موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٧ أغسطس / آب ٢٠٢٦

البابا يختار «نزع سلاح التكنولوجيا» موضوعًا لليوم العالمي للسلام 2027

الدكتورة لبنى عماري

الدكتورة لبنى عماري

الدكتورة لبنى عماري :

 

عندما أعلن الفاتيكان موضوع اليوم العالمي للسلام لعام 2027، اختار كلمات تحمل في طياتها قدرًا من التحدي والاستفزاز الفكري، وفي الوقت نفسه ترتبط ارتباطًا عميقًا بالعالم الذي نعيش فيه اليوم«نزع سلاح التكنولوجيا، في خدمة السلام. السياسة بوصفها مسؤولية وقائية».

 

وقد اختار البابا لاون الرابع عشر هذا الموضوع لليوم العالمي الستين للسلام، الذي يُحتفل به في الأول من كانون الثاني/يناير 2027، واضعًا التكنولوجيا، وبالأخص الذكاء الاصطناعي، في صميم النقاش العالمي حول السلام والكرامة الإنسانية والمسؤولية.

 

ويحمل اختيار عبارة «نزع السلاح» دلالة خاصة. فالبابا لا يدعو البشرية إلى رفض التكنولوجيا أو التخلي عن التقدم العلمي، بل يتحدى الحكومات والمؤسسات ومطوري التكنولوجيا والمجتمعات لإعادة التفكير في الكيفية التي تُصمَّم بها القوة التكنولوجية وتُدار وتُستخدم.

 

وفي عالم بات فيه الذكاء الاصطناعي يؤثر بصورة متزايدة في القرارات التي تمس حياتنا، لم يعد السؤال الأساسي هو فقطماذا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل؟ بل أصبح السؤال الأهمما الذي ينبغي السماح لها بأن تفعله؟

 

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل جزءًا مهمًا من مجالات التعليم والرعاية الصحية والبحث العلمي والأعمال والخدمات العامة. فهو قادر على مساعدة الطلاب على التعلم بطرق أكثر تخصيصًا لاحتياجاتهم، ومساعدة الباحثين في تحليل المعلومات المعقدة، ودعم المهنيين في اتخاذ قرارات أسرع وأكثر استنارة.

 

إلا أن التقنيات ذاتها يمكن استخدامها أيضًا للتلاعب بالمعلومات، وانتهاك الخصوصية، وتعميق الانقسامات الاجتماعية، والأخطر من ذلك كله، التأثير في القرارات العسكرية وفي كيفية إدارة الحروب.

 

وهنا تحديدًا تكتسب رسالة البابا طابعًا أكثر إلحاحًا. فبحسب إعلان الفاتيكان، يحذّر البابا لاون الرابع عشر من إسناد القرارات العسكرية إلى الذكاء الاصطناعي، ويذكّر بمبدأ أساسي ورد في رسالته العامة «Magnifica Humanitas»، وهو:

 

«لا يمكن لأي خوارزمية أن تجعل الحرب مقبولة أخلاقيًا».

 

وهو يدعو المجتمع الدولي إلى وضع اتفاقات مشتركة تحمي المسؤولية الإنسانية والمبادئ الإنسانية، كلما كانت حياة البشر والعيش المشترك السلمي على المحك.

 

وتعكس الرسالة أيضًا قلقًا دوليًا متزايدًا إزاء العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية التشغيل والأمن النووي.

 

ففي تموز/يوليو 2026، اجتمع أكثر من مئتي شخص من الحائزين على جائزة نوبل، ورؤساء الدول السابقين، وممثلي الجامعات والخبراء، في بورغو لاوداتو سي (Borgo Laudato Si’) في إيطاليا، لمناقشة الذكاء الاصطناعي والحرب النووية.

 

وتركزت نقاشاتهم على التكنولوجيا في خدمة الإنسانية، والتحديات الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحرب، والحاجة إلى إدارة مسؤولة للتكنولوجيات الناشئة.

 

ولهذا السبب، ينبغي فهم مفهوم «نزع سلاح التكنولوجيا» بوصفه مفهومًا أخلاقيًا وسياسيًا، وليس رفضًا للابتكار.

 

إنه يعني ضمان بقاء التطور التكنولوجي راسخًا في احترام الكرامة الإنسانية والمساءلة والخير العام. ويعني أيضًا إبقاء المسؤولية الإنسانية الحقيقية والفاعلة في صميم القرارات التي يمكن أن تترتب عليها نتائج لا رجعة فيها.

 

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في مجال التعليم.

 

فالجامعات ليست مجرد أماكن يتعلم فيها الطلاب كيفية استخدام التقنيات الجديدة، بل هي أيضًا مؤسسات تتحمل مسؤولية إعداد قادة المستقبل والمهنيين والمواطنين ليكونوا قادرين على اتخاذ قرارات حكيمة بشأن التكنولوجيا.

 

ومع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي، ينبغي للجامعات أن تتجاوز مجرد تعليم الطلاب كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. بل عليها أيضًا أن تعلمهم كيف يطرحون الأسئلة النقدية حول المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وكيف يكتشفون التحيز، ويحمون الخصوصية، ويقيّمون النتائج والعواقب، ويدركون الحدود الأخلاقية للقوة التكنولوجية.

 

إلا أن المسؤولية لا تقع على عاتق الجامعات وحدها.

 

فعلى الحكومات أن تضع أطرًا تنظيمية وتشريعية فعّالة، وعلى شركات التكنولوجيا أن تتحمل مسؤوليتها عن الأنظمة التي تطورها، كما يتعين على المنظمات الدولية العمل من أجل وضع مبادئ مشتركة تحول دون أن تصبح المنافسة التكنولوجية مصدرًا جديدًا للصراعات.

 

ومن هنا تكتسب دعوة الفاتيكان إلى وضع اتفاقات دولية مشتركة أهمية كبيرة، لأن التقنيات القادرة على عبور الحدود تحتاج بدورها إلى أشكال من الحوكمة والتنظيم القادرة أيضًا على تجاوز الحدود.

 

أما بالنسبة إلى الأردن والمنطقة العربية الأوسع، فإن هذا النقاش يفتح أمامنا فرصة مهمة.

 

فدول المنطقة تستثمر بصورة كبيرة في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ضمن جهودها الرامية إلى بناء اقتصادات قائمة على المعرفة. لكن التحدي يكمن في ضمان ألا يُقاس هذا التحول فقط بعدد التقنيات التي يتم اعتمادها واستخدامها، بل كذلك بمدى إسهام هذه التقنيات في تحسين رفاه الإنسان، وتعزيز التعليم، ودعم التنمية المستدامة، والإسهام في تحقيق السلام.

 

وفي نهاية المطاف، تدعو رسالة البابا لاون الرابع عشر البشرية إلى التوقف والتأمل عند لحظة حاسمة في تاريخ التطور التكنولوجي.

 

فنحن نعمل اليوم على تطوير أنظمة قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات، وإجراء تنبؤات متزايدة التعقيد، والتأثير في قرارات كانت في السابق حكرًا على البشر وحدهم.

 

لكن الذكاء التكنولوجي لا يولّد الحكمة الأخلاقية بصورة تلقائية.

 

ولذلك، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على مدى الذكاء الذي ستبلغه آلاتنا، بل أيضًا على مدى قدرتنا نحن، كبشر، على البقاء مسؤولين.

 

إن «نزع سلاح التكنولوجيا» هو، في جوهره، دعوة إلى وضع الكرامة الإنسانية قبل القوة التكنولوجية، والسلام قبل المنافسة التكنولوجية.

 

وهكذا، يضع اليوم العالمي للسلام لعام 2027 أمام الحكومات والجامعات والشركات والمواطنين على حد سواء سؤالًا بالغ الأهمية وفي غاية التوقيت:

 

هل تستطيع البشرية أن تصبح حكيمة بما يكفي لإدارة التقنيات التي أصبحت قوية بما يكفي لتغيير مستقبلها؟

 

وقد تحدد الإجابة عن هذا السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة تعمّق الانقسام والصراع، أم وسيلة تساعد على بناء عالم أكثر أمنًا وسلامًا وإنسانية.