موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٢ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

التحرّش: جرحٌ قديم في جسد التاريخ

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
قراءة في «تكوين 34» من منظور أخلاقي – كتابي ممتد إلى الحاضر

قراءة في «تكوين 34» من منظور أخلاقي – كتابي ممتد إلى الحاضر

 

يميل القارئ إلى النظر إلى ظواهر مثل التحرّش الجنسي بوصفها نتاجًا حديثًا لانحلال أخلاقي أو اضطراب اجتماعي معاصر. غير أنّ النصوص الكتابية، وعلى رأسها أسفار العهد القديم، تكشف بوضوح أنّ هذا الجرح أقدم بكثير؛ جرح مرتبط باختلال القوّة بين البشر، وباستخدام الجسد كموضوع لا ككيان ذي كرامة.

 

يقدّم الإصحاح الرابع والثلاثون من سفر التكوين واحدة من أكثر الروايات صراحةً وقسوة في هذا السياق: قصة دينة ابنة ليئة التي ولدتها ليعقوب، وما تعرّضت له على يد شكيم ابن حمور الحوّي.

 

 

النص وسياقه

 

تقع القصة في مرحلة استقرار يعقوب وأسرته قرب مدينة شكيم التي في أرض كنعان، أي في فضاء تداخل ثقافي واجتماعي بين العبرانيين وسكّان الأرض. تخرج دينة «لتنظر بنات الأرض»، وهي عبارة محايدة في ظاهرها، لكنّها سرعان ما تتحوّل إلى مدخل لمأساة صامتة.

 

يصف النص فعل شكيم بسلسلة أفعال متتابعة تكشف طبيعة ما جرى دون مواربة لغوية: أخذها، اضطجع معها، أذلّها. هذه الأفعال لا تترك مجالًا لتأويل رومانسي أو رضائي، بل تضع القارئ أمام فعل اعتداء واضح، لا يحتاج إلى تبرير ولا إلى تلطيف.

 

 

الاعتداء كفعل قوّة

 

اللافت في السرد أنّ النص يذكر لاحقًا «تعلّق نفس شكيم بدينة»، ومحاولته «إصلاح الأمر» عبر الزواج والمهر. غير أنّ هذا الترتيب الزمني ليس بريئًا: العاطفة التي تأتي بعد الإذلال، لا قبله. وهنا يكشف النص جوهر التحرّش والاعتداء: ليس تعبيرًا عن حب، بل ممارسة قوّة. موقع شكيم الاجتماعي، بوصفه ابن «رئيس الأرض»، ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزءًا من بنية الجريمة نفسها. القوّة تسبق الرغبة، وتفرض الصمت، ثم تحاول لاحقًا أن تتزيّن بلغة المشاعر أو الأعراف.

 

 

صمت الضحية وصخب الآخرين

 

من أكثر ما يثير القلق في هذا الإصحاح هو غياب صوت دينة بالكامل. لا نسمع منها كلمة واحدة. غير أنّ هذا الصمت لا يعني الألم، بل يعكس واقعًا اجتماعيًا يُسكت ويُفوّض الآخرين بالكلام عنها. يعقوب يصمت صمتًا حذرًا، حسابيًا، يخشى العواقب السياسية. أمّا بنوه شمعون ولاوي، فيختاران طريق العنف والانتقام الجماعي، فيحوّلان الجريمة الفردية إلى مذبحة. النص، بعمقه اللاهوتي، لا يبرّئ أحدًا: الصمت ليس عدالة، والانتقام ليس شفاء.

 

 

أخلاق السرد الكتابي

 

من المهم أنّ سفر التكوين لا يقدّم هذه القصة بوصفها نموذجًا يُحتذى، بل بوصفها كشفًا للواقع الإنساني في هشاشته وسقوطه.

 

الكتاب المقدّس لا يجمّل التاريخ، ولا يحذف صفحاته المظلمة، بل يضعها أمام القارئ بلا أقنعة. وجود قصة دينة في النص ليس مصادفة، بل شهادة على أنّ الإيمان لا ينفصل عن مواجهة العنف، ولا يهرب من الأسئلة الصعبة المتعلقة بالجسد والكرامة.

 

 

من الماضي إلى الحاضر

 

حين نقرأ هذه القصة اليوم، لا نقرأها كنصّ أثري، بل كمرآة. التحرّش لم يتغيّر في جوهره:

- مازال مرتبطًا بالقوّة لا بالرغبة

- ما زال يُقابل بالصمت أو التبرير

- وما زالت الضحية تُحاصَر بالخجل أكثر من الجاني

 

الفرق أنّ عصرنا بدأ، ببطء، بتسمية الأشياء بأسمائها، وبكسر دائرة الصمت، وإن لم تكتمل المسيرة بعد.

 

 

أخيرًا وليس آخرًا

 

تكشف قصة دينة أنّ التحرّش ليس عارضًا تاريخيًا، بل جرحًا إنسانيًا متكرّرًا. غير أنّ مواجهة هذا الجرح تبدأ بالاعتراف به، وبتحرير الصوت المخنوق، وبالسعي إلى عدالة لا تُختزل في الصمت ولا تنفجر في العنف.

 

إن قراءة «تكوين 34» اليوم ليست إدانة للماضي فحسب، بل مساءلة للحاضر، ودعوة إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بجسد الآخر على أساس الكرامة، لا القوّة.