موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٦ فبراير / شباط ٢٠٢٦

العدالة الترميميّة في سفر راعوث

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
العدالة الترميميّة في سفر راعوث

العدالة الترميميّة في سفر راعوث

 

يقدّم سفر راعوث تصورًا لاهوتيًا وأخلاقيًا للعدالة يختلف جذريًا عن العدالة القانونية الصارمة القائمة على النصوص والمؤسسات والإجراءات المجردة. فالعدالة التي يعرضها السفر ليست عدالة عقابية تهدف إلى إدانة المقصّرين، بل عدالة ترميميّة تسعى إلى شفاء المتضرّرين، وإعادة إدماجهم في نسيج الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وردّ اعتبارهم الإنساني. وتزداد أهمية هذا التصور حين يوضع السفر في سياقه التاريخي، أي في «أيام القضاة» (راعوث 1:1)، وهي مرحلة تتسم بانهيار النظام الاجتماعي، وتفكك البنية الأخلاقية، وغياب المرجعية القانونية المستقرة، فـ « فِي تِلْكَ ٱلْأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ. كُلُّ وَاحِدٍ عَمِلَ مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ» (قضاة 25:21). في هذا المناخ العنيف والمضطرب، يقدّم سفر راعوث بديلًا هادئًا وعميقًا: عدالة تتحقق عبر الوفاء، والمسؤولية الأخلاقية، والرحمة، لا عبر القوة أو الانتقام.

 

 

الخلفية السردية للنزاع القانوني

 

يميل كثير من القرّاء إلى التركيز على الإصحاحات الأولى من سفر راعوث، ولا سيما إعلان راعوث الشهير بالالتصاق بحماتها نُعمي، أو على العلاقة الإنسانية الدافئة بين المرأتين. غير أنّ البنية السردية للسفر تشير بوضوح إلى أن ذروته الحقيقية تكمن في الإصحاح الرابع، حيث يُحسم نزاع قانوني بالغ التعقيد. فالإصحاحات السابقة كلّها تؤدي وظيفة تمهيدية، إذ تكشف الخلفية الإنسانية والألم العميق اللذين لا يمكن لأي إجراء قانوني أن يتجاهلهما دون أن يُفرغ العدالة من معناها.

 

إن إدراج الإجراء القانوني ضمن قالب سردي يسمح للنص بأن يكشف ما يعجز القانون المجرّد عن قوله: تاريخ الخسارة، والمهانة، واليأس، والحاجة إلى الفداء. وهكذا لا تُقدّم العدالة بوصفها تطبيقًا محايدًا للنصوص، بل بوصفها استجابة أخلاقية لوضع إنساني منكسر.

 

 

عائلة مكسورة وعودة مفرغة

 

تبدأ القصة بانهيار متدرّج لعائلة نُعمي:  مجاعة تضرب أرض يهوذا، هجرة اضطرارية إلى مؤآب، ثم موت الزوج والابنين دون أن يتركوا نسلًا. هذا الانقطاع المزدوج – البيولوجي والاقتصادي – يضع نُعمي في أقصى درجات الهشاشة الاجتماعية. وعندما تعود إلى بيت لحم، تصف نفسها بأنها خرجت ممتلئة وعادت فارغة، تعبيرًا لاهوتيًا كثيفًا عن فقدان المعنى والرجاء.

 

غير أنّ السرد لا يترك هذا الفراغ دون أفق؛ فعودة نُعمي ليست عودة فردية، بل ترافقها كنتها راعوث، المرأة الأجنبية، الأرملة، والمهمّشة اجتماعيًا. ومن خلال هذه الكنة الغريبة، التي لا تملك أي حماية قانونية أو قبلية، تبدأ عملية بطيئة لإعادة الحياة إلى نُعمي، وكأن السرد يلمّح منذ البداية إلى أن الخلاص سيأتي من الهامش لا من المركز.

 

 

إعادة تشكيل المؤسسات القانونية

 

يعيد سفر راعوث توظيف ثلاث مؤسسات قانونية مركزية في الشريعة العبرية: الميراث، والفداء، والزواج الليفيري، لا بوصفها أنظمة جامدة تُطبَّق حرفيًا، بل بوصفها أدوات قابلة لإعادة التشكيل بما يخدم غايتها الأخلاقية الأساسية، أي حماية الضعفاء، ولا سيما الأرامل.

 

الميراث: يُصوّر لنُعمي حقٌ محدود في أرض زوجها، وهو تصوير يتعارض ظاهريًا مع شريعة سفر العدد (8:27-11) التي تُقصي الأرملة لصالح أقرب قريب ذكر. وقد رأى عدد من الباحثين أن هذا التوتر يعكس تطورًا عمليًا في فهم قوانين الميراث، حيث لم تعد الأرملة كيانًا متجاوزًا، بل طرفًا له حقوق اقتصادية فعلية. وتؤكد هذا الاتجاه شواهد لاحقة من الأدب اليهودي والوثائق القانونية، التي تُظهر النساء فاعلات في تملك الأرض، والتقاضي، والدفاع عن مصالحهن.

 

الفداء: في الإطار التشريعي لا يهدف الفداء إلى نقل الملكية إلى الفادي، بل إلى إنقاذ القريب المتضرر من الانهيار الاقتصادي. ويصرّ السرد على هذا المنطق بدقة لاهوتية واضحة: فالأرض ليست ملكًا لبوعز ولا للقريب الأقرب، بل تُفتدى لصالح نُعمي. وهنا تتجلى العدالة الترميميّة في أنقى صورها، إذ تُعطى الأولوية لإعادة الاستقرار للمتضرّرة، لا لتعظيم مكاسب القادر.

 

الزواج الليفيري: يربط السفر بين الفداء والزواج الليفيري بطريقة لا تلتزم حرفية النص التشريعي، لكنها تبقى أمينة لمقاصده العميقة. ففي غياب إخوة أو حموّ أحياء، يمتد واجب «اليبّوم = الصيغة العبرية الكتابية للزواج الليفيري» إلى أقارب أبعد، لأن الغاية ليست الحفاظ على النص في ذاته، بل صيانة حياة الأرامل. ويُصوّر الرجال مترددين بسبب الخسارة الاقتصادية المحتملة، بينما تسعى الأرامل إلى هذا الزواج بوصفه سبيل البقاء والاستمرارية. ويبرز بوعز، لا القريب الأقرب، بوصفه النموذج الذي يقدّم المسؤولية الأخلاقية على الحسابات الضيقة.

 

 

راعوث: الفاعلية الأخلاقية للغريبة

 

لا يكتفي السرد بجعل راعوث موضوعًا للعدالة، بل يصوّرها فاعلة أساسية في تحقيقها. فهي امرأة، وأرملة، وغريبة، ومع ذلك تُظهر شجاعة أخلاقية وقدرة على المبادرة تتجاوز ما يفعله الرجال أصحاب الواجب القانوني. إن أفعال راعوث، ولا سيما مبادرتها الجريئة في الليل، لا تمثل خرقًا للشريعة، بل تكشف حدود تطبيقها حين تنفصل عن الرحمة، وتدفع النظام القانوني إلى استعادة غايته الإنسانية الأصلية.

 

 

استعادة نٌعمي وحسم الفداء

 

يُختتم السفر بترميم شامل لوضع نُعمي الاجتماعي والرمزي. فهي تُستعاد إلى مكانتها، ويُمنح لها حفيد يوُصَف بأنه «فادي» و«مُرجِع النفس». والجوقة النسائية التي كانت شاهدة على فقرها ومهانتها تعلن الآن انقلاب مصيرها. لم تعد نُعمي فارغة، بل امتلأت حياةً واسمًا ومستقبلًا.

 

ويُظهر السرد، في المقابل، أن القريب الأقرب، رغم كونه صاحب الواجب القانوني، تقاعس عن أداء دوره. ومع ذلك لا يُدان ولا يُعاقَب صراحة، بل يبقى بلا اسم وبلا بطولة، لأن غاية السفر ليست العقاب، بل شفاء الجراح وإنصاف المتضرّرين.

 

 

تعقيد المسار القانوني

 

يؤكد سفر راعوث أن الطريق إلى العدالة ليس مباشرًا ولا خاليًا من التعقيد. فالإجراءات القانونية طويلة، مليئة بالانتظار والتوتر والتردّد. ويبرز السرد أن المبادرات غير الاعتيادية – كما فعلت راعوث في لقائها الليلي ببوعز – قد تكون ضرورية لكسر حالة اللامبالاة ودفع العدالة إلى التحقق. وهكذا يُقدّم القانون بوصفه مسارًا يحتاج إلى يقظة أخلاقية مستمرة، لا إلى تطبيق آلي.

 

 

السرد في مواجهة القانون

 

من اللافت أن سفر راعوث لا يعتمد على تدخل إلهي مباشر أو معجزة صريحة. فالله حاضر من خلال أفعال البشر لابدلًا عنها. ويتحقق الخلاص عبر الوفاء الإنساني والمسؤولية القانونية المُعاد تشكيلها أخلاقيًا. وهكذا يُظهر السرد أن العدالة الإلهية قد تعمل في صمت، عبر بشر يختارون أن يكونوا أدوات للرحمة.

 

وليس مصادفة أن ينتهي السفر بسلسلة نسب تقود إلى داود. فالعدالة الترميميّة التي تبدأ بأمرأتين مهمشتين تصبح، في أفق السرد، الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل إسرائيل السياسي واللاهوتي. وكأن السفر يعلن أن المجتمع الذي يعجز عن إنصاف أضعف أعضائه لا يستطيع أن يؤسّس قيادة شرعية أو مستقبلًا مستقرًا.