موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١١ أغسطس / آب ٢٠٢٦

الأردن… حين تتحول الحضارة إلى فعل

عوني قعوار

عوني قعوار

عوني قعوار :

 

في عالمٍ يعيد ترتيب موازينه، وتعيش منطقتنا وسط الحروب والأزمات والقلق على المستقبل، يقف الأردن بثبات، مستندًا إلى تاريخٍ عريق وهويةٍ راسخة أثبتت عبر الزمن أنها لا تنكسر بسهولة. فالأردن ليس مجرد موقع جغرافي، بل أرضٌ كانت على امتداد التاريخ جسرًا بين الحضارات، وملتقى للثقافات، وطرقًا للتجارة.

ومن البتراء وجرش إلى أم قيس والمغطس ووادي رم، تقف شواهد تؤكد أن هذه الأرض كانت دائمًا قادرة على أن تصنع وتبني وتؤثر. لكن التحدي اليوم ليس في امتلاك هذا الإرث، بل في تحويله إلى قوة تصنع المستقبل. والسياحة في هذا المشروع ليست مجرد أرقام زوار أو ليالٍ فندقية، بل هي جزء من هوية الأردن وصورته في العالم. فكل سائح يزور البتراء أو جرش أو وادي رم لا يلتقي بموقع أثري فقط، بل يلتقي بالأردن؛ بإنسانه وثقافته وتاريخه وكرم ضيافته.

لقد أثبت الأردنيون قدرتهم على الصمود في أصعب الظروف، لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الصمود إلى المبادرة، ومن انتظار تحسن الظروف إلى صناعة الفرص. والأردن لا يحتاج إلى هوية جديدة؛ فهويته موجودة في أرضه وتاريخه وإنسانه. وما يحتاجه هو أن يعيد تقديم هذه الهوية للعالم بلغة العصر، من خلال تسويق أكثر فاعلية، وشراكات أوسع، ورؤية سياحية وطنية تعيد الأردن إلى مكانته الطبيعية على خريطة السياحة العالمية.

ولعل مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين، الذي اختتم أعماله مؤخرًا، يمثل نموذجًا حيًا على قدرة الأردن على تحويل تراثه وثقافته إلى حضورٍ يتجاوز الحدود. فجرش لم تكن مجرد مدينة تحتضن مهرجانًا، بل كانت منصةً يلتقي فيها التاريخ بالفن والثقافة، ويُقدَّم من خلالها الأردن للعالم بصورةٍ حية ومتجددة. وهنا تكمن قوة السياحة الأردنية: في قدرتها على تحويل المواقع والتاريخ والثقافة والإنسان إلى تجربة متكاملة، تجعل الزائر لا يرى الأردن فقط، بل يشعر به ويحمله معه بعد عودته إلى بلاده.

إن دعم السياحة اليوم ليس دعمًا لقطاع اقتصادي فحسب، بل هو استثمار في صورة الأردن ومكانته واقتصاده ومستقبل أجياله. وفي الوقت الذي تتغير فيه خريطة العالم، يستطيع الأردن أن يقول بثقة: نحن هنا… لم نكن يومًا على هامش التاريخ، ولن نكون على هامش المستقبل. فمسؤوليتنا أن نحول التحديات إلى فرص، والتراث إلى اقتصاد، والموقع إلى قوة، والاستقرار إلى شراكات، والهوية إلى حضور عالمي.

فإذا كانت الأجيال السابقة قد تركت لنا حضارةً نفخر بها، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نترك للأجيال القادمة مستقبلًا يليق بها. الأردن لا يحتاج إلى أن يُكتشف من جديد… بل يحتاج إلى أن نعيد تقديمه للعالم.

ومن خلال السياحة الوافدة، والثقافة، والمهرجانات، والانفتاح على العالم، نستطيع أن نجعل من الأردن ليس فقط بلدًا يملك حضارةً عظيمة، بل دولةً تحول حضارتها إلى فعل، وفعلها إلى مستقبل.