الْعَلَاقَةَ الْوَثِيقَةَ بَيْنَ الْبِرِّ وَشَخْصِ الْمَسِيحِ، لِأَنَّهُ الْمُعَلِّمُ الَّذِي يُعْلِنُ مَشِيئَةَ الْآبِ وَيُجَسِّدُهَا فِي حَيَاتِهِ. وَيَرِدُ تَعْبِيرٌ مُوَازٍ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا، حَيْثُ يُطَوِّبُ يَسُوعُ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْبُغْضِ وَالْإِقْصَاءِ وَالتَّعْيِيرِ بِسَبَبِ ابْنِ الْإِنْسَانِ (لُوقَا 6: 22). وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ أَهَمِّيَّةَ هَذِهِ الْأَمَانَةِ عِنْدَمَا يُعْلِنُ أَنَّ مَنْ يَفْقِدُ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِهِ يَجِدُهَا (مَتَّى 16: 25). وَيَشْهَدُ بُولُسُ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ فِي حَيَاتِهِ الرَّسُولِيَّةِ، إِذْ يُعْلِنُ قَبُولَهُ حَالَاتِ الضَّعْفِ وَالْإِهَانَاتِ وَالشَّدَائِدِ وَالِاضْطِهَادَاتِ فِي سَبِيلِ الْمَسِيحِ، لِأَنَّهُ يَخْتَبِرُ قُوَّةَ النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي وَسَطِ ضَعْفِهِ (2 قُورِنْثُس 12: 9-10). وَيُعْلِنُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ أَيْضًا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُشَارِكُونَ الْمَسِيحَ فِي آلامِهِ مَدْعُوُّونَ إِلَى الْفَرَحِ وَالرَّجَاءِ بِمَجْدِهِ، وَأَنَّ الَّذِينَ يُعَيَّرُونَ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ هُمْ مَغْبُوطُونَ (1 بُطْرُس 4: 13-14). وَبِهَذَا، فَإِنَّ الْمُعَانَاةَ "مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ" تَكْتَسِبُ مَعْنَاهَا مِنَ الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ وَالْأَمَانَةِ لِلْإِنْجِيلِ، لَا مِنَ الْأَلَمِ فِي ذَاتِهِ.

تَكْشِفُ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ التِّلْمِيذَ الْحَقِيقِيَّ يَشْتَرِكُ فِي رِسَالَةِ الْمَسِيحِ وَآلامِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمُشَارَكَةَ تَتَّجِهُ نَحْوَ الْقِيَامَةِ وَالْمَجْدِ. وَلَا تَعْنِي مُشَارَكَةُ الْمَسِيحِ فِي آلامِهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْصُلُ عَلَى الْخَلَاصِ بِقُوَّةِ مُعَانَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، بَلْ أَنَّهُ يَتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ الَّذِي حَقَّقَ الْخَلَاصَ بِصَلِيبِهِ وَقِيَامَتِهِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّعْيِيرَ وَالِاضْطِهَادَ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْتَبِرَ فِي قَلْبِهِ فَرَحَ الرَّجَاءِ، لِأَنَّ الضِّيقَ يُوَلِّدُ الصَّبْرَ، وَالصَّبْرُ يُنَمِّي الرَّجَاءَ، وَالرَّجَاءُ لَا يُخَيِّبُ، بِسَبَبِ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي أُفِيضَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ (رُومِيَة 5: 3-5) (PL 34).  

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ أَمَانَتَهُ لِلْمَسِيحِ أَسَاسًا لِمَوَاقِفِهِ وَقَرَارَاتِهِ، وَأَلَّا يَتَرَاجَعَ عَنِ الْحَقِّ بِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ النَّقْدِ أَوِ الرَّفْضِ. فَفِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، يَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي الصِّدْقِ وَاسْتِقَامَةِ الضَّمِيرِ، وَفِي تَحَمُّلِ الِاتِّهَامَاتِ الْبَاطِلَةِ بِحِكْمَةٍ وَصَبْرٍ، مَعَ السَّعْيِ إِلَى تَوْضِيحِ الْحَقِيقَةِ بِوَسَائِلَ مَشْرُوعَةٍ. وَفِي الْحَيَاةِ الْكَنَسِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، يُدْعَى الْكَاهِنُ إِلَى إِعْلَانِ الْإِنْجِيلِ بِأَمَانَةٍ وَمَحَبَّةٍ، وَإِلَى مُوَاجَهَةِ الْمُعَارَضَةِ بِالْحِلْمِ وَالْحِوَارِ، دُونَ الْمُسَاوَمَةِ عَلَى الْحَقِّ أَوِ التَّحَوُّلِ إِلَى رُوحِ الْخُصُومَةِ. وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الطَّالِبَ إِلَى تَنْمِيَةِ الشَّجَاعَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى قَبُولِ النَّقْدِ الْبَنَّاءِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُعَارَضَةِ الْعَادِلَةِ وَالِاتِّهَامِ الْبَاطِلِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِخِدْمَةِ الْحَقِّ بِرُوحِ التَّوَاضُعِ. وَفِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، تَتَجَسَّدُ الشَّهَادَةُ لِلْمَسِيحِ فِي رَفْضِ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْفَسَادِ، وَفِي الدِّفَاعِ عَنْ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَحُقُوقِهِ، وَفِي مُقَابَلَةِ الْعَدَاوَةِ بِالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ. وَيَبْقَى الْمِثَالُ الْأَعْلَى هُوَ الْمَسِيحَ الَّذِي، حِينَ شُتِمَ، لَمْ يَرُدَّ الشَّتِيمَةَ، وَحِينَ تَأَلَّمَ، لَمْ يُهَدِّدْ، بَلْ أَسْلَمَ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ الْعَادِلِ (1 بُطْرُس 2: 21-23).

 

12. " اِفْرَحُوا وَابْتَهِجُوا: إِنَّ أَجْرَكُمْ فِي السَّمَاوَاتِ عَظِيمٌ، فَهَكَذَا اضْطَهَدُوا الْأَنْبِيَاءَ مِنْ قَبْلِكُمْ"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "افْرَحُوا" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ χαίρετε، وَهِيَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِلْمُخَاطَبِ الْجَمْعِ فِي زَمَنِ الْحَاضِرِ، مِنَ الْفِعْلِ χαίρω، الَّذِي يَعْنِي "فَرِحَ" أَوْ "سُرَّ" أَوِ "ابْتَهَجَ". وَيَدُلُّ اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ يَسُوعَ لَا يَكْتَفِي بِوَصْفِ فَرَحِ التَّلَامِيذِ، بَلْ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَبَنِّي مَوْقِفٍ رُوحِيٍّ قَائِمٍ عَلَى الرَّجَاءِ وَالثِّقَةِ بِاللهِ. وَتَنْسَجِمُ صِيغَةُ الْحَاضِرِ مَعَ الدَّعْوَةِ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، دُونَ أَنْ يَعْنِيَ ذَلِكَ إِنْكَارَ الْأَلَمِ أَوِ الْحُزْنِ الْبَشَرِيِّ.  وَيَجِدُ هَذَا الْفَرَحُ تَحَقُّقَهُ فِي حَيَاةِ الرُّسُلِ بَعْدَ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، حِينَ تَعَرَّضُوا لِلْجَلْدِ وَالْإِهَانَةِ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِمْ لِيَسُوعَ، فَانْصَرَفُوا مِنَ الْمَجْلِسِ فَرِحِينَ لِأَنَّهُمْ حُسِبُوا أَهْلًا لِاحْتِمَالِ الْإِهَانَةِ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 5: 40-42). وَتَكْشِفُ هَذِهِ الْحَادِثَةُ أَنَّ الْفَرَحَ الرَّسُولِيَّ لَمْ يَنْبَعْ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي تَعَرَّضُوا لَهُ، بَلْ مِنْ شُعُورِهِمْ بِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ لِلْمَسِيحِ، وَأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَهُ تَسْتَحِقُّ التَّضْحِيَةَ. وَيُؤَكِّدُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ هَذَا الْمَعْنَى، إِذْ يَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْفَرَحِ بِمُشَارَكَتِهِمْ فِي آلامِ الْمَسِيحِ، لِيَفْرَحُوا وَيَبْتَهِجُوا أَيْضًا عِنْدَ ظُهُورِ مَجْدِهِ (1 بُطْرُس 4: 12-14). وَيُوَضِّحُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ الْفَرَحَ الْمَسِيحِيَّ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَايَشَ مَعَ الضِّيقِ وَالِاضْطِهَادِ، لِأَنَّهُ يَنْبَعُ مِنَ الرَّجَاءِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الثَّبَاتِ وَمَحَبَّةِ اللهِ الْمُفَاضَةِ فِي الْقُلُوبِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ (رُومِيَة 5: 3-5). وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ الْفَرَحَ الْإِنْجِيلِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْفِعَالٍ عَاطِفِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ مَوْقِفٌ إِيمَانِيٌّ يَسْتَنِدُ إِلَى الثِّقَةِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ الْقَائِمَ قَدِ انْتَصَرَ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالْمَوْتِ.

تَرِدُ كَلِمَةُ "ابْتَهِجُوا" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ِ ἀγαλλιᾶσθε، وَهِيَ صِيغَةُ الْأَمْرِ فِي زَمَنِ الْحَاضِرِ، مِنَ الْفِعْلِ ἀγαλλιάω، الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْفَرَحِ الْعَظِيمِ وَالِابْتِهَاجِ وَالتَّهْلِيلِ. وَيَجْمَعُ يَسُوعُ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ χαίρετε وَἀγαλλιᾶσθε لِيُؤَكِّدَ قُوَّةَ الْفَرَحِ وَعُمْقَهُ، وَلِيَكْشِفَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْمَسِيحِ يَمْنَحُ التَّلْمِيذَ أُفُقًا يَتَجَاوَزُ ظُرُوفَهُ الْحَاضِرَةَ.  وَيَتَّضِحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي إِنْجِيلِ لُوقَا، حَيْثُ يُقْرِنُ يَسُوعُ بَيْنَ اضْطِهَادِ التَّلَامِيذِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْفَرَحِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِأَنَّ أَجْرَهُمْ فِي السَّمَاءِ عَظِيمٌ (لُوقَا 6: 22-23). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَدَّمَ لِتَلَامِيذِهِ تَعْلِيمًا يَتَجَاوَزُ مَقَايِيسَ السَّعَادَةِ الْبَشَرِيَّةِ الْمَأْلُوفَةِ؛ فَالْأُمُورُ الَّتِي يَخْشَاهَا النَّاسُ، كَالْفَقْرِ وَالْحُزْنِ وَالِاضْطِهَادِ وَسُوءِ السُّمْعَةِ، يُمْكِنُ أَنْ تَصِيرَ فِي ضَوْءِ الْإِنْجِيلِ مَوَاضِعَ لِلْغِبْطَةِ إِذَا احْتُمِلَتْ بِسَبَبِ الْبِرِّ وَالْأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ (PG 57). وَتُنَاسِبُ هَذَا الْمَعْنَى تَرْنِيمَةُ الْقِدِّيسَةِ تَرِيزَا الْأَفِيلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةُ بِعُنْوَانِ "لَا تَدَعْ شَيْئًا يُقْلِقُكَ" (Nada te turbe)، الَّتِي تَدْعُو إِلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ وَالثِّقَةِ بِاللهِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ، وَتَخْتَتِمُ بِالْمَعْنَى الرُّوحِيِّ: "اللهُ وَحْدَهُ يَكْفِي". وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا التَّعْلِيمِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَحْزَنُ أَوْ لَا يَخَافُ أَبَدًا، بَلْ أَنَّ حُضُورَ اللهِ وَالرَّجَاءَ فِي وَعْدِهِ يَمْنَحَانِهِ الْقُوَّةَ لِمُوَاجَهَةِ الْمِحَنِ دُونَ الْيَأْسِ.

تَرِدُ عِبَارَةُ "إِنَّ أَجْرَكُمْ فِي السَّمَاوَاتِ عَظِيمٌ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ὅτι ὁ μισθὸς ὑμῶν πολὺς ἐν τοῖς οὐρανοῖς وَتَتَضَمَّنُ ثَلَاثَ مُصْطَلَحَاتٍ لَاهُوتِيَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ: μισθός تَعْنِي "الْأُجْرَةَ" أَوِ "الْمُكَافَأَةَ" أَوِ "الْجَزَاءَ". وَتُسْتَعْمَلُ هُنَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُكَافَأَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي وَعَدَ اللهُ بِهَا الْأُمَنَاءَ لَهُ. والمصطلح πολύς تَعْنِي "عَظِيمًا" أَوْ "كَثِيرًا"، وَتُبْرِزُ عَظَمَةَ الْوَعْدِ الْإِلَهِيِّ.  والمصطلح ἐν τοῖς οὐρανοῖς تَعْنِي "فِي السَّمَاوَاتِ"، وَتَرْبِطُ الْمُكَافَأَةَ بِالْمَلَكُوتِ الْإِلَهِيِّ وَالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ.

وَلَا يَعْنِي تَعْبِيرُ "ِأَجْرَكُمْ " أَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَرِي الْخَلَاصَ بِآلَامِهِ، أَوْ أَنَّ اللهَ مَدِينٌ لَهُ بِمُكَافَأَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنْ نِعْمَتِهِ. فَالْخَلَاصُ فِي الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ عَطِيَّةٌ مَجَّانِيَّةٌ تَنْبَعُ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ وَعَمَلِ الْمَسِيحِ الْخَلَاصِيِّ (أَفَسُس 2: 8-10). وَأَمَّا الْمُكَافَأَةُ الْمَوْعُودَةُ، فَهِيَ تَعْبِيرٌ عَنْ أَمَانَةِ اللهِ لِوَعْدِهِ، وَعَنْ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَسْتَجِيبُ لِلنِّعْمَةِ وَيَتَعَاوَنُ مَعَهَا فِي مَسِيرَةِ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ. وَيُعَلِّمُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ يَسْتَنِدُ أَسَاسًا إِلَى مُبَادَرَةِ النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِ الصَّالِحَةَ تَكْتَسِبُ قِيمَتَهَا الْخَلَاصِيَّةَ مِنِ اتِّحَادِهِ بِالْمَسِيحِ (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، 2006-2011). وَيَرَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الْمُكَافَأَةَ الَّتِي يَعِدُ بِهَا الْمَسِيحُ لَيْسَتْ خَيْرًا زَمَنِيًّا زَائِلًا، بَلْ هِيَ خَيْرٌ رُوحِيٌّ أَبَدِيٌّ يَتَّصِلُ بِمَلَكُوتِ اللهِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِالْخَيْرِ الرُّوحِيِّ يَتَذَوَّقُونَ مُنْذُ الْآنَ عَرَبُونَ هَذِهِ الْمُكَافَأَةِ، أَمَّا كَمَالُهَا فَيَتَحَقَّقُ حِينَ يَلْبَسُ الْإِنْسَانُ الْفَانِي عَدَمَ الْفَسَادِ (PL 34)). وَيَتَّضِحُ هَذَا الْبُعْدُ الْأُخْرَوِيُّ فِي تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ، الَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ آلامَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لَا تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يَتَجَلَّى فِي الْمُؤْمِنِينَ (رُومِيَة 8: 18).

تَحْمِلُ عِبَارَةُ "فِي السَّمَاوَاتِ" مَعْنًى لَاهُوتِيًّا يَتَجَاوَزُ الدَّلَالَةَ الْمَكَانِيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ، لِأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى حَيَاةِ اللهِ وَمَلَكُوتِهِ وَإِلَى الْمُكَافَأَةِ الَّتِي لَا تَخْضَعُ لِلتَّغَيُّرِ وَالزَّوَالِ. وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى، يَرْتَبِطُ تَعْبِيرُ "السَّمَاوَاتِ" بِسُلْطَانِ اللهِ وَمَلَكُوتِهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي عِبَارَةِ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 5: 3، 10). وَيَكْشِفُ هَذَا التَّعْلِيمُ أَنَّ الرَّجَاءَ السَّمَاوِيَّ لَا يَدْعُو الْمُؤْمِنَ إِلَى الْهُرُوبِ مِنْ مَسْؤُولِيَّاتِهِ الْأَرْضِيَّةِ، بَلْ يَمْنَحُهُ الْقُوَّةَ لِلْأَمَانَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالشَّهَادَةِ لِلْحَقِّ، حَتَّى فِي وَسَطِ الصُّعُوبَاتِ.

تَرِدُ عِبَارَةُ "فَهَكَذَا اضْطَهَدُوا الْأَنْبِيَاءَ مِنْ قَبْلِكُمْ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ οὕτως γὰρ ἐδίωξαν τοὺς προφήτας τοὺς πρὸ ὑμῶν. وَتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مُصْطَلَحَاتٍ أَسَاسِيَّةً: προφήτας   جَمْعُ προφήτης، أَيْ "نَبِيٍّ"، وَيُشِيرُ إِلَى الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ لِإِعْلَانِ كَلِمَتِهِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْعَدَالَةِ. πρὸ ὑμῶν أَيْ "قَبْلَكُمْ"، وَتُبْرِزُ الِاسْتِمْرَارِيَّةَ التَّارِيخِيَّةَ بَيْنَ رِسَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَرِسَالَةِ تَلَامِيذِ الْمَسِيحِ. وَقَدْ عَانَى كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْمُعَارَضَةِ وَالِاضْطِهَادِ بِسَبَبِ أَمَانَتِهِمْ لِكَلِمَةِ اللهِ. فَقَدْ تَعَرَّضَ إِيلِيَّا النَّبِيُّ لِلتَّهْدِيدِ وَالْمُطَارَدَةِ مِنْ قِبَلِ إِيزَابَلَ (1 مُلُوك 19: 1-3)، وَتَعَرَّضَ إِرْمِيَا النَّبِيُّ لِلضَّرْبِ وَالسَّجْنِ وَالْإِلْقَاءِ فِي الْجُبِّ بِسَبَبِ رِسَالَتِهِ (إِرْمِيَا 20: 1-2؛ 38: 6). وَيَسْتَحْضِرُ يَسُوعُ تَارِيخَ اضْطِهَادِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَعْلِيمِهِ عَنْ أُورُشَلِيمَ وَعَنْ مَسْؤُولِيَّةِ الَّذِينَ رَفَضُوا رِسَالَةَ اللهِ (لُوقَا 11: 47-51؛ 13: 33-34؛ مَتَّى 23: 29-37). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ يَسُوعَ يُشَجِّعُ تَلَامِيذَهُ بِمِثَالِ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَوَقَّفُوا عَنْ إِعْلَانِ الْحَقِّ بِسَبَبِ خَوْفِهِمْ مِنَ الِاضْطِهَادِ (PL 34). وَبِهَذَا، يُصْبِحُ اضْطِهَادُ التَّلَامِيذِ، حِينَ يَكُونُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، اشْتِرَاكًا فِي مَسِيرَةِ الشَّهَادَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي بَلَغَتْ كَمَالَهَا فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

تَدْعُو هَذِهِ الْآيَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى تَرْسِيخِ رَجَائِهِ فِي اللهِ، وَإِلَى أَلَّا يَجْعَلَ مِنَ الْخَوْفِ وَالْأَلَمِ وَالِاضْطِهَادِ سَبَبًا لِلِابْتِعَادِ عَنِ الْمَسِيحِ. فِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، يَتَجَلَّى الْفَرَحُ الْإِنْجِيلِيُّ فِي الثِّقَةِ بِاللهِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَفِي الْقُدْرَةِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْمِحَنِ دُونَ فَقْدَانِ الرَّجَاءِ. فِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، يَتَجَسَّدُ هَذَا الرَّجَاءُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالشَّجَاعَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالصَّبْرِ، وَفِي مُوَاجَهَةِ الصُّعُوبَاتِ بِرُوحِ التَّضَامُنِ وَالصَّلَاةِ. فِي الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، يَتَجَلَّى الْفَرَحُ الرُّوحِيُّ فِي الْأَمَانَةِ لِلْخِدْمَةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِبَذْلِ الذَّاتِ، وَالشَّهَادَةِ لِلرَّجَاءِ فِي وَسَطِ الصُّعُوبَاتِ وَالْمُعَارَضَةِ، دُونَ الْوُقُوعِ فِي الْمَرَارَةِ أَوْ رُوحِ الِانْتِقَامِ. فِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، يَنْبَغِي تَرْبِيَةُ الطَّالِبِ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ الْكَهَنُوتِيَّةَ لَا تَعْنِي حَيَاةً خَالِيَةً مِنَ الْمِحَنِ، بَلْ تَتَطَلَّبُ الثَّبَاتَ فِي الْإِيمَانِ، وَقَبُولَ التَّضْحِيَةِ، وَالْقُدْرَةَ عَلَى الِاحْتِفَاظِ بِفَرَحِ الْخِدْمَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الصَّعْبَةِ. فِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ إِلَى الشَّهَادَةِ لِلْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَإِلَى مُوَاجَهَةِ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ بِالشَّجَاعَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالسَّلَامِ. وَلَا تَدْعُو كَلِمَاتُ يَسُوعَ إِلَى السُّكُوتِ عَنِ الِاضْطِهَادِ أَوْ تَبْرِيرِهِ، بَلْ إِلَى مُقَاوَمَةِ الشَّرِّ دُونَ التَّحَوُّلِ إِلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَإِلَى الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ بِوَسَائِلَ تَنْسَجِمُ مَعَ الْمَحَبَّةِ وَالْعَدَالَةِ. وَيُؤَكِّدُ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ ِيهِ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْقَدَاسَةِ هِيَ دَعْوَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِلَى حَيَاةٍ يَسْكُنُهَا فَرَحُ الْإِنْجِيلِ، رَغْمَ الصُّعُوبَاتِ وَالتَّحَدِّيَاتِ (الْبَابَا فَرَنْسِيسُ، Gaudete et Exsultate، 2018، الْعَدَدَانِ 1-2). وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: الْفَرَحُ الْإِنْجِيلِيُّ هُوَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ، وَالِابْتِهَاجُ هُوَ عَلَامَةُ الثِّقَةِ بِوَعْدِ اللهِ، وَالْمُكَافَأَةُ السَّمَاوِيَّةُ هِيَ كَمَالُ الشَّرِكَةِ مَعَ الْمَسِيحِ؛ أَمَّا الِاضْطِهَادُ مِنْ أَجْلِهِ فَيَصِيرُ، حِينَ يُحْتَمَلُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْأَمَانَةِ، شَهَادَةً حَيَّةً لِأَنَّ الْقِيَامَةَ أَقْوَى مِنَ الْمَوْتِ، وَأَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ هُوَ غَايَةُ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ.

تُشَكِّلُ هَذِهِ الْآيَةُ خَاتِمَةَ التَّطْوِيبَاتِ الْإِنْجِيلِيَّةِ (مَتَّى 5: 3-12)، وَتَكْشِفُ عَنْ مُفَارَقَةٍ أَسَاسِيَّةٍ فِي الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ: فَالْمَسِيحُ يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى الْفَرَحِ وَالِابْتِهَاجِ حَتَّى فِي ظُرُوفِ التَّعْيِيرِ وَالِاضْطِهَادِ وَالِافْتِرَاءِ، لِأَنَّ أَمَانَتَهُمْ لَهُ تَرْبِطُهُمْ بِمَصِيرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَفْتَحُ أَمَامَهُمْ رَجَاءَ الْمُكَافَأَةِ السَّمَاوِيَّةِ.

 

 

ثَانِيًا: التَّطْبِيقَاتُ الرُّوحِيَّةُ: التَّطْوِيبَاتُ الثَّمَانِي طُرُقًا إِلَى الْقَدَاسَةِ (مَتَّى 5: 3-10)

 

بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِ أَبْعَادِهِ الْكِتَابِيَّةِ وَاللَّاهُوتِيَّةِ (مَتَّى 5: 1-12)، نَنْتَقِلُ إِلَى اسْتِخْلَاصِ تَطْبِيقَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّاعَوِيَّةِ، مِنْ خِلَالِ النَّظَرِ إِلَى التَّطْوِيبَاتِ الثَّمَانِي بِوَصْفِهَا طُرُقًا مُتَكَامِلَةً لِبُلُوغِ الْقَدَاسَةِ الْمَسِيحِيَّةِ. فَالتَّطْوِيبَاتُ (مَتَّى 5: 3-10) لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَعَالِيمَ أَخْلَاقِيَّةٍ أَوْ مَثَلٍ رُوحِيَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ، بَلْ تُشَكِّلُ مَنْهَجًا إِنْجِيلِيًّا مُتَكَامِلًا لِلتَّلْمَذَةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالْمَسِيحِ، وَتَكْشِفُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَيْسَتِ امْتِيَازًا مَحْصُورًا بِفِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ دَعْوَةٌ شَامِلَةٌ مُوَجَّهَةٌ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَاءِ شَعْبِ اللهِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُؤَكِّدُ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي أَنَّ الْقَدَاسَةَ تَتَجَلَّى فِي كَمَالِ الْمَحَبَّةِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَى تَنَوُّعِ دَعَوَاتِهِمْ وَحَالَاتِهِمُ الْحَيَاتِيَّةِ وَمَسْؤُولِيَّاتِهِمُ الْكَنَسِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، مَدْعُوُّونَ إِلَى النُّمُوِّ فِيهَا وَتَجْسِيدِهَا فِي وَاقِعِ حَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ (الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي، الدُّسْتُورُ الْعَقَائِدِيُّ نُورُ الْأُمَمِ، 39-42).

 

وَيُبْرِزُ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ الْبُعْدَ الْمَسِيحَانِيَّ وَالْوُجُودِيَّ لِلتَّطْوِيبَاتِ، إِذْ يَصِفُهَا بِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ "بِطَاقَةِ الْهُوِيَّةِ" لِلْمَسِيحِيِّ، لِأَنَّهَا تَكْشِفُ مَلَامِحَ شَخْصِيَّةِ الْمَسِيحِ وَتَرْسُمُ مَعَالِمَ الْحَيَاةِ الَّتِي يُدْعَى تِلْمِيذُهُ إِلَى تَبَنِّيهَا وَتَجْسِيدِهَا. فَالْقَدَاسَةُ، فِي ضَوْءِ التَّطْوِيبَاتِ، لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الِالْتِزَامِ الظَّاهِرِيِّ بِالْوَصَايَا، بَلْ تَتَطَلَّبُ تَحَوُّلًا دَاخِلِيًّا يَمَسُّ الْقَلْبَ وَالْفِكْرَ وَالسُّلُوكَ. وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا التَّحَوُّلُ بِالْجُهْدِ الْبَشَرِيِّ وَحْدَهُ، بَلْ بِفِعْلِ النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَعَمَلِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي يُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْأَنَانِيَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالِانْغِلَاقِ عَلَى الذَّاتِ، وَيُؤَهِّلُهُ لِعَيْشِ مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ فِي وَسَطِ الْعَالَمِ (الْبَابَا فَرَنْسِيسُ، الْإِرْشَادُ الرَّسُولِيُّ اِفْرَحُوا وَابْتَهِجُوا، 63-66).

 

وَعَلَيْهِ، تَتَكَامَلُ فِي التَّطْوِيبَاتِ ثَلَاثَةُ أَبْعَادٍ لَاهُوتِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ مُتَرَابِطَةٍ : بُعْدُ النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُجَدِّدُ قَلْبَ الْإِنْسَانِ وَتَسْكُبُ فِيهِ مَحَبَّةَ اللهِ (رُومِيَة 5: 5)؛ وَالْبُعْدُ الْمَسِيحَانِيُّ الَّذِي يَجْعَلُ مِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي جَسَّدَ التَّطْوِيبَاتِ فِي حَيَاتِهِ وَرِسَالَتِهِ، الْمِثَالَ الْأَسْمَى لِلِاقْتِدَاءِ؛ وَالْبُعْدُ الْأَخْلَاقِيُّ وَالرَّاعَوِيُّ الَّذِي يُتَرْجِمُ الْإِيمَانَ إِلَى مَحَبَّةٍ فَاعِلَةٍ، تَتَجَلَّى فِي الرَّحْمَةِ وَالْعَدَالَةِ وَصُنْعِ السَّلَامِ وَخِدْمَةِ الْقَرِيبِ (يُوحَنَّا 13: 34-35).

 

وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، لَا تُفْهَمُ التَّطْوِيبَاتُ الثَّمَانِي عَلَى أَنَّهَا طُرُقٌ مُتَوَازِيَةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ لِلْقَدَاسَةِ، بَلْ بِوَصْفِهَا أَوْجُهًا مُتَكَامِلَةً لِحَيَاةٍ وَاحِدَةٍ مُتَجَذِّرَةٍ فِي الْمَسِيحِ. فَهِيَ تَبْدَأُ بِفَقْرِ الرُّوحِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى اللهِ، وَتَتَجَلَّى فِي الْوَدَاعَةِ وَالرَّحْمَةِ وَنَقَاوَةِ الْقَلْبِ وَالْجُوعِ إِلَى الْبِرِّ، وَتَبْلُغُ ذُرْوَتَهَا فِي صُنْعِ السَّلَامِ وَالْأَمَانَةِ لِلْإِنْجِيلِ حَتَّى وَسَطَ الِاضْطِهَادِ. وَبِذَلِكَ تُصْبِحُ التَّطْوِيبَاتُ مِعْيَارًا لِتَمْيِيزِ أَصَالَةِ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَمَسِيرَةً مُتَدَرِّجَةً فِي التَّشَبُّهِ بِالْمَسِيحِ، وَشَهَادَةً حَيَّةً لِحُضُورِ مَلَكُوتِ اللهِ فِي التَّارِيخِ وَالْمُجْتَمَعِ.

 

1. طُوبَى لِفُقَرَاءِ الرُّوحِ: الْقَدَاسَةُ تَبْدَأُ بِالتَّوَاضُعِ

 

"طُوبَى لِفُقَرَاءِ الرُّوحِ، فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 5: 3). كَيْفَ نَعِيشُ فَقْرَ الرُّوحِ؟

 

يَتَحَقَّقُ فَقْرُ الرُّوحِ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ مِنْ خِلَالِ التَّوَاضُعِ وَالثِّقَةِ بِاللهِ وَالتَّجَرُّدِ وَالْمُشَارَكَةِ وَالطَّاعَةِ لِمَشِيئَتِهِ.

 

فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يَعِيشُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةَ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ مَا يَمْتَلِكُهُ مِنْ مَوَاهِبَ وَقُدُرَاتٍ وَخَيْرَاتٍ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ، فَلَا يَتَكَبَّرُ بِهَا عَلَى الْآخَرِينَ، بَلْ يَسْتَعْمِلُهَا فِي خِدْمَتِهِمْ (1 قُورِنْثُس 4: 7) . وَيَتَجَلَّى فَقْرُ الرُّوحِ أَيْضًا فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمَسْؤُولِ لِلْمَالِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، وَفِي التَّحَرُّرِ مِنَ التَّعَلُّقِ الْمُفْرِطِ بِالْخَيْرَاتِ الْمَادِّيَّةِ. فَالْمَسِيحُ لَا يَدِينُ امْتِلَاكَ الْخَيْرَاتِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ يُحَذِّرُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْمَالِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَالْقَرِيبِ (مَتَّى 6: 19-24؛ 1 طِيمُوثَاوُس 6: 17-19).

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ وَالرُّهْبَانِيَّةِ، يَتَّخِذُ فَقْرُ الرُّوحِ بُعْدًا خَاصًّا، إِذْ يَدْعُو الْكَاهِنَ وَالْمُكَرَّسَ إِلَى التَّجَرُّدِ عَنْ حُبِّ السُّلْطَةِ وَالْمَظَاهِرِ، وَإِلَى مُمارَسَةِ الْمَسْؤُولِيَّةِ بِرُوحِ الْخِدْمَةِ وَالْبَسَاطَةِ وَالْأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ (مَتَّى 20: 25-28؛ 1 بُطْرُس 5: 2-3).

 

أَمَّا فِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، فَيُعَدُّ فَقْرُ الرُّوحِ أَسَاسًا لِتَكْوِينِ شَخْصِيَّةٍ كَهَنُوتِيَّةٍ مُتَوَاضِعَةٍ وَنَاضِجَةٍ، تُدْرِكُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تُقَاسُ بِكَثْرَةِ الْمَعْرِفَةِ أَوْ بِالْمَرْتَبَةِ الْكَنَسِيَّةِ، بَلْ بِعُمْقِ الْعَلَاقَةِ مَعَ اللهِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِخِدْمَةِ الْآخَرِينَ. وَبِذَلِكَ، يُصْبِحُ فَقْرُ الرُّوحِ تَرْبِيَةً عَلَى الْحُرِّيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَالْمَحَبَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَالْإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ.

 

تُعْلِنُ التَّطْوِيبَةُ الْأُولَى أَنَّ الْقَدَاسَةَ تَبْدَأُ حِينَ يَتَخَلَّى الْإِنْسَانُ عَنْ وَهْمِ الِاكْتِفَاءِ بِذَاتِهِ، وَيَعْتَرِفُ بِحَاجَتِهِ إِلَى اللهِ وَنِعْمَتِهِ. فَالْفَقِيرُ بِالرُّوحِ لَيْسَ مَنْ حُرِمَ كُلَّ شَيْءٍ، بَلْ مَنْ تَحَرَّرَ قَلْبُهُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْأَشْيَاءِ، وَجَعَلَ اللهَ غِنَاهُ الْحَقِيقِيَّ وَرَجَاءَهُ النِّهَائِيَّ.

 

وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: فَقْرُ الرُّوحِ هُوَ بَابُ التَّطْوِيبَاتِ، وَأَسَاسُ التَّوَاضُعِ الْمَسِيحِيِّ، وَبِدَايَةُ مَسِيرَةِ الْقَدَاسَةِ؛ فَمَنْ يُخْلِي قَلْبَهُ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ وَالتَّعَلُّقِ الْمُفْرِطِ بِالْخَيْرَاتِ الزَّائِلَةِ، يَفْتَحُهُ لِغِنَى النِّعْمَةِ وَمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.

 

 

2. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ: الْقَدَاسَةُ قُوَّةُ الْمَحَبَّةِ لَا الْعُنْفِ

 

"طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ الْأَرْضَ" (مَتَّى 5: 4). الْوَدَاعَةُ هِيَ قُوَّةٌ تَضْبِطُ النَّفْسَ، وَمَحَبَّةٌ تَغْلِبُ الْعَدَاوَةَ، وَتَوَاضُعٌ يَقْتَدِي بِالْمَسِيحِ، وَطَرِيقٌ يَقُودُ إِلَى مِيرَاثِ الْأَرْضِ الْجَدِيدَةِ وَمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. تَكْشِفُ تَطْوِيبَةُ الْوُدَعَاءِ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تُقَاسُ بِقُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى السَّيْطَرَةِ عَلَى الْآخَرِينَ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى السَّيْطَرَةِ عَلَى ذَاتِهِ، وَتَحْوِيلِ غَضَبِهِ إِلَى حِلْمٍ، وَخُصُومَتِهِ إِلَى مُصَالَحَةٍ، وَقُوَّتِهِ إِلَى خِدْمَةٍ. وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ عِنْدَمَا يَدْعُو إِلَى إِصْلَاحِ الْإِنْسَانِ الْمُخْطِئِ بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ (غَلَاطِيَة 6: 1)، وَإِلَى مُعَامَلَةِ النَّاسِ بِالتَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ وَالْمَحَبَّةِ (أَفَسُس 4: 1-3). فَلَا تَعْنِي الْوَدَاعَةُ التَّسَاهُلَ مَعَ الْخَطَإِ أَوِ التَّرَاخِيَ فِي الْمَسْؤُولِيَّةِ، بَلْ تَعْنِي مُمارَسَةَ الْحَزْمِ دُونَ قَسْوَةٍ، وَالتَّصْحِيحِ دُونَ إِذْلَالٍ، وَالسُّلْطَةِ دُونَ تَسَلُّطٍ. فَالْوَدَاعَةُ لَيْسَتْ ضَعْفًا وَلَا اسْتِسْلَامًا، بَلْ هِيَ قُوَّةُ الْمَحَبَّةِ الَّتِي تَنْتَصِرُ عَلَى الْعُنْفِ، وَفَضِيلَةُ التَّوَاضُعِ الَّتِي تَحْفَظُ سَلَامَ الْقَلْبِ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَهِّلُ الْإِنْسَانَ لِقَبُولِ مِيرَاثِ اللهِ. وَبَيْنَمَا يَبْحَثُ الْعَالَمُ كَثِيرًا عَنِ السَّعَادَةِ فِي الْقُوَّةِ وَالنُّفُوذِ وَالِانْتِصَارِ عَلَى الْخُصُومِ، يَضَعُ يَسُوعُ السَّعَادَةَ فِي الْوَدَاعَةِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى اللهِ.

 

كَيْفَ نَعِيشُ تَطْوِيبَةَ الْوُدَعَاءِ؟

 

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى تَحْوِيلِ الْوَدَاعَةِ مِنْ فَضِيلَةٍ نَظَرِيَّةٍ إِلَى أُسْلُوبِ حَيَاةٍ، يَتَجَلَّى فِي عَلَاقَتِهِ بِاللهِ وَبِنَفْسِهِ وَبِالْآخَرِينَ. فَالْوَدِيعُ هُوَ الْإِنْسَانُ الْقَوِيُّ فِي الْحَقِّ، وَاللَّطِيفُ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَالْمُتَوَاضِعُ فِي الْقَلْبِ.

 

وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ ضَبْطِ الْغَضَبِ، وَتَجَنُّبِ الْكَلَامِ الْجَارِحِ وَالْإِهَانَةِ، وَالْإِصْغَاءِ إِلَى الْآخَرِينَ، وَمُعَالَجَةِ الْخِلَافَاتِ بِالْحِوَارِ وَالْحِكْمَةِ وَالْغُفْرَانِ (أَفَسُس 4: 2؛ يَعْقُوب 1: 19-20).

 

وَلَا تَعْنِي الْوَدَاعَةُ التَّخَلِّيَ عَنِ الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ، بَلْ تَعْنِي الدِّفَاعَ عَنْهُمَا دُونَ كَرَاهِيَةٍ أَوْ رُوحِ انْتِقَامٍ. فَالْوَدِيعُ يَرْفُضُ الظُّلْمَ، وَلَكِنَّهُ يَرْفُضُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى صُورَةٍ مِنَ الْعُنْفِ الَّذِي يُقَاوِمُهُ (رُومِيَة 12: 17-21).

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، تُسَاهِمُ الْوَدَاعَةُ فِي تَخْفِيفِ التَّوَتُّرَاتِ وَالْخِلَافَاتِ، وَتَعْزِيزِ الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَبِنَاءِ بِيئَةٍ تَسُودُهَا الْمَحَبَّةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ. فَالْحِوَارُ الْهَادِئُ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمُسَامَحَةِ تُسَاعِدُ عَلَى حِفْظِ وَحْدَةِ الْأُسْرَةِ.

 

أَمَّا فِي الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، فَتَكْتَسِبُ الْوَدَاعَةُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً، لِأَنَّ الْكَاهِنَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَعْكِسَ صُورَةَ الْمَسِيحِ الْوَدِيعِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي مُرَافَقَةِ الْخُطَأَةِ وَالضُّعَفَاءِ، وَفِي مُعَالَجَةِ الْخِلَافَاتِ الرَّعَوِيَّةِ بِالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ.

 

وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْوَدَاعَةُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي يَتَرَبَّى عَلَيْهَا الطَّالِبُ الْإِكْلِيرِيكِيُّ، مِنْ خِلَالِ ضَبْطِ النَّفْسِ، وَقَبُولِ التَّوْجِيهِ وَالتَّصْحِيحِ، وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ، وَالتَّعَامُلِ مَعَ أَخْطَائِهِمْ بِالصَّبْرِ وَالْحِكْمَةِ. فَالْمُرَبِّي الْحَقِيقِيُّ لَا يَفْرِضُ الْخَيْرَ بِالْقَسْوَةِ، بَلْ يَقُودُ إِلَيْهِ بِالْمَثَلِ الصَّالِحِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْحَزْمِ الْمَمْزُوجِ بِالْوَدَاعَةِ (غَلَاطِيَة 6: 1؛ 2 طِيمُوثَاوُس 2: 24-25).

 

تُعْلِنُ التَّطْوِيبَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِالْقُوَّةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْعُنْفِ وَالسَّيْطَرَةِ، بَلْ بِالْقُوَّةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَنْبَعُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّوَاضُعِ وَضَبْطِ النَّفْسِ. فَالْوَدِيعُ لَا يَتَخَلَّى عَنِ الْحَقِّ، بَلْ يَشْهَدُ لَهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْحِكْمَةِ وَالصَّبْرِ، عَلَى مِثَالِ الْمَسِيحِ الْوَدِيعِ وَالْمُتَوَاضِعِ الْقَلْبِ.

 

وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: الْوَدَاعَةُ هِيَ قُوَّةُ الْمَحَبَّةِ الَّتِي تَضْبِطُ الْغَضَبَ، وَتَرْفُضُ الْعُنْفَ، وَتَصُونُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ، وَتَضَعُ ثِقَتَهَا فِي اللهِ؛ وَهِيَ طَرِيقٌ إِلَى الْقَدَاسَةِ وَمِيرَاثِ الْمَلَكُوتِ الْأَبَدِيِّ.

 

 

3. طُوبَى لِلْحَزَانَى: الْقَدَاسَةُ تَمُرُّ بِالتَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالرَّجَاءِ

 

"طُوبَى لِلْحَزَانَى، فَإِنَّهُمْ يُعَزَّوْنَ" (مَتَّى 5: 5). تَكْشِفُ التَّطْوِيبَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تَعْنِي غِيَابَ الْأَلَمِ وَالْحُزْنِ، بَلْ تَتَجَلَّى فِي قُدْرَةِ الْمُؤْمِنِ عَلَى عَيْشِ الْمُعَانَاةِ بِالْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ. فَيَسُوعُ لَا يُمَجِّدُ الْحُزْنَ لِذَاتِهِ، وَلَا يَدْعُو إِلَى طَلَبِ الْأَلَمِ، بَلْ يُعْلِنُ تَعْزِيَةَ اللهِ لِلَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ، وَلِلَّذِينَ يَحْزَنُونَ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالظُّلْمِ وَآلَامِ الْبَشَرِيَّةِ.

 

كَيْفَ نَعِيشُ تَطْوِيبَةَ الْحَزَانَى؟

 

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى تَحْوِيلِ الْحُزْنِ مِنْ حَالَةِ انْغِلَاقٍ عَلَى الذَّاتِ إِلَى مَسِيرَةِ تَوْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَرَجَاءٍ، وَذَلِكَ بِالصَّلَاةِ وَالثِّقَةِ بِاللهِ وَالِانْفِتَاحِ عَلَى حَاجَاتِ الْآخَرِينَ.

 

فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يَحْزَنُ عَلَى خَطَايَاهُ لَا يَسْتَسْلِمُ لِلْيَأْسِ، بَلْ يَعْتَرِفُ بِهَا بِتَوَاضُعٍ، وَيَطْلُبُ مَغْفِرَةَ اللهِ، وَيَسْعَى إِلَى إِصْلَاحِ مَا أَفْسَدَهُ بِأَعْمَالِهِ، وَيَثِقُ بِأَمَانَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ (1 يُوحَنَّا 1: 8-9).

 

أَمَّا الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَتَأَلَّمُ لِآلَامِ الْآخَرِينَ، فَلَا يَكْتَفِي بِالْحُزْنِ وَالْأَسَى، بَلْ يُحَوِّلُ مَشَاعِرَهُ إِلَى مُبَادَرَاتٍ عَمَلِيَّةٍ، كَزِيَارَةِ الْمَرْضَى، وَمُوَاسَاةِ الْمَحْزُونِينَ، وَمُسَاعَدَةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَمُرَافَقَةِ الْمُتَأَلِّمِينَ، عَمَلًا بِدَعْوَةِ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى الْبُكَاءِ مَعَ الْبَاكِينَ (رُومِيَة 12: 15؛ مَتَّى 25: 34-40).

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، تَتَجَلَّى هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ فِي الْإِصْغَاءِ إِلَى آلَامِ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَالْوُقُوفِ إِلَى جَانِبِ الْمَرْضَى وَالْمُسِنِّينَ وَالْمُتَأَلِّمِينَ، وَفِي تَقْدِيمِ التَّعْزِيَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْحُضُورِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرَّجَاءِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، تَكْتَسِبُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً، لِأَنَّ الْكَاهِنَ مَدْعُوٌّ إِلَى امْتِلَاكِ قَلْبٍ رَعَوِيٍّ يَشْعُرُ بِآلَامِ النَّاسِ، وَيُصْغِي إِلَى جِرَاحِهِمْ، وَيُرَافِقُ الْخُطَأَةَ فِي مَسِيرَةِ التَّوْبَةِ وَالْمُصَالَحَةِ، وَيَحْمِلُ إِلَيْهِمْ تَعْزِيَةَ الْمَسِيحِ وَرَجَاءَ الْقِيَامَةِ.

 

وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، يَنْبَغِي تَرْبِيَةُ الطَّالِبِ عَلَى الْحَسَاسِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ تِجَاهَ الْمُتَأَلِّمِينَ، وَعَلَى مُمَارَسَةِ فَحْصِ الضَّمِيرِ وَالتَّوْبَةِ، وَعَلَى تَعَلُّمِ الْإِصْغَاءِ وَالْمُرَافَقَةِ وَالْمُوَاسَاةِ. فَالْخَادِمُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى إِعْلَانِ كَلِمَةِ اللهِ، بَلْ يَجْعَلُ مِنْ حُضُورِهِ وَخِدْمَتِهِ عَلَامَةً لِحَنَانِ الْمَسِيحِ وَرَحْمَتِهِ.

 

وَيُقَدِّمُ بُولُسُ الرَّسُولُ الْأَسَاسَ اللَّاهُوتِيَّ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، إِذْ يُبَارِكُ اللهَ، أَبَا الرَّأْفَةِ وَإِلَهَ كُلِّ تَعْزِيَةٍ، الَّذِي يُعَزِّي الْمُؤْمِنِينَ فِي شَدَائِدِهِمْ لِيَسْتَطِيعُوا هُمْ أَيْضًا أَنْ يُعَزُّوا الْآخَرِينَ بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي نَالُوهَا مِنْهُ (2 قُورِنْثُس 1: 3-4).

 

تُعْلِنُ التَّطْوِيبَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تَتَطَلَّبُ إِنْكَارَ الْحُزْنِ أَوْ إِخْفَاءَ الدُّمُوعِ، بَلْ تَدْعُو إِلَى عَيْشِ الْأَلَمِ بِالْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ، وَإِلَى تَحْوِيلِ الْحُزْنِ عَلَى الْخَطِيئَةِ إِلَى تَوْبَةٍ صَادِقَةٍ، وَالْحُزْنِ عَلَى مُعَانَاةِ الْآخَرِينَ إِلَى مَحَبَّةٍ فَاعِلَةٍ وَتَضَامُنٍ إِنْسَانِيٍّ. فَالْمَسِيحُ لَا يَعِدُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَيَاةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْمِحَنِ، بَلْ بِتَعْزِيَةٍ إِلَهِيَّةٍ تُرَافِقُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الْحَاضِرَةِ، وَتَبْلُغُ كَمَالَهَا حِينَ يَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ (رُؤْيَا 21: 4).

 

وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: الْحُزْنُ الْإِنْجِيلِيُّ هُوَ دَمْعَةُ التَّوْبَةِ الَّتِي تَفْتَحُ الْقَلْبَ لِلْمَغْفِرَةِ، وَدَمْعَةُ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُشَارِكُ الْآخَرِينَ آلامَهُمْ، وَدَمْعَةُ الرَّجَاءِ الَّتِي تَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ اللهِ. وَبِهَذَا، تَصِيرُ التَّطْوِيبَةُ طَرِيقًا إِلَى الْقَدَاسَةِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ الْمَسِيحِ، مَصْدَرِ التَّعْزِيَةِ وَالْحَيَاةِ.

 

 

4. طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ: الْقَدَاسَةُ شَوْقٌ إِلَى الْبِرِّ وَالْعَدَالَةِ

 

"طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، فَإِنَّهُمْ يُشْبَعُونَ" (مَتَّى 5: 6). تَكْشِفُ التَّطْوِيبَةُ الرَّابِعَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الِامْتِنَاعِ عَنِ الشَّرِّ، بَلْ هِيَ اشْتِيَاقٌ عَمِيقٌ وَمُسْتَمِرٌّ إِلَى الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَتَحْقِيقِ مَشِيئَةِ اللهِ. وَيَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ صُورَتَيِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَهُمَا مِنَ الْحَاجَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ شَوْقِ الْمُؤْمِنِ إِلَى اللهِ وَإِلَى حَيَاةٍ تَسُودُهَا الْعَدَالَةُ وَالِاسْتِقَامَةُ. وَلِذَلِكَ، لَا يَقْتَصِرُ الْبِرُّ الْإِنْجِيلِيُّ عَلَى الْعَلَاقَةِ الشَّخْصِيَّةِ بِاللهِ، بَلْ يَشْمَلُ أَيْضًا الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةَ وَالِاجْتِمَاعِيَّةَ، حَيْثُ تَتَجَسَّدُ مَحَبَّةُ اللهِ فِي احْتِرَامِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَحُقُوقِهِ، وَفِي مُمارَسَةِ الْعَدَالَةِ وَالرَّحْمَةِ.وَيَتَّفِقُ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ تَعْلِيمِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ رَبَطُوا الْعِبَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ بِمُمارَسَةِ الْعَدْلِ، وَمُسَاعَدَةِ الْفُقَرَاءِ، وَالدِّفَاعِ عَنِ الْمَظْلُومِينَ (إِشَعْيَاء 1: 16-17؛ مِيخَا 6: 8). تُشَكِّلُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ دَعْوَةً إِلَى اشْتِيَاقٍ عَمِيقٍ وَمُسْتَمِرٍّ إِلَى اللهِ وَبِرِّهِ وَمَلَكُوتِهِ.

 

كَيْفَ نَعِيشُ تَطْوِيبَةَ الْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ؟

 

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى تَنْشِئَةِ قَلْبِهِ عَلَى اشْتِيَاقٍ مُسْتَمِرٍّ إِلَى اللهِ، وَإِلَى تَحْوِيلِ هَذَا الشَّوْقِ إِلَى مَوَاقِفَ وَأَعْمَالٍ تَنْسَجِمُ مَعَ الْإِنْجِيلِ. فَالْبِرُّ الْحَقِيقِيُّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ الدِّينِيَّةِ أَوِ الْمُمَارَسَاتِ الْعِبَادِيَّةِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ وَحْدَةً بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالسُّلُوكِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، يَتَجَلَّى الْجُوعُ إِلَى الْبِرِّ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَالصَّلَاةِ، وَفَحْصِ الضَّمِيرِ، وَالتَّوْبَةِ، وَطَلَبِ مَشِيئَةِ اللهِ وَالْعَمَلِ بِهَا. فَالْمُؤْمِنُ لَا يَكْتَفِي بِسَمَاعِ كَلِمَةِ اللهِ، بَلْ يَسْعَى إِلَى تَطْبِيقِهَا فِي حَيَاتِهِ (مَتَّى 7: 21؛ يَعْقُوب 1: 22).

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، يَتَحَقَّقُ الْبِرُّ فِي الْأَمَانَةِ لِلْعَهْدِ الزَّوْجِيِّ، وَالْعَدَالَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَاحْتِرَامِ كَرَامَةِ كُلِّ شَخْصٍ، وَتَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى الصِّدْقِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْكَنَسِيَّةِ وَالْكَهَنُوتِيَّةِ، يَتَجَسَّدُ الْجُوعُ إِلَى الْبِرِّ فِي الْخِدْمَةِ الْأَمِينَةِ، وَالنَّزَاهَةِ فِي مُمارَسَةِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالشَّهَادَةِ لِلْحَقِّ، وَالِاهْتِمَامِ بِالْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ. فَالْكَاهِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ رَاعِيًا عَادِلًا وَرَحِيمًا، يَخْدُمُ الْجَمَاعَةَ دُونَ تَسَلُّطٍ أَوْ مُحَابَاةٍ (1 بُطْرُس 5: 2-3).

 

وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، يُدْعَى الطَّالِبُ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ طَلَبَ الْبِرِّ وَالْقَدَاسَةِ هَدَفًا أَسَاسِيًّا لِحَيَاتِهِ، فَلَا يَكْتَفِيَ بِتَحْصِيلِ الْمَعْرِفَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، بَلْ يَسْعَى إِلَى تَجْسِيدِهَا فِي سُلُوكِهِ وَعَلَاقَاتِهِ وَخِدْمَتِهِ. وَتَتَجَلَّى هَذِهِ التَّنْشِئَةُ فِي اسْتِقَامَةِ الضَّمِيرِ، وَالْأَمَانَةِ لِلْوَاجِبَاتِ، وَالْإِنْصَافِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْآخَرِينَ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِخِدْمَتِهِمْ بِمَحَبَّةٍ وَتَوَاضُعٍ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، يَتَحَوَّلُ الْجُوعُ إِلَى الْبِرِّ إِلَى الْتِزَامٍ عَمَلِيٍّ بِالْعَدَالَةِ وَالصِّدْقِ وَالنَّزَاهَةِ، وَإِلَى رَفْضِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ وَالِاسْتِغْلَالِ، وَالدِّفَاعِ عَنِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَظْلُومِينَ، وَالْعَمَلِ عَلَى صَوْنِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَحُقُوقِهِ (إِشَعْيَاء 1: 17؛ مِيخَا 6: 8).

 

وَيَسْتَمِدُّ الْمُؤْمِنُ الْقُوَّةَ لِعَيْشِ هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي يَكْشِفُ لِلْعَالَمِ حَقِيقَةَ الْخَطِيئَةِ وَالْبِرِّ وَالدَّيْنُونَةِ (يُوحَنَّا 16: 7-11)، وَيُجَدِّدُ قَلْبَ الْإِنْسَانِ لِيَسْلُكَ فِي الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ (غَلَاطِيَة 5: 22-25).

 

وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: الْجُوعُ وَالْعَطَشُ إِلَى الْبِرِّ هُمَا شَوْقُ الْقَلْبِ إِلَى اللهِ، وَأَمَانَةُ الْحَيَاةِ لِمَشِيئَتِهِ، وَالِالْتِزَامُ بِالْعَدَالَةِ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ؛ أَمَّا الْإِشْبَاعُ الْمَوْعُودُ فَهُوَ عَطِيَّةُ النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تَبْلُغُ كَمَالَهَا فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ.

 

 

5. طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ: الْقَدَاسَةُ تَتَجَسَّدُ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْغُفْرَانِ

 

"طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مَتَّى 5: 7). الرَّحْمَةُ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ الَّتِي نَتَقَبَّلُهَا، وَالْغُفْرَانُ الَّذِي نَمْنَحُهُ، وَالْخَيْرُ الَّذِي نَصْنَعُهُ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي يَقُودُنَا إِلَى الْقَدَاسَةِ وَالشَّرِكَةِ الْأَبَدِيَّةِ مَعَ اللهِ. تُشَكِّلُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ إِعْلَانًا عَنْ جَوْهَرِ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، إِذْ تَرْبِطُ بَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ لِلْإِنْسَانِ وَالرَّحْمَةِ الَّتِي يُمَارِسُهَا الْإِنْسَانُ تِجَاهَ أَخِيهِ. فَالْمَسِيحِيُّ لَا يُدْعَى إِلَى طَلَبِ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ أَيْضًا عَلَامَةً مَنْظُورَةً لِرَحْمَةِ اللهِ فِي الْعَالَمِ.

 

تَكْشِفُ التَّطْوِيبَةُ الْخَامِسَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ الْمَسِيحِيَّةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْمُمَارَسَاتِ الرُّوحِيَّةِ، بَلْ تَتَجَسَّدُ فِي الْمَحَبَّةِ الْفَاعِلَةِ وَالرَّحْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ تِجَاهَ الْقَرِيبِ. فَالرَّحْمَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شُعُورٍ بِالشَّفَقَةِ أَوِ التَّعَاطُفِ، بَلْ هِيَ اسْتِجَابَةٌ لِمُعَانَاةِ الْآخَرِينَ، تَتَحَوَّلُ إِلَى غُفْرَانٍ وَمُسَاعَدَةٍ وَخِدْمَةٍ وَتَضَامُنٍ.

 

كَيْفَ نَعِيشُ تَطْوِيبَةَ الرُّحَمَاءِ؟

 

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ الرَّحْمَةَ أُسْلُوبَ حَيَاةٍ يَطْبَعُ أَفْكَارَهُ وَكَلِمَاتِهِ وَعَلَاقَاتِهِ وَأَعْمَالَهُ، لَا مُجَرَّدَ مُبَادَرَةٍ عَارِضَةٍ أَوْ عَمَلِ إِحْسَانٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ سُلُوكِهِ الْيَوْمِيِّ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، تَتَجَلَّى الرَّحْمَةُ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُسِيئِينَ، وَتَجَنُّبِ الْإِدَانَةِ الْمُتَسَرِّعَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى ضَعَفَاتِ الْآخَرِينَ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِمُسَاعَدَتِهِمْ دُونَ تَمْيِيزٍ أَوِ اسْتِعْلَاءٍ. فَالْإِنْسَانُ الرَّحِيمُ لَا يَتَجَاهَلُ الْخَطَأَ، بَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَ رَفْضِ الشَّرِّ وَاحْتِرَامِ كَرَامَةِ الْخَاطِئِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، تَتَحَقَّقُ الرَّحْمَةُ فِي الْمُسَامَحَةِ الْمُتَبَادَلَةِ، وَالْإِصْغَاءِ، وَالْمُوَاسَاةِ، وَمُرَاعَاةِ الْمَرْضَى وَالْمُسِنِّينَ وَالضُّعَفَاءِ، وَالْعَمَلِ عَلَى حِفْظِ وَحْدَةِ الْأُسْرَةِ. وَتَظْهَرُ خُصُوصًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى تَجَاوُزِ الْخِلَافَاتِ بِالْحِوَارِ وَالْغُفْرَانِ وَالْمَحَبَّةِ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، تَصِيرُ الرَّحْمَةُ عَلَامَةً أَسَاسِيَّةً لِصُورَةِ الْمَسِيحِ الرَّاعِي الصَّالِحِ. فَالْكَاهِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى مُرَافَقَةِ الْخُطَأَةِ وَالْمُتَأَلِّمِينَ، وَالْإِصْغَاءِ إِلَى جِرَاحِهِمْ، وَمُسَاعَدَتِهِمْ عَلَى اكْتِشَافِ رَحْمَةِ اللهِ. وَتَتَجَلَّى هَذِهِ الرِّسَالَةُ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ فِي خِدْمَةِ سِرِّ التَّوْبَةِ وَالْمُصَالَحَةِ، حَيْثُ يَجْمَعُ الْكَاهِنُ بَيْنَ الْأَمَانَةِ لِتَعْلِيمِ الْكَنِيسَةِ وَالْحَنَانِ الْأَبَوِيِّ وَالْحِكْمَةِ الرَّعَوِيَّةِ.

 

وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، يَنْبَغِي تَرْبِيَةُ الطَّالِبِ عَلَى امْتِلَاكِ قَلْبٍ رَحِيمٍ يَشْعُرُ بِحَاجَاتِ الْآخَرِينَ، وَيَرْفُضُ الْقَسْوَةَ وَالْكِبْرِيَاءَ، وَيَتَعَلَّمُ أَنْ تَكُونَ الْمَسْؤُولِيَّةُ خِدْمَةً، وَالتَّصْحِيحُ مَمْزُوجًا بِالْمَحَبَّةِ، وَالتَّوْجِيهُ قَائِمًا عَلَى الِاحْتِرَامِ وَالْحِكْمَةِ. فَالْمُرَبِّي الْحَقِيقِيُّ لَا يَكْتَفِي بِإِظْهَارِ الْخَطَأِ، بَلْ يُسَاعِدُ الشَّخْصَ عَلَى تَجَاوُزِهِ وَالنُّمُوِّ فِي الْفَضِيلَةِ (غَلَاطِيَة 6: 1).

 

وَفِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، تَتَحَوَّلُ الرَّحْمَةُ إِلَى الْتِزَامٍ عَمَلِيٍّ بِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَمُسَاعَدَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُهَمَّشِينَ، وَإِطْعَامِ الْجِيَاعِ، وَزِيَارَةِ الْمَرْضَى، وَمُوَاسَاةِ الْمُتَأَلِّمِينَ، وَالدِّفَاعِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَظْلُومِينَ (مَتَّى 25: 34-40).

 

وَلَا تَنْفَصِلُ الرَّحْمَةُ عَنِ الْعَدَالَةِ؛ فَهِيَ لَا تُبَرِّرُ الظُّلْمَ وَلَا تُلْغِي مَسْؤُولِيَّةَ الْمُسِيءِ، بَلْ تَسْعَى إِلَى إِصْلَاحِ الْخَطَأِ وَحِمَايَةِ الْمَظْلُومِ وَفَتْحِ الطَّرِيقِ أَمَامَ التَّوْبَةِ وَالْمُصَالَحَةِ.

 

وَبِهَذَا، يَصِيرُ الْمُؤْمِنُ عَلَامَةً حَيَّةً لِرَحْمَةِ اللهِ فِي الْعَالَمِ، وَتَصِيرُ مَحَبَّتُهُ لِلْقَرِيبِ شَهَادَةً لِلْمَسِيحِ الَّذِي أَحَبَّنَا وَبَذَلَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِنَا (أَفَسُس 5: 1-2).

 

تُعْلِنُ التَّطْوِيبَةُ الْخَامِسَةُ أَنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ مِنْ أَوْضَحِ الْعَلَامَاتِ عَلَى الْقَدَاسَةِ الْمَسِيحِيَّةِ، لِأَنَّهَا تَجْعَلُ مَحَبَّةَ اللهِ مَنْظُورَةً فِي أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِ وَعَلَاقَاتِهِ. فَالْإِنْسَانُ الرَّحِيمُ لَا يَكْتَفِي بِالشُّعُورِ بِمُعَانَاةِ الْآخَرِينَ، بَلْ يَسْعَى إِلَى تَخْفِيفِهَا، وَلَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ أَخْطَائِهِمْ، بَلْ يَفْتَحُ أَمَامَهُمْ طَرِيقَ الْغُفْرَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالتَّجْدِيدِ. وَيَكْشِفُ الْوَعْدُ «فَإِنَّهُمْ يُرْحَمُونَ» أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي يُمَارِسُهَا الْمُؤْمِنُ لَيْسَتْ ثَمَنًا لِرَحْمَةِ اللهِ، بَلْ ثَمَرَةُ النِّعْمَةِ الَّتِي سَبَقَتْهُ وَدَعَتْهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا بِالْآخَرِينَ.

 

وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: الرَّحْمَةُ هِيَ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تَغْفِرُ، وَالشَّفَقَةُ الَّتِي تَتَحَوَّلُ إِلَى خِدْمَةٍ، وَالْإِيمَانُ الَّذِي يَتَجَسَّدُ فِي الْعَمَلِ؛ وَهِيَ طَرِيقٌ إِلَى الْقَدَاسَةِ، لِأَنَّ مَنْ يَعِيشُ رَحْمَةَ الْمَسِيحِ يَصِيرُ شَاهِدًا لِمَحَبَّةِ الْآبِ وَأَدَاةً لِخَلَاصِهِ فِي الْعَالَمِ.

 

 

6. طُوبَى لِأَطْهَارِ الْقُلُوبِ: الْقَدَاسَةُ تَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ

 

"طُوبَى لِأَطْهَارِ الْقُلُوبِ، فَإِنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ اللهَ" (مَتَّى 5: 8). تَكْشِفُ التَّطْوِيبَةُ السَّادِسَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ الْمَسِيحِيَّةَ تَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ الْإِنْسَانِ، حَيْثُ تَتَكَوَّنُ الْأَفْكَارُ وَالنِّيَّاتُ وَالْقَرَارَاتُ، وَمِنْهُ تَنْطَلِقُ الْأَعْمَالُ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ حَقِيقَةِ حَيَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ. فَيَسُوعُ لَا يَكْتَفِي بِالدَّعْوَةِ إِلَى طَهَارَةِ السُّلُوكِ الْخَارِجِيِّ، بَلْ يُؤَكِّدُ ضَرُورَةَ نَقَاوَةِ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَةِ الضَّمِيرِ وَصِدْقِ الْمَحَبَّةِ.

 

وتُشَكِّلُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ ذُرْوَةً رُوحِيَّةً فِي مَسِيرَةِ الْقَدَاسَةِ، لِأَنَّهَا تَرْبِطُ بَيْنَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ وَالْغَايَةِ النِّهَائِيَّةِ لِلْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، أَيْ مُشَاهَدَةِ اللهِ وَالشَّرِكَةِ الْأَبَدِيَّةِ مَعَهُ. فَالْمَسِيحُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى نَقَاوَةِ السُّلُوكِ الْخَارِجِيِّ، بَلْ يَدْعُو إِلَى تَطْهِيرِ الْإِنْسَانِ مِنْ دَاخِلِهِ، حَيْثُ تَنْبَعُ الْأَفْكَارُ وَالنِّيَّاتُ وَالْقَرَارَاتُ وَالْأَعْمَالُ.

 

كَيْفَ نَعِيشُ تَطْوِيبَةَ أَطْهَارِ الْقُلُوبِ؟

 

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى تَنْقِيَةِ قَلْبِهِ وَتَجْدِيدِ نَوَايَاهُ وَتَوْجِيهِ حَيَاتِهِ نَحْوَ اللهِ. وَتَتَحَقَّقُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ خِلَالِ الصَّلَاةِ وَالتَّوْبَةِ وَفَحْصِ الضَّمِيرِ وَالْإِيمَانِ وَمُمَارَسَةِ الْفَضَائِلِ، بِالتَّعَاوُنِ مَعَ نِعْمَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، تَتَجَلَّى طَهَارَةُ الْقَلْبِ فِي صِدْقِ النِّيَّةِ، وَاسْتِقَامَةِ الضَّمِيرِ، وَنَقَاوَةِ الْأَفْكَارِ وَالْكَلِمَاتِ، وَتَجَنُّبِ الْكَذِبِ وَالرِّيَاءِ وَالْخِدَاعِ. فَالْمُؤْمِنُ الطَّاهِرُ الْقَلْبِ يَسْعَى إِلَى أَنْ تَتَطَابَقَ حَيَاتُهُ الْخَارِجِيَّةُ مَعَ إِيمَانِهِ وَقَنَاعَاتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، تَتَحَقَّقُ طَهَارَةُ الْقَلْبِ فِي الْأَمَانَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ وَصَوْنِ كَرَامَةِ الْأَشْخَاصِ، وَفِي بِنَاءِ عَلَاقَاتٍ قَائِمَةٍ عَلَى الثِّقَةِ وَالصِّدْقِ وَالْمَحَبَّةِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، تَتَجَلَّى طَهَارَةُ الْقَلْبِ فِي نَقَاوَةِ الْمَقَاصِدِ وَالتَّجَرُّدِ عَنِ الْمَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ وَحُبِّ الْمَظَاهِرِ، وَفِي مُمارَسَةِ الْخِدْمَةِ بِرُوحِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ. فَالْكَاهِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَأَنْ يَطْلُبَ مَجْدَ اللهِ وَخَيْرَ النُّفُوسِ، لَا مَجْدَهُ الشَّخْصِيَّ.

 

وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، تَكْتَسِبُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ أَهَمِّيَّةً أَسَاسِيَّةً، لِأَنَّ الطَّالِبَ الْإِكْلِيرِيكِيَّ مَدْعُوٌّ إِلَى تَكْوِينِ ضَمِيرٍ مُسْتَقِيمٍ، وَتَنْقِيَةِ دَوَافِعِ دَعْوَتِهِ، وَالنُّمُوِّ فِي الصِّدْقِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِفَّةِ وَالتَّوَاضُعِ. فَالْإِعْدَادُ لِلْكَهَنُوتِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى التَّحْصِيلِ الْعِلْمِيِّ وَاللَّاهُوتِيِّ، بَلْ يَتَطَلَّبُ تَنْشِئَةً إِنْسَانِيَّةً وَرُوحِيَّةً تُوَحِّدُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالسُّلُوكِ، وَتَجْعَلُ مِنْ حَيَاةِ الطَّالِبِ شَهَادَةً لِلْمَسِيحِ الطَّاهِرِ الْقَلْبِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، تَتَجَسَّدُ طَهَارَةُ الْقَلْبِ فِي رَفْضِ الْكَذِبِ وَالْغِشِّ وَالْفَسَادِ وَالِاسْتِغْلَالِ، وَفِي مُمارَسَةِ النَّزَاهَةِ وَالْعَدَالَةِ وَاحْتِرَامِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ وَكَرَامَتِهِمْ. فَنَقَاوَةُ الْقَلْبِ لَا تَبْقَى شَأْنًا دَاخِلِيًّا مَحْضًا، بَلْ تَنْعَكِسُ فِي الْمَوَاقِفِ وَالْعَلَاقَاتِ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

 

وَلَا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ بِالْجُهْدِ الْبَشَرِيِّ وَحْدَهُ، بَلْ بِالنِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُجَدِّدُ الْقَلْبَ، وَتُمَكِّنُ الْإِنْسَانَ مِنَ النُّمُوِّ فِي الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ.

 

تُعْلِنُ التَّطْوِيبَةُ السَّادِسَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ تَبْدَأُ مِنْ قَلْبٍ صَادِقٍ وَمُتَجَدِّدٍ بِنِعْمَةِ اللهِ، وَتَتَجَلَّى فِي نَقَاوَةِ النِّيَّةِ وَاسْتِقَامَةِ الضَّمِيرِ وَصِدْقِ الْمَحَبَّةِ. فَالْمَسِيحُ لَا يَدْعُو إِلَى طَهَارَةٍ خَارِجِيَّةٍ شَكْلِيَّةٍ، بَلْ إِلَى تَجْدِيدٍ دَاخِلِيٍّ يَشْمَلُ الْفِكْرَ وَالْإِرَادَةَ وَالْعَلَاقَاتِ وَالْأَعْمَالَ.

 

وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: طَهَارَةُ الْقَلْبِ هِيَ نَقَاوَةُ النِّيَّةِ، وَاسْتِقَامَةُ الضَّمِيرِ، وَصِدْقُ الْمَحَبَّةِ، وَالْحُرِّيَّةُ مِنَ الرِّيَاءِ وَالْخِدَاعِ؛ أَمَّا مُشَاهَدَةُ اللهِ فَهِيَ غَايَةُ الْقَدَاسَةِ وَكَمَالُ السَّعَادَةِ الْمَسِيحِيَّةِ.

 

 

7. طُوبَى لِلسَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ: الْقَدَاسَةُ رِسَالَةُ مُصَالَحَةٍ وَصُنْعِ سَلَامٍ

 

"طُوبَى لِلسَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ، فَإِنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (مَتَّى 5: 9). تُشَكِّلُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ دَعْوَةً إِلَى بِنَاءِ السَّلَامِ الدَّاخِلِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ وَالرُّوحِيِّ، وَإِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي رِسَالَةِ الْمَسِيحِ الَّذِي جَاءَ لِيُصَالِحَ الْإِنْسَانَ مَعَ اللهِ، وَالْبَشَرَ بَعْضَهُمْ مَعَ بَعْضٍ. فَالسَّلَامُ الْإِنْجِيلِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ غِيَابِ الْحَرْبِ وَالْخُصُومَةِ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ مِنَ الِانْسِجَامِ مَعَ اللهِ وَالذَّاتِ وَالْقَرِيبِ، وَثَمَرَةٌ مِنْ ثِمَارِ الْعَدَالَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ.

 

تَكْشِفُ التَّطْوِيبَةُ السَّابِعَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ الْمَسِيحِيَّةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ تَتَجَلَّى أَيْضًا فِي بِنَاءِ الْمُصَالَحَةِ وَالْوَحْدَةِ وَالسَّلَامِ بَيْنَ النَّاسِ. فَيَسُوعُ لَا يُطَوِّبُ مُحِبِّي السَّلَامِ فَحَسْبُ، بَلْ يُطَوِّبُ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ إِلَى صُنْعِهِ، وَيَعْمَلُونَ عَلَى إِزَالَةِ أَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ وَالِانْقِسَامِ، وَيَبْذُلُونَ جُهُودًا فِعْلِيَّةً لِإِقَامَةِ عَلَاقَاتٍ قَائِمَةٍ عَلَى الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَالْمَحَبَّةِ.

 

كَيْفَ نَعِيشُ تَطْوِيبَةَ السَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ؟

 

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى تَحْوِيلِ الْمَحَبَّةِ إِلَى مُبَادَرَاتٍ عَمَلِيَّةٍ لِلْمُصَالَحَةِ، وَإِلَى تَجَنُّبِ الْحِقْدِ وَالِانْتِقَامِ وَإِثَارَةِ الْخِلَافَاتِ. فَصُنْعُ السَّلَامِ لَيْسَ مَوْقِفًا عَابِرًا، بَلْ أُسْلُوبُ حَيَاةٍ يَتَجَلَّى فِي الْعَلَاقَةِ مَعَ اللهِ وَالنَّفْسِ وَالْقَرِيبِ وَالْمُجْتَمَعِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، يَتَجَلَّى صُنْعُ السَّلَامِ فِي ضَبْطِ النَّفْسِ وَالْغَضَبِ، وَفَحْصِ الضَّمِيرِ، وَصِدْقِ النِّيَّاتِ، وَالِابْتِعَادِ عَنِ الْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالْكَلَامِ الْجَارِحِ. وَيَتَحَقَّقُ أَيْضًا فِي الِاعْتِرَافِ بِالْأَخْطَاءِ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الِاعْتِذَارِ وَالْمُسَامَحَةِ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَسِرِّ التَّوْبَةِ وَالْمُصَالَحَةِ (مَزْمُور 51: 12؛ يَعْقُوب 4: 8).

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، يَتَحَقَّقُ السَّلَامُ بِالْحِوَارِ وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَالْإِصْغَاءِ إِلَى وَجْهَاتِ النَّظَرِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمُعَالَجَةِ الْخِلَافَاتِ دُونَ عُنْفٍ أَوْ إِهَانَةٍ. وَتَتَجَلَّى هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ أَيْضًا فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى التَّسَامُحِ وَالْغُفْرَانِ وَرَفْضِ الِانْتِقَامِ، وَفِي بِنَاءِ أُسْرَةٍ تَسُودُهَا الثِّقَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْكَنَسِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، يُدْعَى الْكَاهِنُ إِلَى أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِلْمُصَالَحَةِ وَوَحْدَةِ الْجَمَاعَةِ، وَأَنْ يُصْغِيَ إِلَى الْمُتَخَاصِمِينَ، وَيُسَاعِدَهُمْ عَلَى تَجَاوُزِ الْخِلَافَاتِ بِالْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَالْمَحَبَّةِ. فَالْكَنِيسَةُ مَدْعُوَّةٌ إِلَى أَنْ تَكُونَ عَلَامَةً لِلْمُصَالَحَةِ الَّتِي وَهَبَهَا اللهُ لِلْعَالَمِ بِالْمَسِيحِ (2 قُورِنْثُس 5: 18-20).

 

وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، يَنْبَغِي تَرْبِيَةُ الطَّالِبِ عَلَى فَضِيلَةِ صُنْعِ السَّلَامِ مِنْ خِلَالِ تَعَلُّمِ الْحِوَارِ، وَالْعَمَلِ الْجَمَاعِيِّ، وَضَبْطِ الْغَضَبِ، وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ، وَتَجَنُّبِ الْمُنَافَسَةِ غَيْرِ السَّلِيمَةِ وَالْأَحْكَامِ الْمُتَسَرِّعَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالِانْقِسَامَاتِ. فَالطَّالِبُ الْإِكْلِيرِيكِيُّ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ مُنْذُ مَرْحَلَةِ التَّنْشِئَةِ كَيْفَ يَكُونُ أَدَاةً لِلْمُصَالَحَةِ وَالْوَحْدَةِ فِي حَيَاتِهِ الْكَهَنُوتِيَّةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، يَتَطَلَّبُ صُنْعُ السَّلَامِ رَفْضَ الْعُنْفِ وَالظُّلْمِ وَالْكَرَاهِيَةِ وَالتَّمْيِيزِ، وَتَعْزِيزَ الْعَدَالَةِ وَاحْتِرَامِ الْحُقُوقِ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ. فَالسَّلَامُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَقُومُ عَلَى إِسْكَاتِ الْمَظْلُومِينَ أَوْ تَجَاهُلِ حُقُوقِهِمْ، بَلْ عَلَى مُعَالَجَةِ أَسْبَابِ الظُّلْمِ وَالْعَدَاوَةِ، وَبِنَاءِ عَلَاقَاتٍ قَائِمَةٍ عَلَى الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ وَالتَّضَامُنِ.

 

وَيُوَجِّهُ بُولُسُ الرَّسُولُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى هَذَا السُّلُوكِ، دَاعِيًا إِيَّاهُمْ إِلَى مُسَالَمَةِ جَمِيعِ النَّاسِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الِانْتِقَامِ، وَالِانْتِصَارِ عَلَى الشَّرِّ بِالْخَيْرِ (رُومِيَة 12: 18-21). وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ يَعْقُوبُ أَنَّ ثَمَرَ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلَامِ لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ السَّلَامَ (يَعْقُوب 3: 18).

 

وَلَا يَعْنِي هَذَا التَّعْلِيمُ أَنَّ السَّعْيَ إِلَى السَّلَامِ يَفْرِضُ السُّكُوتَ عَنِ الظُّلْمِ أَوِ التَّنَازُلَ عَنِ الْحَقِّ، بَلْ يَتَطَلَّبُ الشَّجَاعَةَ فِي إِعْلَانِ الْحَقِّ، وَالْعَمَلَ عَلَى إِزَالَةِ أَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ، وَالدِّفَاعَ عَنْ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ بِوَسَائِلَ سِلْمِيَّةٍ وَعَادِلَةٍ.

 

تُعْلِنُ التَّطْوِيبَةُ السَّابِعَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِالِابْتِعَادِ عَنِ الْخِلَافَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمُصَالَحَةِ وَبِنَاءِ الْوَحْدَةِ وَإِقَامَةِ السَّلَامِ عَلَى أَسَاسِ الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَالْمَحَبَّةِ. فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يَصْنَعُ السَّلَامَ لَا يَكْتَفِي بِرَفْضِ الْعُنْفِ وَالْكَرَاهِيَةِ، بَلْ يَسْعَى إِلَى تَحْوِيلِ الْخِلَافَاتِ إِلَى فُرَصٍ لِلْحِوَارِ وَالْغُفْرَانِ وَالتَّعَاوُنِ. وَبِهَذَا، يَتَشَبَّهُ بِالْمَسِيحِ الَّذِي صَالَحَ الْبَشَرَ مَعَ اللهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَكُونُوا خُدَّامًا لِلْمُصَالَحَةِ.

 

وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: صُنْعُ السَّلَامِ هُوَ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تُصَالِحُ، وَالْعَدَالَةُ الَّتِي تُنْصِفُ، وَالْحَقُّ الَّذِي يُحَرِّرُ، وَالْغُفْرَانُ الَّذِي يَشْفِي الْعَلَاقَاتِ؛ وَهُوَ طَرِيقٌ إِلَى الْقَدَاسَةِ، لِأَنَّ صَانِعِي السَّلَامِ يَعْكِسُونَ فِي حَيَاتِهِمْ صُورَةَ الْمَسِيحِ، وَيَشْهَدُونَ لِبُنُوَّتِهِمْ لِلهِ بِالنِّعْمَةِ.

 

 

8. طُوبَى لِلْمُضْطَهَدِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ: الْقَدَاسَةُ أَمَانَةٌ لِلْمَسِيحِ حَتَّى النِّهَايَةِ

 

"طُوبَى لِلْمُضْطَهَدِينَ عَلَى الْبِرِّ، فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 5: 10). الِاضْطِهَادُ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ هُوَ امْتِحَانُ الْأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ، وَالشَّهَادَةُ لِلْحَقِّ هِيَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَاحْتِمَالُ الْآلَامِ بِالرَّجَاءِ هُوَ مُشَارَكَةٌ فِي صَلِيبِ الْمَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ؛ أَمَّا مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ فَهُوَ الْوَعْدُ الَّذِي يَضْمَنُ أَنَّ الْحَقَّ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمَا الْكَلِمَةُ الْأَخِيرَةُ. وتُشَكِّلُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الثَّامِنَةُ خَاتِمَةَ التَّطْوِيبَاتِ الْإِنْجِيلِيَّةِ، وَتُعْلِنُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى مُمارَسَةِ الْفَضَائِلِ فِي الظُّرُوفِ الْمُوَاتِيَةِ، بَلْ تَتَجَلَّى أَيْضًا فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَالْبِرِّ وَالْإِيمَانِ عِنْدَ مُوَاجَهَةِ الْمُعَارَضَةِ وَالِاضْطِهَادِ. وَتَكْتَسِبُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً لِأَنَّهَا تُعِيدُ الْوَعْدَ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ التَّطْوِيبَاتُ: "فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 5: 3، 10). وَبِهَذَا، يُحِيطُ وَعْدُ الْمَلَكُوتِ بِالتَّطْوِيبَاتِ جَمِيعِهَا، مِنَ الْفَقْرِ بِالرُّوحِ إِلَى الشَّهَادَةِ لِلْحَقِّ وَاحْتِمَالِ الِاضْطِهَادِ.

 

والشَّهَادَةُ لِلْمَسِيحِ هِيَ أَمَانَةٌ لِلْحَقِّ أَمَامَ الِافْتِرَاءِ، وَمَحَبَّةٌ أَمَامَ الْعَدَاوَةِ، وَصَبْرٌ أَمَامَ الِاضْطِهَادِ، وَرَجَاءٌ أَمَامَ الْأَلَمِ؛ وَبِهَذِهِ الْأَمَانَةِ يَسِيرُ التِّلْمِيذُ عَلَى خُطَى الْمَسِيحِ الْمَصْلُوبِ وَالْقَائِمِ، فِي طَرِيقِ الْقَدَاسَةِ وَالْمَجْدِ الْأَبَدِيِّ. وَيَكْشِفُ هَذَا الِانْتِقَالُ أَنَّ التَّطْوِيبَاتِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَبَادِئَ أَخْلَاقِيَّةٍ عَامَّةٍ، بَلْ هِيَ بَرْنَامَجُ حَيَاةٍ لِمَنْ يَخْتَارُ اتِّبَاعَ الْمَسِيحِ. فَالتَّلْمِيذُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَشْهَدَ لِلْحَقِّ وَالْبِرِّ وَالْمَحَبَّةِ، حَتَّى عِنْدَمَا تُقَابَلُ شَهَادَتُهُ بِالتَّعْيِيرِ وَالِاضْطِهَادِ وَالِافْتِرَاءِ.

 

وتَبْلُغُ التَّطْوِيبَاتُ الْإِنْجِيلِيَّةُ ذُرْوَتَهَا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْبِرِّ، حَتَّى عِنْدَ مُوَاجَهَةِ الِاضْطِهَادِ وَالْمُعَارَضَةِ. فَالْقَدَاسَةُ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى مُمارَسَةِ الْفَضَائِلِ فِي ظُرُوفِ الرَّاحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، بَلْ تَتَجَلَّى أَيْضًا فِي الْأَمَانَةِ لِلهِ وَلِإِنْجِيلِهِ، حِينَ تَسْتَلْزِمُ هَذِهِ الْأَمَانَةُ تَضْحِيَاتٍ وَمَشَقَّاتٍ.

 

كَيْفَ نَعِيشُ تَطْوِيبَةَ الْمُضْطَهَدِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ؟

 

تَدْعُو هَذِهِ التَّطْوِيبَةُ الْمُؤْمِنَ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ أَمَانَتَهُ لِلْمَسِيحِ أَسَاسًا لِمَوَاقِفِهِ وَقَرَارَاتِهِ، وَأَلَّا يَجْعَلَ مِنْ قَبُولِ النَّاسِ لَهُ أَوْ رِضَاهُمْ عَنْهُ الْمِعْيَارَ النِّهَائِيَّ لِلْحَقِّ وَالْخَيْرِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، تَتَجَلَّى الْأَمَانَةُ لِلْبِرِّ فِي الصِّدْقِ وَاسْتِقَامَةِ الضَّمِيرِ وَالشَّجَاعَةِ فِي قَوْلِ الْحَقِّ، وَرَفْضِ الْكَذِبِ وَالْخِدَاعِ وَالْمُسَاوَمَةِ عَلَى الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ. وَتَظْهَرُ أَيْضًا فِي عَدَمِ مُقَابَلَةِ الْكَرَاهِيَةِ بِالْكَرَاهِيَةِ، وَالِانْتِصَارِ عَلَى الشَّرِّ بِالْخَيْرِ (رُومِيَة 12: 17-21).

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْعَائِلِيَّةِ، تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الْأَمَانَةُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ، وَفِي تَنْشِئَتِهِمْ عَلَى الشَّجَاعَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْقِيَمِ الْمَسِيحِيَّةِ، حَتَّى عِنْدَ مُوَاجَهَةِ الضُّغُوطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، يُدْعَى الْكَاهِنُ إِلَى إِعْلَانِ كَلِمَةِ اللهِ بِالْأَمَانَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَإِلَى الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ دُونَ خَوْفٍ أَوْ رُوحِ عَدَاوَةٍ. فَالْخَادِمُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَسْعَى إِلَى إِرْضَاءِ النَّاسِ عَلَى حِسَابِ الْإِنْجِيلِ، بَلْ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ تَكُونَ خِدْمَتُهُ شَهَادَةً لِلْمَسِيحِ وَالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ (غَلَاطِيَة 1: 10).

 

وَفِي التَّنْشِئَةِ الْإِكْلِيرِيكِيَّةِ، يَتَطَلَّبُ الِاسْتِعْدَادُ لِلْكَهَنُوتِ تَرْبِيَةَ الطَّالِبِ عَلَى الشَّجَاعَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْأَمَانَةِ لِلضَّمِيرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الصُّعُوبَاتِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّقْدِ الْبَنَّاءِ الَّذِي يُسَاعِدُهُ عَلَى النُّمُوِّ، وَالْمُعَارَضَةِ غَيْرِ الْعَادِلَةِ الَّتِي قَدْ يُوَاجِهُهَا بِسَبَبِ أَمَانَتِهِ لِلْحَقِّ. فَالْقَدَاسَةُ لَا تَعْنِي الْعِنَادَ أَوْ رَفْضَ التَّصْحِيحِ، بَلْ تَعْنِي الثَّبَاتَ فِي الْخَيْرِ مَعَ التَّوَاضُعِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِمُرَاجَعَةِ الذَّاتِ.

 

وَفِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، تَتَجَلَّى الشَّهَادَةُ لِلْبِرِّ فِي رَفْضِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ وَالْعُنْفِ، وَفِي الدِّفَاعِ عَنِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَظْلُومِينَ وَالضُّعَفَاءِ، وَالْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ الْعَدَالَةِ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ بِوَسَائِلَ تَحْتَرِمُ الْحَقَّ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلَامَ.

 

وَلَا يَعْنِي الثَّبَاتُ فِي الْبِرِّ السُّكُوتَ عَنِ الْإِسَاءَةِ أَوِ التَّخَلِّيَ عَنْ حِمَايَةِ النَّفْسِ وَالْآخَرِينَ، بَلْ يَتَطَلَّبُ الدِّفَاعَ الْمَشْرُوعَ عَنِ الْحُقُوقِ، وَالسَّعْيَ إِلَى وَقْفِ الظُّلْمِ وَإِزَالَةِ أَسْبَابِهِ، دُونَ الِانْجِرَارِ إِلَى الْكَرَاهِيَةِ وَالِانْتِقَامِ.

 

وَيَبْقَى الْمَبْدَأُ الْأَسَاسِيُّ أَنَّ الْمَسِيحِيَّ لَا يَبْحَثُ عَنِ الْعَدَاوَةِ، وَلَا يُثِيرُ الِاضْطِهَادَ، بَلْ يَسْعَى إِلَى السَّلَامِ مَعَ الْجَمِيعِ، وَيَثْبُتُ فِي الْحَقِّ إِذَا تَعَرَّضَ لِلرَّفْضِ بِسَبَبِهِ (رُومِيَة 12: 18-21).

 

تُعْلِنُ التَّطْوِيبَةُ الثَّامِنَةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ تَبْلُغُ نُضْجَهَا فِي الْأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ وَالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ، حَتَّى عِنْدَمَا تَتَطَلَّبُ هَذِهِ الْأَمَانَةُ تَضْحِيَاتٍ وَمَشَقَّاتٍ. فَالْمُضْطَهَدُ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ لَيْسَ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْأَلَمِ، بَلْ مَنْ يَرْفُضُ التَّخَلِّيَ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ وَالْحَقِّ، وَيُوَاصِلُ فِعْلَ الْخَيْرِ بِالشَّجَاعَةِ وَالرَّجَاءِ. وَيَكْشِفُ وَعْدُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَنَّ أَمَانَةَ الْمُؤْمِنِ لَا تَضِيعُ أَمَامَ اللهِ، وَأَنَّ الِاضْطِهَادَ لَيْسَ الْكَلِمَةَ الْأَخِيرَةَ فِي مَسِيرَتِهِ، بَلِ الْقِيَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ.

 

وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: الِاضْطِهَادُ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ هُوَ امْتِحَانُ الْأَمَانَةِ، وَالشَّهَادَةُ لِلْحَقِّ هِيَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَالثَّبَاتُ فِي الْمِحَنِ هُوَ مُشَارَكَةٌ فِي صَلِيبِ الْمَسِيحِ وَرَجَاءِ قِيَامَتِهِ؛ وَبِذَلِكَ تَصِيرُ الْأَمَانَةُ حَتَّى النِّهَايَةِ طَرِيقًا إِلَى الْقَدَاسَةِ وَمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.

 

 

الْخُلَاصَةُ: التَّطْوِيبَاتُ طَرِيقٌ إِلَى الْقَدَاسَةِ

 

تُشَكِّلُ التَّطْوِيبَاتُ الْإِنْجِيلِيَّةُ (مَتَّى 5: 1-12) جَوْهَرَ تَعْلِيمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ عَنِ السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْقَدَاسَةِ الْمَسِيحِيَّةِ. فَهِيَ لَيْسَتْ مَجْمُوعَةً مِنَ الْوَصَايَا الْأَخْلَاقِيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ، بَلْ مِنْهَاجٌ رُوحِيٌّ مُتَكَامِلٌ، يَبْدَأُ بِالْفَقْرِ بِالرُّوحِ وَالتَّوَاضُعِ، وَيَتَجَلَّى فِي الْوَدَاعَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالْحُزْنِ عَلَى الشَّرِّ، وَالْجُوعِ إِلَى الْبِرِّ، وَالرَّحْمَةِ وَنَقَاوَةِ الْقَلْبِ وَصُنْعِ السَّلَامِ، وَيَبْلُغُ ذُرْوَتَهُ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالشَّهَادَةِ لِلْمَسِيحِ وَسَطَ الِاضْطِهَادَاتِ.

 

وَتَكْتَسِبُ التَّطْوِيبَاتُ بُعْدَهَا الْمَسِيحَانِيَّ مِنْ كَوْنِهَا تَرْسُمُ صُورَةَ يَسُوعَ الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، الَّذِي جَسَّدَ فِي حَيَاتِهِ الْفَقْرَ وَالْوَدَاعَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالسَّلَامَ وَالْأَمَانَةَ لِلْآبِ حَتَّى الْمَوْتِ عَلَى الصَّلِيبِ. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ عَيْشَ التَّطْوِيبَاتِ يَعْنِي الِاتِّحَادَ بِالْمَسِيحِ وَالتَّشَبُّهَ بِهِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ (غَلَاطِيَة 2: 20؛ 5: 22-25). وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُهُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، إِذْ يُعْلِنُ أَنَّ التَّطْوِيبَاتِ تَرْسُمُ وَجْهَ الْمَسِيحِ وَتَكْشِفُ دَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي آلامِهِ وَمَجْدِ قِيَامَتِهِ (الْعَدَدُ 1717).

 

وَتَكْشِفُ التَّطْوِيبَاتُ مُفَارَقَةَ الْإِنْجِيلِ الْأَسَاسِيَّةَ: فَالسَّعَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى الْغِنَى وَالسُّلْطَةِ وَالْمَجْدِ الزَّائِلِ، بَلْ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ، وَالْأَمَانَةِ لِمَشِيئَتِهِ، وَبَذْلِ الذَّاتِ فِي خِدْمَةِ الْقَرِيبِ. وَالْقَدَاسَةُ لَيْسَتْ كَمَالًا بَشَرِيًّا يَتَحَقَّقُ بِالْجُهْدِ الذَّاتِيِّ وَحْدَهُ، بَلْ هِيَ اسْتِجَابَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِلنِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُجَدِّدُ الْإِنْسَانَ وَتُحَوِّلُهُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى صُورَةِ الْمَسِيحِ (2 قُورِنْثُس 3: 18).

 

وَبِذَلِكَ، تُعَدُّ التَّطْوِيبَاتُ دَعْوَةً شَامِلَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِلَى قَدَاسَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ، وَالْعِبَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَالْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَتَجْعَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ شَاهِدًا لِرَحْمَةِ اللهِ وَعَدَالَتِهِ وَسَلَامِهِ فِي الْعَالَمِ.

 

وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ: التَّطْوِيبَاتُ هِيَ صُورَةُ الْمَسِيحِ، وَدُسْتُورُ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَمِنْهَاجُ الْقَدَاسَةِ، وَالطَّرِيقُ الْمُؤَدِّي إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ وَالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ.

 

 

دُعَاءٌ

 

أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، يَا مَنْ أَعْلَنْتَ التَّطْوِيبَاتِ عَلَى الْجَبَلِ، وَجَسَّدْتَهَا فِي حَيَاتِكَ وَرِسَالَتِكَ وَصَلِيبِكَ، عَلِّمْنَا أَنْ نَسِيرَ عَلَى طَرِيقِ الْقَدَاسَةِ الَّذِي رَسَمْتَهُ لَنَا.

 

امْنَحْنَا فَقْرَ الرُّوحِ لِنَتَّكِلَ عَلَيْكَ، وَقَلْبًا تَائِبًا لِنَنَالَ تَعْزِيَتَكَ، وَوَدَاعَةً لِنَقْتَدِيَ بِتَوَاضُعِكَ، وَجُوعًا إِلَى الْبِرِّ لِنَعْمَلَ بِمَشِيئَتِكَ.

اجْعَلْنَا رُحَمَاءَ كَمَا أَنْتَ رَحِيمٌ، وَأَنْقِيَاءَ الْقُلُوبِ لِنُعَايِنَ وَجْهَكَ، وَصَانِعِي سَلَامٍ لِنَكُونَ أَبْنَاءَ أَبِيكَ السَّمَاوِيِّ.

 

وَثَبِّتْنَا فِي الْإِيمَانِ عِنْدَمَا تُوَاجِهُنَا الْمِحَنُ وَالِاضْطِهَادَاتُ، لِكَيْ نَبْقَى أُمَنَاءَ لَكَ حَتَّى النِّهَايَةِ.

 

يَا رَبُّ، لَا تَسْمَحْ أَنْ تَبْقَى التَّطْوِيبَاتُ كَلِمَاتٍ نَقْرَؤُهَا أَوْ تَعَالِيمَ نَشْرَحُهَا، بَلِ اجْعَلْهَا حَيَاةً نَعِيشُهَا، وَمَحَبَّةً نَشْهَدُ بِهَا، وَطَرِيقًا نَسِيرُ عَلَيْهِ نَحْوَ مَلَكُوتِكَ الْأَبَدِيِّ. آمِينَ.

 

 

قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ: القِدِّيسُ دَامِيَانُ دُو ڤُوسْتَر: رَجُلٌ عَاشَ التَّطْوِيبَاتِ بَيْنَ الْمَرْضَى وَالْمَنْبُوذِينَ

 

فِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، كَانَتْ جَزِيرَةُ مُولُوكَاي فِي هَاوَاي تَضُمُّ مُسْتَوْطَنَةً مَعْزُولَةً لِلْمُصَابِينَ بِمَرَضِ الْجُذَامِ، حَيْثُ كَانَ الْمَرْضَى يُفْصَلُونَ عَنْ عَائِلَاتِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَيَعِيشُونَ فِي ظُرُوفٍ قَاسِيَةٍ مِنَ الْأَلَمِ وَالْحِرْمَانِ وَالْوَحْدَةِ.

 

فِي سَنَةِ 1873، تَطَوَّعَ الْأَبُ دَامِيَانُ دُو ڤُوسْتَر، وَهُوَ كَاهِنٌ كَاثُولِيكِيٌّ بَلْجِيكِيُّ الْأَصْلِ، لِلذَّهَابِ إِلَى هَذِهِ الْمُسْتَوْطَنَةِ وَخِدْمَةِ سُكَّانِهَا. وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْوَعْظِ وَإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ، بَلْ شَارَكَ الْمَرْضَى حَيَاتَهُمُ الْيَوْمِيَّةَ، وَسَاعَدَ فِي بِنَاءِ الْمَنَازِلِ، وَرَعَى الْمُحْتَاجِينَ، وَاهْتَمَّ بِالْمَرْضَى وَالْمُحْتَضَرِينَ، وَسَعَى إِلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ كَرَامَتَهُمُ الْإِنْسَانِيَّةَ.

 

وَفِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ، تَجَلَّتْ مَعَانِي التَّطْوِيبَاتِ الْإِنْجِيلِيَّةِ: فَقَدْ عَاشَ فَقْرَ الرُّوحِ بِالتَّخَلِّي عَنْ رَاحَتِهِ، وَالْوَدَاعَةَ بِالِاقْتِرَابِ مِنَ الْمَنْبُوذِينَ، وَالرَّحْمَةَ بِمُدَاوَاةِ جِرَاحِهِمْ، وَنَقَاوَةَ الْقَلْبِ بِخِدْمَتِهِمْ دُونَ انْتِظَارِ مُكَافَأَةٍ، وَصُنْعَ السَّلَامِ بِإِعَادَةِ الرَّجَاءِ إِلَى نُفُوسِهِمْ.

 

وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْخِدْمَةِ، أُصِيبَ الْأَبُ دَامِيَانُ نَفْسُهُ بِالْجُذَامِ. وَعِوَضًا عَنْ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْ رِسَالَتِهِ، وَاصَلَ خِدْمَتَهُ مَا اسْتَطَاعَ، حَتَّى تُوُفِّيَ فِي 15 نَيْسَانَ 1889. وَقَدْ أَعْلَنَتْهُ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ قِدِّيسًا فِي 11 تِشْرِينِ الْأَوَّلِ 2009.

 

العِبْرَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالتَّطْبِيقُ الْحَيَاتِيُّ

 

تُعَلِّمُنَا هَذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ الْقَدَاسَةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِالْكَلَامِ عَنِ الْمَحَبَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ بِتَجْسِيدِهَا فِي الْخِدْمَةِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالرَّحْمَةِ. فَالْقِدِّيسُ دَامِيَانُ لَمْ يَبْحَثْ عَنْ طَرِيقٍ سَهْلٍ إِلَى السَّعَادَةِ، بَلْ وَجَدَ مَعْنَى حَيَاتِهِ فِي مُشَارَكَةِ الْمُتَأَلِّمِينَ آلامَهُمْ، وَفِي إِظْهَارِ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ لَهُمْ.

 

وَهَكَذَا، تُصْبِحُ التَّطْوِيبَاتُ الثَّمَانِي وَاقِعًا مَعِيشًا، لَا مُجَرَّدَ مَبَادِئَ نَظَرِيَّةٍ. فَالْقَدَاسَةُ تَبْدَأُ حِينَ نَفْتَحُ قُلُوبَنَا لِلهِ، وَنَتَوَاضَعُ أَمَامَ الْآخَرِينَ، وَنُوَاسِي الْحَزَانَى، وَنُدَافِعُ عَنِ الْمَظْلُومِينَ، وَنَرْحَمُ الضُّعَفَاءَ، وَنَسْعَى إِلَى السَّلَامِ، وَنَبْقَى أُمَنَاءَ لِلْمَسِيحِ وَإِنْ كَلَّفَنَا ذَلِكَ التَّضْحِيَةَ. وَتَبْقَى كَلِمَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ خُلَاصَةَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مَتَّى 5: 7). فَالْقَدَاسَةُ لَيْسَتْ أَنْ نَنْعَزِلَ عَنْ آلامِ الْعَالَمِ، بَلْ أَنْ نَحْمِلَ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ إِلَى قُلُوبِ الْمُتَأَلِّمِينَ.